العرب والهند

‎بحث في التجارة / جزء 17

العرب والهند                                       

مقدمة 

تمكن عرب جنوب شبه الجزيرة العربية من احتكار نقل المتاجر من الهند وما اليها وان يقوموا بتوزيعها على من يحتاج اليها من البلدان الواقعة على شاطئ البحر الأحمر الغربي ومنه شمالاً الى بلاد الرافدين وبلاد الشام. وكان التصدير يتم عبرمينائي عـدن وقنا (بير علي قرب حصن الغراب)، إضافة الى جزيرة سوقطرى التي كان يتم فيها تجميع المتاجر. ومن بين ما كان العرب يحتكرون تجارته آنذاك: البخور بنوعيه اللـبـان والمر، والطيوب والافاويه والاحجار الكريمة.

الفينيقيون

كان الفينيقيون، كما المصريون القدامى، قد سبقوا عرب الجنوب في الوصول بتجارتهم في حوالى القرن العاشر قبل الميلاد الى بلاد أوفير ويعودون محملين بالذهب والفضة والاحجار الكريمة وخشب الصندل والعاج والقرود والطواويس. ومع ان المؤرخين لم يتفقوا على موقع أوفير، فان من بينهم من كان يظن ان المقصود بذلك كانت الهند بالذات. وفي زمن سابق للفينيقيين كانت امبراطوريات الاشوريين والكلدانيين والفرس، وكلها امبراطوريات برية، قد إهتمت بتأمين الاتصال البري بين اجزاء من آسيا بما في ذلك الهند وشواطئ البحر الأبيض المتوسط. وكان امبراطور الفرس داريوس قد ارسل حوالى سنة 510 ق.م. بحاراً يونانياً ليكتشف الطريق البحري بين السند ومصر. وهذا البحار اليوناني هو سكيلاكس الذي بدأ رحلته من مكان قريب من مدينة أتوك الحالية ليكتشف مصب نهر السند اولاً ثم السير بمحاذاة الشاطئ غرباً الى مصر . وقد قام سكيلاكس بهذه الرحلة ووصل بعد سنتين ونصف السنة الى ميناء ارزينوي التي كانت تقع على مقربة من مدينة السويس الحالية. ويبدو ان العرب استفادوا من هذه الرحلة الاستكشافية وركبوا البحار باتجاه الهند وسيطروا على التجارة البحرية مع الهند لمدة طويلة .

الاسكندر المقدوني

جاء الاسكندر المقدوني ليعيد تجربة البحار اليوناني السابقة واختار فتح طريق بحري من السند الى مصب الرافدين وانتقى لهذا العمل احد كبار امراء بحره واسمه نيارخوس ووضع بتصرفه اسطولاً ضخماً وطلب منه ان يصل الى بلاد بابل وان يتعرف الى الطريق البحري تعرفاً دقيقاً، وان يعين الاماكن التي يمكن للسفن ان تريح فيها وتتمون وتتاجر. انطلقتت رحلة نيارخوس في اواخر سنة 326 ق.م. من ميناء الاسكندر قرب مدينة كراتشي الحالية، وسار الاسطول محاذياً للشاطئ على ان لا تقترب السفن من اليابسة كثيراً حتى لا تتعرض للاخطار التي شكلتها الشواطيء الصخرية الضحلة والجزر الكثيرة المنتشرة هناك وتجنباً لخطر اعتداء السكان هناك عليهم. وصل الاسطول الى اولى محطاته على شاطئ كرمانيا حيث توفر له الغذاء ثم دخل خليج عمان ودار بجسك ومنها شمالاً مروراً برأس مسندم فمضيق هرمز، وألقى الاسطول مراسيه عند مصب نهر اناميس (ميناب) في منطقة غنية بكل انواع الغلات . وعندما أقلع نيارخوس باسطوله مستأنفاً رحلته سار بمحاذاة الشاطئ مروراً بمدينة اورغانا (هرمز) وجزيرة اوركتا ( قسم ) وجزيرة قيس والقى الاسطول مراسيه على مقربة من الاهواز الحالية.

