الخانات في دمشق

الخانات في دمشق

في كتاب دمشق، مدينة إسلامية ج2/1911 للباحثين الألمانيين وولتسنغر وفاتسنغر تحقيق لمواقع المنشآت الإسلامية، وفيه ورد ذكر أقدم خان في دمشق هو دار الضيافة يعود إلى عام 123ه/720م، ثم ورد اسم خان أما جور ويعود إلى عام 265ه/878م. وهذا يعني إن الخانات في دمشق أنشئت منذ العصر الأموي واستمرت إلى العصر العباسي، ثم الفاطمي حيث ورد في هذا الكتاب اسم القيسارية الفخرية التي تعود إلى عام 434ه/1042م.

لقد وردت في هذا الكتاب أيضاً أسماء خانات تعود إلى العصر الزنكي زادت عن العشرين خاناً، وأسماء خانات تعود إلى العصر الأيوبي تزيد عن هذا العدد. ولم يبق من هذه الخانات اليوم أي أثر. أما الخانات التي أنشئت في العصر المملوكي، فلقد بلغت مئة وخمسين خاناً بقي منها، خان الدكّة فقط.

إن عدد الخانات الوافر التي كانت في دمشق ومازال القليل منها باقياً، يدل على مدى ازدهار الحياة الاقتصادية والتبادل التجاري بين دمشق وغيرها من المدن السورية أو العواصم الإسلامية، وبخاصة المدينتين المقدستين مكة المكرمة والمدينة المنورة، فلقد كانت مواسم الحج ذهاباً وعودة هي من أخصب المواسم وأطولها، ولقد أثرت الظروف السياسية والاقتصادية في الدول المجاورة وفي سورية، على المواسم الاقتصادية، مما نراه واضحاً في تزايد أو إهمال الخانات عبر التاريخ.

ومقابل خان أسعد باشا يقوم خان صغير يضم مجموعتين من المخازن، بينهما مازال قائماً عمود يحمل أساس عقود، مما يدل على أنه كان يحمل أعصاب قبتين تغطيان باحتي المجموعتين، وهو مؤلف من طابقين ويطلق على هذا الخان اسم خان العمود ولا يعرف تاريخه الدقيق.

وليس بعيداً عن هذا الخان، يقوم خان الصدرانية. ويختلف مخططه عن باقي الخانات، بسبب مساحة الأرض المحدودة الضيقة، ويلفت النظر بحلوله الهندسية التي أدت إلى الاستفادة من كل جزء من الأرض لإقامة المخازن والغرف حول باحة مستطيلة وحدودها ثلاثة عشر مخزناً. أما غرف الطابق العلوي فهي مهدمة ومهجورة.

وثمة خان صغير يسمى الزعفرانية يشبه هندسياً خان الصدرانية وهو معاصر له.

وبلغ عدد الخانات التي أنشئت في العصر العثماني ثلاثة وثمانين خاناً، بقي منها خان المرادية وخان الجمرك وخان الزيت وخان سليمان باشا وخان أسعد باشا وخان السفرجلانية وخان الزعفرانية وخان العامود وخان الرز وخان العصرونية وخان القيشاني وخان التوتون وخان الصوّاف وخان الصنوبر وخان السلق وخان القطن وخان الجلود وخان مردم بيك وخان الجيجاوي وخان الكزبري وخان شموط وخان القوتلي، ثم وكالة العشا ووكالة كحالة.

وتفتقر أكثر الخانات إلى مصادر تاريخية، سواء منها الخانات المتبقية والماثلة حتى اليوم أو الدارسة المهدومة. وسنذكر أهم الخانات الدمشقية التي مازالت باقية وقد شملتها عمليات الترميم والتأهيل، بعد أن أهملت طويلاً. ولا بد من القول إن جميع الخانات المتبقية، مسجلة في القوائم الأثرية، وهذا يعني أنها تحت حماية السلطة الأثرية ورعايتها، ولا يجوز هدمها وتغيير أوصافها حتى ولو أرادت ذلك السلطات البلدية أو الوقفية.

إن خان الدكة هو أقدم خان مازال قائماً حتى اليوم، وتسميته تعود إلى منصة حجرية فيه كانت تعرض عليها الجواري والأقنان لبيعها، ولذلك أطلق عليه أحياناً اسم خان الجواري، ويقع في سوق مدحت باشا.

