الفينيقيون : تجار العالم القديم

‎بحث في التجارة / جزء 5

الفينيقيون : تجار العالم القديم                       

لا بد ونحن نتحدث في ابحاثنا هذه عن التجارة الدولية القديمة من ان نتكلم عن الفينيقيين بشكل رئيس . فهذا الشعب الذي قدم مهاجراً من جبال زغروس في الزاوية الشرقية الشمالية من بلاد ما بين النهرين العليا حط رحاله فوق تلة خضراء تطل على البحر الأبيض المتوسط إسمها أوغاريت ومنها تمدد شمالاً وجنوباً على طول الساحل الشرقي للبحر الابيض المتوسط وأقام له مملكة عرفت تاريخياً بمملكة أوغاريت، عاصمتها أوغاريت (راس شمرا) وميناءها ماهادو (مينا البيضا) قرب راس ابن هاني على الساحل السوري الشمالي، وعلى بعد بضع كيلومترات من مدينة اللاذقية الحالية. هذا الشعب الاوغاريتي الفينيقي كان تاجر العهود القديمة بامتياز. وان خرج بمراكبه شمالاً صوب المناطق الاوروبية المجاورة او جنوباً على طول الساحل الافريقي الشمالي المطل على البحر المتوسط ، فلم يخرج فاتحاً اومحارباً او مستعمراً بل متاجراً .

المحطات الفينيقية التجارية

قبرص

كانت جزيرة قبرص اولى محطاته التجارية، وهي لا تبعد سوى اقل من مئة كيلومتر عن ميناءه في ماهادو . وكان لقبرص علاقات تجارية مع الساحل السوري من قبل، لكنها كانت متواضعة ومحدودة، حتى اذا حل القرن الخامس عشر او الرابع عشر قبل الميلاد بدأت هذه التجارة تزدهر. وما وجد من آثار لبعض المصنوعات الخزفية، ومنها الخزفية الاغاريتية في الجزيرة القبرصية، وما وجد مثلها في أوغاريت وتعود الى القرنين المذكورين، لدليل مقنع ان تجارة ناشطة قد نشأت بين قبرص واوغاريت. وقد تزامن هذا العهد السابق للميلاد مع هجرات متواصلة من سكان بحر ايجه الى الجزيرة والى الساحل السوري، من شماله حتى جنوبه. وتظهر الحفريات التي جرت في الجزيرة، وخصوصاً في مدينة بافوس القبرصية مدى تأثر الايجيين بالحضارة الاوغاريتية بدءاً من القرن الرابع عشر قبل الميلاد .

وبالمقابل تأثر الاوغاريتيون – الفينيقيون بالحضارة الايجية. ولنا بعض الدلائل على ذلك. فعشتروت وفينيس اصبحتا تعبدان وكأنهما آلهة واحدة. ولنا في قصة اليسا او اليسار الهاربة من صور بعد خلافها مع أخيها على خلافة الوالد الملك وتوقفها في قبرص حيث التحق بها بعض انصارها وهي في طريقها الى قرطاجة. وقد دلت بعض الحفريات التي تمت قرب مدينة لارنكا القبرصية ان فينقيين استوطنوا هناك في حوالى القرن الاول قبل الميلاد وتبعهم فينيقيون جدد باعداد كبيرة حوالى سنة 700 ق.م. وقد وجدت نقوش فينيقية كثيرة قرب لارنكا، التي كانت تدعى كيتيون آنذاك.

لا يتحدث المؤرخون عن غزو او وجود استعماري اوغاريتي – فينيقي في جزيرة قبرص، إنما موقع استراتيجي تجاري كانت تتجمع فيه السفن المبحرة الى أماكن ابعد داخل البحر الأبيض المتوسط . ولنا في الفخاريات الايجية التي قلدت الفخاريات الفينيقية شكلاً ولونا  (الاحمر) ما يثبت هذا القول .