إقتصرت هذه الرحلة الاستكشافية على الشاطئ الشرقي العربي. لذلك أعد الاسكندر ثلاث حملات كبيرة السفن وارسل الى صيدون (صيدا) خمسمئة وزنة من الفضة لسكها نقوداً كي يستأجر البحارة اللازمين للقيام بحملاته الجديدة. أما سفنه فقد بني اكثرها في المدن الفينيقية وحملت براً أقساماُ واجزاء الى تيسكوس على نهر الفرات ثم على القوارب النهرية الى رأس الخليج.

وصلت اولى هذه الحملات الى جزيرة البحرين. اما الثانية فتجاوزت هذه الجزيرة وحازت أبو ظبي. وبلغت الثالثة رأس مسندم ودارت غرباً بجنوب بعض الشيء. وبسبب نجاح هذه الحملات أعد الاسكندر حملة كبيرة بقيادة نيارخوس وأمره بالدوران حول بلاد العرب وصولاً الى البحر الأحمر. وفي الوقت نفسه أمر الاسكندر اسطولاً آخر بالابحار من السويس لاكتشاف شواطئ هذا البحر الاحمر. ويقال ان الاسطول وصل الى بعض نواحي اليمن. لكن الاسكندر مات في هذا الوقت وتوقف كل شيء.

السلاقسة والبطالمة

تقطعت أوصال امبراطورية الاسكندر بعد وفاته وخلفه السلاقسة في بلاد الشام وما بين النهرين وبلاد فارس، والبطالمة في وادي النيل. وكرس هؤلاء البطالمة جل جهدهم للتجارة لا للحرب. وقد عرف القرن الثالث ق.م. ثلاثة من ملوكهم الذين اهتموا بالتجارة قبل كل شيء. وكان بطليموس الاول قد رافق الاسكندر في فتوحاته الشرقية وتعرف الى مصب نهر السند، كما انه عرف باخبار حملات نياركوس. لذلك أيقن انه من الممكن اقامة صلات تجارية مباشرة مع مدينة بلبوترا (بتنا) الواقعة على نهر الكنجر، على ان يقيم محطات ومراكز للتجارة على هذا الطريق الطويل. من هنا نجد عناية البطالمة، حكام مصر الجدد، في ايام بطليموس الاول وايام خلفائه في اقامة هذه المراكز في مواني بحرية، فأقيمت: ارزينوي (قرب السويس) ومايوس هرموس (ابو سمر) ولوكس ليمن (القصير) وبرنيتسي وراس بناس وادوليس (عدولي) قرب مصوع وبطولمايس، إضافة الى موانئ على النيل مثل كوتيوس (قفط) .

إستفاد البطالمة من كل المحاولات التي قامت بعد هذه الانشاءات للاتجار مع مناطق قريبة مثل الصومال وبلاد سبأ، لكنهم لم يستطيعوا القيام بالمتاجرة مباشرة مع الهند. فقد ظل للعرب السيطرة الرئيسة على العمل التجاري مع الهند طرقاً ومتاجرة.

واذا إنتقلنا شرقاً الى الاراضي التى حكمها السلاقسة وتابعنا محاولاتهم البحرية للاتصال بالهند، لوجدنا ان القرن الثالث ق.م. كان يشهد نشاطاً محدوداً بالمقارنة مع نشاط البطالمة. ولعل السبب الرئيس هو ان الدولة السلوقية في مطلع وجودها كانت مجاورة للهند. وظل هذا الامر قائماً حتى انفصل الجزء الشرقي من المملكة السلوقية وقامت فيه الدولة البارثية الفارسية التي سبق ان ارتبطت بطريق بري يصلها بالهند والصين. غير ان السلاقسة كانوا ينقمون على أهل الجرها العرب لتفوقهم التجاري في الخليج العربي الذي كان يمكنهم من السيطرة على النقل التجاري بين مدينتهم (التي قامت في اواسط الاحساء اليوم) وبين الواحات الواقعة يمناطق شمال نجد الى تيماء فالمدن السورية. وكان الفرس (الفرثيون) قد سبق لهم ان خرجوا على السلطة السلوقية عوناً للجرهيين في اعمالهم التجارية. لذلك نجد انطيوخوس الثالث يهاجم جرها ، لكنه لم يقدر في القضاء عليها. اما انطيوخس الرابع فقد ازعجه التجار العرب والفرس الذين تسلطوا على متاجر الخليج العربي وموانئه، فارسل بعثة لدراسة شواطئ الخليج العربي وصولاً الى قطر . ولعله كان يعد العدة لحملة برية ضد تلك المناطق، لكنه لم يفعل ذلك اطلاقاً.

