طرق التجارة البرية ومحطاتها

‎بحث في التجارة / جزء 7

طرق التجارة البرية ومحطاتها

1- اليمن وجيرانه

سبق ان ذكرنا في بحث سابق طرق التجارة العربية بشكل عام . وفي هذا البحث نعود الى منطقة شبه الجزيرة للاطلاع بشكل مفصل على هذه الطرق ومحطاتها الرئيسة .

شهد القرن الاول الميلادي نمو تجارة العرب قبل الإسلام، وبنوع خاص تجارة اليمن، بعد ان توقفت تجارة الرومان مع الهند عبر البحر الأحمر. وكان ان سبق للرومان ان إفتتحوا هذا الخط التجاري البحري مع الهند في الألف الرابع قبل الميلاد. ومع انسحاب سفن الرومان أقبلت إبل الجزيرة العربية لتملأ الفراغ. وفي وقت قصير نسبياً أضحت قوافل الابل البرية تنتشر في انحاء شبه الجزيرة، عابرة الى جهات مختلفة وبنوع خاص الى الشمال حيث كانت تلتقي تجارة العرب بالخارج.

اليمن ملتقى الطرق التجارية

كانت التجارة العالمية البرية آنذاك القادمة من الشرق الآسيوي والمتجهة غرباً تسلك مسالك معروفة وواضحة وسالكة عبر الصحراء. ولما كانت اليمن وبعدها الحجاز ملتقى هذه الطرق فقد سلكت القوافل طريقين رئيسين تسير فوقها القوافل المحملة بالبضائع. والطريقان البريان هما: الطريق البري الموازي للبحر الاحمر بين اليمن وبلاد الشام عبر الطائف ومكة ويثرب وتتفرع منه خطوط تتجه غرباً وشرقاً. وقد عرف هذا الخط ، كما ذكرنا في بحث سابق ، بطريق البخور او بطريق العطور . كانت نقطة الانطلاق تبدأ في قتبان ، في الجنوب الغربي من شبه الجزيرة وحضرموت الواقعة شرقاً وسبأ المتاخمة لهما شمالاً. أما الطريق الثاني فكان ينطلق من جنوبي شبه الجزيرة العربية باتجاه الشمال وصولاً الى جرهاء، ومنها الى بلاد ما بين النهرين، إما براً او في قوارب تبحر في الخليج العربي وصولاً الى نهر الفرات. ومن هناك كانت البضائع تتوزع في اسواق المنطقة. أما الطريق الذي كان يخترق شبه الجزيرة العربية عرضاً، فكان يصل مكة بوادي الرافدين ويتفرع عند حائل الى فرعين، أحدهما يصل الى مصب نهر الفرات مروراً بعدد من الأماكن مثل السِفن وفيد. وقد عرف هذا الطريق لاحقاً باسم درب زبيدة. أما الفرع الآخر فكان يتجه شمالاً شرقاً ماراً بتيماء ودومة الجندل وصولاً الى وادي الرافدين عند مدينة بابل التاريخية. وهناك طريق بري آخر كان يمر في أقصى شمال شبه الجزيرة ويسير بمحاذاة الفرات حتى مدينة ماري ويتجه من ثم غرباً الى تدمر ومنها الى حمص ودمشق والموانئ السورية .

يلتقي الطريق البحري براً بشبوة في حضرموت ويتحول الى طريق بري يصل الى البتراء ومنها الى غزة فمصر. وكان هذا الطريق يربط بحراً الهند وسيلان والصين بمدينة عُمان عبر البحر الاحمر وصولاً الى مصر.

المراكز التجارية البرية

شبوة

كانت شبوة من المراكز التجارية المهمة. وهي تقع في وادي عرما (وادي عطف) في الطريق الغربي من وادي حضرموت. ولما كانت تقوم على مناجم للملح الصخري، فان نشأتها التجارية ارتبطت بشكل كبير بالاتجار بهذه المادة. وكان يمر في هذه المدينة عدد من الطرق التجارية البرية المتجهة شمالاً. وقد إتخذها ملوك الدولة الحضرمية عاصمة لهم ووجهوا تجارة اللـبـان اليها. وكانت مناطق انتاج اللبان تمتد من شرقي شبوة حتى ظفار. وكانت الدولة الحضرمية تفرض على أصحاب القوافل التجارية المرور بشبوة، فتحولت هذه المدينة الى مركز تجاري مهم. وكانت الدولة تجبي الضرائب من هذه التجارة .