كليكيا

كذلك كان للفينيقيين محطات تجارية في كليكيا. وكان لهم محطات مماثلة في جنوبي فلسطين، وبنوع خاص قرب غزة. وتذكر مصادر تاريخية ان تجاراً فينيقيين أقاموا لهم مراكز في دلتا النيل وفي منفيس بالذات. ويذكر هرودوتس ان الفينيقيين جاؤوا من شواطئ البحر الهندي وسكنوا في جزء من مدينة عرفت باسم “معسكر الصوريين”، وكان لهم معبد لعشتروت. أما وجودهم في مصر فقد أكدته الاثريات الفخارية الحمراء التي وجدت في اماكن متعددة من الدلتا. وهنا نؤكد ان هذا الوجود كان وجوداً تجارياً موقتا ً. فالفينقيون لم يقيموا لهم مستعمرات في بلدان حكمتها حكومات جيدة وفاعلة وتمتعت بنوع من التقدم الحضاري المقبول بمقاييس ذلك الزمان. فهمهم إنحصر بالتجارة وليس بالاستيطان الدائم، باستسثناء قرطاجة، وسرهم دائماً وجود مواطن مستقر وشعب متحضر يمكنهم ان يتاجروا معه .

بحر إيجية

نأتي الى بحر ايجيه. هنا نرى في جزيرة رودس، خاصة في مدينتي كامبروس واياليسوس تأثيراً فينيقياً. فالاثارات تدل ان فينيقيين جاؤوا الى الجزيرة خلال حروب طروادة وقام اليونانيون بطردهم. ويعتقد ان وجودهم اضمحل في القرن السادس بعد ان سيطر النفوذ الاغريقي على الجزيرة .

رحبت كريت بالفينيقيين وساعدتهم على اقامة محطات تجارية. فلطالما اعتبرت مدينة إتانوس الشرقية انها مدينة بناها التجار الفنيقيون. ورغم اننا نفتقر الى أي دليل أثري لاستيطان فينيقي حقيقي، الا ان آثارهم الفنية والحرفية التي وجدت هنا تعود الى القرنين التاسع والثامن قبل الميلاد. وقد وجدت هذه الآثار في آماكن متعددة من الجزيرة.

كان الاغريق قد استقروا باعداد كبيرة في منطقة ايجيه ولم يرحبوا بأي وجود استيطاني فينيقي دائم هناك. فقد ذكر هومر ان التجار الفينيقيين كانوا يقصدون المنطقة لبيع مصنوعاتهم المعدنية التي اعتبرها أهل المنطقة مصنوعات حرفية فاخرة ومميزة. والامر مثله حدث في غربي اليونان حيت جاء التجار الفينيقيون يتاجرون بمصنوعاتهم الحرفية المميزة. ومما يدل على ذلك تمثال ملكارت البرونزي الصغير الذي وجد قرب موقع على الشاطئ الجنوبي من صقلية، وكان من صنع فينيقي يعود الى القرن الرابع عشر او الثالث عشر قبل الميلاد .

الشاطئ الافريقي الشمالي

أقام الفينيقيون محطات ومستعمرات تجارية صغيرة على الشاطئ الشمالي من القارة الافريقية. وتعود هذه المحطات الى حوالى سنة 1100 قبل الميلاد، ومنها محطة في اوتيكا واخرى في هدروميتوم (سوسه الحالية) ولبس مغنا. واذا اتجهنا غرباً نجد للفينيقيين بقايا محطات اخرى، منها واحدة في غادس أنشأوها في القرن الثاني عشر قبل الميلاد. وكانت هذه المحطة أقدم محطات الفينيقيين على الساحل الافريقي الشمالي باستثناء قرطاجة .

