قبلة خرساء: امرأة لا تبكي..

قبلة خرساء
امرأة لا تبكي..

سوزان خواتمي

– بقدر ما كانت دموعها تثير حنقي، فأرغب في صفعها، بقدر ما صار جفافها يزعجني فأرغب في صفعها أيضًا؛ قاحلٌة وناشفٌة؛ لها نظرة ما عادت تستحي منذ أقلعت عن عادﺗﻬا في البكاء.

امرأة لا تبكي!. هناك خلل حقيقي في الأمر!.

– “كبرتُ وما عدت طفلة”: تقولين لي في اللحظة التي تتكومين فيها عند قدمي، ترفعين وجهك تحدقين بي، ولا ترمشين، فأشعر بمهانة بالغة، أدير عيني في المكان هاربًا من عينيك اللئيمتين.

– المرة الأولى كانت الأقسى. كسرني ذل من تمنحني الحب، ترتب فراشي بعد أن أخرج من البيت، تُعِد طعامي ليكون ساخنًا جاهزًا عند عودتي. يومها لمتُ نفسي كثيرًا، فمن الجنون أن تصفع وجنة طرية لامرأة تحبها، حاصرني الضيق، آذاني، ستتفهم وضعي لو أخبرتكَ أني سوغت ما حصل لنفسي، متذرعًا بأن الحياة تعتمد على قدر كبير من الجنون..

– ظننتُ نفسي سأعتذر لكِ فور أن تنتهي من نوبة بكائك، لكني غفوت من شدة تعبي.

حين صحوتُ وجدتك قد وضعت غطاء صوفيًا فوقي، قبل أن تذهبي وتنامي في غرفتك، أشعلت سيجارة، وتابعت مباراة لكرة القدم، ثم نسيت.

كان عّلي أن أبحث عن أخرى تشبهكِ لتحل محلك؛ أحب تكوينكِ؛ أحب بحة صوتكِ؛ عنقكِ العاجي، سوى أن المكان يضيق باستمرار، وبقايا رائحة التبغ تعلق في الهواء، فأسألك متبرمًا:

“لماذا لا تغيرين هواء الغرفة بعد خروجي.؟”

– لستُ ناكرًا، وإن كنتُ ظاًلما على نحوٍ محتمل. لا تحدقْ بي هكذا، أفكرُ بنية التوبة، نعم ياصديقي، لكني أؤجلها مراو ً غا الوقت، فمازلت موعودًا بالمزيد من المعاصي.
– تفرغ علبة الدخان، ونافذة بيتنا لا تسمح بالنسيم، النافذة نفسها التي سربت للجوار زعيقنا، وكلمات نابية نتبادلها كلما باغتنا الغضب.

الحياة تضغطنا، أنا وأنتِ، بمتطلباﺗﻬا، ننفجر عند أدنى مشكلة، الأسواق تعج بالمغريات، والتلفاز يسّوق لمنتجات يقتلني الفضول لتجربتها. التفكير لا يتركني إلا وبجانبي منفضة طافحة بالأعقاب، ورائحة أنفاسي تقتلني شخصيًا، لكنكِ مع ذلك تُقبلينني، ابنة حلال وزوجة صالحة، أريد أن أفهم ما الذي غيركِ؟.

– لا يحق لكَ لومي إلى هذه الدرجة، فلم يعلَّمنا أحد كيف نتلامس حتى تتفتح مسامات الجسد، أو حتى ينضج الحب. الشيطان دائمًا كان ثالثنا، وهو حاد وجارح، يعوي فألبي نداء الطبيعة، وأقضي حاجتي منها..

– عليكِ أن تتقبليني على ما أنا عليه؛ ألستِ حلالي؟.. ألم أكن لك زوجًا مخلصا؟.. لماذا تكثرين الغمز واللمز؟.. لماذا تشعرينني بأني مقصر وناقص؟..

تعددين الخسائر فقط، ثم تقلبين يديك حسرة، فأضربك، ليتحول الألم سو ً طا من اللذة، الصرخُة الأولى وجع، ثم تأوهات نُدمنها.. وصراخنا معًا.

– الحيرة مكتوفة اليدين، لم نكن إلا ظلا ً لا تطأطئ؛ المشهد المتفسخ يُسقط ستارة النهاية لكائنين معطوبين، أفسدا الحب، عبر حياة لم تعد تحتمل العاطفة لتستمر.. أعترف أني أختنق.

– حين عدتُ من سهرتي متأخرا كعادتي، كان احتجاجكِ صامتًا وقاطعًا في الوقت نفسه. تكورتِ بوضعك الجنيني المعتاد، فوق كنبة الصالون، أدرتِ ظهرك لي، تاركة فراشنا ينتظرني ببرودته، لم أندسَ فيه، أردتُ لصمتي أن يعاقبك أيضًا، أيقظتكِ، كنتِ متأهبًة لجدال، أعرف أنه لن ينتهي..