ميفعة وتمنع

إستمرت شبوة مركزاً تجارياً حتى القرن الرابع ميلادي عندما إضطربت الاحوال السياسية في جنوبي شبه الجزيرة ومعها تقلصت تجارتها. ومن المراكز التي استفادت من ضعف شبوة ميفعة (تعرف بنقب الحجر اليوم) التي تقع فوق وادي ميفع الذي يخترق مرتفعات الجول. وكان الوادي يعتبر طريقاً مهماً للقوافل القادمة من قنا باتجاه شبوة وبيحان. واستمرت مدينة ميفعة محافظة على مركزها التجاري حتى القرن الثاني الميلادي. وكذلك استفادت تمنع (هجر كحلان) من هذا الوضع. وتمنع هذه تقع الى الغرب من صحراء صيهد، على حافة وادي بيحان الشمالية. وكانت هذه المدينة عاصمة للدولة القتبانية وسوقاً تجارياً مهماً. وكانت قد أقامت لها علاقات تجارية مع المراكز التجارية الرئيسة الواقعة خارج شبه الجزيرة العربية. وكانت كذلك مركزاً رئيساً لتجارة المر .

هجر بن حميد

هجر بن حميد مدينة اخرى استفادت من هذا الظرف المؤاتي. وهي، ومثلها ام العادية وقرناو (معين) ومأرب ويثل (براقش) كانت هي الاخرى محطة تجارية مهمة. وهي تقع على الحدود السبئية – المعينية داخل منطقة زراعية خصبة.

ظفار

ظفار هي الاخرى التي استفادت من الوضع الجديد. وهي تقع في منطقة جبلية تحيط بها سهول زراعية وتكثر فيها السدود. ومن أهم مرتفعاتها جبل ريدان الذي كان المقر الملكي لحمير. وكانت عاصمة للدولة الحميرية، وحلت محل مأرب بعد افول نجم الدولة السبئية وصعود نجم الحميريين، وأضحت مركزاً تجارياً. وكان يصلها بمرفأ موزا طريق بري. ولا تبعد ظفار عن صنعاء سوى ما يقرب من مئة وتسعين كيلومتراً .

نجران

تقع نجران في وادي نجران وعلى مفترق الطرق القادمة من الجنوب والمتجهة شمالاً، او القادمة من الشمال باتجاه الجنوب. وقد اشتهرت كمحطة تجارية وكمركز صناعي للعديد من الصناعات الزراعية والحرفية.

أوبار

أوبار مدينة بائدة إكتشفت حديثاً سنة 1992. وهي تقع في جنوبي عُمان على طريق القوافل التجارية البرية. ويعتقد بعض علماء الآثار ان أوبار قامت قبل ما يقرب من ثلاثين سنة قبل الميلاد واستمرت قائمة حتى المئوية الثالثة ميلادية. كانت قاعدة نائية في الصحراء. وكانت القوافل تتوقف فيها لتنزود باللبان ونقله عبر الصحراء الى مراكز التجارة العالمية .

قرية كهل (الفاو)

قرية كهل (الفاو) كانت عاصمة لدولة كندة ومحطة تجارية في الطريق البري المتجه نحو الخليج العربي، كما كانت تحتضن صناعة النسيج وصناعات حرفية اخرى، مما حقق لها ازدهاراً تجارياً كبيراً وساعدها في سك عملتها الخاصة. وهي، ووريثتها باسمها الجديد الفاو كانت تقع عند تقاطع وادي الدواسر مع جبال الطويق عند مجرى قناة تدعي بالفاو. وهي لا تبعد عن مدينة الرياض سوى بضع مئات من الكيلومترات وتشرف على الحافة الشمالية – الغربية للربع الخالي. وهذا الموقع جعلها تقع على الطريق التجاري الذي يربط بين جنوبي شبه الجزيرة وشمالها الشرقي، مروراً بمنطقة اليمامة ومنطقة زبيدة. وقد كشفت التنقيبات الأثرية عن بقايا عمرانية ومقابر ومعبد ومركز لسوق تجاري واسع.

