مدخل الى العصور القديمة

‎بحث في التجارة / جزء 1

مدخل الى العصور القديمة

1 – بلاد ما بين النهرين وبلاد الشام

بدءاً كان الانسان وكانت له ارضه التي ولد فيها. وإذ اكتفى بعض من ولد بما حظي به من محيط طبيعي أمن له العيش والاستمرار، تطلع البعض الآخر الى ما وراء حدوده الضيقة. وكان على هذا البعض ان يؤهل نفسه بما يسهل ويؤمن له الخروج من هذه القوقعة. وإذ ضاقت موارد الطبيعة التي خالها آنذاك انها لا تنضب ، بدأ تمدده الطبيعي، فكان الانفجار السكاني وما رافقه من توسع فنشأت تجمعات قبلية الطابع اولاً وتحولت من بعد الى تجمعات أوسع عددا ونطاقاً . وبطبيعة الحال، كان توسعه المادي هذا يتطلب مواردا تكفل له الحياة والاستمرار.

هذه قصة الشعوب التي نشأت في المحيط الشرقي من شواطئ البحر الأبيض المتوسط . وهي لا تختلف عما حدث لسواها في مناطق اخرى، انما كانت نشأتها أسرع وأفعل من غيرها . هنا يعود بنا التاريخ الى أرض الحضارة الأولى في ما عرف بالأرض القائمة ما بين النهرين: دجلة والفرات. هنا يحدثنا التاريخ عن مهد الحضارة في “ميزوبوتاميا” Mesopotamia (ما بين النهرين) الجنوبية وعاصمتها أور وشقيقتها “ميزوبوتاميا” الشمالية وعاصمتها نينوى (مقابل مدينة الموصل حالياً) . والى جانب أور، حيث ولد ابراهيم كانت أورك التي اخترعت الابجدية المسمارية، فكانت السباقة في ارساء أول جذور الحضارة الانسانية بشكلها البدائي الاولي. بعدها جاءت سـيناء بحرفها الهيروغلافي وأوغاريت على الساحل السوري بابجدبتها التي صارت بامتياز أم الابجديات العالمية. وفي هذه البقاع، حيث دجلة والفرات، وجد الانسان الاول ارضاً خصبة معطاء، فزرعها وأكل من نتاجها، مفتتحاً منذ تلك الفترة رحلته الطويلة نحو الاستقرار ومن ثم التوسع.

كان لا بد لهذا الانسان من تنظيم علاقته بمحيطه الحيوي، وان يقيم له كياناً ينظم حياته الجديدة وعلاقته باخوانه الذين يشاركونه الارض، وان بفعَل استثماره لهذه الارض بما يكفل له الاستقرار والتكاثر، ومن ثم التوسع ولو على نطاق ضيق. هنا بدأت طليعة التجمع السكاني المنظم ونشأت أنظمة تضبط حياته التي تطورت وتم تنيظمها ما امكن، فانتظم في قبائل وضعت لعلاقاتها أنظمة تكفي حاجة تلك الفترة وذلك العصر. ورويداً رويداً قاده هذا التنظيم الى خلق مجتمعات شبه مستقرة، حتى اذا ضاقت به الارض بعد تكاثره، تمدد باتجاه ارض تجاوره، مفتتحاً منذ ذلك الوقت أول مظاهر الحياة المنظمة، ولو بمفهومها البدائي .

الإنسان الاول الفلاح

إستغل هذا الانسان الارض بنشاط وازدادت متطلبات الحياة، فدجن الحيوانات التي شاركته العيش في أرضه، واستغل المياه المتوفرة بكثرة لتوسيع نشاطه الزراعي. وكان لا بد هنا من التوسع والخروج الى حيث يعيش سواه على مقربة منه. هنا بدأت مظاهر التوسع الاستيطاني وقامت التجارة بين قبيلة واخرى ومن ثم بين شعب وآخر .

