بيروت جوهرة المتوسّط

بيروت جوهرة المتوسّط

بقلم نديم عازار

الصف الأول الثانوي 

الانترناشونال كولدج , بيروت

منذ التاريخ القديم حتى يومنا هذا ، تثبِتُ بيروت انّها عاصمة التفاعل الحضاري بين مختلف الشعوب والطوائف والمعتقدات .

منذ إستقلال لبنان في أوائل الاربعينات وحتى منتصف السبعينات من القرن الماضي، تلألأت بيروت على شاطئ البحر المتوسط كجوهرة فريدة تمتزج فيها الحضارات مع المحافظة على الطابع الأصيلوالثابت الذي طُبعت به ،ألا وهو الطابع العربي .فما سرّنجاح بيروت في تلك الحقبة من الزمن؟ وما هي العوامل والمؤثرات التي ساهمت في تربُّع هذه المدينة، على عرش الإزدهار والتقدم والرقي ؟

موقع بيروت الجغرافي مكَّنها من أن تكون ممرّا للتجارة ونقل البضائع والسلع عبر مرفئها الذي تميَّز بقدرته الاستيعابية ومنافسته لسائر موانئ البحر الأبيض المتوسط آنذاك.

كما ساهم نمو الحركة في مطار بيروت الدولي في مجال التبادل الاقتصادي وتفعيل السياحة المحلية التي تُعتَبَر مدماكاً أساسياً للإقتصاد اللبناني. وهنا لا بد أن ننوّه بالمبادرة الفردية التي يعتمد عليها لبنان، إضافة إلى موقعه الجغرافي، من أجل التعويض عن النقص في الموارد الطبيعية. وفي تلك الحقبة، لمع دور بيروت الاقتصادي بفضل تشريعاتالدولة و الحكومات المتعاقبة لاسيما في عهد الرئيسْين : فؤاد شهاب وكميل شمعون. وأدى ذلك إلى الاعتماد على الخدمات والتجارة والقطاعين المصرفي والمالي ،بالإضافة الى سوق العملات الحرّة. وقد امتدت تلك الفترة الاقتصادية الذهبية لسنوات عديدة حتى بدء الحرب الأهلية في منتصف السبعينات. فدور بيروت التجاري والسياحي ساهم في إنطلاق عجلة البناء والإعمار ما أدى إلى ظهور الأبنية الشاهقة التي تلامس سطوحها السماء. ويجب ألّا ننسى دور ملايين اللبنانيين المقيمين في الخارج، التي شكلت وارداتهم وتحويلاتهم إلى أهلهم في الداخل نسبة لا بأس بها من الدخل الوطني الذي انعكس إيجاباً على أصعدة الإعمار والصناعة والتجارة.

أمّا دور بيروت على الصعيد الاجتماعي، فحدّث ولا حرج.فبيروت التي حافظت على دورها كمَعْبَرٍ يصل الشرق بالغرب، أصبحت ملاذاً للحرية والتعبير عن الإيمان والمعتقد دون قيد أو شرط. فتلك الفترة الذهبية جعلت من بيروت مثلاً يُحتذى بهمن حيث تفاعل الديانات التي يختلط فيها صوت المؤذّن بأجراس الكنائس . وكانت بيروت تُمثّل النموذج الذي حاولت الأمم المتحدة أن تقتبسه وتطبّقه على مدينة “القدس” لتبرهن أنّ التعايش السلمي بين الطوائف ممكن وبل صحي وطبيعي. وهنا لا بد أن نُبرِزَ الدور الأساسي الذي قامت به الصروح التربويةمثل:”الجامعة الأمريكية في بيروت والجامعة اليسوعية وجامعة بيروت العربية ومدارس جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية ومدارس الإرساليات والرهبانيات المسيحية”. كل ذلك ساهم في تطور الأفكار والمعتقدات السياسية وفي تفاعل الرأي والرأي المعاكس في بوتقة واحدة تُنير بيروت وتوزّع إشعاعاتها الحضاريةعلى سائر أوطان المنطقة العربية والجوار. وفي هذهالحقبة، ترعرعت الأحزاب وكبُرت ممّا ساهم في تكريس منطق المشاركة والديمقراطية وتداول السلطة التي جعلت من بيروت مدينة الديمقراطية.في هذه الفترة، تميّزَ عهد الرئيس فؤاد شهاب بتكوينه الدولة العصرية.فكانت بيروت أولى العواصم العربية التي اعتمدت الإصلاح الإداري والسياسي وحدّثَت القوانين وأنشأت مؤسّسات كالضمان الإجتماعيومجلس شورى الدولة ومصلحة الإنعاش الاجتماعي والتفتيش المركزي ووزارة التصميم وغيرها من المؤسسات التي حدّثت الإدارة والقضاء والجيش. ولكنّ هذا النجاح الذي حقّقَتْهبيروت لم يحصل دون بعض العوامل السلبية التي قد تكون ساهمت بالتحضير للحروب الداخلية. فالهجرة من الريف إلى بيروت ترافقت مع نشوء مناطق بؤس وفقر وغُبْنٍإجتماعي ترعرعت فيها بعض الأفكار المظلمة ومراكز الجريمة والهروب من العدالة. ولقد زاد في الطينة بلّة ارتدادات الصراع العربي الإسرائلي… كلّ هذا أدّى إلى صعود التيارات المتطرفة من كل الفئات والطوائف.والحصيلة أن تحوّلت بيروت أرضاً خصبة للحرب والإقتتال. ولعلّ ثورة 1958 أولى تلك الشرارات التي اشعلت الحرب اللبنانية في ما بعد.

