قبلة خرساء: آل/ زهايمر..”

قبلة خرساء
آل/ زهايمر..”

سوزان خواتمي

حادثة استدعاء أفراد من الشرطة ذاك الصباح بملابسهم الرسمية وشوارﺑﻬم الكثة لم تكن عابرة، إذ تعالى بعدها صراخ الخادمة الصغيرة، حادًا رفيعًا ومتزايدًا، ثم متقطعًا في شهقات رتيبة، كصافرة الإنذار.

استطعنا التمييز بين خبط الخطوات الثقيلة ذهابًا وإيابًا في مترل أم نبيل، وبين العويل والأيمان الغليظة والأصوات المستنكرة نفيًا من دون أن نسترق السمع. الأصوات العالية أزعجت منازلنا الغارقة في الهدوء، في ذاك الحي الشبيه بكرت بوستال ملون.

فيما بعد سألناها..

لكن العجوزَ أم نبيل تكتمت على الخبر، أخفت بكف مجعد أسنانًا درداء، وضحكة ملتبسة المعنى، لعنتْ الظن، وإبليس الخبيث الذي وسوس لها.

بجمل خجولة متقطعة عرفنا أﻧﻬا أرادت أن تتزين بشيء من أساورها، وحين فتحت الدرج بجانب سريرها، ولم تجد شيًئا، ضربت على رأسها، وتلجلج نطقها:

– وّلي على قامتي.. تحويشة العمر.. دبوس الألماس ورثته عن أمي..

وعقد اللؤلؤ الهندي مهري.. والذهب.. كل مصاغي..ولي على قامتي..

صلتْ على النبي. قرأتْ سورة الضحى ثلاث مرات، والمعوذتين، لهثت في البحث، قلبت الأواني والفرش والخزائن المقفلة.

لاشيء، تأكدت أن سارًقا تجرأ على كترها المخبأ لمصاريف جنازﺗﻬا، وإرث الأولاد من ذكراها ليترحموا عليها بعد عمرها الطويل.

ليس في البيت غريب إلا خادمتها.. ومن يكون غيرها؟!. هي الوحيدة التي تتجول على راحتها بين الغرف، في الوقت الذي تنام فيه ساعاتٍ طويلةٍ مثل القتيلة، لكن حسنية (المفعوصة) أنكرت، فضربتها بباطن كفها:

– كذابة يا بنت ال … ما حدا غيرك.

مع الشعاع الأخير للنهار عُثر على كيس المصاغ مخبأ بمهارة في جيب داخلي لمعطف شتوي مهمل، تمامًا كما تركته الست أم نبيل قبل مدة، ونسيت!.

وّقع ابنها الكبير ورقة تعهد بعدم إزعاج السلطات مرة ثانية.. نظر إليها بحدة لم يستطع إخفاءها أو تجميلها.

ضحكت في وجهه المتجهم:

– قاتل الله النسيان، إنه شيطان ثالث.

وقالت للخادمة التي مازالت تبتلع ﻧﻬنهاﺗﻬا:

– عمليلنا قهوة يا مضروبة..

ثم وضعت في كفها ورقة نقدية. الصغيرة المقهورة دست المال في جيبها، وعاودت وصلة العويل من جديد.

صحة الخالة أم نبيل تحسد عليها، لا تشكو سوى من بعض المشاكل المقدور عليها في جهازها الهضمي، تقتصر على التجشؤ والاعتذار، لكن تكرار حوادث النسيان والسهو صار مزعجًا، كلوحة تبهت ألواﻧﻬا تدريجيًا ودون ألم.

تخوﻧﻬا تباعًا الأسماء والأعوام بحروفها الأولى أو رقمها الأخير، فلا تستطيع تحديدها، الأماكن ، الأشخاص، الحوادث القريبة، ما أكلته البارحة.

لحسن الحظ أن تلك اللحظات الضبابية لا تستمر، فحين يشرق ذهنها بالوميض، كانت تعاود استئناف حياﺗﻬا الطبيعية، تتصل بجاراﺗﻬا وصديقاﺗﻬا، تجالسهن، تدعوهن لفنجان قهوة وقطعٍ من الفاكهة اﻟﻤﺠففة مختلطة مع حبات الجوز، لكنها أخذت تتحسب، وتتأنى في ألفاظها، تقّلب الكلمات بين شفتيها. الخوف يلجم لساﻧﻬا، فتتباطأ عن المشاركة، ثم تعودت أن تلتزم الصمت، مكتفية بإيماءة من رأسها أو ﺑﻬمهمة لا أكثر.

