ممالك عربية تجارية المنشأ قبل الاسلام

‎بحث في التجارة / جزء 11

ممالك عربية تجارية المنشأ قبل الاسلام

قامت في المناطق العربية القديمة قبل الإسلام ممالك عربية عديدة. وكان لها دورها الكبير في تلك العصور. وسنتحدث في هذا الفصل عن هذه الممالك، واحدة بعد الاخرى. وقد سبق ان تكلمنا في مقال مستقل عن تدمر المدينة – المملكة تحت فصل مدن تجارية .

1 – مملكة الانباط

شعب الانباط من أقدم الشعوب التي استقرت في جنوبي بلاد الشام . كانوا قبائل عربية بدوية نزحت من شبه الجزيرة العربية منذ القرن السادس قبل الميلاد وانتشرت في بادية شرقي الأردن وشمالي الحجاز وتوسعت على حساب الأدوميين في شبه جزيرة سيناء وجنوبي فلسطين، ثم أنشأوا لهم دولة امتدت من نهر الفرات شرقاً الى البحر الأحمر غرباً. يحدها غرباً وادي عربة وجنوباً الحجاز وشرقاً بادية الشام وشمالاً فلسطين. وعندما قويت شوكة الانباط وسعوا مملكتهم فشملت دمشق وسهل البقاع وجبل عامل وحوران ومدين وديدان (العلا الحالية) .

بنى الانباط مدناً وأنشأوا قرى واتخذوا البتراء عاصمة لهم. تقع البتراء في جنوبي غربي وادي موسى في شرقي الأردن على الخط التجاري الذي يصل جنوبي الجزيرة العربية بشمالها. تحيط بها الجبال ولا يسهل الدخول اليها الا من الممر الضيق المعروف بالسيق. ويعتقد المؤرخ لانكستر في كتابه “آثار الاردن” ان السيق لفظ نبطي محرف من كلمة الشق في السبئية القديمة.

كانت بلاد الانباط جبلية قفراء تكثر فيها المرتفعات الصخرية الوعرة، قليلة المياه. وربما انعكست هذه الطبيعة القاسية على الانباط انفسهم فعرفوا بشدة المراس. ساعدتهم هذه البيئة الصخرية في صد هجمات الاعداء، لذلك سمى اليونانيون بلاد الانياط ببلاد العرب الصخرية وسميت عاصمتهم بالبتراء، وهو أسم يوناني معرب، أي الصخرة لأنها منحوتة في الصخور. كذلك عرفت البتراء في المصادر العربية باسم الرقيم، أي النقش القديم .

سمحت هذه الطبيعة للانباط ان يحتكروا العمل التجاري في منطقتهم الوعرة والصعبة فنقلوا البضائع والسلع بين مختلف الأقاليم وسيطروا على طريق القوافل الموازي للبحر الأحمر الذي كان يربط اليمن والقسم الجنوبي في شبه الجزيرة ببلاد الشام ومصر عن طريق غزة والمدن الفينيقية الشاطئية. وعندما تفككت امبراطورية الاسكندر بعد وفاته وسع الانباط حدود مملكتهم من غزة الى ايلة (العـقـبـة) وأحكموا قبضتهم على الطريق التجاري البري مما أغضب الملك السلوقي انتيغوناس فهاجم بلاد الانباط سنة 312 ق. م لقطع التجارة عن خصومه البطالسة. لكن حملته فشلت وقام بحملة ثانية انتهت بعقد صلح مع الانباط .

أدرك البطالسة، من جهتهم، أهمية بلاد الانباط وأثرها في التجارة المصرية، كما أدركوا استحالة الاستيلاء على تلك البلاد الجبلية الصخرية المحصنة، لذلك عمدوا الى تنشيط تجارة البحر الأحمر بهدف تجاوز الطريق البري، فأنشأوا الطرق والموانئ والمحطات على سواحله المصرية، كما مدوا نفوذهم الى فلسطين والموانئ الفينيقية التي كانت تتعامل آنذاك مع قوافل الانباط. وقاموا، من جهة ثانية، باحتلال اراضي اللحيانيين الواقعة على الطرق الشمالية من الحجاز وأقاموا مستعمرات لهم عند أطراف بلاد الانباط. وبذلك أحاطوا بالبلاد وسدوا منافذ الطرق التجارية، مما إنعكس سلباً على التجارة البرية المارة ببلاد الانباط. وكان جواب الانباط أن هاجموا سفن البطالسة في البحر الاحمر ورد بطليموس الثاني الذي حكم في القرن الثالث ق. م بأن عزز قواته البحرية لحراسة سفنه التجارية وهاجم الطرق الشمالية واحتل خليج ايلة .

إستفاد الانباط من الحروب التي جرت في القرن الثاني قبل الميلاد بين البطالسة والسلوقيين فنشطوا تجارتهم مع سورية ووصل تجارهم الى صور وجبيل وربما الى غيرهما. وعندما ضعف السلوقيون في القرن الاول قبل الميلاد اضطربت أوضاع المنطقة بفعل الصراع بين البارثيين الفرس والرومان، حيث تمكن البارثيون من احتلال العراق واستقلت امارات متعددة في جنوبي بلاد الشام مما عرقل التجارة المارة بالعراق وأدى بالتالي الى ان تستعيد طرق التجارة في غربي شبه الجزيرة العربية زخمها فازدهرت البتراء.

