الجسر التجاري البري – البحري في القرنين الثاني والثالث للهجرة

‎بحث في التجارة / جزء 26

الجسر التجاري البري – البحري في القرنين الثاني والثالث للهجرة

 يسرت الطبيعة لبلاد الشام ان تقوم بدور تجاري مهم جداً . فالموانيء الشامية الواقعة على ساحل البحر الابيض المتوسط والتي كانت تستقبل السفن وأحمالها كانت تنتهي كل منها عند ممر يصلها بالداخل . فالسويدية ( سلوقية ) كان لها منفذها الى إنطاكية وحلب، واللاذقية تتصل بسهل الغاب وحماه ، وطرابلس لها معبرها الى حمص، وبيروت منفذها الى البـقاع ، وصيدا كانت ميناء دمشق وحوران، وعكّا تتحكم بمرج بن عامر ومنه الى الغور الاردني وما خلفه. وكانت يافا تبعث بما يصلها الى القدس، وسهل غزة كان طريقها الى جنوب الأردن فالحجاز. كذلك اخترقت ممرات عديدة بلاد الشام من الغرب الى الشرق. فالفتحات العديدة في سلاسل الجبال الممتدة من الشمال الى الجنوب كانت كثيرة ومتسعة مما سهل الانتقال من حلب مثلاً الى حماة وحمص وبعلبك ودمشق واللد وغزة ومصر. وكانت تتفرع من هذه الطرق تفرعات تصل بينها وبين مناطق عديدة، إما بائعة لما يتجمع فيها من سلع واما مشترية لما ينتج في هذه البقاع من بضائع.

وجدت القوافل العابرة لبلاد الشام ان أكثر المناطق فيها تنتج الاعلاف لدواب النقل وتتوفر فيها الينابيع والجداول والانهار، فضلاً عن الخانات ونقط الاراحة التي احتاجت اليها هذه القوافل. واعتبرت بلاد الشام آنذاك من أغنى الجهات في مثل هذه الامور والتسهيلات الضرورية .

الأقمشة والذهب والنحاس

تصدرت الأقمشة الناعمة التي تتخذ منها النساء ثيابها والحلي الانيقة والعطور والطيوب والتوابل والبخور والمواد الطبية والاخشاب المعطرة والحجارة الكريمة لائحة البضائع والسلع المنقولة براً ، اما من بلاد الشام او عبرها ، مستوردة من القسطنطينية او من الحجاز وشمال شبه الجزيرة العربية او عن طريق الخليج العربي ، مجتازة البصرة وأواسط العراق، وتنقل من بعد الى بزنطية عبر الطرق البرية التي تجتاز جبال طوروس الشمالية . وقد خلف لنا مؤرخو القرنين الثالث والرابع للهجرة ( التاسع والعاشر ميلادي ) كالاصطخري وابن الفقيه الهمذاني لوائح بهذه المستوردات . فالقماش الجيد الذي يغلب عليه الحرير كان يأتي من خوزستان وفارس والخزور (الحرير) وطراز السلطان من سوس وقرقوب والطراز الموشى من فِسا والقز الموشى بالشعر من قرقوف والثياب الكتانية من مناطق عديدة بينها خبابة وكازرون وتوج وسينير والبطائن من زرند ، بينما جاءت الابقار والخراف والخيول والميعمة والمصطكي والمرجان الأحمر والرقيق الصقلبي والبروكار الممتاز من بزنطية .

