قبلة خرساء: أصمتي يا زهرة.. أكاد أسمعك…

قبلة خرساء
أصمتي يا زهرة.. أكاد أسمعك…

سوزان خواتمي

– أريد أن أقو َ ل لك؟

تقاطع سبابتي شفتيها المترددتين، فتسكت..

كل ما لم نعرفه لا يعنينا.. لو أﻧﻬا أصّرت لثقبت طبلتي أذني.

تفقد زهرة حيويتها تدريجيًا. كمن يدخل محرابًا مقدسًا تلوذ بذهب سكوﺗﻬا، فينعكس من قاع عينيها لون كابٍ، أشعر بالصقيع، وبلسعة الفقد اﻟﻤﺠحفة، أفرك كفيها..

***

ليست “زهرة” مجرد أربعة حروف لنبتة عابرة، فقد كانت وما تزال تذكرني بالربيع..

في سبعينات القرن الماضي كان اقتناء سيارة خاصة أمرًا ملفتًا للنظر، فكيف حين تقودها صبية فاتنة، تتخذ مكاﻧﻬا في المقعد الأمامي، وبحركة أنيقة ترفع كلتا ساقيها المضمومتين لتصير خلف المقود.

أتابع هفيف أطراف ثوﺑﻬا وألف عين أخرى تترصد مثلي رشاقة الحركة، لتنطلق خلفها بسرعة الريح والتمني مثل فرس جامح والخصلة السوداء من حرير شعرها آخر ما يغيب عن الأنظار.. نمصمص شفاه الرغبة، ونستدعي الأحلام تباعًا.

كانت زهرة أحلى ما يمكن أن تصادفه في أروقة الكلية، وفي قاعات المحاضرات.

نظرة منها، كانت تعدُّ بالنسبة لي فتحًا مجيدًا ليوم صبوح، أتغاضى بانشراح عن كل عثراته اللاحقة.

آنذاك كانت زهرة.. بستان ألوان وروائح!.

أما أنا فآدم “قفل” لكلية، طالب مربوع القامة دونما ميزات جسمانية ملحوظة، يتسحب من زقاق حارته، لينسل بصمت، متخ ً ذا مقعدًا خلفيًا، وكل همه أن يحوز على شهادة جامعية، تنقذه من إرث الفقر الذي يرجع إلى خمسة أجداد، قضوا نحبهم وهم يعانون أمراضًا، لا طاقة لهم على الشفاء منها.. كل ذلك جعل أجرأ أحلامي حول زهرة لا يصل حد الاقتراب المباشر منها.

أكتفي بمراقبتها من خلف زجاج المقصف الجامعي المغبش بالبخار، مثل أيقونة في كنيسة، ترتشف شايها بصحبة زميلها يوسف، شفتاها المزمومتان تقتربان من طرف الفنجان، تلامسان بوجل، السائل الساخن، ثم تنفخان حريقهما، فيما غمازتاها المحفورتان عميًقا في خديها تنبئان عن سر مخبأ هناك..

كانا يترافقان غالبًا اليوم بطوله.

كل ما احتاجه ضب ُ ط المعادلة، بعض التوازن بين طرفيها، فقد استبدلت زهرة صديقها بي..

حدث الأمر بين ليلة وضحاها، بسرعة الذهول، أطلقت نحوي إشارة طفيفة، التقطتها كمن يلتقط منحة إلهية.. لم أصدق أول الأمر، ولكن العبرة في النهايات.

كانت رغبتي ﺑﻬا تفوق كل منطق.. لم أسألها، كنت أذعن لجاذبيتها كما تذعن الأرض لها.. تقولون عني، وأقول أحبها حتى النخاع.. الفرق قد يعنيهم ولا يعنيني أبدًا!.

هي التي أتت، وكانت الريح ﺗﻬب باتجاهي. من يعاند ريحًا تعبق بالزهور؟!.

ذهلت.. قل إني كنت غير كذلك؟.

هذا الراعش بين ضلوعي كان يمشي هائمًا.

أخبرﺗﻬا:

– لست منذورًا للأفراح..

– ما من أحد منذور للفرح وآخر للتعاسة.. نصنع أقدارنا.

أمسكت زهرة بيد سذاجتي، وعبرت بي إلى ضفتها الأخرى.. غنت لي تسعة وتسعين نشيدًا للحب.. أنا رجل الهوامش والانزواء والعزلة، كنت أستغيث بربيعها وألقها، أقعي متكومًا لتنهض بي من قنوطي وعثراتي، وتلك الأسئلة العالقة بيننا مثل منطقة معتمة يتخوف كلانا الولوج إليها.

زهرة أصبحت زوجتي. وكما الزواج السريع تبعه إنجاب سريع، بعد سبعة أشهر ولدت ابنتنا الوحيدة ” عزيزة “.

كنت أسمعها تبكي، فأهرع إليها لأجد زهرة تقف فوق رأسها صامتة.

أقول لها: أرضعيها إﻧﻬا جائعة.

تتطلع إ َ لي بدهشة، وكأﻧﻬا تذكرت فجأة أن عليها أن ترضعها لا أن تنظر إليها فحسب، تقرﺑﻬا من صدرها، تلقمها ثديها البخيل، تحدق بالجمجمة شبه الصلعاء.. وتظل الرضيعة جائعة.

تدمن هرة عاداﺗﻬا الصغيرة؛ تجديد هواء المترل حتى في أكثر الأوقات برودة، وشاي المساء، وإهمال عزيزة التي تنشأ رغمًا عن تجاهلها ..

تستطيل وتستدق وتثابر على البكاء .. رعشة في قلبي تكبر.. وتكبر.. وتكبر..

***

أفرك كفيها المتعرقين..

تتنهد..

الافتراض ليس يقينًا.. فكل ما لم نسمعه لا يعنينا..

ترفع إصبعي الذي تعامد مع شفتيها .. تصِرُّ:

– أريد أن أقول لك.