لكن الأمور لا تتفهم، وهي عندما تبدأ، نادرًا ما تقف عند حد معقول، فالأشياء مازالت تشحب وتغادر ذاكرﺗﻬا، كمن ينقل أثاث داره شيًئا.. فشيًئا حتى تحول المكان إلى جدران ملساء تترلق عليها آخر أظافرها المتشبثة.

قبل أن تتشوش وتختلط الأزمان بالأشخاص، كانت ترفع كفيها بالدعاء لزوجها بين أذان وأذان، ومثل أي سيدة فاضلة، لا يخوﻧﻬا الخبز والملح وطول العشرة، تترحم على وفاة (أبو نبيل) زين الرجال، تكفكف بمنديلها المطرز دمعة عزيزة لا تترل، وتستعيد برصانة وحزن لحظة ترملها :

“خطفه الموت على غفلة.. أعطاني الكثير.. لا أحد يعوض زوجًا رحيمًا”

رحل المرحوم أبو نبيل قبل سنين كثيرة، ما عادت تذكر عددها، فقد فرغ رأسها من الهوامش والحيثيات، وبدأت حدقتا عينيها المتفحمتين تفضحان شرودها.

صار على المرأة ذات السطوة التي كانتها أن تختفي، وقد ألغت كل التفاصيل الدقيقة التي تعودﺗﻬا: حمامها المسائي.. تسوقها المسجل بدقة داخل ورقة صغيرة تضعها مطوية في حقيبتها، تبين الكمية والنوعية.. ألواﻧﻬا المفضلة..

عدد أحذيتها الصيفية.. و(شبشبها) الجوخي.. أكياس الدريرة.. ونبات العطرية المدسوسة بين شراشفها.. صلاﺗﻬا.. مشاويرها القصيرة إلى الحديقة، حيث كانت تنادي الأطفال لتمنحهم السكاكر وملبس اللوز المخبأ في حقيبتها القماشية متداخلة الألوان، فيما تتبع الشمس كومَ عظام لعجوز شاحبة ساذجة، تتجشأ بصوت عال، وتتسلى بتبادل الابتسام مع الصغار..

لم تكن حادثة قدوم الشرطة إلى مترل أم نبيل، سوى بداية ستستمر مع استمرار الضياع والإحراج، ولم ينقص المشهد سوى طرافته الأولى، فما عاد الأمر مضح ً كا.

مفتاح البيت.. فاتورة الهاتف.. موعدٌ ضربَته.. ثم أسماء أحفادها..

والفكرة التي تحلق بعيدًا عن مجرى النطق.. تلمع في ذهنها تفاصيل مغرقة في القدم، وتنسى اللحظة الفائتة للتو، لتتذكر دون سابق إنذار “أبو نبيل” مع بنت الش….. التي لّفت عليه، وخطفته منها، والتي تستبقيه في حضنها حتى ساعة متأخرة فقط لتغيظها.. وأبو نبيل رجل هائم، غليظ القلب، لا يهتم لقهرها، ولا يسمع حرًفا من عتاﺑﻬا، يدير ظهره، وأذناه بين الطين والعجين.

“يستبدلني بعاهرة؟!.. أنا ابنة الحسب والنسب.. أمسى المساء ولم يرجع بعد.. لعن الله والديها ووالديه.. قليل الأصل، واسع الذمة، ينام ومفتاح الخزينة في صدره، سرق شريكه، وأكل ميراث أخته، أقرض ابن عمه بالفائظ.. شو كنا عم نقول؟.”

سبعون عامًا أو أكثر قلي ً لا اختلطت في ذهن أم نبيل.. الدهاليز الكثيرة، والانخطافات الحادة استولت على كذﺑﻬا الأبيض الذي يحفظ الصورة جميلة وآسرة.

أم نبيل تضيع، وكل ما بقي منها حدقة مشتتة، تتطلع من الثقب الصغير، دون تركيز، وأحمر شفاه يلون تجاعيد شفتيها، كعادة مستحكمة لا تستغني عنها.

“آل/ زهايمر . .”