قبلة خرساء: أصابع بطاطا تحترق

قبلة خرساء
أصابع بطاطا تحترق

سوزان خواتمي

درجاتُ الحرارة أعلى مما تنبأت الأرصادُ الجوية في نشرﺗﻬا هذا الصباح، ورائحة غريبة تفوح في المكان، مزيجٌ من حنة قديمة وزيت محروق.

تلمع فوق أنفها الدقيق، وحول فمها، حباتُ عرق، تفضح شعيراتٍ خفيفة مصبوغة بالأكسجين، ترتجف شفتها بوضوح.

يسألها الضابط المحقق بجفاء: “الاعتراف يضمن لك أحكامًا تخفيفية.. من الأفضل أن تسهلي الأمور علينا وعليكِ.. أنت تضيعين وقتنا بصمتك هذا.”

أثاث مقلوبٌ، أغراضٌ محطمٌة، فوضى مريعة تجتاح المكان؛ ربما كان عليها أن ترتب قلي ً لا قبل دخولهم، لكن الوقت الضيق داهمها كما داهمها ك ُ ل أولئك الغرباء بأحذيتهم المغبرة المتسخة.

البقع فوق الجدران تش ّ كل لوحًة سوريالية، تشبه لطخًا لونيًة رأﺗﻬا مرة ولم تعجبها. الفنان الذي رسمها كان يستعرض أمامها جم ً لا غير مفهومة تمامًا، تكلم عن شيء يدعوه ما ورائيات اللون، وعن الحركة المنسجمة التي تحدثها لوحته.. أدهشتها قدرته على شرح ما لا تراه حقيقة، لكنها لم تعترض، بل ظلت ﺗﻬز رأسها علامة الموافقة والاستيعاب..

قال لها: “سأهديك اللوحة أيتها الجميلة.. فقط كي تراكِ ك َ ل صباح”.

تعودتْ أن تنصت بانتباه شديد، لكن أحدًا لم ينصت لها. هكذا كبرت، أذنين كبيرتين و دون صوت، نادرًا ما اعترضت، ولم تبد رأيها بالتأكيد، حتى حين كان زوجُ أمها يدفعها خارج الغرفة ويغلق الباب لينفردا دوﻧﻬا.

صحيح أن قسوته فيما بعد تحولت إلى لمسات مسروقة لا تفهمها، تجعلها تنظر بدهشة مكتومة فلا تجرؤ على إزاحة يده، أو على الاعتراض.

يخيفها الوجه الطبشوري الذي يتطلع نحوها بنظرة شاخصة وقد اختلطت قسماته؛ تنحني لتغمض عينيه..

يزجرها المحقق بزئيره: “لا تلمسي شيًئا يا خانم…”

كان صوته يعلو حين يقسم بالأيمان الغليظة بأنه سيشرب من دمها كما يشرب عصير الرمان الذي تعده بيديها، يتجرع ك َ ل ما في الكأس، ثم يصدر صوتًا مزعجًا.. آآآآآآآآآآح.

الليل.. وأباليسه.. الشخير..تكتكة الساعة .. تجشؤه.. رائحة الثوم..

غطيطه العميق وهو نائم.. ك ُ ل شيء ينتهك نعاسها، ترعبها الحقيقُة، واختلا ُ ط الأوهام عجينٌة من كوابيسَ وأصواتٍ وروائحَ من غير حدود فاصلة.

تّلف حول عنقه الحب َ ل، تسحب الكرسي، يتأرجح مطلًقا قهقهة، يّفح أنفاسه في وجهها.. ولا يموت.

تنتفض من فراشها مذعورة وعرق بارد يغسلها، لا شيءَ حولها غيرَ الصمتِ والعتمةِ الحالكة وخيالاتٍ شبحية ترقص فوق الجدران، ترافقها من غفوة لأخرى، فلا تعتقها إلا مع الفجر، عندها يستغرقها النوم. وحين تستيقظ متأخرة لا تتذكر هل كان وجهه أم وجه زوج أمها؟.

يدفعها من بين كتفيها، ترتطم بالأشياء الثمينة التي تتحول إلى شظايا.

“سأشتري لك غيرها”.. يقول لها بأسف يتكرر، فيما تستمر تحف البيت بالتناقص.

منذ تزوجها وهو يبحث عن الحقيقة، كأن الحقيقة ملكها، أو كأﻧﻬا تخفيها تحت ثياﺑﻬا. ماالذي يتوقعه منها، وهي مجرد ضلع أعوج لا يستقيم؟.

يضرﺑﻬا، يلوي عظامها، يترك على جسدها كدماتٍ زرقاءَ؛ فإذا ما أﻧﻬكه التعب والقسوة، انكفأ فوق الرضوض والجروح يلعقها بلسانه؛ يبكي بضعف يقززها؛ يقبِّل قدميها طالبًا غفران جسدها المقدس؛ جسدها الذي يكرهه ويحبه في آن؛ وهي في الحالين تحتمل.

يرتمي في حضنها طف ً لا تعسًا؛ يتوسل إليها أن تعترف؛ يصغي لقصص تلفقها؛ طوفا ٌ ن زنِّخٌ يغمرها؛ تفقد الفاصل بين الحقيقي والمختلق؛ تحكي وتحكي، تصوغ ألف حكاية؛ فيما يهز رأسه بسذاجة؛ يدمدم دون معنى؛ تنتظم أنفاسه؛ فتعرف أن (عطي ً لا) نام تار ً كا روحه معلقة بين ﻧﻬديها.

