مكانة العمل في الاسلام

‎بحث في التجارة / جزء 23

مكانة العمل في الاسلام                            

اعتبر الاسلام العمل قضية دينية توازي ما هي عليه مسألة دنيوية. وقد حضت جملة من الاحاديث النبوية على الكسب، ومنها على سبيل المثال لا الحصر “طلب الكسب فريضة على كل مسلم”. ومنها ما جعل الكسب من انواع الجهاد. وايضاً “طلب الحلال كمقارعة  الابطال” و “من يأتي كالاً من طلب الحلال بات مغفوراً له”. وينسب محمد بن الحسن الشيباني المتوفى سنة 189 هحرية في كتاب “الاكتساب في الرزق المستطاب” الى الانبياء مهناً مارسوها، ” فآدم أمر بان يزرع الحنطة، وكان نوح نجاراً يأكل من كسبه، وابراهيم كان بزازا” .

الشيباني 

وأكد الشيباني ان في العمل المعاونة على القربى والطاعة وان لا فرق بين الصنائع. وقسم المكاسب الى اربعة انواع: الاجارة والتجارة والزراعة والصناعة واعتبرها كلها في الاباحة سواء. واعتبر الاجارة من الاعمال شارحاً التطور الاجتماعي الذي قضى بالقيول بوجود فئة من الأثرياء، مبيحاً (اي الشيباني) لها استثمار فائض الثروة بشراء قوة العمل (العمال) مقابل اجر معين، واضعاً الثروة بين عناصر الانتاج الاساسية. واعتبر الشيباني ان الزراعة أفضل من التجارة لأن نفعها أعم وأشمل، ولأن الصدقة في الزراعة أفضل.

إتجه الشيباني الى إيلاء العمل أهمية كبيرة. فقال ان نظام هذا العالم البشري يقوم على الكسب وان الله حكم بديمومة هذا العالم وجعل كسب العباد أساس هذه الديمومة، وان في التخلي عن الكسب تخريباً لبقاء العالم ولنظامه القائم على تراضي المؤمنين وعلى حاجة الفقراء الى مال الغني وحاجة الغني الى الفقير.

الحنابلة

إتجه الحنابلة في القرن الهجري الثالث لمعالجة العمل بقيود متشددة فأكدوا على الكسب في الاسواق لتحريمهم الكسب من مال السلطان. كذلك عالج ابن حنبل العديد من التفاصيل في مختلف مجالات العمل والكسب من تجارة وصناعة وزراعة واجارة. وقد دلت مواقفه على اباحة العمل في سبيل الكسب والتشجيع عليه تمسكاً بقول الرسول: ” جعل الله رزقي ظلال رمحي”. ورأى ابن حنبل ضرورة العمل ليغني المرء نفسه وعياله. وقال لسائل: “الزم السوق تصل به الرحم وتعود على عيالك” وأمر اولاده بان يختلفوا الى السوق وان يتعرضوا للتجارة. وكان يقول: “أحب الدراهم الي درهم من تجارة وأكرهها الذي من صلة الاخوان”.

أبو الحسن العامري

ومن جهته عالج ابو الحسن العامري موضوع العمل وقسَم محاسنه الى ثلاثة انواع: واحد يتعلق صلاحه بضرب من المعونة البشرية، وثان استبقاء ما يفتقر في بقائه الى ضرب من القوة البشرية، وثالث ما تتحقق عائده منافعه بضرب من التدابير البشرية.

أبو حامد الغزالي

حث أبو حامد الغزالي على الكسب وذكر جملة من الاحاديث النبوية التي تحث على العمل وثوابه عملاً بقول الرسول: “واحل ما أكل الرجل من كسبه وكل عمر مبرورا”. وبدوره حدد الفقه الجعفري موقفه من المكاسب باباحة كل شيء أباحه الله من ولاية وصناعة وتجارة واجارة. واعتبر المكاسب على انواع: واجب وندب ومكروه ومباح ومحظور. واعتبر ابن قتيبة الدنيوري “ان العز تحت ثوب الكد”. وقال الجاحظ بضرورة تعاون جميع فئات المجتمع وصولاً الى عيش رغيد إذ “لم يخلق الله تعالى احداً أحوج من الملوك الى السوقة في باب، وأحوج السوقة الى الملوك في باب، وحاجة الناس بعضهم لبعض صفة لازمة في طبائعهم”.

المهن

لعل الحجامة والحياكة والتعليم كانت أكثر المهن تعرضاً للوضع. فقد قال الجاحظ : “قد سمعنا قول بعضهم ، الحمق في الحاكة والمعلمين والغزالين، والحاكة أقل وأسقط من ان يقال لهم حمقى، وكذلك الغزالون، والحائك ليس عنده جيد في فعال او مقال الا ان يجعل جودة الحياكة من هذا الباب، وليس هو من هذا في شيْ”، معتمداً الى حديث عن النبي جاء فيه: ” لا تستشيروا الحاكة ولا المعلمين”. وعقد الراغب الاصفهاني فصلاً في الصناعات والمكاسب ضمنه تفضيل بعضها على بعض ونقل فيه قولاً منسوباً الى المأمون: “السوقيون سفل والصناع أنذل والتجار بخلاء والكتاب ملوك الناس”.

