طرق التجارة القديمة

‎بحث في التجارة / جزء 3

طرق التجارة القديمة                                   

طريق البخور البري

سلك التجار العرب الاقدمون أكثر من طريق بري تجاري. فمنهم، كسكان شبه الجزيرة العربية، بخاصة تجار اليمن والحجاز، من سلك الطريق البري الموازي للبحر الاحمر، بدءاَ من اليمن وصولاً الى بلاد الشام عبر اليمن ومكة ويثرب. وعرف هذا الطريق باسم طريق البخور او طريق العطور. يبدأ هذا الطريق البري من مناطق قتبان في الزاوية الجنوبية الغربية من الجزيرة العربية وحضرموت وسبأ. ويبدو ان تفاهماً كان قائماً بين كل الاطراف في هذه المناطق على تقاسم المنافع الناتجة عن التجارة. وكانت منتجات حضرموت ومستوردات الهند تجمع في تمنع، عاصة قتبان، عندما كانت الدولة القتبانية في عز قوتها وقبل ان تحل صنعاء محلها كمركز للتجارة. ثم تبدأ الرحلة باتجاه الشمال عبر سبأ وأراضي المعينيين لتصل الى مكة، ومنها الى ديدان فمدين فأيلة فالبتراء حبث يتفرع الطريق الى فرعين، الاول يتجه نحو تدمر والآخر نحو غزة فمصر. وفي وقت لاحق أضيف فرع ثالث بعد ان ضم الامبراطور الروماني تراجان الولاية العربية الى الامبراطورية الرومانية. وكان هذا الفرع يصل ايلة بتدمر عبر البتراء، ماراً بآريوبوليس (ربة عمون) وفيلادلفيا (عمّان) وبصرى. وكانت الرحلة تستغرق حوالى سبعين يوماً .

تفرعات من هذا الطريق :

1 – الطريق الجنوبي، وهو يتجه شرقاً على طول ساحل الجزيرة العربية وصولاً الى المنطقة المنتجة للقرفة. ويعتقد ان القوافل سلكت هذا الطريق لايصال القرفة الى تمنع عند بوابة خط القوافل المتجهة شمالاً .

2 – طريق ينطلق من جنوب شبه الجزيرة العربية باتجاه الشمال الى جرهاء ( قرب الهفوف حالياً ) ومنها الى وادي الرافدين، إما براً واما في قوارب تصل الخليج العربي بنهر الفرات.

3 – طريق يخترق شبه الجزيرة العربية عرضاً، بدءاً من مكة حتى وادي الرافدين. ويتفرع هذا الطريق عند حائل الى فرعين، أحدهما يصل الى مصب نهر الفرات مروراً بالسِفن وفيد.

4 – طريق متفرع من الطريق الرئيس الجنوبي – الشمالي قرب يثرب ومنها يتجه شمالاً عند تيماء ودومة الجندل وصولاً الى بابل.

5 – طريق بري يصل أقصى شمال الجزيرة العربية بالرمادي قرب بغداد ويسير بمحاذاة نهر الفرات  حتى مدينة ماري (قرب ابو كمال) ومنها يتجه غرباً الى تدمر فحمص حيث يعود فيتفرع الى فروع عديدة، منها فرع يصل حمص بدمشق، وآخر يتجه نحو الموانيء البحرية السورية .

اما طريق البحر الأحمر فكان يربط الشرق الافريقي بالهند وسيلان والصين وجنوب شرقي آسيا . وكانت المتاجر القادمة من هذه البلدان تصل الى عُمان ومنها تنقل بحراً الى مصر عن طريق البحر الاحمر . وعندما كان يتعذر نقل البضائع بحراً كانت تنقل براً من شبوة في حضرموت الى مأرب فمكة فالبتراء ومنها الى غزة فمصر .

شهد طريق البخور هذا تراجعاً كبيراً بعد ان فقدت الدولتان المعينيية والسبئية سيطرتهما على البحر الاحمر وسواحل افريقيا الشرقية بسبب سيطرة اليونان والرومان على التجارة البحرية في هذا البحر . وفي وقت لاحق استعاد طريق البخور مكانته التجارية بعد ان تحالفت الامبراطورية البيزنطية مع الحبشة في غزو هذه الاخيرة لليمن . وهكذا تمكن الحليفان من بسط نفوذهما على الطرق التجارية في البحر الاحمر والطرق البرية من جنوبي شبه الجزيرة العربية حتى شمالها ، فاستعاد طريق البخور منذ الثلث الثاني للقرن السادس الميلادي مكانته التجارية العالمية بين الهند واليمن وبلاد الشام ومصر بالتوازي مع الطريق الآخر عبر البحر الاحمر الذي كان ينقل البضائع الآتية من أفريقيا الشرقية عبر اليمامة الى العراق .

