شرفات بيروت

 شرفات بيروت

 قصّة قصيرة

بقلم هناء منصور

الصف الثاني الثانوي
الانترناشونال كولدج , بيروت

تدور أحداث هذه القصة في العاصمة بيروت في السبعينات من القرن الماضي. تتناول قصّة حبّ يتحدّى المصاعب والأزمات. حبٌ للحبيب وللوطن أقوى من البعد والفراق و من كلّ الحروب.

“أنا على الشّرفة” ! هذا كان جوابها كلّما بحثت عنها أمّها. ثريّا صبيّةٌ مراهقةٌ في السادسةِ عشرةَ من عمرها، جميلة الوجه والقدّ، تحبّٰ الحياةَ، وهي طالبة في القسم الثانوي.

وكانت تنسى كلّ شيء عندما يلاقيها سمير عند كلّ غروب، فتطلّ من شرفة منزلها، لتغرق في ساعاتٍ من أحاديث الحبّ والغزل، وكذلك الأحاديث عن الحياة، والدراسة، والمستقبل، والوضع الذي يمر فيه لبنان…فلم تكن تكفيها الرسائل التي يكتبها لها، ولا حتى المكالمات الهاتفية، بل كانت تتوق لرؤيته كلّ يوم، إذا أمكن.

سمير شاب في الثامنة عشرة من عمره، ممشوق القامة، مفتول العضلات، وسيم، ولذلك كان محطّ إعجاب كلّ فتيات الحيّ. كان طالباً في كلّية الآداب في الجامعة الأميركية ببيروت. وثريّا كانت تعشق إبتسامته الساحرة، ونبله، وطيبته، وصدقه، وطبعه الهادئ وأخلاقه الحميدة. وهو يحبّ حديثها، وطلّتها، وإبتسامتها اللؤلوئيّة، وضحكتها الخجولة، وشخصيّتها المرحة.

يملأ هذان الشابان الأمل والتفاؤل بآفاق مستقبلٍ مشرقٍ وطموح لا يعرف حدوداً. وكانا يرسمان في خيالهما خطط المستقبل الواعد، المميّز، المثالي، والذي سيجمعهما يوماً في الواقع كما في عالم الأحلام.

تسأله ثريّا: “كم تحبني؟”

فيجيبها: “حبّي لكِ بغير حدود” !

ثم تسأله: “إلى متى ستظل تحبني هكذا؟ أيمكن أن يأتي يوم تتوقف فيه عن حبي” ؟

وكان يجيبها دائماً ويؤكد لها: “سأظل أحبك حتى آخر رمق فيّ، مهما طال الزمان ورغم أي شيء”.

وكانت ثريا بعد سماعها هذه الكلمات تشعر بالسعادة والإطمئنان والرّضى.

فالحياة لا يمكنها أن تكون أفضل مما كانت عليه في ذلك الوقت، فسعادتهما لم يكن يسعها الكون.

ومرّت السّنوات، وتخرّج سمير وثريا في الكليّة. وعندما ظنّا أنهما سيدخلان معترك الحياة، وبدأت تراودهما فكرة التأسيس لحياتهما معاً، إندلعت أول شرارة للحربٍ الأهليّة في لبنان. وطبعاً، لم تسلم بيروت من ويلات هذه الحرب، وكان ذلك في ربيع عام ١٩٧٥. كانت المنازل تقصف عشوائيّاً وبغزارةٍ وشراسةٍ وعنف، مخلّفة أعداداً كبيرة من القتلى والجرحى والمشرّدين وكذلك المهاجرين إلى بلدان آمنة.

أين كنت يا بيروت وأين أصبحت؟ أنتِ، يا سويسرا الشرق، كيف تحولت إلى ساحة حرب ودمار؟!

وإنقطع الإتصال بين الحبيبين، و إنقطعت جلساتهما الطويلة على الشّرفة.

وأصبح السكان في كلّ مبنى يقضون ساعاتٍ طويلة في الملاجئ. وبات همّهم ينحصر في كيفيّة التعامل مع إنقطاع الكهرباء والمياه . وباتوا يلهثون وراء أمورٍ أساسية؛ كتأمين مكانٍ آمنٍ، ولقمة العيش، وبعض المستلزمات خوفاً من نفادها من الأسواق.

