قبلة خرساء: خرائط الغياب

قبلة خرساء
خرائط الغياب

سوزان خواتمي

ج- نعم سلوم الراوي كان صديقي.. رحل بجواز سفر مزور.. دفع ثمنه عقد أمه الثمين.. ربما عَبر الجبل.. ربما ركب الحافلة.. ربما اختبأ في شاحنة لنقل الماشية.. وعدني أن يكاتبني.. لم تصلني رسائله.. قال لي: تزوجْ عفاف.. عفاف تشتمني.. تسألني عن سلوم.
………………………………………………………….
…………………………………………….
ج- نعم سلوم الراوي كان جاري.. أخوه وخاله عميلان خططا لنسف حافلة على طريق بغداد.. عفاف فتاة ساقطة.. بيننا علاقة سرية.. سأسألها..

سأسأل أبيه.. سأتسقط الأخبار.. أقسم أني سأفعل.. إلى أين سيذهب اللعين؟..
لابد أنه مختبئ في مكان ما.
………………………………………………………….
……………………………………………
ج- سلوم الراوي معرفة عابرة لا أكثر.. كان شخصًا خسيسًا، وكنت أتحاشاه. لي بذمته دين أكله ولم يعده لي، نصاب بالطبع.. أنا أيضًا أريد أن أعثر عليه لأسترد منه.. سأساعدكم بالطبع.. لقد كان ابن كلب نجس.
………………………………………………………….
…………………………………………….
ج- يشاع عن سلوم أنه جاسوس.. سمعت ذلك من الناس.. يعمل لإحدى الجهات الأجنبية.. كان رج ً لا غامضًا.. وكان يتحاشى الجميع.. يقال إنه ينام في المقابر.. ويقال عنه إنه يؤاخي الجان والشياطين.. يدّعي أنه رجل مستور..

لكنه كذاب.. يخبئ أمواله الطائلة في مدفن ما.. علمني أن أسرق.. ثم تشاجرنا وتباعدنا.. لم أعد أعرف عنه الكثير.. لو اتصل بي سأخبركم فورًا.. سأدلكم عليه بأسرع مما تتخيلون.
………………………………………………………….
…………………………………………….
أكثر من إفادة، وكل ما أرادوا سماعه..

إفراج.. وﺗﻬديد باستدعاء قريب..

خرجتُ من المبنى متورمًا، نصفَ حي، نصف ميت، شعرت بخطوات كثيرة ورائي، الناس تلاحقني، وهذا أيضًا، استعجلتُ، لن أنظر إلى الخلف أبدًا.

قرعت الباب، هز الرجل الشائب رأسه، سألته عن أخبار سلوم، لم يجبْ، تركني عند العتبة وحيدًا، أراقب ظهره النحيل، ورأسه المطأطئ، صفعني تيارٌ باردٌ، وانعكاسُ الظلِ الكسير، خانتني الدمعة، استرجعت أوجاعي.. يا إلهي كم بكيت..!

ما دامت (ك ُ ل الطرق تؤدي إلى روما)، فلماذا التردد في اختيار طريق أو تجنب آخر؟.

الطرقات عامة تستدير وتخادع إسفلتها، تبحث عنك لتترك فوقها أثرًا..

لم أخطط لحياتي، ولايهمني مساري. المستقبل كذبة الحمقى، كقشة في مهب الريح، كل الجهات عندي سواء، أما صديقي سليم الراوي فقد تسلق الدروب الأصعب، واكتشف الزقاقات المعتمة. كان يمشي ويمشي، يخاف التوقف، كمن يلاحق أشياءه الهاربة..

قبل خمس سنوات كنا مانزال جارين في (حي الحرية)، الحي الذي يحمل نقيض معناه، مجرد فتيان نجتاز بوابة الطفولة، نتباهى بخط داكن بدأ يتضح فوق الشفة العليا، أسَّر لي بأنه يمرر فوقه قلم كحل ففعلت مثله..

ضربتني أختي، وخطفت من يدي كحلها، وظلت ﺗﻬددني بالفضيحة..