مراكز تجارية بحرية

مرفأ موزا

نشأت الى جانب هذه المراكز التجارية البرية في جنوبي شبه الجزيرة العربية مراكز تجارية بحرية، أهمها مرفأ موزا الواقع على ساحل البحر الأحمر الى الشمال من ميناء مخا الحالي. وكانت موزا تتبع الدولة السبئية في ايام عز هذه الدولة ثم تبعت الدولة الحميرية في القرن الاول للميلاد. وقد تمتعت موزا بموقع تجاري مميز، وكانت تستقبل السفن القادمة من مصر وشرقي افريقيا والهند. ونشأ في داخل المدينة سوق تجاري مهم، وعمل أكثر سكانها بالتجارة وبالبحر .

مرفأ أوكليس

يقع مرفأ اوكليس في أقصى جنوبي البحر الاحمر بالقرب من مضيق باب المندب وجزيرة بريم. وهي من أقدم مرافئ البحر الاحمر . إزدهرت ايام الدولة الأوسانية في القرن الخامس قبل الميلاد. سيطرت عليها دولة قتبان لفترة وسقطت في ايدي الدولة السبئية، وبعدها في أيدي الدولة الحميرية. وكانت أوكليس آخر محطة تقف فيها السفن الهندية التي لم يكن يسمح لها بالابحار شمالاً داخل البحر الاحمر خلال الفترة السابقة لقيام الرحلات المباشرة بين الهند ومصر. وكانت السفن الهندية تفرغ حمولاتها في مرفأ أوكليس ومنها تنقل براً الى موزا حيث كانت تباع البضائع من السفن البطلمية.

عدن

عدن أعظم مراسي اليمن والساحل الجنوبي لشبه الجزيرة العربية. كانت محط التجار ومرسى المراكب القامة من الهند والسند والصين والحبشة والحجاز. إزدهر ميناء عدن منذ القرن الثاني قبل الميلاد. وهو يلائم رسو السفن، تحميه جزيرة صبرة القربية من الرياح الموسمية التي تهب من الجهة الشمالية الشرقية. وكانت طرق برية عديدة تربط هذا الميناء بعدد من المدن التجارية الداخلية .

مرفأ قنا

يقع مرفأ قنا (او قنة، حصن الغراب) الى الشرق من عدن. هو مرفأ حضرموت ومرفأ السفن التجارية القادمة من جزيرة سقطرى. عمل مرفأ لحضرموت ومركزاً لاعادة التصدير. كان الميناء الاول لتجارة اللـبـان، حيث كانت تتجمع فيه محاصيل ظفار ووادي الحجر والساحل الافريقي الشرقي . وقد جعلت منه الطرق البرية ، التي طالما التقت فيه ، سوقاً تجارياً ناشطاً على ساحل بحر العرب . تدهورت أوضاعه وفقد مركزه في القرن الرابع ميلادي بعد ان خفت تجارة اللبان والطيوب في جنوبي شبه الجزيرة العربية .

مرفأ رأس فرتك ومرفأ موشا

مرفأ رأس فرتك ومرفأ موشا مرفأان محليان، يقع الاول في وسط الساحل الجنوبي بين مرفأي قنا وموشا. كان مخصصاً لشحن اللبان من مناطق الساشليت الساحلية ومن ظفار. ويذكر الدليل الأثري ان الملك الحضري ايلعز بلط أسس الميناء في القرن الاول قبل الميلاد ونقل اليه ثلث سكان شبوة. كما يذكر الدليل ان الميناء استخدم لجمع اللؤلؤ من قاع البحر بواسطة القرب الجلدية المنفوخة. ويقول الدليل الأثري ان نشاط مرفأ موشا التجاري، خصوصاً النشاط التجاري الهندي، إستمر حتى القرن السابع الميلادي .

مرافئ أخرى

كانت هنالك مرافئ أخرى نشطة في خليج عمان، منها مسقط الواقعة عند مدخل خليج  عمان، ومرفأ قلهات الذي إنطلقت منه قديماً السفن المتجهة الى الهند. وكانت قلهات كذلك سوقاً لسكان القرى والمدن والجزر المجاورة. أما عمانا (صحار) فكانت مرفأ تجمع لعدد من الصناعات بينها الخمور والثياب والاصباغ والقوارب. وكان هذا المرفأ ملتقى للطرق البرية التي تصل بين جنوبي شبه الجزيرة وشرقها. ويقال ان المرفأ تميز بحركة تجارية  واسعة شملت ساحل كرمينيا وشمالي الخليج العربي وموانيء الهند وساحل أفريقيا الشرقي.

