التجارة في عهدة الخلفاء

‎بحث في التجارة / جزء 14

التجارة في عهدة الخلفاء

تولى الخلافة بعد وفاة الرسول خلفاء تجار منهم تاجر البز أبو بكر الصديق الذي أنفق الكثير من ماله في سبيل الإسلام والدعوة له. وقد ترك التجارة اثناء خلافته التي امتدت بين سنة 11 و 13 هجرية، بعد ان وجد صعوبة في الجمع بينها وبين شؤون الخلافة، مما دفع الصحابة لفرض عطاء له من مداخيل التجارة. وعمل عمر بن الخطاب على الاتجار باموال اليتامى المتجمعة لديه بعد ان أوكل اليه عثمان بن ابي العاص، والي البصرة، التجارة بهذه الاموال حتى لا تأكلها الصدقة. ومما يدعم ما تواتر من شكوك حول استمرار عمر بن الخطاب في ممارسة التجارة بعد توليه الخلافة واستعانته ببيت المال، ما ذكر عن ديون ترتبت عليه لبيت المال. وقد أوصى عند وفاته ابنه عبد الله ان يسدد دينه لبيت المال والذي بلغ ثمانين الف درهم ونيف.

إختار عمر ستة اعضاء من مجلس الشورى ليكون احدهم خليفة من بعده، وهم عثمان بن عفان ، طلحة بن عبيد الله، الزبير بن العوام، سعد بن أبي وقاص، عبد الرحمن بن عوف وعلي بن أبي طالب، مما دفع الى الاعتقاد ان مجلس الشورى كان بالفعل مجلساً لكبار التجار ورجال المال والاعمال في المدينة المنورة. وقد أعطي عمر بن الخطاب تسيير دفة النقاش والكلمة الفصل في اختيار خليفته لعبد الرحمن بن عوف، وهو أكثر الاعضاء مالاً وتجارة. وتم اختيار شريكه في التجارة عثمان بن عفان ليتولى شؤون المسلمين .

كان عثمان بن عفان من كبار التجار المسلمين وأشهرهم في أمور المضاربة والبز ومواد الطعام، فسيطر على التجارة البحرية ولم يسمح لاحد ان يشاركه فيها، كما سيطر على التجارة البرية. وتكثر المصادر من ذكر استقراض الخليفة عثمان بن عفان الاموال من بيت المال واستخدام بعضها في التجارة، مما أدى الى نشوء خلاف بينه وبين المسؤول عن بيت مال المدينة عبد الله بن الأرقم. ونقل عن الأرقم انه قال لعثمان: “أد المال الذي استلفت” فأجابه عثمان: ” ما انت وذلك، انما انت خازن لنا”، مما دعا عبد الله بن الارقم الى ترك العمل ببيت المال. وتذكر مصادر تاريخية (مثل ابن الجوزي وابن ابي الحديد) ان أقارب عثمان استغلوا خلافته في تنمية ثرواتهم عن طريق التجارة. وقيل ان عثمان أقطع سوق المدبنة للحارث بن الحكم، فتحكم الحارث بمقاعد السوق واسعاره وأخذ كل يوم درهمين وعشر ما يباع فيه، رغم ان الرسول كان قد أعفى الاسواق من دفع العشور. ولما طلب سكان المدينة من عثمان ان يعزل الحارث رفض طلبهم. واستغل مروان بن الحكم، من جهته، علاقته بالخليفة عثمان لتعزيز تجارته، وهو الذي كان يبيع النَوى في سوق المدينة ويأمر ان يباع نواه اولاً مدعياً ان النوى يعود للخليفة من دون ان يعلم الخليفة عثمان بهذا الادعاء. وعندما راجع طلحة بن عبيدة الله الخليفة في أمر تجارة النوى نفى علمه بها.

لم يرق لكبار تجار المدينة المنورة تولي علي بن أبي طالب أمر الخلافة لكونه رجل دين اكثر منه رجل اقتصاد وتجارة .

