قـبـلة خرسـاء: سوزان خواتمي

قـبـلة خرسـاء

سوزان خواتمي

الحق يقال لم يأخذني عنوة، سألني: ما رأيك؟.. فسكت.

بعدها تتالت الأمور كما لو أﻧﻬا تحدث لغيري. أكدتْ لي صديقتي أن القبلاتِ شيءٌ ممتع للغاية.

الآن فقط أعرف كم كانت تبالغ، فالحقيقة أني لا أحتمل أنفاسه، لها طعم خفاش، حين يقترب مني أدير وجهي لأداري نفوري، لم يعد يقبلني، ليس غبيًا كما اعتقدت. يظنني خجولة، ربما لأني أتكلف ابتسامة بخيلة تليق تمامًا بفتاة لم يعد يشغل بالها لفت الانتباه، أو ربما لأني أخبئ الحكايات جيدًا، متجنبة، قدر الإمكان، ما يمكن أن يتعب رأسي المثقل دائمًا بأسئلة كثيرة وأجوبة شحيحة.

يقول لي: ألم تجربيه قبلي؟.

لست ثرثارة، تعودت ابتلاع الغبار والأسرار، أكتم البكاء والشكوى، أكز على أضراسي حتى آخر الدمع، وحتى يتفتت جزءٌ منها.

زغاريد العرس ضوضاء تركت أثرها في الهواء، البارحة تزوجت ابنة الجيران، تصغرني بخمس سنوات وأربع أشهر وعدة أيام، لبستْ ثوبًا أبيض وتاجًا من ورد.

كنت أستعد للحفلة حين سمعت أمي تقول: “وْلللي على قامة الحظ دق باﺑﻬم وطف بابنا.”

أضافت وهي تنظر نحوي : قلبي عليك يا بنتي.

سحبتُ من شعري الملاقط، ﺗﻬدل دفعة واحدة. قلت: أشعر بالصداع لن أذهب معك.

قضيت الليل بطوله أسد بالقطن أذ ّ ني في استجداء النوم، استيقظت متورمة داكنة، الكريم المفتح للبشرة يجعلني بلون حبة الكستناء، كذلك أحلامي تبقى سمراء، رأيت في أحدها خفافيشَ تطير فوق أرض الديار، ترتطم بالجدران، تعاود الطيران، ومابين أشواط الذهاب والعودة، يستمر اصطدامها كما لو كانت في قفص. الخفافيش غبية لا ترفع عينيها، ولا تعلو نحو السماء.

قدماي تقطعان الطريق برتابة الاعتياد، تتجهان إلى محل العطور حيث أعمل، سنتين لم أغير مساري المرسوم بحنكة، في الوقت نفسه من كل صباح، أصادف الأشخاص أنفسهم، أراقب تثاؤﺑﻬم.. وجوهم الشاحبة..

خدرَ أطرافهم.. ارتخاءَ أجفاﻧﻬم.. أسمع نداءات الباعة المتجولين المتكررة حتى البحة والملل. التعب والطفر، والابتسامات النادرة في زحمة الكآبة.

لا شيء يثير اهتمامي، أصل في تمام التاسعة، كان يمكن لحياتي أن تنقضي على منوالها، لو لم يحتجزني ذاك المساء، في المحل، مقف ً لا علينا الباب الزجاجي، داسًا في كفي أجر (التاكسي).

ممتنة له.. هكذا لا أتأخر عن البيت، لا تقلق أمي، لا يزعق أبي في وجهي، ولا تنتشر الإشاعات عن بنت عانس، وسمعتها القابلة للخدش عند أقل همسة.

قامتي قصيرة، أقل من متر ونصف، لذلك ربما تبدو الأشياء جميعها أطول مني، ولذلك أيضًا أحشر قدميّ المسكينتين داخل حذاء، إضافة إلى خشونة جلده، فإن كعبه العالي يجعل ساقي الرفيعتين تختلجان فوقه، أسميه عدوَّ المشاوير الطويلة، يسبب الآلام والثآليل، يتسلل الوجع من أطراف الأصابع صعودًا نحو الأعلى، أخلعه آخر النهار، ثم أربط رأسي بعصابة أشدها بقوة، مدركة بأن الشقاء يبدأ من الأسفل.

العالم لا يلتفت لمتواضعي القامات، والمشي ما كان مرة نزهًة ممتعًة، ولا طريقة للحفاظ على الرشاقة، بل هو روتين متكرر، به يبدأ يومي، في هذه المدينة العتيقة التي تبتلعني، وبه ينتهي.