2 – الحجاز

فقدت المناطق الجنوبية مركزها التجاري المهم بعد ان إحتل الاحباش اليمن سنة 525  ميلادي. وكانت الصراعات التي نشبت بين القبائل والقوى الاخرى في شبه الجزيرة، وانهيار سد مأرب، قد أسهمت في تدهور الاوضاع الاقتصادية في هذه المناطق. ومع تقلص نفوذ الجنوبيين التجاري ظهر أهل الحجاز عموماً، وأهل مكة خصوصاً، وكأنهم قد ملؤوا الفراغ وتبوأوا مركز الزعامة التجارية في كافة مناطق شبه الجزيرة العربية .

مكة محطة تجارية

ظهرت مكة منذ قبل الاسلام كمركز ديني وكمحطة تجاربة. وعلى مقربة من الكعبة الشريفة المقدسة ظهر نبع زمزم واعاد حفره عبد المطلب، جد النبي. ولطالما اعتبرت مياه النبع مقدسة وكذلك الكعبة. وصارت الماء والكعبة محجة. وتولى ابناء اسماعيل حراسة البيت وخدمته الى ان وفدت قبيلة خزاعة من اليمن ونزلت بظاهر مكة وطردت الجرهميين منها. وكان أول من ولي أمر البيت عمرو بن لحي، وهو من خزاعة. فبدَل الدين الجديد بعبادة الاوثان مستقدماً أصناماً من بلقاء الشام ونصبها حول الكعبة. فطغت الوثنية على مكة وعلى كل بلاد الحجاز وامتلأت الكعبة بالاصنام. غير ان هذا الوضع الشاذ لم يدم طويلاً وعادت الامور الى نصابها .

كان الحج والى جانبه التجارة مورداً مهماً لقريش. فكانت تبيع ما لديها للقادمين من البادية والقرى والمدن البعيدة، وتشتري ما يحملونه معهم من سلع. وكانت هذه السلع والبضائع تنقل بدورها الى أسواق العراق والشام ، حيث كانت تبادل بسلع ومواد يحتاجها أهل الحجاز

نظم زعماء قريش حركة التبادل التجاري ووضعوا لها بعض القواعد والضوابط وأقاموا الاسواق الموسمية، ومن بينها: سوق عكاظ بين مكة والطائف، سوق مجنَة العائد لبني كنانة وكان يقع في أسفل مكة، وسوق حباشة في تـهـامـة، وسوق ذي المجاز قرب عرفة.

معاهدات تجارية

كان كسرى يرسل كل عام قافلة تجارية الى سوق عكاظ. ومثلها كانت تأتي قوافل من بلاد الروم والحبشة وسواها. ومن جهتهم أدرك تجار قريش انهم قد إكتسبوا خبرة واسعة في مجال التجارة ومرونة في التعامل مع زبائنهم. وحاولوا ان لا يتورطوا في الصراعات القبلية المحلية ولا في الصراع الذي كان يقوم بين حين وآخر بين البيزنطيين والفرس، اللذين كانا يتنازعان السيطرة في آسيا وأفريقيا. وعقدت مكة معاهدات تجارية مع بيزنطية وفارس والحبشة لتأمين تجارتها. ويعود الفضل في هذه المعاهدات والاتفاقيات وفي تنظيم الرحلات التجارية الكبرى الى اولاد عبد مناف زعيم قريش. وكان قد سبق لهاشم ان عقد معاهدة تجارية مع ملوك الروم والغساسنة. وقيل إنه سن رحلتي الشتاء والصيف، الاولى الى اليمن جنوباً والثانية الى بلاد الشام شمالاً. وعقد ابنه عبد شمس اتفاقية تجارية مع نجاشي  الحبشة، مما سهل على تجار مكة الذهاب الى ارض الحبشة بأمان واطمئنان. كذلك عقد نوفل، ابن عبد مناف الآخر، اتفاقاً مع الفرس فضمن تجار مكة السفر الى العراق وفارس بأمان. اما الابن الآخر المدعو المطلب فقد توصل الى اتفاق مع ملوك حمير لتسهيل مرور تجار مكة باليمن.

لم يمنح البيزنطيون التجار العرب حرية الاقامة والتجارة الا في عدد محدود من بلاد الشام . ففي فلسطين كان يسمح للعرب بحرية التجارة في مينائي غزة وايلة وفي القدس. وفي الشام كان سوق بصرى مفتوحاً امام تجار الحجاز. وكانت البرية المحطة الاخيرة لقوافل قريش .