جزيرة مالطا

يعود التواجد الفينيقي في جزيرة مالطا الى القرن الثامن قبل الميلاد، وربما قبل ذلك. واذا صدقنا افتراضات بعض الباحثين حول قراءتهم للكتابات والنقوش على صخرة نورا في جزيرة سردينيا بانها تعود الى القرن التاسع قبل الميلاد، فان الوجود الفينيقي لا بد انه بدأ في القرن الثامن قبل الميلاد. فالنقاط الحساسة ومفتاح قرطاجة واوتيكا وموتيا ومالطة كانت تتحكم بالممر المائي الضيق الموصل الى قادس وما وراءها. وان الوجود الفينيقي في سردينيا، من نورا الى ثاروس وسولسيس وكاراليس، أبعد الاغريق عن الشطر الجنوبي من الجزيرة. الا ان الاغريق ربحوا السباق في فرنسا، بينما أقام الفينيقيون لهم مستعمرة في مساليا في سنة 600 ق.م. وتحكموا بصقلية وجنوبي ايطاليا وثبتوا وجودهم على الشاطئ الافريقي من مصر الى سرتيكا. وبعد حوالى مئة عام، أي حوالى سنة 500 ق.م. قام خط وهمي ليرسم مناطق النفوذ التجاري بين الاغريق والفينيقيين في الشمال الافريقي .

قرطاجة

قامت قرطاجة باول مغامرة توسع خارجي سنة 654 / 653 كما يخبرنا المؤرخ ديدوروس سيكولوس حين أقامت مستعمرة في ابيزا حيث كان هناك مرفأ طبيعي جيد بعيد عن خطر الاغريق وسواهم من المنافسين . وكذلك أنشأوا مرفأ تجارياً في مينوركا حمل الاسم الفينيقي “مرفأ ماهون” . وكان هذا المرفأ من أفضل مرافئ البحر الأبيض المتوسط .

الشاطئ الاسباني

إستعمل الفينيقيون مرفأ غادس الاسباني القائم فوق موقع مميز لجمع وتخزين المعادن الخام المستوردة من طرطوس ، او ربما من ترشيش. وكان هناك ما يشير الى ان نفوذاً فينيقياً تجارياً قد بدأ يظهر في جنوبي او في جنوبي غربي اسبانيا في القرن الثامن قبل الميلاد وليس قبلاً . من هنا شكك البعض في ان انشاء غادس يعود الى القرن الثاني عشر، كما شككوا في ان اوتيكا قد أقيمت في زمن مماثل ، مما حمل بعض المؤرخين الى عدم الاقرار بنشاط تجاري ، او وجود فعلي ، فينيقي في اسبانيا يسبق الالفية الاولى قبل الميلاد . واذا كانت صخرة اتيكا التي تحدثنا عنها اعلاه تعود الى القرن التاسع قبل الميلاد فانها تكون أصدق برهان يؤكد الوجود الفينيقي في الجنوب الاسباني . وعلى كل فان الحفريات لا تعيدنا الى ابعد من القرن الثامن قبل الميلاد .

هناك بعض الادلة التاريخية التي تشير الى نشاط فينيقي تجاري عائد الى القرن السادس او السابع قبل الميلاد على الشاطئ الشمالي من المغرب القريب من الشواطئ الاسبانية، وبنوع خاص في موغادور وطنجة وتامودا. وليس من دليل قاطع ان القادمين جاؤوا من فينيقيا او غادس وليس من قرطاج. الا ان الآثار التي وجدت في هذه الامكنة ومن بينها الفخاريات التي وجدت في المقابر القديمة تدل الى ان هؤلاء الفينيقيين قد قدموا فعلاً من قرطاج. ومما يعزز هذه الدلالة قصة رحلة هانو التي سنتحدث عنها لاحقاً .

الصناعة الحرفية وتجارتها

يجمع المؤرخون ان الفينيقيين كانوا في الاساس فلاحين ورعاة. وتؤكد النصوص الدينية الاوغاريتية ذلك عندما تتحدث عن العوامل الطبيعية والتبدل المناخي. وعندما إستقر هؤلاء على الشواطئ إتخذوا صيد الاسماك صنعة. ولما كانت مناطق استقرارهم قريبة من الاحراج الداخلية ، استعملوا الاخشاب في بناء سفنهم وامتهنوا التجارة ، خصوصاً وان المناطق الساحلية التي استقروا فيها لم تكن لتكفي حاجاتهم فتطلعوا نحو الخارج القريب لاستيراد الدواجن والمواشي والدواب والذرة. وعندما توسعوا داخل الاراضي القريبة من شواطئهم وجدوا انهم ما زالوا بحاجة الى هذه المستوردات .

