النقد ونظام الكيل

‎بحث في التجارة / جزء 12

النقد ونظام الكيل                                     

سك الملك الآشوري سنحاريب سنة 700 ق.م. قطعاً نقدية فضية، قيمة الواحد منها نصف شاقل. وهي أقدم ما عرفه سكان الهلال الخصيب من مسكوكات نقدية. وعلى الساحل سكت مدينة صور اول عملة فينيقية في اواسط القرن الخامس قبل الميلاد وتبعتها صيدون (صيدا) وارواد وبيبلوس (جبيل) في أواخر القرن الخامس اومطلع القرن الرابع قبل الميلاد. ولم تسك المدن الاخرى عملتها الخاصة حتى ظهور العهود الهلينية .

أشكال العملات 

حملت عملة صور رسم دولفين او رسم صدفة المرِيق (رخوية بحرية تنتج صبغاً ارجوانياً) او رسم ملكارت او رسم مارد البحر (حصان خرافي ذو قائمتين اماميتين وجسد ينتهي بذيل دولفين او سمكة) على وجه العملة، ورسم بومة على ظهرها. وكانت عملة صيدون اكثر تنوعاً. فبعض وجوه عملتها الاولى حملت رسم سفينة حربية مشططة قرب حصن تحيط به شرفة مفرَجة (جدار له فتحات يطلق منها النار) وابراج، بينما تظهر في عملة اخرى السفينة الحربية ذاتها تبحر فوق الامواج. وكانت العملة ذات الفئات الصغرى تحمل رسوماً مختلفة، مثل رسم ملك ملتح وعلى رأسه قبعة شرقية المظهر. اما العملة من الفئات الكبرى فحمل ظهرها رسم ملك فارسي يمتطي عربة ذات عجلتين تجرها اربعة احصنة ووراءه مرافق راجل، يمثل ملك مصر او صيدون. وكان هذا المرافق يضع على رأسه تاجاً فارسياً. وحملت فئات نقدية اخرى رسم ملك فارسي يطلق نشاباً او يذبح أسداً.

ويستفاد من هذه الفئات ان صيدون كانت المدينة الرئيس في مملكة الفرس، وان الملك كان يملك قصراً فيها. وكانت عملة الفينيقيين من الفضة او من البرونز. ومما يجب الاشارة اليه ان عملة ارواد كانت فارسية الطابع، بينما كانت عملة غالبية المدن الاخرى ذات طابع فينيقي محض. كانت اولى عملات قرطاج من الذهب، طابعها فينيقي. اما تلك الفئات ذات الطابع الاغريقي فكانت من الفضة.

سك العملة 

وقد سكت هذه الفئات في جزيرة صقلية بدءاً من نهاية القرن الخامس وما بعده. وكانت تسك العملة كلما دعت الحاجة لدفع مستحقات المرتزقة. أما النقوش والكتابات الظاهرة على وجه العملة ففينيقية، بينما حمل الوجه الآخر رسم حصان او اسد او شجرة نخيل، وكلها عملة استعملتها قرطاج في القرن الثالث قبل الميلاد ، باستثناء تلك التي حملت رسم اسد فقد كانت من الذهب الخالص او من البرونز او الالكتروم، وهو مزيج طبيعي من الذهب والفضة. ولم تسك عملة بالفضة حتى اواخر القرن الثالث قبل الميلاد، عندما سيطر هملكار القرطاجي على مناجم الفضة في اسبانيا. وبعد ان خسر القرطاجيون اسبانيا اصبح البرونز المادة الاساس في سك عملتهم . وانتشرت هذه العملة البرونزية على نطاق واسع في العالم القديم، بما في ذلك بريطانيا.

كانت مدن صقلية قد سكت عملتها قبل القرن الخامس قبل الميلاد، بينما بدأت غادس وابيزا بسك عملتها في القرن الثالث ق.م. وملكت قرطاج مصنعاً لضرب عملتها في قرطاج الجديدة باسبانيا، عندما كانت اسبانيا جزءاً من مملكتها. وكانت عملتها تتبع شكل العملة الفينيقية التقليدية، فرسمت على وجه رسم حصان او شجرة نخيل او فيل وعلى الوجه الآخر رسم رؤوس. وكان روبنسون، الخبير في تاريخ قرطاج، قد توصل الى ان الرؤوس كانت لقادة قرطاجيين، مثل هملكار وهسدروبال وهنيبال، فضلاً عن القائد الروماني سكيبيو الذي احتل قرطاج الجديدة سنة 209 ق.م. ولم تكتشف عملة خاصة بسردينا مما يشير الى انها كانت تحت النفوذ الروماني .