استمرت هذه الرحلة الطبيعية لانسان طموح حتى قامت له شبه مؤسسات بدائية تكفي لتنظيم علاقاته مع جيرانه فكان ان نشأت “حكومات” بمفهوم ذلك العصر. ومن ثم رأيناها تتطور وتتوسع وترفع من وتيرة استغلاله للمحيط الطبيعي، وهو محيط واعد تتوفر فيه كل مؤهلات العطاء: من ماء في نهرين كبيرين وارض غنية معطاة .

واذ علت وتيرة ثقته بنفسه وبقدرته، بدأ رحلة التفتيش والتنقيب عن عالم لا يبعد عن نطاق محيطه الضيق سوى اميال قليلة، فوجد له زملاء يعيشون مثله في محيط مغلق ومحدود الموارد، رغم قرب هذا المحيط من شاطئ نهر كبير. تقرب منهم وبادلهم سلعة بسلع. ورويداً أخذ هذا الانفتاح يقرَب بين انسان وآخر وقبيلة واخرى وشعب محدود الاعداد وآخر. ومع كل انفتاح وارتفاع وتيرته، كانت آفاق انساننا الأول تتوسع وتعلو آفاقها.

إنساننا هذا خلق في محيطنا، كما يحدثنا التاريخ، حضارة قامت على مداميكها الاولى حضارة ما بين النهرين. وعندما حان الوقت كانت هذه الحضارة تطل وتتسلل الى محيطها الطبيعي، وصولاً الى شواطئ البحر الأبيض المتوسط . وكان لانسان هذه الحضارة ان يحمل معه، بعد انفتاحه على جيرانه، ما عنده من سلع ومنتجات زراعية وحيوان مدجن، واضعاً المدماك الاول في ما صار مع الزمن اساس التبادل التجاري المتطور بدءاً بتجارة قائمة على المبادلة الى تجارة أكثر تنظيماً، ومن تجارة محدودة الاسواق والقريبة من موطنه الصغير الى تجارة اوسع حدوداً وأكثر طموحاً وأفضل تنظيماً.

إنساننا الاول كان فلاحاً ومستثمراً للارض بكل معنى الكلمة. فالارض وغلاتها تعني القوت الذي يحتاج اليه. والارض هذه وغلاتها تدفع به الى الاستيطان ومن ثم التوسع. وهذ ما فعله انسان ما بين النهرين، حتى اذا لم يمض طويل وقت حتى رأيناه وقد خرج من موطنه الاول، حاملاً معه مع كل توسع، خبرة تملكها: من استغلال للأرض ومواردها المائية وحيوانها المدجن. وأصبح الحصان المدجن في خلال هذه الفترة رفيقه الدائم، ينقله وينقل بضاعته الى حيث كان يجد من يحتاج الى غلاله وبضاعته. فما كان من هذا الخروج الا ان وسع من نطاق تفاعل اناس ذلك المحيط وتقربهم بعضهم من بعض. ومع كل تفاعل وعلاقات متوسعة كانت آفاق انساننا الاول تتفتح وتجد لها مجالات لا حدود ضيقة لها. وإذ وجد ان بعض الهضاب والانهار تقف حاجزاً بينه وبين توسعه، عمد الى استغلال هذه الهضاب والانهر. واذ مرت عصور شهد في خلالها الانسان قيام تنظيمات عديدة لحياته الشخصية والاقتصادية والسياسية والدينية، إذا به ينظر بثقة الى الاستقرار وارساء أسس العيش المتكامل مع ابناء قومه، فارتقى الى علو جديد، بدأت معه حياته تنتظم في تجمعات تحكمها بعض القوانين والشرائع، فأسس له مراجع حيوية أبرزها حكم يؤمن له ولاقرانه حياة مستقرة وتحدد لكل فرد حقوقه وموجباته. هنا بدأنا نرى نشؤ “حكومات”، بمفهوم ذلك العصر، ومراجع وأنظمة ناظمة لعلاقات الفرد بالافراد الآخرين الذين يشاركونه العيش فوق أرضه وأرضهم، وعلاقات الافراد بالمحيط المادي الذي يؤمن لهم الحياة وفق حقوق وواجبات. وكان ان أقام انساننا هذا أنظمة وحكومات وشرائع التزم بها. ولنا في هذا المضمار أروع وأفضل مثال في شرائع حمورابي اللاحقة لهذا الزمن .