وكان للقريشيين تسهيلات خاصة بفضل اتفاقيات سبق ان عقدت مع امراء العرب شملت اليمن واليمامة وسواها. وكان على التجار المكيين دفع جعالات معينة او تقديم هدايا مغرية للقبائل الساكنة على طرق هذه البلدان. وكثيراً ما أشرك التجار المكيون هذه القبائل في تجارتهم او في حمل يضائعهم من دون اجر. ويذكر ابن سعد في مؤلفه الطبقات الكبرى ان “القبائل الضاربة على طرق القوافل قد ألفهم هاشم على ان تحمل قريش بضائعهم بلا اجرة “. ويقول الجاحظ في “رسائل الجاحظ ” ان هاشماً أشرك في تجارته رؤساء القبائل من العرب وجعل لهم معه ربحاً .

نشطت التجارة الداخلية والخارجية في الحجاز بفضل هذه العلاقات. وقام بعض سكان المدن والبادية بالمشاركة في تمويل القوافل او في تشغيل قسم منهم كأدلاء اوحراس للقوافل او سائقين للابل لقاء مبالغ محدودة من المال. وكذلك استفاد مقدمو الخدمات في المحطات التجارية المنتشرة على طول الطريق البرية او في الثغور البحرية.

أقام تجار من الفرس ومن الروم في مكة واليمن ونجد وتحالفوا مع اثريائهم. ومنهم من أقام في مكة مقابل دفع جزية نقدية لحمايته. ومنهم من استقر في عـدن التي كانت تستقبل آنذاك السفن القادمة اليها من مختلف جهات المحيط الهندي. وكان كبار تجار قريش يقومون بدور الوسطاء التجاريين، وحملوا تجارة أهل اليمن وتجارة افريقيا الشرقية الى اسواق بلاد الشام. وبالمقابل كانوا يحملون تجارة الشام الى الحجاز ونجد واليمن . وذكر البلاذري في كتابه “أنساب الأشراف” ان قريشاً كانت تقوم برحلة في الشتاء الى اليمن والحبشة والعراق وبرحلة صيفية الى الشام .

السلع المتبادل بها

شملت سلع التبادل التجاري القمح والزيتون والخمور ومصنوعات بلاد الشام، والذهب والاحجار الكريمة والعاج والتوابل والأقمشة على انواعها والآنيات الفضية والنحاسية وخشب الصندل من الهند والصين. وجاء البخور والعطور والجلود المدبوغة والاحجار الكريمة من اليمن، بينما صدَرت افريقيا الذهب والعاج والجلود وخشب الأبنوس وريش النعام والعبيد. وجاء اللؤلؤ والياقوت من البحرين. ومن فارس والعراق واليمامة استوردت مكة المواد الغذائية والسلع الصناعية.

حولت تجارة مكة المزدهرة تجارها الى طبقة غنية بشكل كبير. وذكر محمد بن عمر بن واقد في كتابه المغازي ان بعض القوافل كانت تتألف من ألف جمل، اوحتى من الفين وخمسمئة. وكانت المتاجر تقدر بنحو خمسين الف دينار .

إتصل تجار مكة بالحبشة والصومال عن طريق اليمن البري. فكان التجار المكيون يستخدمون ميناء الشعيبة للاتصال بالحبشة والصومال ومصر. ويقال إنهم استخدموا سفناً يملكونها.

مارست النساء المكيات التجارة، وقد أثرين ثراء فاحشاً. من بينهن خديجة بنت خويلد التي كانت تتاجر بمكة وتستأجر الرجال لنقل تجارتها الى بلاد الشام . ومثلها أم أبي جهل التي كانت تتاجر بالعطور المستوردة من اليمن .

العملة

أي عملة استعملت مكة في تمويل هكذا تجارة واسعة؟ فمكة ما قبل الاسلام لم يكن لها عملة خاصة بها. وكان المكيون يتعاملون بالأبل وبالنقود. اما النقود فكانت الدينار الذهبي البيزنطي والدرهم الفضي الساساني. واستعملوا كذلك الذهب الخام المستورد من شرقي افريقيا او المستخرج من مجاري الانهر في اليمن. وكان التداول بهذه النقود يجري حسب وزن القطع المتبادلة.