ليس لدينا معلومات موثقة عن دار ضرب فينيقي سكت فيه العملة. اما الرسوم فتظهر تأثير اليونان في تصميم الرسوم، مما يضعنا امام احتمالين اثنين: الاول ان الفينيقيين استعانوا بفنانين وعمال يونان ، والثاني انهم قلدوا الرسوم اليونانية في خلال هذه الحقبة .

سك اليمنيون عملة شبيهة بالنقد اليوناني في القرن الرابع قبل الميلاد، في خلال العهد السبئي. ورسموا على احد وجهي قطعة النقد رأس آلهة أثينا وشعارها. ثم تطور هذا النقد واصبح محلي النمط والشكل، يتبع الدرهم البابلي الذي بلغ وزنه 5.6 غرامات. وفي القرن الثاني قبل الميلاد طور هذا النقد واتبع في وزنه الدينار الروماني. وعندما نما الاقتصاد في شبه الجزيرة العربية وتطورت العلاقات التجارية بين الامبراطورية الرومانية في الشمال والدولة الحميرية في الجنوب سكت اعداد كبيرة منه. كما سك ملوك حمّير عملة ذهبية وفضية ونحاسية حملت رسوم الملوك على وجه ورسوم هلال او نسر او ثور او بومة على الوجه الآخر. وقد تميزت عملة الجنوب العربي بصفائها، فاطلقت عليها صفات تدل على ذلك، مثل: رخيم او نعيم التي تؤكد جودة هذه العملة. كذلك تميزت عملة حمير بان تضمنت نظام الفئات العشرية، مثل النصف والربع. وكانت كل فئة تحمل اشارة تحدد قيمتها. أما أسماؤها فقد ظهرت في بعض النقوش التي اكتشفت هناك، مثل قرف وبلطم التي تعد من أكثر النقود وروداً في النقوش، وخبصت وهي عملة قتبانية صنعت على الارجح من مزيج عدد من المعادن، ومحليت وهي عملة سبئية.

اما في سوريا فقد عثرت البعثة الوطنية للآثار في مدينة جبلة الساحلية على قطع نقدية ذهبية على وجهها رسم للاسكندر المقدوني، وعلى القفا رسم لسفينة فينيقية. ويقال ان الحارث الثالث، ملك الانباط الذي حكم بين 87 و62 ق.م. كان اول من سك عملة نبطية على النمط الهليني ووفق المعيار البطليموسي للنقد. ومع مرور الوقت اخذت هذه العملة طابعها المحلي في الشكل، الا ان وزنها كان يتبع النقد الصوري الذي كان بدوره تقليداً للعملة السلوقية – الهلينية. وتؤكد القطع الاثرية المكتشفة ان نظام النقد النبطي عرف نظام الفئات العشرية، كما عرف نوعاً من التخصص في سك العملة. كان لكل مدينة عملة خاصة بها مصنوعة من البرونز، بينما كانت عملة الدولة الرسمية تستخدم في التجارة الخارجية.

العملات النبطية 

مرت العملات النبطية في مرحلتين اثنتين: الاولى بدأت في خلال حكم الحارث الثالث وانتهت في العام السابع ميلادي. كانت العملة في خلال هذه الفترة قوية وتضاهي الدينار الروماني وتحتوي على نسبة عالية جداً من الفضة، والثانية بدأ استعمالها في خلال العام السابع بعد الميلاد واستمرت حتى سقوط الدولة النبطية سنة 106 م. تدهورت في هذا الوقت العملة النبطية وتدنت نسبة الفضة فيها. ويعزو بعض المؤرخين هذا التدهور الى علو كلفة التقديمات الاقتصادية والعسكرية التي قدمها الانباط للرومان في خلال انشطتهم العسكرية ضد الاسكندر سنة 47 ق.م. وما قدموه لبيت المقدس لاسقاط الاسرة المكابية اليهودية. دفعت هذه الظروف الاستثنائية الملك النبطي مالك الاول ( 47 – 30 ق.م. ) الى الاكثار من سك نقود برونزية لدفع مرتبات الجنود وتجنيد مقاتلين. وفي وقت لاحق غير بعيد مارس الرومان ضغطاً على الانباط للاشتراك في تمويل حملة أليوس غالوس لغزو اليمن في عهد عباد الثالث النبطي ( 30 – 9 ق.م. ) مما أدى الى إضعاف قيمة النقد النبطي وتدني نسبة الفضة فيه وانخفاض وزنه بحيث وصل وزن القطعة النقدية الى 4.4 غرامات بعد ان كان قبلاً 6.61 غرامات . وفي محاولة لانقاذ نقد بلاده قام عباد الثالث الى سك نقود اكبر حجماً من العملات الرومانية. الا ان محاولته لم تعط النتائج المرجوة. ولما خلفه الحارث الرابع الذي حكم بين عامي 9 ق.م. و40 م. تعرضت دولة الانباط لهجمات القبائل الثيمودية والصفوية من جهة، ومن جهة اخرى اقدامه على تنفيذ مشاريع عمرانية عالية الثمن في مدينة البتراء، كبناء قصر بنت فرعون والمسرح الوطني، مما أنهك الخزينة العامة وأضعف قيمة العملة الوطنية بعد ان سك كميات كبيرة منها لسد العجز وقلل من نسبة الفضة فيها الى درجة كبيرة.