أهمية بيروت في تلك الحقبة الوهّابة تَكْمُن في دورها الثقافي والفنّي والسياحي. فالمدارس والجامعات طبعت صورة بيروت كمدينة للعلم والمعرفة. استقطبت جامعاتها ومدارسها الطلاب من الدول المجاورة والخليج العربي وخرّجت فيها المثقفين العرب والمفكرين والمبدعين الذين نقلوا معهم إلى بلادهم قدراً من الثقافة اللبنانية مما ساعدهم بتبوّء أبرز مراكز العلم والثقافة والسياحة في بلادهم. فانتشرت المكتبات والمتاحف ودور النشر والطباعة في بيروت بفضل مناخ الحرية التي تمتعت به هذه المدينة المميزة. ومن أهمّ ما اكتسبته العالم العربي من بيروت هو حرية الصحافة التي كانت منبراً شبه يتيم في المنطقة. فالصحف البيروتية كبرت وتعدّدت ، وأصبح الإعلام اللبناني رمزاً يُقتدى به في العالم. وبالاضافة إلى الكتابة والنشر، برز دور الفن والمسرح والسينما. ورغم أنّ دعمَ الدولة لم يكن كافياً، إلّا أنّالقطاع الخاصّملأ بعض الفراغ في هذا المجال. ولا يمكن في هذا المجال أن نغفل دور عمالقةٍ في الفنّ والمسرح كالأخوين رحباني وفيروز ووديع الصافي وصباح ونصري شمس الدين وشوشو، وغيرهم ممّن صدّروا الفنّ والحضارة اللبنانية إلى ربوع الأرض كافّةً. ومن المناطق التي ازدهرت ثقافياً في تلك الحقبة، تبرز منطقة “الحمرا” و”ساحة البرج” التي كانت مَلاذاً محبَّباً للكُتّاب والمثقّفين والمفكّرين والمبدعين، فنشأت فيها صالات المسرح”كالتياترو الكبير” والمسرح الوطني ودور السينماكسينما “متروبول” وسينما “أمبير” وسينما “روكسي” ومنتديات الحوار والتبادل الثقافي . ومن منجزات تلك الحقبة من التاريخ بناء “كازينو لبنان” الذي أصبح مركزاً ثقافياً مُميّزاً بالإضافة إلى إستقطابه العديدَ من السوّاح والأجانب. فالسياحة كانت في أوْجِها وترعرعت وكَبُرت بفضل مطار بيروت الدولي والمتحف الوطني وبناء الفنادق والمَرابع الليليّة بالإضافة إلى تنظيم رحلات للاماكن السياحية وإقامة المهرجانات الفنّية كتلك التي اشتهرت بها بيروت بالإضافة إلى بعلبك وجبيل وغيرها من المدن الأثرية.

 أخيراً، ليت التاريخَ يرجع إلى الوراء كي نَمحوَ ما حصل في بيروت مِن حروبٍ وأحقادٍ ودمار فَتَعود بيروت كما كانت في تلك الحقبةِ،عاصمةً للتَعايُشِ والإعتدالِ والإستقرار السياسي والتجاريّ والثقافيّ.فالحربُ تركَتْ بَصَماتِها على بيروت وشعبِها وأعاقَت نموَّها وتقدُّمَها لسنواتٍ عديدةٍ ، وأفقدَتْ بعضَ الثقةِ العالميّة بها وبِدوْرِها في المنطقةِ العربيّة. فهل تعود بيروت يوما لتلعب دورها الريادي من جديد ؟ وما هي مسؤولية جيل الشباب في تحقيق هذه الأمنِية ؟