“أنتَ رجل أناني.. تظنُ نفسك المتألم الوحيد في هذا الكون..تحومُ لتجدني متى عدت.. لن يكون جسدي فندًقا لك بعد اليوم..”

ثمَة تعاسةٌ تتراقص في شمعة، لا تكفي ك َ ل هذا الليل. اتركيني أتأمل أصغر تفاصيلكِ، قدميكِ الصغيرتين، أو تلك الشامَة التي ترفضين أن تقلعي شعرﺗﻬا، قوسَ خصرك، شفتكِ المقلوبة في امتعاض مستمر.

شفاعُة الحب أهزل من أن نصغي إليها. ك ُ ل شيء صار عديمَ التأثير، أمام مناوراتنا السخيفة ك َ ل ليلة، لاستعادة ما سنفقده صباحًا.

صامتةٌ شاردةٌ تحملقين في المسافة التي بيننا، كأن الوصول إ ّ لي بات مستحي ً لا.

يا لحماقتك!. لماذا لا تحيكين مع الأفعى خطة تجذبني ثانية.. لمَّ لا تعبرين؟.

لا تنتظري مني أن أفعل؛ الأمر بالنسبة لي صعب ومربك؛ يشرخ رجولتي التي تعلمتها كل عمري.

ربما صار علينا أن نمارس تمارينَ النسيان، كما تمارسين رياضتك الصباحية.

لم تخبريني لمن تكترين ثروة جسدك، ولعلي لن أسألك.

لستُ على ما يرام، وحرارتي ترتفع فيما أخلع أمامك خاتم زواجنا.

لاحظتُ ارتعاش شفتيك، كانتا مبللتين؛ تتمنين لو أطبع قبلتي الأخيرة التي لها طعم المارلبورو الذي أدخنه. لشفتيك نكهُة الجنون إذا داعبهما الشوق، وأشعلتهما الرغبة..مازلت أتذكرهما.. لكن كيف.. متى.. أين؟.

لم أعد أعرف كيف بدأت القسوة، ولست وحدي من ينهيها.. يا إلهي كم أنت جميلة وحزينة!.

في المرة الأخيرة التي ردتْ فيها كفي على سيلِ كلامكِ المتدفق، ورغم توسلاتي أن تسكتي، سوى أن صوتك وص َ ل آخر الشارع.. وكان عليك أن تسكتي.

تحت وطأة الطرق على الباب، فتحت، لتدخل جارتنا، وتراك مكومة في منتصف الصالة، منكسرًة دون نحيب، بل دون دمعة واحدة. خرجتُ، سمحتُ للفجوة أن تبتلعنا، وتبتلع صوت الجارة الذي علا مؤنبًا..

– بائسان.. مجرد بائسان، لم أشتر لها زهورًا حمراء كما رغبتْ، لم أسرحْ شعرها، لم أخلعْ عنها خجلها وترددها، لم أباغت صباحها بقهوة، حتى تّقدر حبي، فأنا أيضًا خجو ٌ ل ومترددٌ، لست مراهًقا، عليها أن تدرك ذلك، لكن دموعها التي جفت تحيرني!.

– أي فائدة ترجى من وردة حمراء أمام ورطة الفقد؟. هل تظنين نفسكِ أجمل النساء أو أكثرهن جاذبية؟. هل أحببتني يومًا؟.

لا تجيبي أرجوكِ، الأسئلة غبية. لستُ كما تدعين، وإلا لما عجزتُ كل ليلة عن إقناعك بي.

استهلكنا الكلمات التي يمكن أن تقال، وحتى تلك التي ضاعت معانيها، نبت الذبول في وقتنا..

– ثمَة ذكرياتٌ معرضٌة للنسيان المباغت، وأخرى تمد رأسها في كل مناسبة تحكي رذاذ بللنا، أيام ذرعنا طرقات المدينة القديمة، أستكشف معها أبواﺑﻬا السبعة.. لن تصدقَ كم تسكعنا في حاراﺗﻬا القديمة كما لو كنا سياحًا، هي بضحكتها المتفائلة، وأنا أصطاد كل فرصة ممكنة للمسها.

الشتاء والبرد جعلاها ترتجف، ضممتها إ ّ لي، كان لشعرها رائحة طين مبلول، قفزت مبتعدة، وقررتُ وقتها الوصول إليها.

– الوقت لا يمنحنا نفسه، والاستعجال سمُة البشرية، أمي تقول:” العيب فيكِ”، فأنا ابن كامل اللياقة، هي تعرفني أكثر، فلا تنكري هذا. تمسحُ رأسي مهما كنت متعبًا وقاسيًا وعنيدًا، بعد قليل ستكون هنا.

***

خبأتُ رأسي بين كتفي، غطيتُ وجهي، أجهشتُ بالبكاء، لم أشأ سماع اصطفاق الباب خلفها.. هناك خلل حقيقي في الأمر، إﻧﻬا امرأة لا تبكي.