قبلة خرساء: ثلاثة ألـوان لحكاية بلهاء

قبلة خرساء
ثلاثة ألـوان لحكاية بلهاء

سوزان خواتمي

صامتة تجلس عند عتبة دار قديمة، تحتل غرفة مظلمة في سردابه، تحملق في وجوهنا الرقيقة النحيلة. كنا نتجاوزها فلا ننتبه لها، كما لو كانت جزءًا من الرصيف الذي تمد ساقيها السمينتين عبره. لم تكن شرسة، إلا حين يزعجها بعضنا، فيشدوﻧﻬا من كمها، أو يزعقون في وجهها، عندئذ تصرخ فزعة، تطلق صوتًا كئيبًا كذئبة تنوح، ثم تبكي بلا دموع.

كانت تمسح وجهي كلما اقتربت منها، كأﻧﻬا تراني بأصابعها، ثم تمسد شعري بظاهر كفها الذي نتأت منه عروقٌ زرقاء، تبتسم، فتنكشف ثلاثة أسنان منخورة، تطلق صوتًا مرحًا كذئبة تضحك. كنت أصادفها عند ذهابي وعودتي من مدرستي، قبل أن تختفي ﻧﻬائيًا، ذاكرتي احتفظت ﺑﻬا مشهدًا يخص طفولًة تتسرب مع الأيام.

الإشاعات التي ُأطلقت حولها كثيرة ومتشابكة، أما الحقيقة فهي تحصيل حاصل. لم يتمكن أحد من أهل الحي، كما أكدت أمي، أن ينتزع الحقيقة من فمها مباشرة، فقد كانت امرأًة بلهاء لم تحفظ من الكلام إلا تلك الأصواتَ المزمجرَة التي تخرج منها، فتخيف الصبية ما عداي، أمدُّ لها رغيًفا سرقته من بيتنا، كنت جريًئا قبل أن أتعلم الخوف لاحًقا.

يزعق الأطفال خلفها: المهبولة .. المهبولة.

ترتجف نظرﺗﻬا، تتكسر أهداﺑﻬا البيضاء، تحملق خلفها، فيما تشق طريقها بينهم بعرج واضح في ساقها يجعلها تحجل، فترتج معها دهو ُ ن مؤخرﺗﻬا. تأخذ مكاﻧﻬا في بقعة ظليلة، يتمتم صوﺗﻬا برتابة ﺗﻬدهدها فتغفو مطويًة على نفسها، تتأرجح بجسدها الفقير مغمضًة تخبئ نفسها عن العيون.

حكاية زرقاء مثل دغدغة رومانسية تقول:

نذرت نفسها لحلم متكبر. الحب مد رأسه بإصرار، أصاﺑﻬا بحكة جلدية، لم يتركها إلا وبقع حمراء تدميها..

كانت مشروع عانس محتملة بسنواﺗﻬا التي تجاوزت الثلاثين بعامين، حين التقته مترصدة حسنه، باهرًا مثل نجم ساطع. ظنت أن للغيوم ملمس القطن، كان ظنًا فحسب، هكذا أخبرها بوقاحة، جعلها تمد يدها لتذوق طعم النجوم، كانت حارقة.
الحدس لم يح ّ ذرها كما تفعل القطط حين تموء قبل المطر، و مميموزين (آلهة الذاكرة) كان كاذبًا لم يحفظ الوعد، ولم يحمها من ورطة الزمن.

قال لها:………………………….

كان كلامًا مطا ً طا فيه كثير مما لا يقال ولا يصدق. ضَجّت بضحكة بريئة، وضعت إصبعها عند غمازة ذقنه، فثارت شهية الجمر.

الريح التي هبت داخلها صفقت الباب الموارب، اهتزت الأقفا ُ ل فوق المزالج.

متهكمًا سألها: أول مرة؟.

كانت المرة الأولى بالفعل؛ ثمارها المخبأُة دون عناية فاحت برائحة العفن؛ أدار رأسه متأفًفا.

الغوايُة مهمة النساء، وأمها علمتها كيف تمشي على أطراف أصابعها لتبقي البلاط خلفها لامعًا، وكيف تفلفل الأرز، وتتأكد من نضج ورق العنب. كانت تؤنبها بسبب الغبار العالق داخل الكؤوس الزجاجية المقلوبة على فمها، و تحملها مسؤولية اللمعان الباهت للأواني الفضية، ثم مضت قبل أن تلقنها درسًا حقيقيًا عن الرجال.

غادرها مزمجرًا، لاعنًا جسدًا له طعم قبر. لم تستوقفه، كما لم تنسه، رغم حاجبيه المعقودين، بقيت تراهن على دروب سترجعه.

حكاية حمراء مثل إشاعة فاجرة تقول:

يتنشف الوجع بمناديل معلقة عند مداخل التيارات الهوائية؛ تذبل مثل براعم تركن لإغمائها الرطب، تبقى أسيرة عار نسجته بخيط الرغبة الرخو حتى تفتق في الهزيع الأخير من العمر.

