البتراء: هل خبأ الفراعنة كنوزهم فيها ؟

البتراء

هل خبأ الفراعنة كنوزهم فيها ؟

سامي عبود

نشر المقال في آب / أغسطس 1961 ، العدد العاشر ، الرائد العربي

منذ الآف السنين ، وتحت أشعة الشمس المحرقة ، تقدمت قوافل العرب متجهة نحو البتراء ، عاصمة الانباط. قوافل كثيرة وكبيرة ، منها ما خرج من اليمن او من بلاد سبأ ، ومنها ما جاء من غربي القارة الأفربقبة او من أقصى شرق الكرة الارضية ، متجهة كلها نحو البتراء ، جالبة معها خيرات العالم القديم ونوادر الماضي وكنوز الشرق من ذهب وفضة ونحاس واحجار كريمة وعطر وطيب وحرائر.

كانت البتراء في ذلك الوقت مدينة الانباط وعاصمة لامبراطورية تجارية وصلت حدودها حتى الفرات ، وصكت نقودها في مدينة دمشق ، وبنت سفنها في موانيء البحر الاحمر .

يبقى تاريخ الانباط قبل هذا الوقت غامضاً ومبهماً ، رغم ما قام به الباحثون والمنقبون من بحث وتنقيب . وكل ما هو معروف عنهم آنذاك أنهم قوم عاشوا على الغزوات الفردية ، يستولون على خيرات القوافل ويعيشون في بحبوحة محدودة حتى تطل قوافل جديدة .

مع مرور الوقت إنقلب الانباط من غزاة الى دولة مسالمة بعدما أيقنوا ان مغانم الغزو محدودة وان السلام والامان يجلبان الثروة والقوة والجاه . فنراهم بدأو من عام 312 قبل الميلاد حتى سنة 106 ميلادية يحشدون الجيوش ليضمنوا السلام لربوعهم وديارهم . وهكذا بدأ عهد جديد في تاريخ الانباط . فاستقبلوا بسلام وامان القوافل المحملة وانتعش اقتصادهم ونشطت حركتهم التجارية ، واذا بالبتراء تصبح عاصمة لامبراطورية مهمة ، لعبت دوراَ كبيراً في الحياة الاقتصادية والسياسية لعالم ذلك الزمان . وظهرت للانباط ، بفضل سياستهم الجديدة ، مستعمرات على شواطىء ايطاليا وبلدان البحر الابيض المتوسط ، ووصلت قوافلهم الى أقاصي الأرض .

كانت العربية لغة الانباط الأصلية . إلا انهم اقتبسوا اللغة الارامية التي سادت آنذاك في هذا الجزء من العالم، خصوصاً كلغة للتجارة العالمية . وكتب سترابو ، العالم الذي عاش في القرن الاول قبل الميلاد ، يصف حياة الانباط الاجتماعية مادحاً إياهم لعدم وجود عبيد لديهم ولانتقاء الرقيق في مجتمعهم . ووصفهم بأنهم ديمقراطيون .

ظهر إسم الانباط لأول مرة في التاريخ في تدوين أشوري يرجع تاريخه الى سنة 650  قبل الميلاد . وعندما إنهزم انتيجونس سنة 312 ق.م. احتفظ الانباط باستقلالهم رغم الدسائس والغزوات المتكررة التي تعرضوا لها على ايدي السلوقيين والبطالسة والمكابيين . لكن ، في عهد الامبراطور الروماني تراجان ، نراهم يعتمدون على روما سياسياً ، مع احتفاظهم باستقلال داخلي . وكان الرومان يحافظون على علاقتهم الطيبة مع الانباط طالما هذه السياسة خدمت مصالحهم . فوجود هؤلاء الانباط على حدود امبراطوريتهم الجنوبية كان رادعاً ضد غزوات القبائل الصحراوية . وبقيت الحال على هذا المنوال حتى سنة 106 بعد الميلاد عندما أصبحت البتراء جزءاً من ” المقاطعة العربية ” التابعة لسلطة روما .

صمدت البتراء رغم مكائد اعداء الانباط وهجوم الجيوش الجرارة لتموت موتاً مؤلماً على يد ابنائها أنفسهم . فالتقلبات السياسية الداخلية حولت القوافل نحو طرق جديدة أكثر أماناً من الطرق القديمة ، فهجر سكان البتراء مدينتهم الجميلة وقطنوا مدناً يافعة وغنية بحركتها التجارية مثل جرش الخضراء او كناتا ( قنوات ) المقدسة وبصرى اسكي الشام ذات الحجارة السوداء او تدمر ملكة الصحراء .

جاء النساك والرهبان المسيحيون الاوائل الى المدينة وعاشوا في كهوفها وصلوا في ديرها . وما زلنا نرى حتى اليوم ، في جزء كبير من بقايا المدينة ، اشارات الصليب محفورة على ابواب البيوت ، ذكرى لتلك الفترة . ونرى كذلك أكبر تسجيل باللغة اليونانية داخل قبر على حائط صخري كتب باللون الاحمر الغامق يعلن تحويل هذا المكان من معبد وثني الى كنيسة مسيحية على يد الكاهن جايسون سنة 477 ميلادية . وعندما وصل الصليبيون الى البتراء كانت المدينة خاوية تقريباً ، فشادوا فيها قلعتين . وعند انهزامهم ، جاءها السلطان بربر سنة 1265 ميلادية وصعد نحو قلعة الصليبيين فوجدها منيعة وقوية وذات هندسة فريدة.

بعد هذا التاريخ أصبحت ايام البتراء محدودة . فعندما وصلها السلطان محمد ورمم البناء فوق قبر هارون ، شقيق النبي موسى ، سنة 1361 ميلادية ، إختفت البتراء تدريجياً من مسرح التاريخ . فهجرها أهلها تماماُ وأصبحت وكأنها لم تكن . وخيم سكون موحش فوق بيوتها ومعابدها ومدرجها وأصبحت اسطورة تتناقلها الالسن ، قصة غريبة عن مدينة اختفت في طيات التاريخ واختفى اسمها واندثرت اكثر معالمها ونسيها الناس.

مرت السنون والبتراء منسية مهجورة ، يصفر الهواء بفراغها وينبت العشب حيث يشاء في أرضها .

تناقلت احاديث بدو الصحراء من حول مواقدهم اساطير نصف خرافية ، ذكروا فيها صخرة هائلة الحجم وكأنها جبل ، في قلبها معابد سحرية بناها من هم فوق طاقة البشر! . وذكروا وادياً صحراوياً عميقاً حفرته الجن حيث خبأت كنوزها واحجارها الكريمة وراء امواج من الألوان . وذكروا مدينة مائتة حيث لا يوجد اموات في قبورها . وذكروا قبائل شديدة الحساسية تمنع الغرباء من تدنيس مزاراتهم المقدسة ! . وذكروا الكثير الكثير .