قويت شوكة هذا الانسان فتطلع الى ما وراء أرضه وأرض عشيرته وقبيلته، وبدأ رحلته باتجاه محيطه  الأوسع. واذ كانت غلاله ومنتوجاته الزراعية والحيوانية تفيض عن حاجته، خرج بائعاً حيث وجد انساناً مثله محتاج الى ما ينتجه هذا القادم اليه فبادله، في اول الامر، بضاعة بأخرى وقامت على وقع هذه المبادلة علاقات توسعت مع الوقت فصاهر البعض بعضهم وبدأ التفاعل البشري يتسع وتفتحت لانساننا الاول مجالات اكبروأنفع واربح من ذي قبل .

سنرى في مقالاتنا اللاحقة كيف كان هذا الانفتاح والى اين أوصل انساننا الذي سبق ان عاش منعزلاً في أرضه بين دجلة والفرات، إن في الحنوب او في الشمال، وكيف علَم هذا الانسان وتعلم اثناء رحلته الطويلة هذه التي دامت اجيالاً طويلة، وكيف ان اكتشف هذا الانسان نفسه وقدرته وعلت طموحاته وتبدلت نظرته الى الحياة وما وراء الحياة .

قصتنا لا تقف عند حدود دجلة والفرات وتجارتها الداخلية بين “مدنها الدول” ، بل ستشمل العلاقات التجارية، قديمها وحديثها، بين كل دول المنطقة التي تعربت مع الفتح الاسلامي، من مشرقها وشبه جزيرتها العربية ووادي نيلها ومغربها الكبير.

سنتحدث عن “المدن الدول” التي نشأت في النصف الاول من الألفية الرابعة قبل الميلاد وكيف فقدت المعابد بعض سلطاتها للحكام. وهذا ما تعلمنا به اللوحات المصنوعة من الاجر التي اكتشفت في المقبرة الملكية في اور والتي تعود الى ما قبل سنة 2650 قبل الميلاد. وتشير النصوص المكتوبة باللغة السومرية الى علاقات تجارية كانت مزدهرة بين دول قامت على شواطئ الفرات مثل ماري وابلا في سوريا حيث انتشرت الكتابة المسمارية وحيث اكتشفت احجار شبه كريمة لازوردية مستقدمة من افغانستان وآنية مصدرها ايران .

سنتحدث عن الكتابة على الاجر التي حتمها توسع التجارة في النصف الثاني من الألفية الرابعة قيل الميلاد بين تجار ما بين النهرين مما اضطرهم الى مسك قيود وحسابات وقادهم الى اختراع الكتابة .

سنتحدث عن الطرق التجارية التي قامت على طول واديي الفرات والخابور وربطت بين سوريا وفلسطين والعراق تاريخياً وثقافياً في الالفية الرابعة قبل الميلاد . فقد أظهرت المحفوظات المكتوبة بالمسمارية والمكتشفة في ابلا وماري متانة العلاقات بين هذه البلدان في خلال الالفية الثالثة قبل الميلاد .

على المقلب الآخر، كان الساحل السوري مركزاً لشبكة تجارية مختلفة تمتد من الشمال الى الجنوب. فقد أظهرت آثار وجدت في أريحا ان تجارة السبج، وهو زجاج بركاني اسود، بدأت في الالفية العاشرة قبل الميلاد. وعندما استعادت هذه المنطقة الساحلية حياتها ونشاطها نراها قد أصبحت موطناً للفينيقيين النازحين من جبال تركيا والعراق وايران، بانين لهم مدناً ساحلية تجارية وثقافية في أوغاريت (راس شمرا) وجبيل وصور الخ .. وعندما سيطر المصريون على أكثر مدن الساحل السوري في القرن الرابع قبل الميلاد، أدى هذا التوسع المدفوع بدوافع تجارية الى نزاع مسلح بين المصريين والحثيين. وكانت معركة فاصلة بين جيشيهما في قادش قرب مدينة حمص السورية .