دامسُ العتمة كان الليل حين سمعوها تدفع الموت عنها، مقسمًة بين ضحكتين طويلتين أن ره ً طا من الرجال ناموا على زندها مثل أطفال يتامى، كان بينهم العاشقُ، والوليدُ، والدميمُ، والجمي ُ ل، والثرثارُ، وذو الغنةِ..

بعباءات و(شراويل) وبناطيل مكوية جيدًا، أو مكرمشة.. أشخاصٌ كثرٌ، بملامح تتذكرها، وأخرى ضاعت في غبش رملي. تسمع بين الآهات الحارة وعودًا تكذب بفجور. كانت تصغي مدعية السذاجة، احتفظت بدفئها أثناء وصلتها الراقصة حين تعري ساقيها، فتقفز العيون من المحاجر، وتتفتت القلوب..

” سماهر” بخشخشة أساورها، كائنُة السهر المديد، أرادت أيام مراهقتها امتحان جمالها، ونجحت أكثر من مرة. ﺗﻬافت عشاقها، قبل أن تسقط، في إثبات معالم حسنها، هربت لتختبئ، بحملها مجهول النسب، عن عمها الشرس، وأخيها المستبد، وأمها التي راحت تلطم فخذيها ناعية عارها..

لابد من الوقت كي يفصل اللحظات بعضها عن بعض.. طف ٌ ل في ملجأ اللقطاء، وهي تعمل في صالة ليلية تتلمظ طعم النشوة، لم يعبرها الهرم الذي تحسب حسابه كلما نظرت في المرآة، سبقه ابن عم لها، عثر عليها حين جاء صدفة، ليشرب كأسًا ويرافق عاهرة، طاش لرؤيتها صوابه، أنزلها من فوق المسرح الصغير، جارًا جسدها السخي من ساقها، ارتطم رأسها بالخشب والبلاط، وكانت السكين بين أسنانه، لم يقتلها، لكنه لم يتركها قبل أن يحفر فوق جسدها علاماتٍ لا تمحى: ندوبٌ وخلعٌ في عظم الحوض، ﺗﻬتكٌ في العضلات، ومي ٌ ل يرّنح جسدها.

تّلوح بكلتي يديها مشوحًة كلما استعادت الوشوشات والكركرات؛ منكسرًة ومهزومًة مثل شبح، تترك فوق الرصيف شحوﺑﻬا الأبيض، وخصلًة لاهثًة، تبحث في العابرين عن قسمات طفل، يشبهها ولا تعرفه.

حكاية سوداء مثل حادثة واقعية تقول:

جنازة أبيها مستهل أحزاﻧﻬا، ظنت أﻧﻬا بكته بما يكفي، لكن هناك دائمًا المزيد من كل شيء.

لم تستطع انتزاع الحقيقة من فمه، فالموتى لا ينطقون، حتى حين أنشبتْ أظافرها في القبر البارد.

أرادت أن تسأله: “هل تركت كل شيء لأبنائك الصبيان وحرمتني؟.”

الوصية ورقة حمقاء، وسطورها لغز لم تستطع فهمه، هي وحيدة والدها، (عِرق عينه) كما يدّلعها حين كان يجلسها على ركبتيه، ويهمس لها:

“لكِ رائحة أمك..” غفت، وأصابع حنانه ﺗﻬدهدها.. انتشلها من الحلم لي ٌ ل هاد َ ن وحدﺗﻬا، قبّلها من جبينها؛ أشباحُ المقابر رحيمٌة بقلب طيب، يواسوﻧﻬا، فلم يكن من المعتاد، بالنسبة لهم، غفوة بنت مكومة فوق حجارة القبور. اثنان منهم صادقاها، قدما لها بعضًا من طعامهما، كان له مذاقٌ غريبٌ، لكنه يؤكل.

شربت كثيرًا، انطفأ غضبها، تعودت حياة المقابر، تحاكي الأشباح، تصنع منهم أخوة لم تلدهم أمها.

تتوسد الشاهدة، تضم بذراعيها الرخام الأملس، تنتظر من أبيها أن يشرح لها. خذلتها علاقة القربى والدم الذي صار ماءً ممزوجًا بنسبة عالية من الخديعة.

بصفاقة أخبراها:”صكوك الملكية مكتوبة باسمنا، بما فيها البيت الذي تسكنين.. لو لم نكن بحاجة إلى ثمنه لما بعناه، على كل إما أن تشتريه منا أو نبيعه” لا أحد يزعل من الحق.. ظروفُ أخيها الأول صعبة، بيته أضيق من أن يحتمله، وأخوها الثاني ركبته ديو ٌ ن لا يستطيع سدادها.

على المتضرر اللجوء للقضاء: القاضي.. المحامي.. الشهود.. الأوراق الرسمية.. الجلسات المتكررة.. التأجيل.. الوقوف في طابور المدّعين.. مناطحة الزمن.. لجنة فحص الخطوط.. مقارنة التوقيع.. القلم الذي استعمله المرحوم.. حالة أباها الذهنية.. والفضيحة التي تكبر مثل كرة ثلج.

“لوثتِ اسم العائلة..”

بشعر طويل وأثداء لا تتر حليبًا أو رحمة.. مذنبٌة.

على الرغم من إثمها، استأجرا لها غرفة مظلمة في سرداب دار قديمة تأويها..