قبلة خرساء: مـواء

قبلة خرساء
مـواء

سوزان خواتمي

القوس الحجري العالي يزيد من هيبة المكان؛ كذلك النقوش والحروف المرسومة؛ أرفع قبعتي؛ أتأمل الحجارة.. القضبان.. السور.. البوابة..

هذا المكان يخون الزمن، لم يتغير ولو قلي ً لا، بوابة عالية وأنا قصيرة، تمامًا كما في السابق؛ أدفع الباب؛ أدخل بقدمين مترددتين.

كأﻧﻬا المرة الأولى؛ عشرة أعوام منذ خذلت هذا المكان، وخذلني، اختلاف الضوء بين شمس الخارج الساطعة، وعتمة الداخل، أغشت بصري، أنوس بحدقتين لم تعتادا الظلال وكل هذا الخشوع، أضيء شمعة، وأركع لأردد الصلاة: آمين.

***

كان من العدل أن نقتسم المواسم مناصفة، وكذلك صناديق الثمار الناضجة المغرية بالقضم، لكن الفقهاء والحكماء، وكل من سألتهم، والذين لم أسألهم، شهقوا بغضب : “مستحيل..”

حصتي اقتصرت على البقايا مختلطًة بطعم غبار حين يصّر على أسنانه،  ويهدد :”ستخسرين..”

يرفرف الفزع في دهاليز صدري، ينكمش القلب، يعتصر حموضته، فأشعر بالغثيان.

لا.. ليس حم ً لا، ولا اضطرابًا طمثيًا كما تكهن الطبيب، ولا عارضًا هضميًا، المشكلة أعقد. رغم أني قرأت كتاب الجوزي (أحكام النساء)، وكتاب أصول الفقه ثلاث مرات متتالية، لكني لم أعثر على ما يريحني.

إﻧﻬا اﻟﻤﺠازفُة، وخطرُ الاقتراب من الحافة، معتمدًة على أن الريح لن ﺗﻬب..

إﻧﻬا المحظورات أيضًا، والحروف الناهية، وما انتهيتُ إليه أنا التي أخاف النظر إلى أسفل.

“تعاااااااالي” تناديني الأشياء، تلحُ ببراءة، فلا يبقى من احتمالٍ إلا السقوط، وعظام مطحونة لجثة مشوهة وهامدة.

الفراغ يفتح فمه، يبتلعني مع شعور يزداد غموضا،ً يتنامى في داخلي، أسمع صوت ارتطام كلما تحسستك بين الضلع والضلع.

المسألة تتعلق بالوقت عادة، وللخاسر فقط أن يقلب أوراقه القديمة، يبحث عن مسوغات كي يتحسر أو يندم، أما شرف المحاولة، فلعنة مبكرة لقديس مرّ تار ً كا فوق الأرض آثار قدميه..

المكان والحكاية لرجل يقطف التفاح ويكدسه في جيوبه. أومأ لي.لم تكن دعوة عابرة، فقد كان عشب القلب وطريقي إلى الله.

أشرقت الشمس وكان الوقت ضحى. تقاطعت الظلال المغرية فوق ملامحه، خطوط من دهشة وترقب، فاحت رائحة الأرض، تواطأت الطبيعة مع رغباﺗﻬا، كما تواطأت حينها مع دعوته.

شدني.. فلم أمانع.. تلاصقنا.. انبعثت من جسدينا نسائم برّية. الساعة الشامتة محطٌة جديدٌة تمد لساﻧﻬا، ينكسر الضوء عند حافة النافذة المفتوحة، تتداخل العتمة والظنون.. لم يعد بعد!.

للوقت عينان ترصدانني، الزمن يهرب، والنوم كذلك، ويبقى الجفن مسّهدًا، وأبقى على عنادي وحماقتي، يقطب، وتتقاطع سبابته مع غيرتي، كطفلة مذنبة يصرخ بي: “ستخسرين..”.

