قبلة خرساء: رقصة الفالس الوردية

قبلة خرساء
رقصة الفالس الوردية

سوزان خواتمي

منذ لم يعد قميصُ نومها الوردي، عاري الظهر والكتفين، يثير منكَ ولو التفاتة واحدة، وأنتَ ﺗﻬجس بالفكرة ..

كان الضوء شحيحًا، ولم تكنْ تضمر لعنة، مجرد فكرةٍ فضحتها نظرتك، حين دمعت عيناها وتناولت منديلها، مددتَ يدَك إلى صدرك تبحث عن حبك الهارب، فارتطمت بالشفقة.

يا للبؤس!.

كممتَ فمك قبل أن تخرج تلك التنهيدة.. تقلصتْ أطرافك خوف ملامسة لا تنبت ولا تزهر.. كلاهما معًا: اللهفة والاختناق.

كنتَ حزينًا أكثر منها، تبحث عن دمعكَ الذي تجمد في المقلتين، وتحول إلى نبض في الصدغين..

ﺗﻬجس بالفكرة.

تتذكر رجاءكَ المتسول وأنت تطلبها من أبيها، كانت حلقاتُ الدخان تدور فوق رأسيكما، والصمت الوقور..

“على بركة الله”

قالها بصوته الخشن، فتنفستَ الصعداء. رقصت روحكَ (فالسًا) لا تتقن خطواته، ودغدغت جوانبك الرغبة، لكزتك أختك من خاصرتك، كي ﺗﻬدأ..

فيما كنتما تجهزان مترلكما الزوجي، قلتَ لها، وعينك تغمز، وحاجبك يرتفع:

“كل شيء في البيت سيكون باللون الوردي..”

غاصت غمازٌة ضاحكة في خدها، وقفز قلبك عاليًا، التفت البائع، وابتسم في وجهيكما، كانت أسنانه سوداء.

كان فعل ماض، عند زاوية الانكسار شفة مقلوبة.

ﺗﻬجسُ بالفكرة.

ﻧﻬضتَ فجأة، قررتَ أن تنام وبين كتفيكما مسافة سنوات من الانكسار، لتنتصب في الحلم حقو ٌ ل عطشى، وأشجارٌ ظمأى.

منذ أن تحول شأنكما الخاص إلى شأن عام، واللغط والتساؤلات تحشرك في أضيق المواقع.

بعد الساحة العامة منعطفات ضيقة ومتشاﺑﻬة، تسلكها في طريق عودتك من عملك إلى بيتك.. تنتابك عقدة الاتجاهات.. القطط فقط ترجع إلى مأواها فلا تضل.. لولا بقايا انتباهك لضعت بين ملامح الوجوه المتجهمة الرمادية.

زقاق مترلك يحتله عمال البلدية وآلياﺗﻬم، تقفز فوق الحجارة المكسورة وبرك الوحل، يبللكَ المطر، ويلطمك الهواء.

“الشتاء هذا العام يبدو قاسيًا”

كل عام تردد الجملة نفسها.. يتسخ حذاؤك والمعطف.. و تغوص في بركة طين لم تتنبه لها..

آخر مرة حفروا نفس المكان، كنتَ أكثر رشاقة، وأقل شحوبًا، تضحك، وتخوض في البرك كلها وأنت تقهقه، أما الآن فقد أطلقت لعنة وشتيمة.

منذ لم تعد الذاكرة نقشًا على حجر، وأنت ﺗﻬجس بالفكرة.

شيءٌ، لا مفر منه، يضغط على أعصابك، ينسيك ألف باء الحب، وياءه أيضًا..

احتار في أمرك الأصدقاء، نصائحهم البيضاء ترتق في السماء غيمًا لا يمطر.

لماذا الطلاق؟. كان عليك أن توضح أمرًا، أنت نفسك لم تفهمه تمامًا، جعل أصواﺗﻬم لا تعبر أكثر من أذنيك، وكأن سدًا منيعًا يعيق المنطق.

هي تريدكَ، وتقسم أﻧﻬا تحبكَ أكثر من قبل .. أليست المرأة جب ً لا من الرحمة!؟ تنتظر مثل مذنب برئ كلمتك العليا.. ونيران غضبك تحرق الأخضر واليابس.

تصل إلى بيتك مهزومًا، ترمي معطفك الشتوي المبلل بنحيب السماء، تشعر كم أرهق أكتافك ثقله.

لو أنك ارتديت سترة المطر الجلدية، لخففت عنك العناء!..

وكنت ﺗﻬجس بالفكرة. فاجأك السكون. كان الصمت دامسًا أكثر من العتمة. في قاعة الجلوس وحشٌة توحي بالغياب. أفزعكَ منظر باب الخزانة المفتوح، والفوضى التي جدَّت على المكان. تأوهت أوجاعك دفعة واحدة.

تسمعُ جرس الباب، وجارتك تمد يدها بالمفتاح، تقول بأسف:

“لم أستطع إقناعها بالبقاء.”

ﺗﻬز رأسك بارتياح.. لطالما تقدمتكَ بخطوة، أنقذتكَ من المبادرة، ووخز الضمير، كم ستشوه من الأشياء بعد غيرَ ابتسامتها؟.

آخر مرة رأيت غمازتيها منذ مالا تذكر.. وكان ثالثكما حدي ٌ ث مقطوعٌ.. وأنفاسُ نرجيلة تعّدها لك ثم تنسحب..

تبرعم شوقٌ صغير مدغد ً غا مَوات حواسك. تشرب شايك.

تتقلب قلي ً لا فوق فراشك. غدًا في المحكمة ينتهي كل شيء. تنام على الجنب الذي يريحك.

الباب يقرع، ويقطع عليك غفوة الظهيرة.

نصف ابتسامة، وارتباك كامل يطلان من وجه جارك، يقول:

“عرفت أﻧﻬا تركتك.. كل شيء قسمة ونصيب.. هل يمكنني الدخول؟.”

تبتعد عن الباب مفسحًا له اﻟﻤﺠال.

صوته يخرج غريبًا شائ ً كا:

“ربما أتعجل في طرق الموضوع، لكن يقال أعزب دهر ولا أرمل شهر، لولا أني أحبك ما فاتحتك بالأمر.. ما رأيك بأخت زوجتي؟ .. لن أخبرك عنها.. ستعجبك حتمًا.. إﻧﻬا ست بيت ممتازة.. متأكد من أﻧﻬا ستعجبك..

لن أخبرك عنها.. سترى بنفسك.. صدقني هي تعجب ملك..صغيرة..

ونشطة.. و… ”

ترتعش يدك، وتدغدغ جوانبك تلك الرغبة.. أين كوع أختك ليلكزك؟!