بدأ الانباط في سك عملتهم الخاصة منذ عهد ملكهم الحارث الثالث ( 87 – 62 ق.م. ) في الجرهاء مقلدين الدرخما الآثينية او الدرخما التي كانت تسكها صيدون (صيدا). وفي وقت لاحق أخذت العملة النبطية الطابع العربي في رسومها ونقوشها. وفي زمن الامبراطورية الرومانية ضرب الانباط نقوداً تتبع في وزنها الدينار الروماني.

حضارة الانباط مركبة. فهي عربية في لغتها، آرامية في كتابتها، سامية في ديانتها، يونانية– رومانية في فنها وهندستها. إستعمل الانباط الخط الآرامي – الفينيقي واللغة الآرامية في الكتابة والمعاملات وفي “لغتهم الخاصة” في التخاطب. حوروا الآرامي حتى أضحى أصل الخط العربي الكوفي .

دور البتراء التجاري

لعبت البتراء، عاصمة الانباط ، دوراً بارزاً في تاريخ العرب القديم. أنشئت كمحطة على طريق القوافل التجارية وازدهرت في القرن الرابع قبل الميلاد وظلت ما يقرب من اربعمئة سنة تشغل مكاناً مهما على طريق القوافل ما بين اليمن والشام ومصر. فقدت مكانتها التجارية بعد ان احتلها الرومان واتخذوا، بدلاً عنها، مدينة بصرى عاصمة للمقاطعة العربية.

تمحورت حياة المدينة الاقتصادية حول مركزها كمحطة تجارية لعدد من صناعات العطور والاواني، وسوقاً تجارية نشطة تبيع ما ينتجه حرفيوها من نساجين ونجارين وحدادين وزراع. كانت تتدفق عليها السلع والبضائع من المدن المجاورة والجهات الاخرى، وتجري فيها الصفقات التجارية وتعطى القروض وتتبادل النقود. كانت ملتقى القوافل العابرة لبادية الشام ما بين غزة وبصرى، وما بين دمشق وايلة، وما بين اليمن وبلاد الشام والعراق والخليج العربي. وصلت تجارتها الى موانئ سورية الشمالية والى الإسكندرية في مصر والى رودس وملتوس وديلوس وسلوقته والى ايطاليا والى الصين ايضاً. وشملت مستورداتها العطور والطيوب اليمنية والمنسوجات الحريرية من دمشق وغزة والصين والارجوان من صور وصيدا والحناء من عسقلان واللآليء من الخليج العربي والخزف من روما. حملت تجارها الطيوب والمر والبخور والتوابل من اليمن الى مصر وبعض دول شواطئ البحر الأبيض المتوسط . كما حملوا القار الى مصر للتحنيط.

بلغت البتراء قمة ازدهارها التجاري في القرن الاول للميلاد. وقد ظلت مركزاً تجارياً بين الشرق والغرب وبين الجنوب والشمال الى ان أعاد الرومان فتح الطريق البري من القصر على البحر الاحمر حتى قفط على النيل.

في عام 106 جرد الامبراطور الروماني حملة عسكرية على البتراء وقضى على استقلالها واستقلال الانباط. ومنذ ذلك الوقت تراجعت البتراء وفقدت دورها التجاري حتى تخلت عنه نهائياً الى مدينتي تدمر وبصرى.

بصرى

كانت بُصرى الواقعة في منطقة حوران جنوبي سوريا محطة تجارية مهمة، لا بل من أهم مدن الانباط في الفترة المتأخرة من تاريخهم. كانت تقع على ملتقى الطرق البرية القادمة من شبه الجزيرة العربية عبر وادي السرحان وسوقاً تجارياً كان يبيع فيه تجار الحجاز ما يحملونه من بضائع، كما كانت آخر محطة لتجار قريش في العهد البيزنطي، ومركزاً صناعياً لعدد من الصناعات بينها صناعة الخمور .

لوكي كوما

كانت مدينة لوكي كوما (القرية البيضاء) الواقعة على الساحل الشرقي من البحر الأحمر، ميناء الدولة النبطية الرئيس. وصفها الجغرافي سترابو في كتابه “جغرافية سترابو” بأنها ميناء وسوق تجاري، ترسو فيه السفن التجارية وتنطلق منه القوافل التجارية البرية الى البتراء. ويصف صاحب ” الدليل الأثري” المدينة بأنها سوق تجاري وميناء ترسو فيه السفن، وفيها قلعة محصنة تقيم فيها حامية عسكرية مهمتها جمع الضرائب التي كانت تفرض على التجار. قامت المدينة فوق واحة العينونة التي اعتبرتصالحة للعيش ولانشاء المدن. وهي ارض واسعة قادرة على استيعاب جيش كبير كجيش الرومان الذي رابط فيها لأشهر عديدة. تتصل لوكي كوما بالبتراء بطريق بري يمر في وادي عفال .