تفوح الغيرة، يميزها الجيران عن باقي الروائح؛ يتحدثون عن الدخان والنار؛ فالجدران الورقية لا تمنع التسرب؛ يتناقلون أخبارَ ليلها اﻟﻤﺠنون؛ فيما تكتفي هي بمنديل (ديدمونة) المهترئ لتمسح دموعها.

لاشيء يبقى على حاله؛ تستكين هامدة وفي حضنها جثة.

منذ وعت وهي تعض لساﻧﻬا، عيناها خوخ أحمر، مع ذلك لا تنسى رغبتها في شراء ثوب مثير وضيق..

تضع نظارة قاتمة، وتترل إلى السوق، تبحث داخل الواجهات البراقة.

الزجاج، ونظرات العابرين الشبقة تعكس صورﺗﻬا، بعضهم يتوقف ليتأملها مليًا، تعرف جيدًا وقع جسدها بتكوراته المتناسقة، واكتنازه المثير، تتحسسه في خلوﺗﻬا، متمرد وشيطاني، التفصيلة الضيقة تشده بقسوة وتعلنه بغرور، البائع الشاب مستدير الوجه يقيس خصرها بشبر كفه المفتوح، يؤكد  أن الغالي يرخص لعينيها الكحيلتين: “خذيه.. هدية يا مدام.. مقدم دون ثمنه..”

تأخذه، وتنفلت قبل أن يعرف اسمها، تتركه وحيدًا وسط دهشته.

تأخرتْ.

سائق السيارة المعممُ يبسمل ويحوقل، فيما تتشبث عيناه بالمرآة العاكسة، تضحك بانتشاء مغرٍ، تسأله: “ما خبرُ شيخُنا ؟.”

يؤكد بانفعالٍ وصوته يكاد يلهث، أن جمالها كتر إلهي، وأنه مستعد لحفظه وستره لو وافقت.

ﺗﻬز رأسها.. تحرك حاجبيها.. لا تقبل ولا ترفض..

أبو عادل.. حسن أفندي.. شكري البقال.. سميح الجواهري، وآخرون غيرهم يؤكدون بحماسة ما تسمعه دائمًا، يراعوﻧﻬا، يخصمون ثمن بضاعتهم كام ً لا، يقدمون الهدايا بسخاء: نظارﺗﻬا بفصوص الألماس اللامعة حول عطرها من السوق الحرة أصلي وثمين، وبلا مقابل.. ساعة j’adore .. إطارها يدها موديل السنة.. عقد الفضة بحجر (إيميتست)..

يسألها عنهم.. يلاحق أنفاسها.. يقبض على آخرَها.. يبدأ التفتيش.. يمد يديه اﻟﻤﺠنونتين بين أغراضها.. تسمع صفق الأدراج.. تعرف أن الأقفا َ ل التي تضعها لا تصمد أمام ثورته.. سيكسر ك َ ل شيء مقفلٍ دون أن يلاحظ المفتاحَ عليه.

الغضب حارقٌ.. حارقٌ، وهي منهمكٌة بتقشير البطاطس، فيما الزيت يطقطق، والرائحة تنتشر، تطغى.

يصرخ:

“أين كنتِ؟.. اتصلتُ ولم أجدك.. لا تقولي كنت عند أمك، فقد اتصلت ﺑﻬا أيضًا.”

يشم سريرها، فستان نومها، ينبش سلة الغسيل، يُخرج ملابسها المتسخة، يشم القطعة الأصغر منها، يبحث عن رائحة ليست له..

لطالما اختلطت عليه الروائح.. تعم الفوضى.. تتعبه الحيرة.. يشّوح بذراعين يائستين.

تلمح ثوﺑﻬا الجديد بين أصابعه.. يدعكه بقبضتيه.. يعجنه.. يمزقه.. يخترق وعيدُه أذنيها.. يسمع الجيرا ُ ن ما لم يتمكنوا من إثباته أو إنكاره.

أما هي فلاهيٌة بتغطيس أصابعَ البطاطس في السائل المحمى.. طششششش

رؤى غامضٌة لرجولة تالفة تراودها؛ لا نصيب لها من ديك يفني دجاجته بريشه الملون غير الصياح؛ تزوجته أيام كانت تحبه؛ كانت؛ الأفعال الناقصة من حظها غالبًا، وهي جائعة جدًا، أما هو فيقف بين الصالة والمطبخ، يّلوح بمزق ثوﺑﻬا، يقول لها أﻧﻬا دليله القاطع، يسألها عن اسم عشيقها الجديد.

الصمت سيد الأدلة.. لا شيء سوى طشششششششششش

لو يستطيع إثبات شكوكه، لو أنه يرحمها، لكن جسَدها لا ينطق، ومسامَه لا تُُقر.

محاصرٌة بالجحيم.. الحرُ الشديدُ أكثرُ مما أعلنت عنه الأرصاد الجوية ليلة البارحة.

يجرها من شعرها.. يدفعها بقسوة.. يحط فوقها.. تطبق عينيها.. تستعد للألم.. يلقي رأسه فوق صدرها يجهش بالبكاء.. يرجوها أن ترتدي له الفستا َ ن الممزق.. تحترق أصابعُ البطاطا.. تذب ُ ل السلطُة الخضراء.. تفقد شهيتها أمام جثةٍ هامدة بدأت تفوح .