دمشق مركز لإنتاج الحرير 

كانت دمشق تنتج الأقمشة الحريرية بأصنافها المتعددة ، منها الساميت وهو الذي تدخل في حياكته ونسجه ستة خيوط ملونة ، وان كان يغلب عليها اللون الأخضر ، بينما كانت إنطاكية تنتج الحرير المزخرف بأشكال الورد والزهور . وصور كانت تحيك الحرير المطرز بخيوط ذهبية. أما الأدوات النحاسية فقد اشتهرت دمشق بصناعتها. وكانت دمشق تستورد النحاس من جبل لبنان ومن ارجانا في أعالي ما بين النهرين وقبرص . وكانت المصنوعات النحاسية الدمشقية هذه تصدر الى مصر بوحه خاص. أما الذهب فكانت تستورده بلاد الشام والعراق ومصر من أماكن بعيدة كالسودان والشمال الأفريقي . وكان معدن الذهب الأفريقي ينقل عن طريق سجلماسة وورغلة الى فاس والقيروان وتاهرت ويوزع من هناك شرقاً عن طريق صقلية او غرباً الى الاندلس. أما السوقان الرئيسان للذهب وتوزيعه في المشرق العربي فكانا البصرة وخوارزم . وكان كل هذا الذهب المستورد خاماً يجري تصنيعه في الفسطاط (القاهرة القديمة) ودمشق وبغداد حيت كانت تصنع منه الحلي ومن ثم ترسل الى الاسواق الخارجية القريبة والبعيدة .

كان الطلب يشتد في خلال هذه الفترة التي نتحدث عنها (القرن الثالث والقرن الرابع هجري) على القماش. وكانت صناعة الأقمشة والملابس من أرقى الصناعات . وكانت الملابس الكتانية والقطنية الأكثر شيوعاً . وكان القطن يزرع في شمال سوريا، في المنطقة الممتدة من انحناءات الفرات حتى مدينة حلب، كما كان يزرع في غور الاردن وفي الواحات المحيطة بدمشق وفي كليكيا وفي جهات الرملة . وكان القطن الخام يصدر الى مصر ليحاك هناك. وكانت بلاد الشام تستورد من مصر ، مقابل ما تصدره اليها من القطن ، الأقمشة الكتانية التي اشتهرت مصر بصناعتها منذ ايام الفراعنة .

فرضت بزنطية ايام الامبراطور جستنيان القيود على صناعة الأقمشة الحريرية وصبغها لتمكن الاحتكار الرسمي من السيطرة التامة على كل ما ينتج منها . غير ان القرن الرابع الهجري شهد عودة النشاط الى صناعة الاقمشة الحريرية في بلاد الشام ، فتدفقت الحرائر على بلاد الروم من إنطاكية والإسكندرية . وكانت بلاد الشام قد تخصصت بانتاج الحرير المصبوغ ، بينما كانت الابلة والبصرة تنتج في القرن الرابع الخز الجيد ، وهو نسيج من الحرير والصوف . وكانت معظم الأقمشة تصبغ بالاصبغة النباتية وأهمها النيلة والقرمس ( القرمز) والزعفران . وكانت هذه الاصباغ تستعمل للتلوين بالازرق والاحمر والأصفر على التوالي . وكانت النيلة تزرع في زُغر ( ورد اسمها صفر ايضاً ) في فلسطين، بينما العصفر او الزعفران (الورس) يزرع في الشام. أما القرمس (القرمز) فكان ينمو في ارمينيا ويصدر الى بلاد الشام لاستعماله في تلوين الأقمشة الصوفية.

الحبوب والخضار والفاكهة

عرفت بلاد الشام ثلاثة انواع من الحبوب لصنع الخبز هي : الحنطة والشعير والذرة البيضاء . وكانت هذه الانواع قد سبق ان جرى تدجينها في انحاء مختلفة من العالم القديم . فالحنطة دجنت في أريحا بفلسطين، والشعير أسيوي ، والذرة هندية او على الاقل وصلت الى المشرق من الهند عبر الخليج العربي . وكانت مناطق عديدة في بلاد الشام تصلح لزراعة الحنطة التي صدر بعضها الى العراق. فقد كانت الحنطة تنقل من الشمال السوري الى انحاء الفرات حيث تحمل من هناك نهرياً الى بغداد والمدن الاخرى . كذلك صدَرت بلاد الشام الحنطة الى شبه الجزيرة العربية براً . اما الشعير فاستعمل احياناً في صنع الخبز . اما الذرة فكانت تزرع في منطقة حلب .

يبدو ان الأرز كان معروفاً في فلسطين في ذلك الوقت . ومن المرجح انه زرع في غور الاردن . وقد ذكر المقدسي في مؤلفه “مروج الذهب” ان الأرز زرع في منطقة بيسان في الغور .