وهو مؤلف من باحة مكشوفة محاطة بثمانية غرف، وثمة قاعة كبرى في الزاوية الشمالية الشرقية، ومازالت أعمدة المنصة أو الدكة قائمة في الباحة التي زالت منها البركة ذات الاثني عشر ضلعاً. وفي الدهليز الذي يعقب بوابة الخان غرفتان من كل جانب. والخان مؤلف من طابق أرضي فقط.

ومن العصر المملوكي مازال خان جقمق قائماً، وكان الأمير سيف الدين جقمق نائب السلطان المملوكي في دمشق قد أنشأه عام 824ه/1421م، وهو يقع كسابقه في سوق مدحت باشا، هذا السوق الذي كان في العصر الروماني السوق الرئيسي للمدينة “دوكومانوس”.

ولهذا الخان الصغير بوابة مزخرفة كبيرة، تنتهي بعد دهليز مسقوف إلى باحة مكشوفة مستطيلة، كانت لها بركة سداسية، ولقد أحيطت بغرف عددها ثمانية عشر غرفة، وفي جانبيها إيوانان من الشرق والغرب مغطيان بقبوة متصالبة. ويصعد إلى الطابق العلوي من درجين في الدهليز، وفيه اثنتان وعشرون غرفة، سقوفها كانت مقببة قبل حريق 1925م ثم أعيد بناؤها مسطحة.

أما خان الخياطين الذي أنشأه الوالي العثماني شعبان أحمد شمسي باشا سنة 960هـ/ 1553م، فإنه يقع في سوق الخياطين وكان اسمه خان الجوخية. وهو مؤلف من بوابة مزخرفة، ودهليز في طرفيه درج وقاعة واسعة، لعل أحدها كانت مطبخاً. وينتهي الدهليز بباحة مستطيلة مؤلفة من مربعين، ومحاطة برواق، ولعل الباحة كانت مغطاة بقبتين لهما أثر واضح في زوافر وأركان القباب المتبقية. ويحيط بالباحة اثنتي عشرة غرفة، كل غرفة مؤلفة من قسمين تعلو كل واحدة قبة. أما الطابق العلوي فكان مؤلفاً من عدد مماثل من الغرف التي يتقدمها رواق مقبى يدور حول الباحة ويشرف عليها. ويعدّ هذا الخان أقدم الخانات العثمانية في دمشق.

أما خان الحرير الذي يقع في سوق الحرير، جنوبي الجامع الأموي الكبير، فلقد أنشأه سنة 981ه/1573م درويش باشا، ويطلق عليه اسم قيسارية درويش باشا. وقد أوقفه لصالح جامع الدرويشية وملحقاته وتبلغ مساحة هذا الخان الواسع 2500م2، وتنفتح بوابة الخان المزخرفة من طرف الواجهة المبنية من مداميك متناوبة من الحجر النحتي الأبيض والأسود، ويحيط بالخان خارجياً سبعة وعشرون مخزناً، وعندما نتجاوز البوابة وبعد اختراق الدهليز المغطى بقبتين متصالبتين، نصل إلى الباحة المكشوفة المحاطة بتسعة عشر مخزناً لكل مخزن مستودع. وفي وسط الباحة بركة. ويغطى المخازن قبوات سريرية أو متصالبة، وهي مبنية من الحجر النحتي الأسود، وفوق أبوابها ونوافذها أقواس مزينة بمنحوتات بديعة ونصعد إلى الطابق العلوي من درجتين في الدهليز، ونصل إلى رواق محيط مغطى بأربع وأربعين قبة صغيرة، وخلفه تقوم اثنتان وخمسون غرفة مغطاة بقبوات سريرية، وثمة غرفة واسعة تخرج من مخطط الخان في الزاوية الشمالية الشرقية وتقوم فوق مخزن في الطابق الأرضي في عام 1006ه/1593م وبمقتضى وقفية مراد باشا تم بناء قيسارية ابن القطان التي تسمى خان الصابون.. وخان المرادية الذي يسمى البزستان.

أما القيسارية فهي بناء صغير مؤلف من طابقين حول باحة مربعة وفي الطابق العلوي رواق مغطى بإحدى عشرة قبة.

