النظام الضرائبي في ايام الراشدين

‎بحث في التجارة / جزء 19

النظام الضرائبي في ايام الراشدين                   

الوضع في مصر

إتجه الفاتحون العرب نحو المحافظة على النظام الضرائبي البيزنطي الذي كان معتمداً في مصر. غير ان هذه الخطة لم تنجح بسبب ان الجالية البيزنطية التي سكنت مصر وانصرفت الى التجارة لا الزراعة، كما كان يفعل أهل مصر الأصليين، خرجت مع القوات البيزنطية البرية والبحرية المنسحبة، مخلفة وراءها نقصاً كبيراً في القطع النقدية الذهبية التي حملتها بأكثرها معها. وسبب هذا النقص المفاجئ بالقطع النقدي مشكلة كبيرة لعمرو بن العاص، والي مصر آنذاك. وقد أدرك عمرو انه لا بد من تعديل النظام الضرائبي البيزنطي السائد في مصر للتغلب على المشاكل الاقتصادية التي واجهتها البلاد بعد الفتح، خصوصاً وان الزراعة كانت تحتاج، كي تزدهر من جديد، لنفقات مالية عالية لترميم شبكة الري الدقيقة واتخاذ التدابير الوقائية السنوية الفعالة حيال فيضان نهر النيل. وفي هذا الجو، أدرك الحاكم العربي ان الفلاحين في مصر لن يتمكنوا من دفع أي ضريبة نقدية، وكان لا بد من تعديل النظام الضريبي الذي كان قائماً على ضريبة مفروضة على الارض تدفع نقداً. وكان النظام السابق يفسح في المجال امام اجراء تعديلات سنوية لمبلغ الضريبة تتناسب مع الظروف المحلية وتكون مبنية على تقديرات بعض موظفي الضرائب وزعماء السكان المحليين. ففي كل سنة كان زعماء القرى يجتمعون لمناقشة الضرائب وتحديدها. وكانت كل قرية تشكل وحدة قائمة بذاتها بالنسبة لتحديد قيمة الضريبة وجمعها . وكانت هذه الضريبة تحدد على أساس المساحات المزروعة ، بحيث يدفع كل مزارع مبلغاً من المال يتناسب مع مساحة ارضه المزروعة. وكان هؤلاء الزعماء يحددون مقدار الضرائب التي على الحرفي والعامل والتاجر ان يدفعها وفقاً لامكاناته المالية. كذلك كان على الزعماء تقدير الضرائب على المغتربين او ابناء الجاليات المدونة اسماؤهم في القرية. وبعد جمع هذه الضرائب يقتطع الزعماء المقادير التي يحتاجون اليها لصيانة الكنائس والحمامات العامة والقوارب التي تقوم بالنقل عبر نهر النيل، إضافة الى نفقات الادارة المحلية ، ثم يرسل ما تبقى من مال الى العاصمة في الإسكندرية.

ترك عمرو بن العاص هذا النظام على حاله، إلا انه أدخل بعض تغييرات ضمنت له المال اللازم لإدارته. وسمح عمرو للفلاحين ان يسددوا ضرائبهم عيناً بأي نوع من المحاصيل. غير انه أدخل تعديلاً مهماً على ضريبة الاعناق، فارتفعت كميتها وصارت تجمع بدقة  متناهية. وفرض على كل من لم يعتنق الاسلام ضريبة لا تتعدى الدينارين سنوياً. ولما كان هذا المبلغ كبيراً، فقد عمد عمرو الى فرضه على الذكور البالغين فقط، مع إعفاء رجال الدين وكبار السن والفقراء.

الوضع في سوريا 

إختلف الوضع في سورية التي كانت هي الاخرى تابعة للامبراطورية البيزنطية. فقد رحل الكثيرون من سكان سورية الروم من أصول عربية مع البيزنطيين المنسحبين بينما إعتنق من بقي منهم الإسلام وانضموا الى القوات العربية. وترك السكان المنسحبون وراءهم مدناً ومساحات واسعة من الاراضي الزراعية المهجورة. وكان لا بد لعمر بن الخطاب ازاء هذه الهجرة السكانية الكبيرة وما جرته من تفكك للبنية الاقتصادية وإضعاف التجارة التي كانت ترتبط بالمنتوجات الزراعية بشكل رئيس، من إتخاذ تدابير فعالة لاعادة اسكان المدن الخالية والاراضي المهجورة ولضمان استمرار ازدهار الحياة التجارية وتأمين زراعة الارض. وكان التدبير النهائي الذي وافق عليه عمر بن الخطاب يقضي باعادة توزيع المساكن والاراضي المتوفرة بين المسلمين من سكان أصليين ومن فاتحين على السواء. أما بالنسبة للتنظيم المالي، ومن ضمنه نظام الضرائب، الذي أدخله العرب الى الولاية السورية فكان بسيطاً. فقد فرض على المسلمين ان يدفعوا العشور على الاراضي التي بحوزتهم، بينما ظل غير المسلمين يدفعون الضرائب على أساس التنظيم البيزنطي. وعليه كان على الفلاحين المسلمين دفع ضريبة الارض والاعناق بمعدل دينار واحد وجريب واحد من الحنطة على الشخص الواحد. اما السكان غير المسلمين فظل العرب يجمعون منهم ضريبة الاعناق بمعدل دينار واحد او دينارين او اربعة دنانير نسبة لثروة المكلف. الا ان الحصول على الاعفاء كان ميسوراً.