أنواع أشجار الفاكهة 

عرفت بلدان عربية عديدة انواعاً كثيرة من الفاكهة . فشجر النخيل وصل الى فلسطين قبل الفتح العربي ، بينما انتشر في شمالي سوريا بعد الفتح . لكن تمور بلاد الشام ما كان لها ان تزاحم تمور الحجاز او العراق ، لا نوعاً ولا كماً . إلا ان نوعين من الفاكهة كان لبلاد الشام قصب السبق فيهما في المشرق العربي هما العنب والتفاح . فالمقدسي يتحدث عن الاعناب والكروم في الجليل وجبل عامل والخليل وعسقلان. وكانت خمور بلاد الشام تصدر من اللاذقية بحراً الى الهند . وتبوأ تفاح بلاد الشام الصدارة نوعية ومذاقاً في ذلك العصر . كذلك اشتهرت بلاد الشام بقصب السكر بعد الفتوح العربية . فقد جاءها من بلاد فارس ايام الساسانيين وشاعت زراعته في انحاء كثيرة كغور الاردن بين بيسان وأريحا وغوطة دمشق والسهل الساحلي من إنطاكية جنوباً . اما صناعة السكر فتركزت في طرابلس وبيروت وصيدا وصور وعكّا . وذكر المقدسي ان قرية كابل الى الشمال من عكا كانت تنتج سكراً فائق الجودة . وقد وصلت اول شحنة سكر من بلاد الشام الى البندقية بايطاليا سنة 996 م .

تنوع الإنتاج الزراعي 

لطالما اعتبرت بلاد الشام معدن الزيتون وزيته في المشرق العربي ، وهو أجود أنواع الزيت . وكانت المدن الشامية المختلفة تصدر الى مصر والعراق وشبه الجزيرة العربية حاجاتها من زيت الزيتون ايام الامويين والعباسيين من بعد . وكانت صناعة الصابون التي تعتمد على الزيت من صناعات بلاد الشام المهمة . وكان هذا الصابون يصدر جنوباً وشرقاً . وروى المسعودي ان الاترج والنارنج جلبا من الهند في القرن الثالث الهجري وزرعا في عمان ثم نقلا الى العراق والشام حيث كثرت زراعتهما في دور الناس بطرطوس وانطاكية وباقي ساحل الشام وفلسطين ومصر .

شهدت الفترة الممتدة من القرن الثالث حتى القرن الخامس هجري نقلة كبيرة في تاريخ الغلال الغذائية في المشرق العربي ، سواء لجهة الأصناف التي وصلت حديثاً او لجهة تقنية الانتاج . وظهرت في هذه الفترة اسماء نباتات من خضار وفاكهة لم تكن معروفة قبل ان تتيح لها احوال العالم العربي الجغرافية والتجارية ان تنقل من أقاصي شرق آسيا الى المشرق العربي مثل السبانخ والقلقاس والحمضيات . وكانت مصر في هذه الاثناء تنتج الحبوب المختلفة الانواع ، كما السكر الذي كان يصنع فيها . وقد ذكر المقدسي تجارات مصر فقال انه يرتفع فيها أديم جيد والبطائن الحمر والارز والصوف والتمور والخل والزبيب والموز . كذلك عرفت الطائف بزبيبها الجيد وتمورها الممتازة ، ووادي القرى عمرت بكثرة تجارها واموالها ، والعويند بعسلها. وكانت الطيوب والتوابل والافاويه وبعض البخور والحجارة الكريمة تأتيها من اليمن الذي كان بدوره يستوردها من الهند واندونيسيا والقرن الافريقي . ومن البندقية وجنوا وامالفي استوردت مصر في خلال هذه الفترة الأخشاب ، ومن بزنطية الأقمشة والمواد الطبية .

