الصناعة الحرفية والتعدين في شبه الجزيرة قبل الاسلام

‎بحث في التجارة / جزء 8

الصناعة الحرفية والتعدين في شبه الجزيرة قبل الاسلام

الصناعات الحرفية

إنخرطت أعداد كبيرة من ابناء شبه الجزيرة في الزراعة قبل الإسلام. ومع تطور الزراعة وانفتاح الاسواق المحلية والخارجية تشرعت الابواب واسعة امام الصناعة الحرفية التي كانت آنذاك في أول مراحلها. فبتنا نقرأ عن عطارات مثل أسماء بنت مخرمة (قيل مخرية) التي كانت تستورد العطر من اليمن وتبيعه في المدينة، وعن النعمان بن المنذر ملك الحيرة يبعث كل عام الى سوق عكاظ لطيمة (عير تحمل تجارة) فتباع هناك ويشترى له بثمنها العصب والبرود والأدم وسواها،  وعن ان ورق الحلف كان يجلب من اليمن بعد معالجته وتجفيفه لاستعماله في الصباغة، وعن سوق خاصة للصاغة في يثرب، وعن نشوء صناعات مستقلة عن الانتاج الزراعي مثل صناعة الأدوات الزراعية والاسلحة والأوني الفخارية في مكة .

ويذكر البلاذري في مؤلفه “أنساب الأشراف” ان صناعات حرفية انتشرت في مكة، بينها صناعة الصياغة والحلي والمجوهرات وصناعة الأسلحة وصقل السيوف والنجارة. ونشأت صناعات حرفية مماثلة في كل من يثرب والطائف.

إشتهر في مكة حرفيون بينهم أمية بن خلف الجمحي الذي عمل في صناعة الفخار وعتبة بن ابي وقاص الذي عمل نجاراً وسعد بن أبي وقاص الذي كان يبري النبال وخباب بن الأرث وكان من صانعي السيوف وصقلها. كل هؤلاء عاشوا قبل الإسلام مباشرة ومنهم من أسلم ومنهم من حارب الاسلام .

قامت هذه الصناعات الحرفية على ركيزتي الزراعة والتعدين. ولو لم تجد لها أسواقاً محلية وخارجية لما ظلت حية. فلطالما قدمت الزراعة، كما المعادن، الخدمات والمواد اللازمة للقطاع الحرفي، وبدورها قدمت الصناعة الادوات والآلات التي تحتاج اليها الزراعة كي تنمو وتتطور. وهذا ما حصل في شبه الجزيرة وبخاصة في اليمن والحجاز والساحل الشرقي. ومن بين الخامات التي وجدت طريقها الى التجارة: خامات الحديد والذهب والفضة والنحاس والرصاص والزمرد والعقيق والصلصال والاحجار القابلة للنحت كالمرمر والرخام. وكانت للثروة الحيوانية نصيبها في تعزيز الصناعات الحرفية، إذ قدمت جلودها وأصوافها ووبرها والبانها. أما ما قدمته الزراعة فشمل نباتات استخرجت منها مواد دخلت في الدباغة والنسيج والعطور والطبابة والخمور .

أدت كل هذه النشاطات الى بروز حركة تجارية نشطة فكانت العماد الاساس في تنشيط الاسواق المحلية والموسمية وما تيسر بيعه من تجار وافدين من الخارج، ومعها ارتفعت وتيرة الاستثمار المالي وتوظيف المهارات المهنية من محلية او مستوردة، واستقدام المزيد من الرقبق للعمل في الزراعة .

المعادن والصناعات الحرفية

شكلت المعادن المستخرجة المادة الاولية في صناعة الادوات والاواني المعدنية مثل الاقداح والصواني والمرايا والمسارج واللوحات البرونزية والتماثيل والاسلحة والمسكوكات والنحت وادوات البناء والزراعة. كذلك انتشرت صناعة الحلى والمجوهرات ونشطت مع ازدياد الطلب على اقتناء المصوغات من جانب وجهاء القبائل والاثرياء والتجار. وتميزت يثرب عن سواها من المدن الحجازية في هذه الصناعة. فكان في قرية واحدة، هي قرية زهرة الواقعة بين حرة واقم والسافلة، حوالى ثلاثمئة صائغ يصوغون الأساور والدمالج والخلاخيل والأقراط والخواتم والعقود من الذهب او من الجواهر الثمينة الاخرى. واحتكر بنو قينقاع اليهود هذه الصناعة الحرفية واختصوا بها وكانوا يبيعونها في سوقهم الخاصة الذي عرفتت بسوق الصاغة. أما تدمر فاشتهرت بغزارة الحلي في المنحوتات التدمرية وتجمعت لسكانها ثروات طائلة بفعل التجارة. وقال ابن منظور في “لسان العرب” ان عبد الله بن جدعان ، وهو احد أثرياء مكة، لم يشرب ولم يأكل الا بآنية من ذهب او فضة .

شاعت الحدادة في مكة ويثرب وامتهنها الاشراف والعبيد على السواء. وفي يثرب ارتبطت الحدادة بالاعمال الزراعية، كصنع المحاريث والمناجل والفؤوس ومناجل الحصاد. واحترف هذه الحرفة العرب واليهود. أما صناعة الاسلحة والدروع في يثرب فاحترفها اليهود. اما صناعة النقود المعدنية التي سماها العرب بالمسكوكات فقد عرفها العرب في العصور  القديمة . وسنتحدث عنها بالتفصيل في مقال خاص لاحق يتعلق يسك العملة.

غلب الطابع الحرفي واليدوي على الكثير من هذه المصنوعات، إن لم نقل كلها. وشملت المصنوعات الحجرية والجلدية والدباغة والعطور والاصباغ والحرف الخشبية والفخارية والاواني الزجاجية والمواد الغذائية وبناء السفن. فكل هذه الصناعات الحرفية تتحدث عنها المصادر العربية القديمة كسلع للتداول المحلي، لا على سبيل التصدير. فالاتجار بها ظل الى حد كبير ضمن حدود المنطقة المنتجة او المصنعة، وهو ما يمكن ان ننعته بالتجارة المحلية .