اضطربت احوال البطالمة في مصر في القرن الثاني قبل الميلاد. لكن ذلك لم يعق التجارة. ذلك ان غرب البحر الأبيض المتوسط وشماله، بخاصة روما، زاد اهتمامه بالمتاجر الهندية. لكن العرب ظلوا حاجزاً اساسياً بين اي اتصال مع الهند وتابع السلاقسة والفرثيون والعرب سيطرتهم على التجارة مع الهند.

الامبراطورية الرومانية

بدأ عصر “السلم الروماني” مع قيام الامبراطورية الرومانية فانتعش اقتصاد البلدان التي خضعت لهذه الامبراطورية، بما في ذلك البلدان العربية. وكان هذا العصر ايذاناً بنشاط كبير في الانفاق والانتاج بسبب اهتمام الناس، خاصة اصحاب الثراء، بالملبس والمأكل والمنزل الفسيح والمظهر الانيق والمجتمع المتألق. وكثر اهتمام التجار في الحصول على كل ما يزيد هذه الامور رونقاً وجمالاً وطعماً، مثل الطيوب والافايه والبهارات والمجوهرات والاحجار الكريمة والخشب والعاج الخ.. وكانت هذه الاشياء تأتي مستوردة من الهند بنوع خاص على ايدي تجار شبه الجزيرة العربية وبلاد الشام ومصر. وكانت التجارة البحرية بين اجزاء من الهند ومصر قد أصبحت مألوفة في هذا الوقت. لكن هذه التجارة كانت تتم على ايدي التجار العرب في أغلب الاحيان. فلم يعرف ان تجاراً من مصر في ايام البطالمة او قبلهم وصلوا الى الهند الا في ما ندر.

كانت الهند في هذا الوقت مقسمة الى عدد من الدول، بينها من الشمال الى الجنوب، دولة ساكا ودولة بوتشي ودولة انديرا ودولة شولا ودولة بنديا ودولة شرا. لكنها لم تكن تزاحم واحدتها الاخرى، ذلك ان منتوجاتها كانت مختلفة.

أرسل اغسطس حملة عسكرية سنة 25 ق.م. لاحتلال اليمن لتتم له السيطرة على الطرق التجارية البحرية. إنطلقت الحملة من مصر، من ارزينوي (على مقربة من السويس الحالية)، وجرى نقل الجنود عبر البحر الأحمر الى لوكي كومي (الحوراء) على مقربة من ينبع. وبعد خمسين يوماً وصلت الحملة الى نجران، التي احتلت ودمرت، وحاصرت الحملة مدينة مريما وتوقفت قريباً من مأرب وعادت خائبة عبر البحر الاحمر الى ميوس هرموس (ابو سمر) في مصر ومنها الى قفط فالاسكندرية. وثمة ذكر لحملة اخرى تلت تلك وانتهت بتدمير ميناء عدن.

اكتشاف مسير الرياح الموسمي

ثمة حادث كان له أثره الكبير في تطور النقل البحري بين جنوب شبه الجزيرة العربية وبين الهند وهو اكتشاف مسير الرياح الموسمية. وتم ذلك على يد هيبالوس الذي كان تاجراً وملاحاً يونانياً عاش في العقد السابع من القرن الاول الميلادي، وكان على معرفة جيدة بطرق البحر الأحمر وبحر العرب وشمال المحيط الهندي حيث كان يتنقل في تلك البحار ويتاجر فيها. ويبدو انه تصور ان الهند شبه جزيرة تمتد جنوباً في مياه المحيط الهندي، وكان يعرف مواقع الموانئ بالنسبة الى بحر العرب. ولاحظ ان بين شهري ايار (مايو) وتشرين الاول (اكتوبر) تهب رياح من الجهة الجنوبية الغربية الى الجهة الشمالية الشرقية، وان هذه الرياح منتظمة في سيرها واتجاهها. كما انه لاحظ ان رياحاً اخرى، على شاكلتها انتظاماً، تهب من الجهة الشمالية الشرقية الى الجهة الجنوبية الغربية بين شهري تشرين الثاني (نوفمبر) واذار (مارس). جازف في احدى رحلاته البحرية التجارية خارجاً من عـدن ولما وصل الى مقابل رأس فرتك تخلى عن فكرة محاذاة الشاطئ ودفع بسفينته عبر مياه بحر العرب مستفيداً من الرياح الموسمية الصيفية، ووجد ان نظريته كانت صائبة، اذ ان السفينة وصلت الى مصب نهر السند رأساً بدل ان تسير في محاذاة الشاطئ الى خليج عمان التي تقطعه في أضيق اماكنه لتحاذي الشاطئ الهندي فمصب السند وخليج كامبلي.

