مدن التجارة قبل الاسلام

‎بحث في التجارة / جزء 10

مدن التجارة قبل الاسلام                           

مقدمة عامة

يعود أصل المدن في المشرق العربي قبل الإسلام الى المجتمعات القروية الزراعية لحقبة ما قبل المدنية في بلاد ما بين النهرين. وربما كانت العائلة في هذه القرى الهيئة الاجتماعية الأهم. وكانت الزعامة من وظائف الأبوة. فالعائلات هي التي كانت ترشد الى العبادة من اجل مصالحها الخاصة، كما كانت الملكية توزع وتراقب فيما بينها. وكانت علاقات السيد بالاتباع مثل ارتباط الرجال الاشداء بالأب او بمؤسس العائلة اوشيخها، او ارتباطهم بأحد الأثرياء المحليين او بالطائفة او ارتباط الاخصائيين في صنع الادوات المعدنية وسواها بقرى معينة. هكذا تم تنظيم الجماعات الصغيرة المنتجة. الا ان الحياة القروية لم تكن متحجرة. فقد غدت وسائل الري، مع مرور الزمن، أكثر اتساعاً وشمولاً، وتحسنت الاعمال الخزفية نوعية وزخرفة، وبدأ علم المعادن يظهر للوجود، كما ظهرت الأدوات المصنوعة من البرونز جنباً الى جنب مع أخواتها الحجرية. وهنالك دلائل على قدر معين من التخصص الاقتصادي في تربية القطعان ورعيها وبصيد الاسماك وزراعة الحدائق واستغلال الحبوب وصنع الأواني المعدنية والاتجار بها. كما ان هنالك برهاناً على وجود شبكة واسعة من المبادلات.

جاءت حقبة التغير الاقتصادي والتكنولوجي فأنتجت تخصصاً في العمل، فبتنا نرى انتقال الافراد من العمل الزراعي والعمل الحرفي الجزئيين الى التخصص الكامل في الاعمال الانتاجية، وبالتالي التجارة. وأدت هذه النشاطات الاقتصادية الى شكل جديد من التنظيم الاجتماعي والاقتصادي، وبتنا نقرأ عن فائض في السلع وفي اليد العاملة من اجل اعادة توزيع الانتاج الاجتماعي – الاقتصادي بين جماعات المزارعين ومربي القطعان ورعاتها وصيادي الاسماك والحرفين والتجار وصانعي الاواني المعدنية والخشبية وسواها. وإذ مرت فترة غير قصيرة على تحرر المنتجين والمتاجرين من رعاية كانت الى وقت بيد المرجعيات الحاكمة او الدينية فأصبحوا منتجين ومقاولين وتجاراً مستقلين. وقد صاحب ذلك توسع الجغرافيا التجارية بشكل هائل وتحرر الافراد من سيطرة العائلة او الحكام وظهر الى الوجود مجتمع رفيع التمييز يقوم على حرية التجارة ضمن شرائع وتنظيم. وغدت المدن والقرى مؤلفة من جماعات مستقلة وأصبحت وحدات تعمل ضمن إطار مجتمع أكبر.

من هذا النسيج انبثقت المجتمعات المدنية العربية والاسلامية وبتنا نرى مجتمعات منفتحة حيث السكان ينحدرون من عرقيات مختلفة وخلفيات متعددة وطموحات اوسع من ذي قبل فتوسعت الافق والطموحات وازدهرت التجارة بعد ان توسعت وتحدثت. وكانت بداية هذا التغيير والتبدل في ظهور مدن التجارة.

