قبلة خرساء: كان اسمها سعاد…

قبلة خرساء
كان اسمها سعاد…

سوزان خواتمي

الازدراء وعيون أربع بقزحياﺗﻬا الزجاجية، خلف أجفان نصف مطبقة، ترمقني، لا أروق لهم، ولن أنكر العكس.

“يا أستاذ معن، العدس سيسوس سواء قبل استلامه أو بعده نتيجة سوء التخزين.. فلماذا تصّعب لأمور عليك وعلينا؟.”

يهز الأستاذ معن، الذي هو أنا، رأسه، دون قصد محدد..

لا شيء في حياتي يمر بسهولة، صعاب تلو صعاب، مثل كرة صوف متشابكة، ما إن تفك عقدة منها حتى تواجهك أخرى. عشر سنوات منذ أن عينت في دائرة الحنطة والحبوب الحكومية. قبلها بطالة مستحيلة، ثلاث سنوات طرقت خلالها الأبواب والنوافذ وحجارة الصخر، ملأت مئات الاستمارات وسعيت بيدي وأقدامي وأسناني، أوراقي كانت تضيع مرة، وﺗﻬترئ مرة، وتُرفض مرات، تنقصها “دفشة صغيرة” لأن التفوق ما عاد مهمًا.

هراء.. بالتفوق أو بغيره ما كنت سأحصل على أكثر مما حصلت عليه:

طاولة خشبية عتيقة.. مقعد بمساند حديدية، يصدر صريرًا مزعجًا.. ومبلغ يكفي الستر، ولا يحقق الرخاء.

الوظائف الحكومية لصيقة كالقدر، يكفل الزمن عنك الباقي، أكاد لا أشعر به لولا الكرسي، حاولت إصلاحه بطرق يدوية بسيطة وأخفقت. بالطبع ليس في نيتي شراء كرسي جديد، فلست “أبقشش” على الحكومة.

لست هادًئا، لكن الكرسي أجبرني على أقل حركة ممكنة، أوّقع معاملات الصباح خلال ثلث ساعة، أو أقل أحيانًا، ما تبقى من الوقت يمر ثقي ً لا.

أدخن كثيرًا، وأتفرغ للتنقل البصري مابين البلاط والسقف متفاديًا “الزيق..

يق”، فلست وحدي في الغرفة، الأستاذ إسماعيل والأستاذ ياسر موظفان يشاركانني المكان، يتجنبان الحديث معي، فقاموس المودة لم يجد مسربه بيننا.

الضروري والكافي من الكلمات لإنجاز العمل، وحوارات مبتورة تكشف يباسي وتزيد الفجوة.

بحسب رأيهما أنا شخص من فصيلة الديناصورات، انقرض أمثالي، وأتصرف بغرابة..! في الوقت الذي أعتقد أﻧﻬما يغرسان في فم الموت قرنفلة، وأن رائحتهما خسيسة.

على الرغم من العروض السخية التي ُقدمت لي بواسطتهما، وعلى الرغم من حنقهما، أكتب تقريري عن شحنة العدس الأخيرة، وأقيّمه بحسب العينة:

“صنف ثالث”.

شيء ما يشدني من سترتي، يمنعني ..

العناد خشب زائد لا يؤمن مقعدًا مريحًا.. أعزل وأهبل. أكاد أفقد التوازن، ومازلت أدعي اللامبالاة.

أمتحن صبري بساعات الدوام اليومية أقضيها مابين التثاؤب والتدخين والتحديق بالسقف وكتابة شعر صبياني..

يكاد اليوم يشارف على الانتهاء، حين دخل اسماعيل علينا لاهًثا، يمسح بمنديله عرقه.

سأله ياسر: خير أبو أحمد؟.

أجاب وهو يخصني بنظرة قطعتني نصفين:

– ومن أين يأتي الخير؟.

– سلامتك أبو أحمد.. شو القصة طمئني؟.

– ابني أحمد تحركت عليه الزائدة، وليس في جيبي مليم أحمر، ركته في المشفى الحكومي.

والله.. لو أصابه سوء، فلن يشفي غليلي العالم كله.

شعرت بالاختناق، ليس ذنبي أن أحمد وحيده الذي حظي به بعد خمس بنات يمرض من نسمة الهواء، نغنوغ..

أخواته البنات أكثر صمودًا منه. ترى ما الذي أضافه للبشرية ﺑﻬذا النسل الجديد؟.

لم يعد المكان يسعنا جميعًا، وجدت نفسي أقفز فوق درجات السلالم الحكومية التي تفضي إلى شارع تجاري مزدحم؛ باعة ومشترون وعابرون ومشردون يتدافعون بفظاظة.

وضعت يدي في جيبي وبدأت أمشي. أترك لحذائي عادة قرار الاتجاهات، حتى تلك الاستدارات المفاجئة التي تطرأ على حياتي بين الحين والآخر.

توقفتُ عند واجهة زجاجية تبرق بانعكاس، فستان طويل أبيض مشغول بفصوص لامعة..

تذكرﺗﻬا..! لنقل أنني لم أنسها حًقا، بل أتشاغل عنها بكل ما هو تافه.

كما لو أن ذاك الثوب فصِّل ليناسب جسدها الملفوف البض، وصدرها العارم..

كان اسمها سعاد، أول النساء في حياتي، استدارة وجهها اختصرت كرتي الأرضية، وأورثتني الدوار..

لم نكن نطمع بأكثر مما يعنيه المأوى في جميع اللغات.. مجرد جدار نعلق فوقه صورة مشتركة لابتسامتين تفضحان تفاؤلنا..

دارت أمامي بثوﺑﻬا الأبيض الجديد، فدار الكون بنا. قالت لي ومعجزة غوايتها ترتعش في دمي:

– معن، ما رأيك..؟ لو كان أطول قلي ً لا لناسب الزفاف؟.

أبتلع ريقي.

كانت ذكراها عتيقة ومشروخة من جوانب كثيرة. تلاشت سعاد، وتلاشى معها القليل الذي ادخرته في مشروع ساذج لتوظيف الأموال.

الفتاة التي أحببتها، وتلك التي أحبتني، أدركتْ أن الحب ترف عاطفي لا يناسبني. لم أكرهها فقد كانت أذكى من أن تنتظرني مهما دارت بي كرﺗﻬا الأرضية.