صناعة القماش والصباغ

ولم يمض طويل وقت حتى دخلوا مجال الصناعة الحرفية واستوردوا موادها الاولية من البلدان القريبة ، فاشتهروا ، اول ما اشتهروا به. بصناعة القماش مستعملين المواد التي ينتجونها بالاضافة الى ما كانوا يستوردونه من الخارج، كالكتان والقطن من مصر والصدف من بلاد ما بين النهرين، ولونوا هذه الاقمشة بصباغهم الارجواني الشهير الذي استخرجوه من المريّق وهو ضرب من الرخويات البحرية الذي ينتج صبغاً ارجوانياً. وشملت مستورداتهم العاج والمعادن والاحجار شبه الكريمة والحلى الصغيرة وبعض المشغولات الفنية. وما استوردوه وصنعوه جزئياً صدروه الى الخارج لبيعه من الشعوب الاخرى. فكانوا بذلك اول من دشن الاقتصاد المتبادل القائم على الصناعة والتجارة.

الخشب وبناء السفن

ورث الفينيقيون ارض قرطاج الواقعة على الساحل التونسي المطل على البحر الأبيض المتوسط والقريب من روما وامبراطوريتها الكبيرة فاستغلوها بجد حتى أصبحوا اكبر مورد للذرة والقمح الى اهراءات روما. وكما ورثوا الارض كذلك ورثوا الحيوانات المدجنة وجعلوا الاتجار بهذه الحيوانات أحد أعمدة إقتصادهم. أما صناعتهم في قرطاج فنمت بسرعة مذهلة وشملت بناء السفن التي احتاجوا اليها لتعزيز تجارتهم ولحماية موقعهم. ومع تكاثر اعدادهم بنوا منازل من خشب واحجار .

صناعات صغيرة

أما صناعاتهم الصغيرة فشملت صناعة القدر الفخارية والادوات المعدنية والأقمشة. ورغم حروبها الخارجية فان صناعة قرطاج وتجارتها لم تتأثر بشكل كبير. فحرفيوها ظلوا يعملون في حرفهم وعمال ارضها ظلوا يحرثون الارض. أما المحاربون فكان أكثرهم من رعاياها المحليين والحلفاء والمرتزقة. وطالما ظلت الحروب خارج اراضيهم ولم تهدد اوضاعهم، طالما ظل القرطاجيون يتابعون اعمالهم بشكل طبيعي .

زراعة الزيتون والعنب

وصلنا بعد تدمير قرطاج، في ترجمة لاتينية تقع في 28 كتاباً، أطروحة ماغو القرطاجي الزراعية. وهي تتعلق بالزراعة بشكل عام وبزراعة الزيتون والعنب بشكل خاص وتربية الحيوانات الداجنة وتربية النحل. ولم يكن من الممكن ان يقوم ماغو بكتابة اطروحته لو لم تكن الزراعة قد بلغت حداً من التقدم والتطور. وقد ذكر دايودورس في هذا المجال انه في القرن الرابع قيل الميلاد وجد الاراضي الريفية ممتلئة بالسكان الذين اهتموا بتربية الماشية وزراعة العنب والزيتون. أما الحبوب فكانت تزرع في وادي بغرادس وفي وسط تونس .

وتشير معاهدة الصلح التي عقدت بين روما وقرطاج سنة 203 الى ان هذه الاخيرة تعهدت بتقديم نصف مليون مكيال من الذرة وثلاثمئة الف مكيال من الشعير تعويضاً لخسائر روما.

وكان القمح الذي يجمع بعد حصاده يحفظ في اهراءات مغلقة مقامة تحت الارض. وهناك حتى يومنا هذا اهراءات مماثلة مقامة في بعض بلدان البحر الأبيض المتوسط ومنها مالطا .