الورق    

كان البردي والرق وسيلتي الكتابة والتدوين والمراسلة في مطلع العهود العباسية الاولى . وكان الورق الذي سمي آنذاك بالكاغد، قد وصل الى العالم العربي في القرن الثاني للهجرة . والرواية التي تناقلها الكتاب العرب قديماً هي ان معركة نهر طلس التي وقعت سنة 153 هجرية / 751 م بين العرب وجيش صيني على مقربة من طشقند ، والتي إنتهت بانتصار العرب ، أدت الى وقوع عدد من الاسرى الصينيين بأيدي العرب وكان من بينهم صناع ورق وأسكنوا مدينة سمرقند . هؤلاء الأسرى ، بحسب رواية الكتاب العرب القدامى ، علموا المنتصرين صناعة الورق . وقد أحاطت بعض الشكوك بهذه الرواية لأن الورق ، كمادة للكتابة ، كان معروفاً بعض الشيء في سمرقند قبل معركة طلس . المهم ان سر الصنعة انتقل من الصين الى العالم العربي في النصف الثاني من القرن الثاني للهجرة وانتشرت صناعته انتشاراً سريعاً .

أنشئت أول مصانع للورق في بغداد حوالى سنة 179 هجرية / 795 م وانتشرت من بعد غرباً . وها هو المقدسي يحدثنا عن مصانع الورق في طبريا ودمشق . ويروي ناصر خسرو الذي مر ببلاد الشام في اواسط القرن الخامس للهجرة انه شاهد مصانع الورق في طرابلس الشام . وحري بالذكر ان الوثائق المدونة على الورق يعود تاريخها الى سنة 300 ه / 912 م.

المواد الطبية

كانت الصين المصدر الاول الى العالم العربي للمواد الخام التي استعملت في صناعة العقاقير والدهون . وجاءتنا هذه المواد بطريق البر. اما ما كان يستورد من الهند واندونيسيا فقد جاء بحراً عن طريق الخليج العربي بشكل خاص . وكان لبلاد الشام دورها في استيراد الكافور وخشب الصندل والزيوت النباتية العلاجية . وكانت تشارك في انتاج بلسم مقدسي او كما سمي ايضاً بترياق القدس . وقد استعمل هذا البلسم ضد لدغ الافاعي . أما الأهليلج ، وهو ثمر جاف وحب قابض ، فكان يستورد من الهند بكميات تجارية ، واستعمل في طبخ العقاقير وتركيب التوابل في كثير من الصيدليات والمشافي .

الملاحة النهرية

إستعان العراقيون بنهري دجلة والفرات في نقل السلع من جهة الى اخرى . وقد ذكر المقدسي ان الجزيرة الفراتية كانت واسطة بين العراق والشام . والجزيرة هذه تبدو كقوس نصف دائري يحيط ببادية الشام ويمتد من ايلة (العقبة) الى البصرة، وتكون بالس الواقعة على الفرات نقطة نصف الدائرة في الشمال . وأهمية الجزيرة في هذه الوساطة ان الكثير من غلات الاجزاء الشمالية من البلاد ومحاصيلها ومصنوعاتها كانت تنقل براً الى الموصل ومنها تحمل نهرياً الى بغداد وسواها من المدن العراقية. ومن هذه المحاصيل زيت الزيتون من  الشام ، ومن المواد الاولية الصناعية والاخشاب المستوردة من ارمينيا . وبدورها كانت الحبوب والشحوم والعسل والجبن والقصب وفاكهة الجزيرة الفراتية المجففة او الطازجة ومنها السفرجل ، كما القطن والحديد والفحم والقبر ، تنقل عبر المياه النهرية او براً . كذلك كانت تنقل السكاكين والاساطل والنشاب والموازين والصابون والثياب الصوفية والكتانية براً او بواسطة المعابر النهرية . كذلك صدَرت الجزيرة الخيول الجديدة .

تعرضت الملاحة النهرية من وقت الى آخر لقراصنة النهر وللصوص . ولأن دجلة والفرات يجتازان مناطق تقيم فيها قبائل بدوية ذات موارد شحيحة نسبياً ، فان التجار النهريين والبريين كانوا معرضين للغزو في أي وقت . وقد لحق بالتجار الشاميين الضرر الكبير بفعل هؤلاء اللصوص ، فوقع غضبهم على مدينة بالس وتجارها ، وهي مدبنة كانت قائمة على شط الفرات ، وهي أول مدن الشام من بغداد. وكان الطريق اليها  عامراً ، ومنها الى مصر وغيرها سابلاً .