قررت عائلة سمير الهرب من جحيم الحرب والسفر إلى الخارج. عندما علم سمير بالخبر، صعب عليه تحمل الفكرة، إنفطر قلبه حزناً. فبالإضافة إلى ألم الغربة وترك الوطن في أصعب الظروف، كان أكثر وأشدّ صعوبة عليه فراق ثريّا. فبالنسبة إليه، كانت ثريا محور حياته.

تمالك نفسه وإستجمع شجاعته وأسرع إلى منزل ثريا التي إشتاقت إليه شرفاته. لكنّه لم يجدها ولم يجد أثراً لأي فرد من عائلتها، لا في المبنى، ولا حتى في الملجأ. وسأل عنها بعض الجيران، لكنهم لم يجيبوه . إمتلكه القلق، فالذعر . وبدأت الأفكار السوداء تراوده. هل حصل لهم مكروه؟ أيمكن أن يكونوا قد سافروا؟….

اشتدّ حزنه، ولم يتمالك نفسه فانهمرت دموعه – التي طال كبتهـا- على خديّه وهو يتأمل الشرفة الخالية، شرفة الحبيبة الغائبة المفتقدة. كان يأمل أن يودّعهـا، لكنه إضطر للمغادرة مع أهله، دون أي خبر عنها، حاملاً معه في حقيبته الرسائل الغالية التي سطرتها له، وبعض صورها. وفي قلبه كلّ حبه لها وشوقه إليها، وذكرياتٍ جميلة. لكنّه لم يعرف أن ثريا كانت تصارع الموت في إحدى مستشفيات بيروت. فقد أصيبت برصاصةٍ طائشة في رأسها ونقلت على الفور إلى المستشفى حيث خضعت لعمليّة جراحية دقيقة، وبقيت بعدها في العناية المركزة. وتركت الجروح آثاراً على وجهها، فباتت تحتاج لعملية تجميلية في المستقبل، عندما يستقرّ وضعها. صدمت ثريا ما إن شاهدت وجهها في المرآة، ثم بكت وتذكرت كيف كان سمير يتغنّى بجمالها. بدأت تتساءل إن علم سمير بالحادثة.. مفتقدة وجوده ودعمه في هذه الفترة الحرجة.

مضت الأيام والأسابيع قبل أن تتلقى رسالةً من سمير يسأل عنها ويخبرها فيها بما حصل وكيف إضطرّ إلى مغادرة لبنان ولم يشأ القدر أن يحظى بلقائها. لكن رغم كل شيء، لديه خبرٌ سعيد وهو أنه عائد إلى لبنان قريباً بما أن الأوضاع الأمنية قد تحسّنت.

وجاء اليوم المنتظر، وعاد سمير متلهّفاً مشتاقاً للوطن والعائلة. وأوّل ما قام به كان الذهاب إلى منزل ثريّا. عندما رآها تفاجأ وصدم، وهي هرعت إلى غرفتها باكية. فأخبرته والدة ثريّا بما حدث، فتلاشت صدمته شيئاً فشيئاً، وتقبّل الفكرة. وسأل والديها كيف يمكنه مساعدتها، فأخبراه بأنها ستخضع لعمليات جراحيّة تجميلية وأنّها بالطّبع بحاجة للدعم والمساندة المعنويّة.

ذهب إليها وطمأنها بكلماتٍ ناعمة: “ثريّا، أنا أحبّكِ، ولن أتخلّى عنكِ أبداً. فأنا أحبّكِ و أحب شخصيتكِ المميّزة وقلبكِ الطاهر البريء، ولا أهتم لشكلك الخارجي فقط. وأعدكِ أنني سأظلّ معكِ. فما أصابكِ كان يمكن أن يحصل معي، وأنا متأكّدٌ أنكِ كنتِ ستتمسّكين بحبّي. وأخيراً، هذه مشيئة الله ونحن نقبلها في كلّ حال، ونشكره ونحمده على كلّ شيء”.

بكت ثريا، ولكن هذه المرّة ذرفت دموع فرحٍ من شدة تأثرها بهذا الكلام الجميل والمفاجئ

وعانقت سمير و في قلبها فرحةٌ عارمة ، فرحةُ معرفتها لهذا الشاب المثالي، المميّز، وصاحب الأخلاق الحميدة .