عمل التجار في اجهزة الدولة وبخاصة في ادارة ولاياتها، كما عملوا في قيادة الحملات العسكرية وأشرفوا على الاسواق. وكان الرسول قد استعان بعدد من التجار في قيادة معظم السرايا، وعين ابا سفيان بن حرب، كبير تجار مكة ، على حرب نجران، كما عين معاذ بن جبل اميراً وقاضياً على اليمن وجابياً لصدقاتها. كذلك ارسل ابان بن سعيد بن العاص الى البحرين وعهد اليه بصدقات اهلها وتجارتهم ، وأوكل الى سعيد بن العاص الاشراف على سوق مكة .

إستعان الخلفاء الراشدون بعد وفاة الرسول بالتجار في تسيير أمور الدولة، فعين ابو بكر الصديق عثمان بن ابي العاص والياً على الطائف، ومن بعده عينه الخليفة عمر بن الخطاب والياً على عمان والبحرين، كما استعمله مسؤولاً عن ميناء البصرة التجاري في الايلة لجمع العشور من التجار. وكذلك عهد اليه بتنمية أموال اليتامى ليتاجر بها. وعين الخليفة عمر عمرو بن العاص الذي اشتهر بتجارته مع مصر قائداً للجيش وعهد اليه بفتح بلاد وادي النيل، وتم له ذلك وعين والياً عليها. وفي ايام عثمان بن عفان عزل عمرو هذا، ثم أعيد في ايام معاوية بن ابي سفيان والياً على مصر واستمر في حكمها ست سنوات. وقد اشتهر احد مساعديه وردان الرومي بغناه في مصر حتى ان احد اسواق الفسطاط (القاهرة القديمة) سميت باسمه.

قاد سعد بن ابي وقاص الجيش الذي فتح العراق وبقي والياً على الكوفة. وفي بلاد الشام كان معاوية بن ابي سفيان والياً عليها في ايام عمر بن الخطاب وخليفته عثمان بن عفان. كما تم تعيين عتبة بن ابي سفيان في الطائف وجعله الخليفة عمر بن الخطاب مسؤولاً عن صدقاتها. وعين عمر سلمان الفارسي على المدائن حيث كان يتاجر بالخوص. أما حنيفة بن السيمان فقد ولاه عمر بن الخطاب على المدائن لمساحة ارض العراق وتقدير الضرائب على الارض والسكان. وكان يساعده في عمله هذا عثمان بن حنيف.

كان أبو موسى الأشعري الذي قاد الفتوح في جبهة البصرة تاجراً كبيراً. وكان له غلام يعمل في بيع الاعلاف بالبصرة. واستطاع عدد من عمال عمر بن الخطاب في منطقة البصرة تنمية اموالهم بطرق متعددة بينها ممارسة التجارة. ولما بعث عمر بن الخطاب ابا هريرة عاملاً على البحرين ظهر عليه الثراء بفعل ممارسته التجارة وجنيه ارباحاً طائلة.

أكمل الخليفة عثمان بن عفان التقليد الذي سار عليه الخلفاء السابقون، فاستعان بالتجار اثناء خلافته. فعين التاجر عبد الله بن عامر والياً على البصرة واشركه في قيادة الجيش عند فتح خرسان. ولما تولى معاوية الخلافة طلب منه عبد الله بن عامر ان يثبته في ولايته على البصرة لأن له فيها ودائع وصنائع يخاف ان يفقدها. وتقول احدى الروايات انه اشترى في البصرة سوقاً من ماله الخاص ووهبه الى أهله الذين لم يأخذ قط منهم اي ضرائب. وفي العراق قلد الخليفة معاوية زياد بن ابيه ولاية البلد. وكان زياد هذا تاجراً ثرياً. وتذكر مصادر متعددة ان زياداً ارسل رجلاَ من الشام ليتاجر له بستين الف درهم. واثناء خلافة مروان ارتفع نفوذ العمال والولاة التجار. فيذكر ان الحجاج بن يوسف كان يدفع امواله للتجار مضاربة للاتجار له بها. وعمل احد عمال الحجاج على خرسان، وهو عبد الله بن ابي بكرة، في شراء الطعام من بلاد العدو وبيعه من جيش الحجاج بسعر أعلى. وبرزت شهرة محمد بن يوسف الثقفي، عامل اليمن للوليد بن عبد الملك، بالتجارة واشتهر بمقدرته الفائقة في تنمية الاموال اثناء ولايته.