فيما عدا أفكاره التي لا تنتهي على خيرٍ عادًة، كان شديد السمرة، يتباهى بطوله الذي يزداد يومًا بعد يوم، لأبقى أنا عند خط كتفه. تشاركنا أطباق (الكراعين) و(الباجّة ) الساخنة تلهب اللسان، وتلسع سقف الحلق، كما تشاركنا الأسرار الصغيرة، وبعض المغامرات الطائشة..

أطلت علينا عفاف من نافذة مفتوحة، وفتنتنا بلؤلؤ أسناﻧﻬا، كان خجو ً لا ومرتب ً كا، وكنت أجرأ منه. مرّ بعض الوقت قبل أن نكتشف أنه المقصود، قرصتني الغيرة، لكني ادعيت التفهم، نصحته أن يبادلها التحية، إلا أنه اكتفى بابتسامة مترددة..

أجابني ببلادة: “خططي لا تحتمل وجودَها .. البنات عبء” ..

(يعطي الأجاص لمن ليس له أضراس)، تمنيت لو أتسلق ضفيرﺗﻬا التي تمتد حتى ﻧﻬاية ظهرها، تتأرجح متقافزة فوق عجيزﺗﻬا.. عفاف أجمل الصبايا.

آخر العام ظهرت نتائج الثانوية العامة. نجح سلوم بامتياز، لكنه انقطع عن الدراسة. لم تقبله أيًا من جامعات العراق، قيل بسبب انتماء عائلته وتحزﺑﻬا السياسي، بعد ذلك اعتُقل أخوه، وغاب خاله في يوم مظلم، ثم لحق ﺑﻬما ابن عم له.

قال لي “على تلك الحال ستنقرض العائلة، لعلهم يذوّبون في مكان ما هناك..”

ثم ضحك ﺑﻬسترية.

شعوره بالاختناق لم تخفه سخريته، يلتقط نفسًا عميًقا، يزفره بصمت، ويغص. يفضل الوحدة فيتحاشاني، يغيب أيامًا، ويعود متكتمًا، لا يخبرني أين كان ولا لماذا عاد.

لا.. لا ذلك لم يدهشني، فقد اعتدنا في تلك الحارة الشعبية المزدحمة بالناس والأسرار على شبان ورجال حالمين، ولأن الليل القصير لا يتسع لكل الأحلام فقد كانوا يبحثون عنها في أماكن أخرى.

طوّق عنقه بشريط تتدلى منه بسطة خشبية فيها كل ما تشتهيه الصبايا: كحل وبخور وعقود ودبابيس ومناديل مطرزة.. وبدأ يدور.

كان عليه أن يساعد العجوز لتأمين متطلبات صغار بلا آباء، أعتقد أنه اختار مهنته فقط ليمشي. نصحته بأن يقف عند مفرق السوق، لكنه ظل يجوب الطرقاتَ منذ الصباح وحتى تفنى ساقاه.. كان يبدو مشغو ً لا وقلًقا.

آخر الليل نقف متقابلين عند خشب بوابة مترلهم العتيقة، يرتكز على ساق واحدة ويريح الأخرى، مثل لقلق، مائ ً لا بجذعه إلى الأمام، يمعن النظر متجاوزًا النخيل الباسق، نحو صفحة السماء الشفافة وغيومها السابحة، يرشف أنفاسًا من سيجارة يداري جمرها بين أصابعه: “لو أﻧﻬا تحملني”.

ثم ينفخ في وجهي كل ما في رئتيه من دخان..

يخبرني أﻧﻬم يتسقطون أخبار أخيه الغائب، يدفعون المال مقابل همسة تنتقل من أذن إلى أذن: “لا فائدة من السؤال”

لا يحزن، ولا يثور.

ربما لم يكن يثق بي، لم يودعني، غيابه الطارئ امتد شهورًا.

هل كان مجرد خائف آخر، أم أن جنّي الرحيل تلبّس أحلامه؟

سلوم أخذ البخور والعقود والمناديل.. واختفى تار ً كا أثرًا خفيًفا دون ساقين.