الثامنة والربع تمامًا، أخرج من الزقاق الضيق في حي” العقبة*” أﺗﻬزهز فوق البلاط المتراص مثل رقعة شطرنج، يترلق الطريق نزو ً لا حتى الشارع العام، هناك بالضبط، أصحو تمامًا، على ضوضاء تسحق أذني ، أبواق تزعق ، يختلط صراخ الباعة بشتائم ونداءات يتبادلوﻧﻬا. صخب يطرد آخر نعاسي، يعيد لي سوء مزاج البارحة، كالعادة تظل ساحة “السبع بحرات”* مزدحمة بأشخاص، تداركهم الوقت، متعجلين، نزقين بالضرورة، إضافة إلى كم هائل من سيارات، تتدفق من كل مكان، بعضها يتابع صعودًا باتجاه “باب النصر”* أو ينحرف جهة اليمين نحو “الجامع الكبير”*، وأخرى تنعطف مثلي يسارًا  باتجاه حوانيت “التلل”*.

تربكني الإشارة الضوئية، تتغير ألواﻧﻬا، ولا يلتزم ﺑﻬا أحد، حتى أنا، أمر بحركات ﺑﻬلوانية بين السيارات، متجندلة بين الركض والتمهل.
يضحكني شكل الشرطي المسكين، يتصبب عرًقا، قابضًا على عصا صغيرة (لا ﺗﻬش ولا تنش)، مكتفيًا بإطلاق صافرة نصف مكترثة، فيما يراقب بنصف عين فتاة نحيلة وقصيرة مثلي تحاول عبور الشارع دون أن تقع تحت عجلة ما..

أمشي كالمنومة. قبل سنوات كنت في أوج مراهقتي، انحصر همي في لفت الأنظار، لا أقصد شخصًا بعينه، الوقوع في الحب شغلني إلى درجة أني تعودت استيقاف أي شاب لأسأله عن الساعة، جميعهم كان يتابع طريقه دون اكتراث ، بل ودون أن يلفتهم وجهي، متعجلين، تاركين الإحبا َ ط اللعين، وفجوًة مازالت شاغرة داخل صدري. قِصري المفرط هو السبب، لو أني أطو ُ ل قلي ً لا.

بعد المحاولة المئة استسلمت لليأس، لن يكترث بي أحدٌ. في الحقيقة لم يكن قرارًا، فأنا لا أتخذ القرارات ولا حتى من أجل مشكلة صغيرة كقرصة الجوع مث ً لا. محفظتي لم تحتفِ منذ تاريخ شرائها بأكثر من خمسين ليرة، وأي قرار متهور كشراء فطيرة جبن، يخل بميزانيتي البائسة، ويجعل احتجاجات أمي  تصل السماء، لأني مبذرة من جهة، ولأﻧﻬا أعدت شرائح الباذنجان المقلية وطبق السلطة المعتادين.

على امتداد حارة ال”كيالي “* أمر ب “حمام برهم باشا”*، ثم بحوانيت تعلق بضائعها بكلابات حديدية.. أستنشق ما ينبعث من زنخ اللحم المذبوح، والدجاج منتوف الريش، وأوعية كبيرة للقوانص والكبد، في الوقت الذي أتذكر (تنكة) الزيت التي تكاد تنضب. عائلتي تحب أن تغمس أرغفة الخبز بالزيت والزعتر وبجانبها كأس شاي محلى، إﻧﻬا وجبة أبي الألذ قبل أن يمرض.

بعدها صارت يده ترتجف، أساعده لأن أمي امتنعت عن الامتثال لأوامره، إلا فيما ندر،كأن الجسد الذي تكوم فوق الكنبة العتيقة ما عاد يخصها. أمي امرأة شريرة.. لعلها حواء التي تآمرت مع الحية. أتدارك الفكرة بتناسيها. أحكامي ما كانت لتهم أحدًا، لقد رأيتهما يختلفان كثيرًا، ثم يضمهما الفراش متعانقين.

المواقف الثابتة هي نفسها الأكثر التباسًا، وموقفي أن لا يكون لي موقفٌ أبدًا.

فقدت قدرتي على الغضب، على أي حال لم يرد أبي بخاطري سوى لثوان، حين رأيت كومة الزعتر، والأكتاف المتزاحمة فوقه.

أتجاوز دكاكين الأطعمة بروائحها، أقاطع شارع التلل من آخره، الألوان الزاهية ونداءات الباعة تستوقفني، أحب (البكل) المعقودة، و(الدانتيلا) المزمومة بكشاكش، ألتفت لبائع عرق السوس يطرق الصناجات المعدنية.

أحيانًا حين ينتبه لي يضيفني كأسًا من منقوعه البارد، لا يأخذ ثمنه، أدعو له بالرزق، فيدعو لي بالستر، من غير أن يعرف أحدنا اسم الآخر.

الوقت يكاد يدركني، والشارع المقبل يغص بالأثاث، أنعطف يمينًا، ثم شما ً لا بعد محل الكواء .

أصل إلى حيث أعمل، أسحب الشبك الحديدي إلى الأعلى، وأسارع بتنظيف المحل قبل أن يقبل صاحبه. في الحقيقة لم أتوقع أن تتعدى علاقتي معه الحدود الطبيعية، بين صاحب محل وموظفة عنده، لكنه عندما أقفل الباب، عرفت أن صديقتي تكذب، وأن القبلات لا تطاق.