1- مكة قبل الاسلام

تميزت مكة بعلاقاتها التجارية الواسعة والمزدهرة قبل الإسلام . وكانت تجارتها محلية ودولية، إذ انها ارتبطت بعلاقات تجارية ناشطة مع معظم انحاء شبه الجزيرة العربية، لا سيما وانها قد نشأت أصلاً ، قبل الاسلام، حول معبد ديني ولغايته. إلا انها ما لبثت، مع تزايد الحجاج وما يرافق حضورهم، ان أصبحت حاضرة تجارية، فتوسعت منطقتها التجارية المحلية لتشمل الاسواق التي كانت تقام في الأشهر الحرم. ورغم ان كل قبيلة كان لها آلهتها، فقد كان الحرم المكي يحتل مركزاً خاصاً بالنسبة للقبائل المنتفعة من نظام مكة التجاري. وكان يطلب من هؤلاء ان يوقفوا نزاعاتهم طوال مدة اقامتهم في المدينة. كما وضع نظام شديد الصرامة لضمان سلامتهم في الطريق بموافقة ابناء القبائل المجاورة لهذا الطريق. وأدى نجاح هذا النظام الى توسع تجاري كبير آل بدوره الى إنشاء أسواق جديدة. وهكذا توسعت المنطقة المقدسة لتشمل الأسواق التي كانت تقام في الاشهر الحرم بالتوافق مع الحج، فأصبح دين ذلك الزمان السابق للاسلام، ومن ضمن هذا الاطار، متوافقاً مع التجارة بحيث كان نجاح احدهم يؤدي الى ازدهار الآخر. من هنا شاهدنا أسواق مكة وقد ازدهرت في النصف الاول من القرن السادس الميلادي وأضحت تجارة المدينة المحلية تعتمد على مكانتها الدينية. وكانت هذه التجارة جزءاً من نظام مكة التجاري.

جاء التحول الحقيقي في مكانة مكة مع تحول تجارتها من تجارة محلية وموسمية الى تجارة دولية مستديمة الى حد كبير. وتحقق هذا التغيير الكبير على يدي هاشم، الجد الأعلى للرسول، الذي عاش في منتصف القرن السادس ميلادي. وأدرك تجار مكة ان بوسعهم ملء الفراغ في التجارة الدولية وأسرعوا الى فعل ذلك. ونزامن هذا التحول مع صراع بدأت إشارات حدوثه تظهر بوضوح بين الساسانيين والبيزنطيين للسيطرة على الطرق والمراكز التجارية في شبه الجزيرة العربية. واذ بمكة تبدو جاهزة الآن لملء الفراغ والاستفادة من الوضع الجديد، خصوصاً وانها كانت قائمة على ملتقى الطرق التجارية الرئيسة وتتمتع بخبرة جيدة تؤهلها من تبوء هذا المركز، فضلاً عن الصلات الضرورية. ثم ان تجارتها الداخلية كانت تتمتع بفائض كبير يمكن تحويله الى الاسواق الخارجية. ولما كان من الضروري بالحاح تأمين الطرق التجارية البرية، فقد دعا هاشم الى عقد اتفاق مع الساسانيين والبيزنطيين للحصول على براءة مرور لتجار مكة عند توجههم الى بلاد الشام. وهذا ما توصل اليه في محادثات اجراها مع الطرفين المتنازعين. وحصل على براءة مماثلة من الحبشة.

طبق هاشم نظام الايلاف او ميثاق السلامة ضماناً لسلامة قوافل مكة لدى مرورها في أراضي القبائل الاخرى التي لم يسبق لها ان أسهمت في نظام مكة المحلي. أما بالنسبة للقبائل المشاركة في تجارة مكة المحلية فقد كان الأمر أكثر سهولة نظراً لأن هذه القبائل أقرت بحرم المدينة والتزمت بالدفاع عنها. ولقب ابناء هذه القبائل بالحمس لشجاعتهم وانضباطهم الديني والولاء للحرم. وكان هذا الحرم يضم قريشاً وسكان مكة، إضافة الى قبائل اخرى سكنت في مناطق مختلفة من شبه الجزيرة العربية من دون ان يربطها رابط النسب القبلي. وكانت هذه القبائل هي التي تسيطر على طرق تجارية عديدة عبر شبه الجزيرة. وقد سبق لمكة ان منحتها بعض الاشراف على الاسواق في مناطقها الخاصة. غير ان مكة حمَلت هذه القبائل نصيباً من نفقات المحافظة على النظام، خاصة بعد زيادة نصيبها من التجارة وخفض ما كانت تنوء تحته من أعباء كانت مكة تفرضها عليها. وللمؤسف ان هذه الترتيبات أدت الى حروب محلية ومحاولة بعض العشائر المقيمة على الطرق التجارية لبسط سيطرتها غلى مناطق تخص عشائر اخرى .