أما خان المرادية فكان موقوفاً على فقراء الحرمين الشريفين ويقع غربي الجامع الأموي. وله خمسة أبواب وهو مؤلف من بناء مربع وملحق مستطيل، ويتألف البناء المربع من باحة مربعة محاطة بأربعة وعشرين مخزناً عدا ثلاثة وعشرين مخزناً خارجياً. أما الملحق فهو دهليز يشكل مدخلاً لخان الجمرك أما خان الجمرك وهو من منشآت الوالي مراد باشا سنة 1596م فهو يختلف بمخططه عن جميع الخانات، إذ يمتد على شكل زاوية قائمة من دخلة السليمانية إلى سوق الحرير باتجاه الشرق. ولقد ورد وصفه في وقفية مراد باشا وصفاً دقيقاً مع وصف المرادية، وهو يتضمن ثلاثة وخمسين مخزناً كبيراً وثمانية مخازن صغيرة، وتقوم بين المخازن عضادات تحمل أقواساً يستند عليها تروس تحمل تسع قباب ذات رقاب ونوافذ.

ولا بد أن نتذكر خان سليمان باشا الذي يقع في سوق مدحت باشا ومبني بمداميك بيضاء وسوداء بالتناوب. وهو كباقي الخانات هندسة ويمتاز بباحة مستطيلة كانت مغطاة بقبتين زالتا ومازالت آثارهما باقية. وحول الباحة تقوم سبع عشرة غرفة ومخزن وإسطبل ودورتان للمياه.

أما الطابق العلوي فهو مؤلف من رواق مغطى بقبوات متصالبة ومحاط بتسع وعشرين غرفة ذات نوافذ من الطرفين؛ الداخلي والخارجي، ولهذا الخان أبواب ثلاثة تقع في الزاوية الجنوبية الغربية، لقد ابتدأ بناء هذا الخان بأمر الوالي سليمان باشا العظم سنة 1145ه/1732م وانتهى 1150ه/1736م. وقد ورد ذكره مستقلاً، وفي عصر ابن أخيه أسعد باشا سنة 1156ه/1743م ابتدئ ببناء خان أسعد باشا.
يستحق خان أسعد باشا بحثاً مستقلاً، فهو آبدة معمارية تفوق نظائرها في جميع أنحاء البلاد التي انتشرت فيها الخانات الإسلامية. ولقد وصفه “لامارتين” عند زيارته إلى دمشق، بكثير من الإعجاب والتقدير لصانعيه ومصمميه.

أنشئ هذا الخان في عام 1156ه/1743م وانتهى بناؤه عام 1167ه/1754م وهو ملك خاص لوالي دمشق أسعد باشا العظم ثم انتقلت ملكيته فيما بعد إلى عدد من التجار، ثم استملكته مديرية الآثار مؤخراً ورمم لاستخدامه سوقاً سياحية للصناعات الشعبية.

يقع هذا الخان في سوق البزورية الشهير حيث باعة العطارة والسكاكر، إلى جانب حمام تاريخي أنشئ في عصر نور الدين بن زنكي. وتبلغ مساحة هذا الخان 2500م2، ويمتاز بواجهة عريضة في وسطها بوابة ضخمة مزخرفة، يعلوها ساكف مزخرف بقوسين بارزين متشابكين وفوقهما تجويف من المقرنصات يحيطه قوس مركب من أحجار متشابكة مسننة بلونين أبيض وأسود متناوبين، وفوقه نافذتان وعلى جانبي القوس من الأعلى نوافذ مستطيلة، ومن الأسفل فتحتان مزودتان بفسقيتين. وفي واجهة البناء الجنوبية الغربية 31 مخزناً. وبعد دهليز عريض يستوعب غرفتين للحراسة ومصعدي الدرجتين، نصل إلى باحة ذات فتحة سماوية دائرية توحي أنها كانت مغلقة بقبة، وفي وسط الباحة بركة مثمنة. وجدران الباحة التي تشكل واجهات الغرف مبنية بالحجر الأسود والأبيض بمداميك متناوبة. ويحيط الفتحة السماوية ثمانية قباب تغطي الباحة عدا مركزها بمساحة 729م2 ولقد أعيد ترميم بعض هذه القباب مؤخراً. وهي ترتفع عشرين متراً.

ويتألف هذا الخان من طابقين؛ الطابق السفلي ويحوي واحداً وعشرين مخزناً أكثرها مزوّد بمستودعات. وفي القسم الشمالي الغربي مسجد صغير ينفتح إلى خارج الخان.

ويتألف الطابق العلوي من أروقة مشرفة على الباحة، وخلفها خمسة وأربعون غرفة، وجناح للمراحيض. وجميع الغرف مغطاة بقباب صغيرة، وذات أبواب ونوافذ مازالت تحتفظ بأصالتها مع أقفالها إن واجهة هذا الخان ومشهده الداخلي يثيران الإعجاب بروعة الزخرفة والتنسيق اللوني، مع دراسة رائعة للفضاء الداخلي.