جاء العنب وزيت الزيتون والتين والبلح في المقام اللاحق بعد انتاج الحبوب. وقد استعمل القرطاجيون البلح شعاراً في عملتهم، ويظهر كذلك فوق أعمدتهم التذكارية. كما ان صناعة النبيذ كانت منتشرة هناك، و كذلك عند الرومان. أما الماشية فكانت، إن في الشرق او في الغرب، كثيرة الوجود وبنوع خاص الماعز والغنم. اما الحصان الذي وصل الى المشرق من اواسط آسيا في الألف الثاني قبل الميلاد فظل حتى وقت طويل يستعمل في الصيد او في الحروب وليس في الفلاحة. وكانت تربية النحل منتشرة، إذ ان عسلها استعمل كمصدر للسكر والافراز الشمعي او الصملاج او للمعالجات الطبية .

إستعمل الفينيقيون خشب الارز والطنوب المنتشر في جبال لبنان في صناعاتهم الخشبية. إلا انهم نادراً ما استعملوا الخشب في بناء مبانيهم الكبيرة التي كانت تبنى من الاحجار والاجر والصلصال. وحدها التوابيت كانت تصنع من الخشب بدءاً من السلالة الثانية عشرة. وقد صدَر الفينيقيون هذه التوابيت الى الخارج، خاصة الى مصر السفلى حيث سكنت بعض العائلات الفينيقية.

من الاشارات التي دلت على تصدير فينيقي المشرق مصنوعاتهم الخشبية الى أقرانهم في المناطق المجاورة ما اكتشف في نينوى من رسوم لجنود أشوريين ممسكين بمقاعد خشبية مصنوعة في فينيقيا ومصدرة الى بلاد ما بين النهرين. ومثلها وجدت مصنوعات خشبية من الطراز ذاته في مقابر قرطاج تعود الى القرن السادس، يدل شكلها ونوع الخشب المستعمل انها صنعت في الشرق وجرى تصديرها الى قرطاج في الغرب .

كان الفينيقيون بناؤون مهرة. وقد اهتموا دوماً لدى انشاء مستوطنات لهم ان تكون هذه المستوطنات قريبة من مقالع الحجارة الجيدة. وكانت الحجارة المستعملة في البناء من الحجارة الكلسية او الرملية. وكانت بأكثرها منحوتة، ولم تكن من قياس موحد. فقد أظهرت الحفريات ان حجارة كبيرة الحجم كانت تلاصق تلك الصغيرة. غير انهم ، بعد ان تأثروا بالاغريق، إتجهوا الى بناء جدران منازلهم من قطع حجرية مربعة ومتماثلة الاحجام.

إنتشرت صناعة الصباغ في كل ارجاء فينيقيا، رغم ان صيدون وصور ظلتا تتصدران هذه الصناعة الحرفية . وما جلب نهاية هذه الحرفة المميزة هو اضمحلال المريّق ، وهو، كما سبق ان ذكرنا ، نوع من الرخويات البحرية التي تنتج صباغاً ارجوانياً . وكانت هذه الرخويات تنتشر في كل ارجاء فينيقيا، كما انها انتشرت في الغرب حيث أقام الفينيقيون ، مما يشير الى انها استعملت في الصباغ الارجواني في كل الاماكن الغربية حيث حط الفينيقيون رحالهم .