الطرق البحرية                                       

بدءاً لا بد من الاشارة الى ان السفن كانت تتنقل من ميناء الى آخر محاذية شواطئ الخليج العربي بحذر شديد تجنباً للاصطدام بالسلاسل المرجانية المنتشرة في البحر الاحمر والاماكن الضحلة المياه في الخليج العربي والصخور المنتشرة بكثافة على طول الشواطئ العربية . كذلك كانت الملاحة عبر المحيط الهندي تتعذر بسبب جهل سير الرياح الموسمية . ويعتقد ان عرب الجنوب قد عرفوا هذا السر وتوارثه ملاحوهم جيلاً بعد جيل وعنهم عرف اليونان القدامى هذا السر . اما الرومان فقد جهلوه في مطلع حكمهم الى ان تعرفوا الى دليل سبق ان وضعه مؤلف يوناني مجهول عاش في مصر في المئة الاولى بعد الميلاد . وتضمن هذا الدليل ، الذي عرف تاريخياً باسم ” بريبلوس” ، معلومات عن الرياح والامواج والشعب المرجانية المنتشرة في الخليج والبحر الاحمر والتيارات البحرية الموسمية في المحيط الهندي . كذلك تضمن معلومات عن تجارة العرب القديمة .

التجارة البحرية في العصور الفرعونية

شهدت العلاقات التجاية بين مناطق البحر الأبيض المتوسط والصين نشاطاً بارزاً في العهود القديمة . ومن الملفت ان هذه التجارة كانت تتم في أغلب الاحيان براً . فكانت القوافل تجتاز المسافة الممتدة من شواطئ البحر الابيض الشرقية الى شمال الصين عبر البر، مجتازة هذه المسافة الطويلة التي لا تقل عن احد عشر الف كيلومتر عبر الاراضي الصعبة والجبال الوعرة والصحارى . وكانت القوافل تنقل الحرير والعطور والزجاج الى الديار الشرقية .

 كان للبحر وسفنه دور كبير في هذه التجارة. فقد نمت تجارة بحرية أكثر تنوعاً وحمولة على طول شواطئ الهند الغربية وسواحل فارس وشطآن الخليج العربي وصولاً الى جنوب الجزيرة العربية والبحر الاحمر فمصر والقرن الافريقي. وقد أثارت هذه التجارة الشرقيةالناشطة عبر البحار اهتمام الاسكندر المقدوني وامير بحره نيارخوس، فأرسل الاسكندر امير بحره نيارخوس للقيام بمهمة كشف واستطلاع . وفي زمن لاحق، بعد صعود الامبراطورية الرومانية ، أرسل الامبراطور أغسطس قيصر حملة استطلاع لمناطق البحر الاحمر ولاحتلال اليمن. لكن محاولته باءت بالفشل . وكان البطالمة ، حكام مصر آنذاك ، حريصين على ان تظل طرق البحر الاحمر مفتوحة وآمنة للسفن التي تنقل البضائع من شرقي آسيا ، وبنوع خاص من الهند .

شهدت العصور الفرعونية نشاطاً بارزاً في تبادل البضائع التجارية مع الاقطار الاخرى . وكانت الدولة تحاول دوماً التحكم بهذه التجارة طمعاً بالربح . ففي حين ان المنتجات المحلية أمنت للمصرين معظم احتياجاتهم ، فانها ظلت بحاجة لاستيراد الخشب والمعادن والاحجار شبه الكريمة، فاستوردتها من الاقطار الاسيوية. اما البخور والعطور والتوابل فاستوردها الفراعنة من النوبة وبلاد بونت ( الصومال) . وفي الوقت ذاتها كان الفراعنة يهتمون بتصدير الفائض المحلي من انتاج زراعتي البردى والقمح .

تحَكم حكام مصر القدامى بمعظم الطرق التجارية الداخلية، فكانت الحاميات تعسكر على طولها . كذلك اقاموا قلاعاً حامية على الحدود لتسهيل امور المتاجرين وحمايتهم. كما أسهم نهر النيل في تسهيل التجارة الداخلية وتعزيزها وتسهيلها. وأقيمت الجسور والترع تسهيلاً للمشاة والبغال والحمير المحملة بالبضائع . وفي وقت لاحق بدأ استخدام العربات التي تجرها الجياد .

النقد

دخل النقد في التعامل داخل مصر في زمن البطالمة. غير ان المقايضة بقيت شائعة في المجتمعات الزراعية لقرون تلت . وكانت العملات التي تسك في مصر تصنع من الذهب وتحمل رسماً لفرس راقص على احد وجهيها، بينما ظهرت عبارة “من ذهب جيد” على الوجه الآخر. وازدهرت صناعة النقود الفضية ايضاً. وفي عصر البطالمة نفسهم أصبحت مصر مركزاً تجارياً كبيراً عندما أعيد افتتاح القناة القديمة التي تصل النيل بخليج السويس والتي سبق ان انشأت في عهد الملك سنوسرت الثاني. وأصبحت الاسكندرية ميناءاً بحرياً عالمياً ، تمتلك اسطولاً من عشرين سفينة .