نشأت بيوتات مالية في مكة وخارجها. وقامت هذه البيوتات باعمال الصيرفة وتبادل النقود، كما قامت باعمال الاقراض والربا. وبذلك تزايد عدد المرابين في مكة. وكان المرابي يقول لمدينه: اذا حل أجل الدين، إما أن تقضي واما ان تربي، أي تزيد مقدار الربا. وهكذا تضاعفت فوائد الربا كثيراً .

يثرب محطة تجارية

شكلت مدينة يثرب محطة تجارية على طريق القوافل بين شمالي شبه الجزيرة وجنوبها. وكانت هذه المحطة توفر الراحة والمؤن للتجار. ومثلها كانت تيماء مركزاً تجارياً مهماً في شمالي شبه الجزيرة العربية. وفيها كانت تلتقي طرق برية عديدة تربط بين البتراء ودمشق وتدمر ومنها الى سيناء ومصر والعراق . وقد اكتسبت هذه المدينة شهرة في التاريخ القديم بفضل دورها في التجارة الدولية .

ديدان العلا ودومة الجندل وحائل

كانت ديدان العلا هي الاخرى من أهم المراكز التجارية وأكثرها تطوراً. كانت تقع في ممر ضيق محاط بالمرتفعات والرمال. تناوبت على سلطتها كيانات سياسية مثل الدولة الديدانية والدولة اللحيانية . ومع صعود مدائن صالح (الحجر) ، بعد ان سيطر عليها الانباط ، فقدت ديدان العلا أهميتها التجارية. وكانت مدائن صالح لا تبعد كثيراً عن ديدان العلا. إلا ان مكانتها وشهرتها التجارية لم تبرز الا في عهد الانباط الذين اجبروا القوافل على سلوك الطرق المؤدية اليها .

دومة الجندل محطة وقاعدة لمنطقة الجوف وعاصمة اتحادية في شمالي شبه الجزيرة . كانت تتحكم بطرق القوافل المتجهة الى بلاد الرافدين والخليج العربي. وعرفت ايضاً باسم أدوماتو. كانت تقع قرب مجرى تكثر فيه المياه ويمتد في اتجاه الشمال الغربي من شبه الجزيرة. وكانت لها علاقات وصلات مع تجار التوابل المعينيين في ديدان. سقطت هذه المدينة في أيدي الانباط في القرن الاول الميلادي .

كانت حائل (أركوم) تقع في وسط منطقة جبال شمر على بعد أقل من الف كيلومتر من مدينة الرياض. كانت مركزاً تجارياً يربط بين حائل – الجرهاء ، حائل – النجف ، حائل – الجوف ، وحائل – بريدة.

3 – شرقي شبه الجزيرة العربية

حفلت تجارة سكان المناطق الشرقية من شبه الجزيرة العربية بعلاقات ناشطة مع جيرانها العرب في حضرموت واليمن وجنوبي بلاد الرافدين وبعض المناطق الابعد، مثل ايران وافغانستان وخليج البنغال، حيث كانت تحط قواربهم وسفنهم الشراعية في مرفأ لوتا. كذلك وصلت تجارتهم الى سواحل افريقيا الشرقية والمحيط الهندي والخليج العربي. وكانت سفنهم التي تفرغ حمولاتها في مرافيء بلاد الرافدين الجنوبية تعود محملة ببضائع ومنتوجات عراقية. وكان ما تفرغه من حمولة في مرافئ جنوب الرافدين ينقل براً على ظهور الحيوانات فوق طرق مؤدية على طول نهري دجلة والفرات الى المناطق الشمالية الغربية في بلاد الاناضول وبلاد الشام ومرافئها على شواطئ البحر الأبيض المتوسط .

تجار البحرين (دلمون)

كان تجار البحرين (دلمون) ينقلون تمورهم التي تمتعت بشهرة كبيرة آنذاك الى الشرق والغرب عبر البلدان المجاورة. وكان نخيلهم المميز يزرع على شواطئ الاحساء والجزر المجاورة. كذلك نقل هؤلاء التجار المواد الخام، مثل الاخشاب وفلزات النحاس والحجارة الصالحة للبناء وصنع التماثيل من منطقة مجان المجاورة الى بلاد ما بين النهرين .