أصبح الآن باستطاعة السفن اذا كانت كبيرة وقوية وتعتمد الشراع المربع ان تصل الى بريريكون (باهارد يبور) ويريغازا (برواخ) بسهولة وأمان وأقل كلفة. لكنه بقي على البحارة – التجار ان يبتعدوا عن مداخل الانهار الكثيرة هناك، وهي فروع من نهر السند، وهي في الوقت نفسه المنطقة التي تهم التجار الآتين من الغرب. وقد تمت السيطرة على هذه الواقل في خلال مرحلتين: الاولى على ايدي تجار كانوا يبحرون محاذين للشاطئ الى رأس فرتك ثم يعبرون المياه الواسعة رأساً الى أواسط الهند. وجاءت المرحلة الثانية بعد ذلك، إذ اصبح الربان الماهر يسير من عدن الى موزيريس (كرنغامور) في جنوب الساحل الغربي من الهند متبعاً قوس الدائرة العظمى. هذا الطريق الاخير اصبح الطريق الذي اعتمده التجار في انتقالهم من الغرب الى الشرق، من حصن الغراب (قنا) اومن عدن اوحتى من مخرج البحر الاحمر الى ساحل ملبار او سيلان (سيري لانكا). وأصبح التوقيت الزمني للسفن المصرية على الوجه التالي : تغادر السفينة ميناء مصرياً في شهر تموز / يوليو فتصل جنوب البحر الاحمر وتخرج منه في اوائل شهر آب/اغسطس ، فتدفع بها الرياح الى ساحل ملبار وتصل المرفأ في اوائل ايلول/سبتمبر. وكانت الرحلة في جزئها الاخير تحتاج الى نحو اربعين يوماً فقط . وهذه السفن التي تم لها هذا النجاح كانت تختلف عن سابقاتها . فهذه كانت صغيرة وكانت الواح الخشب فيها يربط واحدها بالآخر بحبال من ليف جوز الهند . ولم تستعمل المسامير المعدنية في بنائها قط .

في كتيب سبق ان نشرنا بعضا منه، وضعه تاجر يوناني مجهول الاسم عاش في الإسكندرية بمصر في القرن الاول للميلاد تحت اسم “دليل البحر الأرثري” وصف للموانئ في مصر التي انطلق منها فضلاً عن موانئ افريقيا، جنوبها وشرقها، وبلاد العرب والخليج العربي وساحل مكران والصين والهند وتفاصيل وافية عن المتاجر من غلال ومعادن ومنتجات صناعية اوحرفية. انما ما يهمنا في هذا المقال هو الجزء المتعلق بالتجارة مع الهند التي شملت: الذهب، الفولاذ الهندي المرسل بشكل رئيس عن طريق عُمان (ماغان)، الاخشاب بخاصة التيك والابنوس، البتل (نبات يمضغه الهنود بعد تناول الطعام)، الارز، القمح، زيت السيرج، الدهن الهندي، السكر، الماس، العقيق والياقوت (خاصة الياقوت الازرق من ملبار)، اللؤلؤ، الكحل الهندي، الموسلين، أقمشة مختلفة بينها القطن الذي عرف اول ما عرف في السند، الاواني الفخارية، الذبَل، النيلة، الافاويه وتشمل الفلفل بانواعه والقرفة وانواع الطيوب. وكان ساحل ملبار المصدّر الرئيس للقطن.

المراجع

1 – حوراني ، جورج : العرب والملاحة في المحيط الهندي ، القاهرة ، 1906 .

2 – زيادة ، نقولا : مشرقيات ، في صلات التجارة والفكر ، الاهلية للنشر والتوزيع ، بيروت ، 2002 .

3 – جواد ، علي : تاريخ العرب قبل الاسلام ، الجزء الثالث ، بغداد ، 1953 .

4 – Facey , William : Oman , a Seafaring Nation ,Ministry of Information & Culture , Oman , 1979