نساء شبه الجزيرة التاجرات

‎بحث في التجارة / جزء 18

نساء شبه الجزيرة التاجرات                            

تزخر المصادر القديمة باخبار النساء التاجرات في شبه الجزيرة العربية قبل الدعوة وبعدها. ويستفاد من هذه المصادر ان النساء مارسن التجارة قبل الاسلام مثلهن مثل الرجال. ومن النساء اللواتي برزن آنذاك خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى. وكانت خديجة ذات شرف ومال، تستأجر الرجال في مالها وتضاربهم إياه بشيء تجعله لهم منه، كما يذكر المؤرخ ابن اسحق. وكانت لخديجة اخت تعمل في تجارة الأدم. وجاء في روايات عديدة انه كان للنساء مشاركة فاعلة في أسواق الجاهلية ومن بينها سوق عكاظ. وتذكر هذه الروايات ان امرأة من بني تيم بن ثعلبة تدعى ذات النحيين كانت من تجار السمن والمأكولات الاخرى. كما تأتي الروايات على ذكر عبلة بنت عبيد بن خالد وسلمى بنت حريملة، والدة عمرو بن العاص، انهن كانت تبيع العباء.

لم يقف الإسلام عائقاً امام ممارسة التجارة فأجاز الشركة فيها بين النساء والرجال، كما أجاز شراكة النساء بعضهن البعض. كما شدد العديد من العلماء على انه لا يجوز للرجل ان يمنع زوجته من ممارسة التجارة. وكان العديد من النساء يرجعن الى الرسول للاستفسار منه عن رأي الشرع في بعض الامور التي تلتبس عليهن في البيع والشراء. فقد جاءت التاجرة قيلة الانمارية، على سبيل المثال، الى الرسول لتسأله عن موقفه من الاسعار.

كثيرات هن النساء التاجرات التي تكلمت عنهن المصادر القديمة على لسان مشاهير، كابن الأثير وابن سعد البلاذري والأصبهاني وابن قدامة وسواهم، اللواتي عملن في حقل التجارة أمثال عائشة زوج الرسول التي كانت تتاجر في اموال الآخرين، ومليكة ام السائب بن الأقرع الثقفية التي كانت تبيع العطر في المدينة، وأسماء بنت المسور ابن مخزوم التي تعاطت هي الاخرى بيع العطور. وكان ابنها عبد الله بن ربيعة يرسل لها العطور من اليمن. وهناك ايضاً الحولاء العطارة التي كانت تدور على بيوت أهل المدينة لبيع العطور. وفي اليمامة كانت امرأة تاجرة ذات صيت كبير تدير تجارتها عن طريق اولادها وعبيدها. وكان بيتها ملتقى التجار الذين وردوا اليمامة من مختلف الامصار. ومن التاجرات من وظفن النساء في غزل الأقمشة، كما كان بعض التجار كسفيان الثوري يملكون مغازل في مكة تعمل فيها النساء. وكانت للنساء أسواق خاصة بهن كسوق الغزل والكتان. وقد استعان بعض ابرز الناس آنذاك كعمر بن الخطاب بالنساء في ادارة اعمالهم في الاسواق. وكان عمر قد استعمل الشفاء بنت عبد الله بن شمس في احدى اسواق المدينة .

إستفادت النساء من بيت المال والاقتراض منه لأغراض التجارة. فهند بنت عتبة، زوجة ابي سفيان ، قامت الى عمر بن الخطاب واستقرضته من بيت المال اربعة الآف تتجر فيها وتضمنها فأقرضها. وخرجت هند هذه الى بلاد كلب واشترت وباعت وأعادت المال .

كثرت المصاهرات في مجتمع التجار. وكان زواج الرسول من خديجة بنت خويلد أشهر زواج في المجتمع التجاري في صدر الاسلام. وقد أراحه هذا الزواج من عناء الخروج بالتجارة بنفسه وأدى زواجه من هذه التاجرة العزوف عن الزواج بامرأة أخرى في حياته. ومثل هذه المصاهرة، كان زواج ابو سفيان بن حرب من التاجرة هند بنت عتبة التي كانت أشهر تاجرة في عصرها. وكذلك زواج أسماء بنت أبى بكر من الزبير بن العوام وزواج اختها ام كلثوم من طلحت بن عبيد الله ، وزواج عائشة بنت طلحت بن عبيد الله بعبد الله بن عبد الرحمن بن ابي بكر وبعده بمصعب بن الزبير، وزواج آمنة بنت ابي سفيان بحويطب بن عبد العزى ، ثم زواجها من صفوان بن أمية من بعده . وهناك ثلاث بنات اخريات لابي سفيان تزوجهن المغيرة بن شعبة والذي تزوج ايضاً ابنة سعد بن ابي وقاص . وتزوجت ام عمرو بنت عثمان بن عفان سعيد بن العاص ابن ابي أحيحة .

كان معظم أصهار الرسول تجاراً. فقد تزوجت ابنته زينب ابي العاص بن الربيع بن عبد العزى، أكبر تجار قريش. كما تزوج عثمان بن عفان ابنتي الرسول رقية وام كلثوم . وزوج الرسول عمر بن الخطاب حفيدته ام كلثوم بنت فاطمة. وزوج أبو بكر الصديق اخته قريبة من قيس بن سعد بن عباد الانصاري، وزوج اخته الاخرى من الاشعت بن القيس الكندي. وطلب الرسول من عبد الرحمن بن عوف ان يتزوج تماضر بنت الأصبع بن عمرو، رئيس دومة الجندل. وكان بذلك أول قريشي يتزوج كلبية.

شملت مظاهر الترف والثراء نساء التجار. فقد كانت نائلة زوج عثمان بن عفان ترتدي مطرف الخز بمئة دينار. وكانت هدايا التجار الى نسائهم تليق بمستواهم. فقد أهدى مصعب بن الزبير زوجته عائشة بنت طلحة ثماني لؤلؤات ونثرها في حجرها وهي نائمة. وفي زمن لاحق أهدى يزيد بن خالد القسري جاريته ياقوتة تساوي ثلاثة وسعبين الف دينار. كما اتسم صداق بنات ونساء التجار بارتفاع قيمته. فقد تزوج عمر بن الخطاب حفيدة الرسول ام كلثوم بنت علي بن أبي طالب على اربعين الف درهم. ويقال ان مصعب ابن الزبير أصدق عائشة بنت طلحة بن عبيد الله خمسمئة الف درهم عندما تزوجها . وكان مهر زوجة التاجر عمرو بن حريث اربعمئة وثمانين درهما ، سوى الصداق.

المراجع 

1- ابن الأثير ،علي بن محمد الشيباني : أسد الغابة في معرفة الصحابة ، المكتبة الاسلامية ، طهران

2- الأصبهاني ، احمد بن عبد الله : حلية الأولياء وطبقة الأصفياء ، دار الكتاب العربي ، بيروت ، 1967 .

3- ابن اسحاق ، محمد بن اسحق المطلبي : السير والمغازي ، دار الفكر ، بيروت 1978 .

4- البلاذري ، احمد بن يحي بن جابر : انساب الاشراف ، دار الفكر ، بيروت ، 1996 .

5- ابن سعد ، محمد : الطبقات الكبرى ، دار صادر ، بيروت 1960 .