لعب تجار البحرين (دلمون) دور الوسيط التجاري وتاجروا بمنتوجات البلدان المجاورة لهم. فكانوا يجمعون في مستودعاتهم السلع القادمة من السند كالتماثيل والاواني الحجرية المنقوشة والذهب والعاج وخشب الساج والاحجار الكريمة ونصف الكريمة كالعقيق واللازورد والزبرجد، والرخام والحجر الصابوني واللؤلؤ ، تمهيداً لبيعها من مستوردين في بلدان غربي آسيا وشرقي افريقيا. وكانوا ينقلون هذه البضائع على السفن الدلمونية. وهكذا قامت البحرين (دلمون) بدور سوق تبادل للسلع الدولية. وهذه سابقة في التجارة الدولية القديمة .

مدينة الجرهاء ملتقى القوافل التجارية

سلك تجار البحرين وسواهم من ابناء المناطق الشرقية الطرق البرية المتجهة غرباً عبر ايران وبامبور الى بلوخستان ومدن وادي السند. وكانت مدينة الجرهاء ملتقى القوافل التجارية، وبنوع خاص القوافل البرية القادمة من جنوبي شبه الجزيرة العربية، تستقبل سلع الطيب والمر والبخور وتعيد تصديرها عبر طرق حائل وتيماء الى مصر وموانئ البحر الأبيض المتوسط ، او عبر الطريق البري الذي يصل بلاد الرافدين ببلاد الشام. وكانت قوافل الجرهاء تحصل براً على محاصيل بلاد الشام من بصرى او غزة او البتراء . كما كانت الجرهاء تنقل بطرق البر من حضرموت منتجات مستوردة بحراً من الهند وافريقيا. ومن أبرز المواد التي تاجرت بها الجرهاء وحققت عن طريق الاتجار بها ارباحاً طائلة، الفضة واللـبـان والبخور.

تميزت الجرهاء بغناها. وقدَر المؤرخ الروماني سترابو الذي عاش في القرن الاول قبل الميلاد ثروة الجرهائيين بثروة السبئيين ووصف المدينة بانها محطة لتخزين العطور والتوابل المستوردة من جنوبي شبه الجزيرة والسلع القادمة من افريقيا والهند. ومن المعتقد ان مدينة الجرهاء كانت تقع على مقربة من العقير وعلى بعد 23 ميلاً من مياه الخليج. وقد تمكن سكان الجرهاء، كما أشار الكاتب اليوناني يوليوس الذي عاش في القرن الثاني قبل الميلاد، من دفع مبالغ كبيرة جداً للملك السلوقي انطياكس الثالث سنة 205 ق.م. لدرء الخطر الذي شكله عندما قاد حملة بحرية للاستيلاء عليها. ووصف الكاتب الروماني بلينوس الذي عاش في القرن الاول للميلاد الجرهاء بأنها مدينة كبيرة يبلغ محيطها خمسة اميال وفيها ابراج مبنية من كتل الملح .

كانت مكان، وهي في بلاد عُمان الآن، ترسل سفناً كبيرة جداً الى بلاد فارس وبلاد الرافدين محملة بالنحاس وأخشاب الصندل والأبنوس والساسامينا والقرون (الحبال)، كما كانت تصدر الى أقاليم شبه الجزيرة الاخرى اللآليء والأقمشة والارجوان والذهب والرقيق والنبيذ والتمر .

المراجع

1 Philby, H , The Background of Islam , Whitehead Morris Press , Alexandria , 1949 .

2 -, H . Caravan Cities , Clarendon Press , Oxford , 1962 . Rostovtzeff

3المسودي : مروج الذهب ، مطبعة السعادة ، القاهرة ، 1964

4 – العلي ، صالح احمد ، تاريخ العرب القديم والبعثة النبوية ، شركة المطبوعات ، بيروت 2000

5 –حتي ، فيليب ، تاريخ العرب ، دار غندور 1974

6 – زيدان ، جرجي ، العرب قبل الاسلام ، مكتبة الحياة ، بيروت ، لا تاريخ

7 – زيادة ، نقولا ، الاعمال الكاملة ، دليل البحر الارثيري ، الاهلية للنشر والتوزيع ، بيروت 2002

8 – النعيم ، نوره ، الوضع الاقتصادي في الجزيرة العربية ، دار الشواف ، الرياض 1992

9– حمور ، عرفان محمد ، اسواق العرب ، دار الشورى ،1981