ورثت تدمر مركز البتراء التجاري وظهرت فيها نقود سكت على النمط الروماني. ولم يجر تطوير هذه النقود الا في زمن زنوبيا التي ضربت مسكوكات خالية من رأس اورليانوس، كما كانت العادة سابقاً. وعندما دخلت جيوش زنوبيا الى مصر سكت في الإسكندرية سنة 270 م. عملة تدمرية نقشت عليها وجه وهب اللات الى جانب وجه اورليانوس في اشارة الى ان وهب اللات قد أصبح يحكم مصر باسم الامبراطور الروماني.

سك الملك سباسينوس، ملك ميسان ، نقداً مستقلاً. وتكاثرت كمية هذه النقود في العهود اللاحقة بعد ان أقدم الملوك الذين خلفوا سباسينوس على سك عملات بصورة متواصلة. ومن هذه العملات عرفت اسماء ملوك مملكة ميسان.

كان لمدينة الرها، حيث نشأت دولة الأباجرة، عملتها ونقودها مكتوبة بالاغريقية وقد ضربت على النمط الهليني ومقدرة على عيار بطليموس للعملة. وفي دولة الحضر ضربت نقود محلية على وجه من وجهيها رسم نسر الى جانب عبارة ” الحضر مدينة الشمس”، ورسم اله الشمس على الوجه الآخر.

نظام الوزن والكيل

عرف العرب نظام الوزن والكيل في العصور السابقة للاسلام. وتدل النقوش التي اكتشفت في انحاء مختلفة من شبه الجزيرة العربية على وجود نظام للاوزان والمكاييل في تلك العصور المتوغلة في القدم. من هذه الاوزان والمكاييل: برمت، صاع، أقدوم، قدر. كانت الاولى، برمت، تستعمل لقياس السوائل ووزن الحبوب. وهي مكيال يعادل ستة ارطال. اما القدر فهو مكيال استخدم للحبوب ويعرف الآن باسم ثمن.

عثر المنقبون الاثريون على عدد من القطع التي تمثل وحدات وزن من فئات واحجام مختلفة. ففي ظفار عثر في مدينة سمهرم على وحدة وزن معدنية تزن 6.5 ارطال نقش عليها اسم اله حضرموت واسم الملك الحضرمي. وعثر في قرية الفاو على وحدة وزن مشابهة لكنها تزن اربع كيلوغرامات.

دلت بعض النقوش الأثرية على وجود اوزان مثل: مكت ورضفا، وهي لتحديد اوزان المعادن كالفضة والنحاس، ورضيم التي استخدمت لتحديد اوزان المعادن ايضاً، وعسيم لتحديد وزن الفضة، وكركر وقنتن وهما وحدتا وزن. وكانت قريش تزن في الجاهلية الفضة بوزن اسمته درهماً وتزن الذهب بوزن سمي ديناراً.

ضرائب تجبى نقداً … وعيناً

عرف العرب قبل الإسلام ضرائب التجارة وأنظمتها وفرضوها على التجار. فكانت قريش تجبي الضرائب من التجار الاجانب الوافدين الى مكة. وكانت حكومة تدمر تفرض ضرائب جمركية على التجار المارين في اراضيها. ولم تكن تلك الضرائب اعتباطية، بل سنت الحكومات القوانين التي تنظم الاسواق وحركة التجارة ونسب الضرائب والمكوس. وخضعت الطرق التجارية لضرائب كانت تجمعها المحطات والمراكز الجمركية، كما كان الملوك يبعثون الرسل للاسواق بحثاً عن منازل القبائل ليحصلوا منهم ما لهم عليهم من ضرائب. وكان بالامكان تسديد هذه الضرائب نقداً او عيناً. ففي جنوب شبه الجزيرة العربية كانت الضرائب تؤخذ عيناً من محاصيل اللـبـان قبل ان يتم تصديرها، كما كانت الاتاوة في سوق عكاظ تدفع عيناً. فقد ذكر ان قبيلة هوزان كانت تقدم الاتاوة سمناً وجبناً وغنماً، وقبيلة الأزد كانت تدفع اتاوة الى عبد الله بن جعدة امتعة وسلعاً. وذكر ان ضرائب دفعت للمعابد وللملوك عن طريق اقامة الولائم والمشاريع الدينية والحكومية.