وردت أقوال في الحط من مهنة الصراف وباعة الحبوب والطحين لأن خطر كنز المال وارد في الاولى، فيما تسهم تجارة الحبوب والطحين في الاحتكار ورفع الأسعار. ولم يحظ باعة الأكفان بالاحترام لأنهم يتمنون موت الناس. كما كان الجزارون موضع اتهام لقساوة قلوبهم، ومثلهم الصاغة الذين يصنعون اشياء تزين الدنيا بالفضة والذهب. ومثل كل هذه المهن الموصوفة بالمحطة، كانت الحياكة والحجامة كذلك، وربما أكثر لأنها كانت أكثر المهن إزدراء. ورغم ان الشريعة الاسلامية لم تحدد اسباب هذا الازدراء وابعاده، فقد حاول بعض العلماء والفقهاء إثارة نقاط اتهام ضدهما تتعلق بعدم امكان تحديد السعرفي السلع مسبقاً. ويعتقد البعض ان من اسباب كره مهنة الحجامة هو ما كان يجري في الجاهلية من بيع أصحاء دماءهم من آخرين، وهو ما حرم في الإسلام. ولم يخفف دفاع البعض عن الحجامة بالقول ان سوق الحجامين في المدينة ظل قائماً لقرنين بعد الاسلام. وكان خوف المؤمنين ان تنتقل هذه المهنة من العبيد الذين مارسوها من قبل الى احرار. ومع ان الفقهاء اعتبروا الخياطة من أفضل الصنائع لتعلقها بستر العورات، الا انهم نظروا الى الحياكة نظرة ازدراء.

كان للدخل المتأتي من المهن دوره في تقدير منزلة المهنة. من هنا جاء تقدير التجارة عالياً، خاصة تجارة البز، بينما وضعت معظم الحرف في منازل دنيئة لأنها حركات يتعاطاها الانسان بلا حفز ولنها أقرب الى الذل والضعة. وقد عدد الجاحظ في كتابه “رسالة في مدح التجار” المهن المكروهة وهي البستاني والحمال والملاح وصاحب الحمام والخشاش والمزين. كما يذكر الجاحظ ايضاً ان خلافاً في النظرة بين الشمال والجنوب في شبه الجزيرة العربية شاع بدون مبرر بين أهل المنطقتين حول هذا التصنيف للمهن او لان اهل اليمن الجنوبي يفخرون على الشماليين ويعيرون قريشاً بالتجارة بينما كان الشماليون يعيرون الجنوبيين بانهم أهل صناعة. فهم ما بين ناسخ برد ودابغ جلد وسائس قرد وراكب عرد  (حمار). وقد هجا جرير بني حنيفة الذين وصفهم بأنهم يتعاطون التجارة ويقعدون عن الحرب وبأنهم ابناء نخل وحيطان ومزرعة. وجاء في مؤلف حديث لمحمد بن يوسف العامري (الاعلام بمناقب الاسلام) ان بعض المهن ما هي مذمومة بنتائجها ولا يجوز تعلمها من الدهماء لأن الضرر في استعمالها أعم من النفع، مثل السحر والكمياء. وصنف المهن الشريفة بانها كالطب والطبخ والاصباغ لآن فوائدها كبيرة وعامة.

نشأة حركة التصوف

نشأت في هذا الجو حركة التصوف التي اعتبرت التقوى معياراً في شرعية المهنة وشرفها ورفعت الحركة الحظر عن مهن عديدة لانها لا تتعارض مع التقوى ، ومنها الحياكة والحجامة.

واعتبر قائد بارز في الصوفية هو ابو طالب المكي ان هناك عشر صنائع هي من اعمال الاخيار والابرار وهي: التجارة والخياطة والخرز والحمل والحذو والقصارة وعمل الحفاف وعمل الحديد وعمل المغازل وصيد البحر والبر والوراقة. ولحقت حركة القرامطة بالركب نفسه وتزعم علي بن محمد من جانبه حركة الزنج في البصرة واعداً انصاره بان يملكهم العبيد والاموال والمنازل. اما القرامطة فتوجهوا الى الفئات الفقيرة وانضم اليهم فقراء الاعراب والنبط والاكراد والمجوس. وفرض حمدان، وهو من ابرز قادتهم، نظام الالفة  (الفطرة والهجرة) الخمس على كل ما يملك الفرد واتبع سياسة اجتماعية فكسا العاري واعطى الفقبر والضعيف والمحتاج. وكان كبار الدعوة من الحرفيين، وقد اضناهم تصرف الاثرياء الذين كدسوا الاموال الطائلة من تجاراتهم. فحسين الاهوازي الداعية في سواد الكوفة كان يأكل من كسب يده، وكان حمدان، ابرز قادتهم كما ذكرنا، مكارياً وابو سعيد الجنابي صاحب القرامطة في البحرين يعمل الفراء وعمل من قبل في البصرة في رفع اعدال الدقيق.

المراجع

1 – ابن الجوزي ، ابو الفرج عبد الرحمن : المنتظم في تاريخ الملوك والامم ، حيدر اباد ، 1357 هجرية .

2 – الاصفهاني ، احمد بن عبد الله : حلية الاولياء وطبقات الاصفياء ، القاهرة ، 1932 .

3 – الجاحظ ، ابو عثمان عمر و بن بحر : رسالة في مدح التجارة ، دار الكتاب الجديد ، بيروت 1966 .

4 – الشيباني ، محمد بن الحسن : الاكتساب في الرزق المستطاب ، مطبعة الانوار ، القاهرة 1938 .

5 – الغزالي ، ابو حامد : احياء علوم الدين ، القاهرة 1939 .

6 – الدنيوري ، ابن قتيبة : عيون الاخبار ، المؤسسة المصرية العامة ، القاهرة 1963 .

7 – العامري ، محمد بن يوسف : الاعلام بمناقب الاسلام ، القاهرة 1967 .

8– سعد ، فهمي : العامة في بغداد ، الاهلية للنشر والتوزيع ، بيروت 1983 .