الصناعة النحاسية والبرونزية

ظهرت صناعة الصلب والحديد في المشرق حوالى السنة 1200 ق.م. مترافقة مع قيام المدن الفينيقية وحصولها على استقلال ذاتي . كما ان الفلسطينيين، وهم قوم قدم من شواطئ ايجية، إمتهنوا صناعة الحديد. غير ان الصناعة النحاسية والبرونزية ظلت حكراً على الفينيقيين. فقد حصلوا على خامات النحاس من قبرص وبعض المصادر الآسيوية، أما الفضة والذهب فكانوا يبتاعونها من الحبشة وربما من تركيا ايضاً. ولم يترك الفينيقيون مكاناً ينتج أي نوع من المعادن الصلبة الا وزاروه مشترين او منقبين. ولنا بعلاقتهم مع وادي عربة القائمة بين البحر الميت وخليج العقبة أفضل مثال على وصولهم اليها بغية شراء الحديد والنحاس. وقد إكتشف المنقبون المحدثون، وبنوع خاص الفريق الذي قاده نلسون غلوك، مواقع عديدة لمناجم قديمة في هذه المنطقة. كما اكتشف غلوك آثار مدينة صناعية في تل خليفة في رأس الخليج ووجد فيها بقايا مصانع لصهر النحاس والصلب ولصناعة أدوات معدنية.

تميز الفينيقيون في صناعة الحلي والمجوهرات المصنوعة من الذهب والفضة وقاموا بتسويقها في كل الانحاء المحيطة بالبحر الابيض المتوسط. وقد وجد المنقبون عقوداً وأساور وحلى متدلية من كل الانواع والاشكال في انحاء مختلفة على طول الشواطيء السورية وقبرص وقرطاج وسردينيا .

أظهرت الحفريات التي أجريت على المواقع الفينيقية على طول الساحل الشرقي للبحر الابيض المتوسط وفي دلتا النيل ان صناعة الخزف والاجر والقدر الفخارية كانت شائعة ومنتشرة. وتميزت هذه الاوعية والادوات الخزفية المصقولة بلونها الأحمر او الأخضر البرتقالي وكان لها شفة تشبه حبة الفطر. وقد حمل معهم الفينيقيون المهاجرون غرباً، خاصة نحو قرطاج، حرفهم الفخارية هذه وتابعوا تصنيعها هناك. وقامت بعض شعوب المتوسط التي كانت على علاقة وتواصل مع الفينيقيين بتقليد هذه المصنوعات الحرفية، ومن بينهم القبارصة وسكان صقلية وسردينيا واسبانيا وايطاليا وفي وقت لاحق طور سكان هذه المناطق حرفة الفخاريات فاستفاد فينيقيو قرطاج من هذا التطوير وأدخلوا عليها رسوماً وأشكالاً متواضعة الشكل والتنفيذ. فالفينيقيون كانوا أكثر اهتماماً بالمنفعة المادية من اهتمامهم بالتذويق  الفني.

وانسحب هذا المبدأ على ما انتجوه من مصابيح وقوارير وجرار، وكلها مصنوعات يسهل بيعها ويكثر زبائنها بعكس المصنوعات ذات الاتقان العالي التي ترغب فئات قليلة العدد باقتناءها. وقد ساعدهم توفر الطين والصلصال الجيد بكميات كبيرة في اماكن قريبة من قرطاج، وبنوع خاص في سيدي بو سعيد وراس غامرت في صناعتهم الفخارية .

خطا فينيقو افريقيا الشمالية على خطى اقرانهم في المشرق، فصنعوا الزجاج والادوات الزجاجية المصقولة والكؤوس والأقداح والقلادات ذات الرؤوس الصغيرة المنحوتة في حجر العقد والخرز. وقد سوقت كلها محلياً او بيعت من زبائن في الخارج. أما المصنوعات العاجية التي انتشرت صناعتها في سوريا فصنعت كذلك في قرطاج. ومن جهة أخرى عمد فينيقيو المشرق الى استيراد أنياب وخراطيم الفيلة من الهند عبر البحر الأحمر وأعادوا تصدير بعضها براً الى قرطاج عبر الشمال الافريقي . وكانت تجارة العاج قد ازدهرت في هذا الوقت بعد ان شاع استعمال العاج في تزيين المفروشات او في صنع التماثيل الصغيرة او الصناديق المطعمة. وسبق لتجارة العاج المستورد ان شاعت في كركامش ودمشق وصيدون واماكن اخرى في القرن التاسع قبل الميلاد وما بعده ووصلت هذه التجارة الى قرطاج في القرن السابع قبل الميلاد ، وربما الى اسبانيا ايضاً .