فتح التوسع التجاري الابواب امام المدن- الاسواق للنمو والتوسع مما زاد من ثروة السكان المستقرين وكبرت سطوتهم على حساب العشائر البدوية المجاورة مما وتر العلاقات بين العشائر المستقرة والعشائر البدوية، رغم انتماء بعضها الى قبيلة واحدة. وقد وضع النبي حداً لهذا الوضع وأعاد التوازن الى الحلف، كما سنرى في بحث لاحق عندما نتحدث عن تجارة شبه الجزيرة العربية بعد الاسلام.

2 – بيبلوس ( جبيل )

كان لهذه المدينة القديمة القائمة على الشاطئ اللبناني دوراً بارزاً في تاريخ التجارة الدولية القديمة. فقد شهد مرفأها منذ القدم حركة ناشطة انطلقت منه أخشاب الأرز وسواها من الاخشاب الى مصر وبلدان اخرى . حملت اسم ” قبلة” بالكتابة المسمارية ودعاها المصريون القدامى ” قبنة”، بينما أطلق عليها الاغريق اسم بيبلوس منذ ان بدأت تصدر ورق بابيروس الى مرافئ الشواطيء الايجية. ويقال ان اسم التوراة (بايبل) إشتق من هذا الاسم. وكانت التوراة تدعى قديماً ب”كتاب البابيروس” .

كان المنقب والكاتب الفرنسي ارنست رينان اول من حاول التنقيب في بيبلوس في منتصف القرن الثاسع عشر وتبعه بيار مونته سنة 1920، ثم جاء موريس دينون ليكمل العمل. وكانت النتيجة غير المنتظرة ان بيبلوس القديمة قد غمرها البحر بعد ان تعرضت لهزة ارضية عنيفة جداً .

ظلت بيبلوس آهلة بالسكان في العصر الحجري الحديث وجاءتها موجات متتالية من المهاجرين، الاولى في العصر النحاسي والثانية والأكبر عدداً في العصر البرونزي. وتظهر الكتابات والنقوش التي وجدت اثناء عمليات التنقيب ان علاقات تجارية واسعة كانت قائمة بين بيبلوس ووادي النيل منذ السلالة الاولى وحتى السلالة السادسة. وتشهد المصادر الهيروغلافية المصرية القديمة ان بيبلوس كانت تصدر أخشاب الارز الى مصر خلال السلالة الرابعة وحتى السادسة عندما دمر المدينة غاز غير معروف. وجاء في اختام اسطوانية وجدت في هيكل قديم ان سجلات تعود الى ستيفروس من السلالة المصرية الثالثة تتحدث عن وصول اربعين مركباً محملة بخشب الارز قادمة من بيبلوس. وكان خشب الارز ضرورياً لبناء مركب الاله رع سنوياً. وقد ظهر في نقش سيتي الاول حاكم مصر في القرن الرابع عشر قبل الميلاد الى ان سكان منطقة لبنان وسوريا وفلسطين كانوا يقطعون الاشجار، تمهيداً لشحنها الى مصر لبناء السفينة المذكورة. وبعد ان ضعفت الامبراطورية المصرية وفقدت سيطرتها على المدن الفينيقية، عين الحاكم المصري وكيلاً تجارياً له في فينيقيا. وكان هذا الوكيل يحمل معه الذهب والفضة ليبتاع الاخشاب واشياء اوخرى .

الى الشرق نجد في ماري المدينة التاريخية التي كانت قائمة على ضفاف الفرات رسائل ولوحات ذات طابع تجاري تتحدث عن تجارة ناشطة بين بيبلوس وبلاد ما بين النهرين. وكان لتجار مدن سومر وأكد ومدن شمال العراق علاقات تجارية مع مدن الساحل الشامي بأكمله، من بينها راس شمرا وطرابلس وجبيل وبيروت وصور وعكّا ويافا وغزة، بالاضافة الى المدن الداخلية مثل تدمر ودمشق واالبتراء وبصرى . وكانت العلاقات هذه تقوم على مبدأ المبادلة.

وفي لوحة اثرية محفوظة في متحف دمشق ما يؤكد حجم وكبر تجارة بيبلوس. فقد جاء في هذه اللوحة ان ملك بيبلوس تسلم من ملك أوغاريت 540 شاقل (مثقال) من الفضة لقاء تعاقد على نقل تجاري، إضافة الى 50 شاقل آخر بدل تجهيز المراكب.