الوضع في العراق

أدى الانهيار النهائي للامبراطورية الساسانية في العراق (637 م / 16 هجرية) الى سيطرة الفاتحين العرب سيطرة كاملة على هذا الجزء من الامبراطورية الذي تميز بخصب اراضيه وكثافة سكانه. وكان هذا الجزء الذي عرف قديماً بالسواد، يمتد من رأس خليج العرب الى الموصل شمالاً، ومن حدود الصحراء السورية – العراقية من حلوان شرقاً. وقد أدرك الفاتحون العرب أهمية هذا الاقتصاد الزراعي كمصدر مهم جداً للدخل فقرروا ان يكون السكان المغلوبون احراراً لتأمين حراثة الارض والاتجار بمنتوجاتها .

كان على المسؤولين مواجهة مشكلة الارض المحتلة. ومرد هذه الصعوبة الى محاولة التميز الدقيق بين الخراج كضريبة على الارض والجزية كضريبة على الاعناق. عندها قرر خالد سابقة في هذا المجال. ففي غزواته الاولى استسلمت بعض المواقع القليلة بدون قتال وعقدت صلحاً حفظ لها حريتها وأملاكها مقابل ضريبة صغيرة. وبعد اقتطاع هذه الضريبة وارسالها الى المدينة، كان القسم المتبقي يوزع بين جنود خالد. وقد أرست هذه الحالة النموذج الضريبي الذي اعتمد بعد الفتح . وعليه أصبحت المداخيل العراقية غنائم يقتطع منها خمسها ويبعث الى المدينة ثم يوزع الباقي منها بين الجنود الفاتحين. وأضحت هذه المداخيل تتألف من ضرائب محددة فرضت على الامكنة التي قررت الاستسلام من دون صراع طويل، ومن ضرائب تجبى من مناطق اخرى.

كانت هذه الضرائب على الارجح دون الضريبة التي كان الساسانيون يتقاضونها من هذه المناطق العراقية بالذات. أما في المناطق التي لم تعقد فيها اتفاقيات صلح فظل النظام الضرائبي السيساني السابق مطبقاً بواسطة الموظفين أنفسهم الذين ظلوا في مراكزهم الادارية. وكان هذا النظام الساساني يرتكز على نوعين من الضرائب هما ضريبة الاعناق وضريبة الارض. وكانت ضريبة الاعناق تفرض على كل فرد بين العشرين والخمسين من سنه. وكانت تحدد على أساس الدخل، مع اعفاء النبلاء ورجال الدين ورجال الادارة  والجيش.

أما الضريبة على الأرض فكانت محددة المعدل، عيناً او نقداً، بالنسبة لمساحة الارض ولنوع الانتاج فيها. وأبقى العرب ضريبة الارض على المستوى الساساني السابق، بينما خفضوا ضريبة الاعناق وجعلوا حدها الادنى 12 درهماً وحدها الأقصى 48 درهماً.

واجه الفاتحون العرب مشكلة معقدة جداً هي مشكلة الارض المهجورة والممتلكات الشاسعة التي كانت تخص العائلة الساسانية المالكة وكبار النبلاء ومعابد النار. ولما كانت هذه الارض شديدة الخصب، محروثة ومزروعة ومنتجة، فقد أبقى العرب الفلاحين على الارض لمواصلة العمل فيها وحولوا الملكية بكاملها الى ملكية جماعية وأطلقوا اسماً جديداً على المالكين هو “أهل الفيء”. ولعل هؤلاء المالكين لم يفرضوا على الفلاحين اجراً معيناً لقاء استغلال الارض. ثم أنشيء نظام أمانة عامة لادارة الاراضي ولجباية المداخيل المتأتية من بيع المنتوجات الزراعية وتوزيعها. وأطلق على القبائل المستفيدة اسم “القراء”. وهذه القبائل كانت تعرف من قبل بأهل الأيام. ولعل اسم القراء اشتق من جذر قرى، أي أهل القرى.

كانت سياسة العرب في العراق تهدف الى ابقاء هؤلاء القراء، وأكثرهم من عرب الردة من قبائل تميم وبكر وعبد القيس والازد، منفصلين عن السكان المحليين. وقد أسكنوا في البداية في المدائن، عاصمة الساسانيين، في منازل المدينة المهجورة. لكن سرعانما انتقلوا الى الكوفة، بينما سكن رجال القبائل العائدة من بلاد فارس في البصرة. وكان ولاة الكوفة يكلفون اشخاصاً من الدهاقين، أي النبلاء المحليين ورؤساء القرى، جباية الضرائب ورعاية شؤون الحكومة المحلية. وكان من مهام الولاة استلام الضرائب ونقلها الى بيت المال. ولعل مهامهم شملت كذلك عملية تحديد ضريبة الاعناق وجمعها.

المراجع

1- شعبان ، محمد عبد الحي : صدر الاسلام والدولة الاموية ، الاهلية للنشر والتوزيع ، بيروت 1987 .

2- الطبري ، محمد بن جرير : تاريخ الرسل والملوك ، لايدن 1901

3- الذهبي ، محمد بن احمد : تاريخ الاسلام ، القاهرة 1367 هجرية .

4-اليعقوبي ، احمد بن ابي يعقوب : تاريخ ، بيروت 1962 .