ألوك اعتراضاتي في أذن لا تسمع، وأغص بلعابي، أبلع حنقه أوامر من جفاء، أعض على شفتي..

رزين ومقدس صمت النساء، يشد لجام الكبرياء، والخيل المطهمة تخبط بحوافرها، تحفر الأرض لتقبر غضبها وقسوة التعنت.

“وهل تَسمح لي بالبكاء؟”

النوم كفن لموت قصير، كنت وحيدة كلقيطة بلا أنيس، أنسّل تحت اللحاف والوسادة، والعرق الغزير يخالط النشيج الأخرس.

موحش غيابه، وموحشة عودته، غريب عني، ينقط لسانه كلامًا معسو ً لا ليدرأ ابتسامة الموناليزا..

يقلبني بين يديه، جسد من خشب.. يتفّقده .. يتحسسه.. خديعة حواسه..

والأصابع نبوءة الضرير.

كطاووس يزهو بجماله، يلهث احتراقه، أنطفئ عامدة، أنكمش تحته بذرة تصغر حتى تعود إلى النهر، تنفلت مني قهقهة حمقاء، يرفسني بقدمه: “تشبهين عاهرة.”

لنخبه عاليًا أرفع كأس دواري، شال الكشمير لا يحميني من عريّي، بردانة، وشمس الشتاء ضنينة.. ضنينة.. أرتجف، أتقيأ رائحته العالقة، لم لا يتركها حيث كان؟! ..

قل لي هل احتضنتها؟ .. هل أزعجكما طعم شفتين لامرأة بينكما ؟

يدير ظهره. يترلق زفيري مثخنًا بكدمات التسلق الفاشلة. وقورة وعذراء كل هذه العتمة.

رغم الانشطارات.. رغم القسوة الملعونة.. الغيرة تخص الرجال.. ماذا لو كان لكَ شريك؟

وحدي أنسحب إلى القاع.

أغرق في عصّة القلب، أتسرب من أنفاسي، مثل ليل أضاع قنديله باكيًا أرصفته المهجورة، “ستندمين.” كذلك قالت أمي حين غادرتُ كنيستها، وكسرتُ كأس تعميدي، الدين لله والحب للجميع.

يلمه فراشي بما تبقى من الوقت.. تفوح رائحتها القلوية.. رائحته..

رائحتهما كصديد.. قدماي باردتان.. والغطيط يتكاثف فوق الجدران.. يسيل.

– “إنه شرع الله.. وأنا رجل عادل.. هل ستمنعين ما شّرع الله؟!”

عاد ٌ ل.. عاد ٌ ل..

يا رب العدالة.. اشهدْ عالم العدالة بلا خسائر، ولا وخز الألم، ولا سكاكين تقص اللحم الحي في كل غياب، وكل تأخير، وكل هاتف خافت..

يا ربَّ العدالة.. الماء سلسبيل، فمن أين يأتي العطش؟.

سنقتسم سعادتنا بالتساوي، وما من خوف يستحق هذا الارتعاش!.

كل ما قاله الجوزي، وكل ما أكدته الكتب بأغلفتها الحمراء ونقوشها الذهبية، يسوقني نحو الفراش، أقبض نصف قبلاته، ونصف جسده، ونصف يومه، ونصف ملابسه، ونصف ماله.

حب يذعن لقبضة مُحكمة، والخسارة مسامير تثبتني من الساقين والذراعين. لا أقوى على الحركة، ولا على ادعاء الحرية، وفي فمي طعم الدم وكمشة تأوهات لقطة تتوجع تحت الدرج.

لم أر المسيح لكني سمعت أنينه؛ في فيلم، أو حلم، أو كابوس..

ما عاد الفرق يشكل أهميًة..

الذهول وقت ما، والساعة الناطقة تخرس بشدة، الارتفاع إلى السماء أنقذ المسيح، لكن زمنَ المعجزات انتهى، وعلى هامش صغير.. صغير من العدالة، أكتب قصة مواء لم يتفهمه أحدًٌ.