الحجر  

أشار سترابو الى ميناء يقع الى الجنوب من لوكي كوما. ويبدو ان هذا الميناء كان تابعاً لمنطقة او مدينة إجراء، وهي مدينة الحجر (مدائن صالح) المعروفة والتي كانت جزءاً من دولة الانباط. وقد اشتهر مرفأ المدينة في عهد الدولة اللحيانية لأن الحجر كانت من مدنهم الرئيسة.

2 – الدولة المعينية

قامت الدولة المعينية في الجوف شرقي صنعاء بين نجران وحضرموت . أرضها كانت خصبة ومياهها كثيرة. إشتغل أهلها بالزراعة والتجارة. عاصمتها قرنا، وهي معين .

هي من أقدم الممالك العربية في اليمن. جاءتنا أخبارها بأكثرها عبر الكتب الكلاسيكية اليونانية والرومانية ولم يرد لها ذكر في المصادر العربية القديمة. ظلت حضارة المعينيين مجهولة حتى كشف أحد علماء الآثار عنها، وهو جوزف هالفي. أما النقوش التي وجدت بين آثارها فحوت أسماء ملوك وأفراد وما يتعلق بهم من أحداث شخصية او خاصة. من هنا يصعب على الباحثين تحديد ناريخ بداية هذه الدولة وتاريخ انتهائها. على ان البعض يضع هذه التواريخ بين القرن الخامس عشر قبل الميلاد والقرن الاول الميلادي، بينما قال بعضهم ان تاريخها كان بين 1300 و 650 قبل الميلاد.

نفوذ المعينيين التجاري 

سيطرت الدولة المعينية على الطرق التجارية بين شمالي وجنوبي اليمن، ونما نفوذ المعينيين حتى امتد الى شمالي الحجاز ودخلت مُعان وديدان (العلا الحديثة) تحت سيطرتهم. وقال في هذا الصدد المؤرخ ألويس موسل في كتابه “شمال الحجاز” المترجم الى العربية انه “خلال الألف الاول قبل الميلاد كان الجزء الأعظم من التجارة العالمية في بلاد العرب واقعاً في يد السبئيين والمعينيين”. ويضيف انه في كل واحة من الواحات الرئيسة التي تقع على الطريق التجاري كانت تقيم جالية من عرب الجنوب بينهم مقيم جنوبي مهمته الاشراف على ملوك الاقليم ورؤسائه ومراقبتهم لكي لا يقوموا بأي عمل يضر بمصالح أسياده السبئيين او المعينيين.

امتد نفوذ المعينيين حتى شمل الطريق التجاري البري الذي ربط اليمن ببلاد الشام ومصر وأنشأوا في كل واحة من الواحات الواقعة على هذا الطريق محطة لهم تقيم فيها طائفة من المعين وجاليات جنوبية من الاوساط التجارية تحميها حاميات عسكرية. وأقامت معهم، في هذه المراكز، جالية من الافريقيين الكوشيين الذين كانوا يمارسون التجارة مع المعينيين. ويبدو ان القوافل المعينية كانت تسلك الطريق الغربي في شبه الجزيرة العربية أكثر مما تسلك الطريق الشرقي. فكانت تنطلق قوافلهم، في أكثر الاحيان، من اليمن مارة بمكة ويثرب ومدائن صالح (مدينة الحجر) حتى البتراء. ومن هناك كانت تتوزع بين جنوبي سوريا والعراق ومصر. ويعتقد بعض المؤرخين ان مكة كانت تحت نفوذ معين وأن معان كانت مدينة تابعة لها مزودة بحامية عسكرية للدفاع عن مصالح الدولة المعينية. كذلك كانت تيماء الواقعة على الخط التجاري البري الغربي الذي ربط اليمن بالشام ومصر تحت سيطرة المعينيين .

إقتبس المعينيون أبجديتهم وعلومهم في المحاسبة من الفينيقيين، وذلك لتدوين حساباتهم التجارية. وقد عثر في اور والوركاء بالعراق وفي الجيزة بمصر على كتابات معينية ترجع الى القرن الثاني قبل الميلاد وكلها تشير الى الصلات التي ربطت العراق ومصر بالدولة المعينية.

أدى توسع المعينيين شمالاً الى الاحتكاك بفينيقيا وآشور. وكان حكام أشور في سورية يتعاملون مع المعينيين المقيمين في الواحات .

فينيقيوا شبه الجزيرة العربية!. هذا هو الاسم الذي أطلقه بعض الؤرخين المحدثين على المعينيين، لما كان بين الفينيقيين والمعينيين من تشابه في اعمال التجارة. فالاثنان تجار التاريخ القديم في منطقتنا بامتياز.

قضى السبئيون على الدولة المعينية. إلا انهم سمحوا للمعينيين ان يتابعوا نشاطهم التجاري وان يتمتعوا بحكم ذاتي داخلي.