خص الرسول شيوخ القبائل والاشراف وكبار التجار والملاكين بعضاً من اهتمامه ورعايته، فوقف الى جانبهم وراعى مصالحهم. فقد أعفى الرسول التجار من ضريبة العشور ودعاهم الى اداء الصدقات، ومنحهم الهبات والمنح المالية والاقطاعات. ويشير التدقيق في قوائم الاقطاعات والمنح المالية التي قدمها الرسول للمسلمين ان معظمها ذهب الى التجار وملوك القبائل وشيوخها. فقد أقطع الزبير بن العوام اراض في خيبر وبني النضير ومساحات واسعة من ارض الموات. وأقطع تميم الداري منطقة الخليل قبل الشام وكتب له كتاباً بذلك. وكذلك أقطع عبد الرحمن بن عوف اراض كثيرة، منها ارض في الشام بعد فتحها. وأقطع فرات بن حيَان العجلي اراض في اليمامة تغل اربعة الآف درهم.

إتبع الخلفاء الراشدون سياسة الرسول في منح الاقطاعات واعطاء الهبات للتجار. فقد أقطع ابوبكر الصديق اراض للزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله. وأقطع عمر بن الخطاب أرضاً لعبد الرحمن بن عوف، وأقطع الزبير بن العوام العقيق بأجمعها. وسار عثمان بن عفان على النهج نفسه وأقطع الكثيرين من التجار ووسع في منحهم الاقطاعات، سواء في الحجاز او في الامصار الجديدة. أقطع سوق المدينة المنورة للحارث بن الحكم، وأقطع اربعة اخماس أفريقية الى مروان بن الحكم.

أكثر عثمان بن عفان من صلاته المالية بالتجار، مثل صلاته لصهره سعيد بن العاص، كما وصل ابن الزبير بستمئة الف درهم، ووصل العباس بن الحارث بن عبد المطلب بمئة الف درهم وأقطعه داراً، وكتب صكوكاً مالية لاقاربه ولعبد الله بن خالد بن أسيد بن ابي العاص من بيت المال بلغت ثلاثمئة الف درهم.

كان معاوية بن ابي سفيان أكثر الخلفاء تقرباً الى التجار وشيوخ القبائل وسادة العشائر. فقد منح عبد الله بن عمر بن الخطاب منحة سنوية بلغت مئة الف درهم. واتبع عامله على البصرة عبد الله ابن عامر بن كريز سياسة معاوية فمنح عبد الله بن عمر ستين الف درهم على دفعتين. ولما حج معاوية في احدى السنين منح عبد الله بن صفوان الفي شاة وارسل الى حكيم بن حزم أموالاً وصلات لكنه رفضها. وأمر لعبد الله بن جعفر بخمسين الف دينار. واستمر يزيد ابن معاوية في اعطاء بن جعفر المنح والعطايا السخية. أما منح معاوية لاسياد قريش وتجارها فقد عدت ذات أهداف سياسية بسبب رغبته في تحيدهم وشراء رضاهم في خطته لتحويل الخلافة الى نظام وراثي داخل عائلته او لصرفهم عن المطالبة بالخلافة.

قدم الخلفاء والامراء تسهيلات تجارية للعديد من التجار. ويروى في هذا المجال ان نافع بن الحارث، عندما أبلغ عمر بن الخطاب بفتح الايلة واتخاذه منها تجارة له، طلب من الخليفة ان يكتب الى عتبة بن غزوان “ان يحسن جواري”. فكتب له عمر بن الخطاب بذلك. وعندما منع عمر بن الخطاب الاعاجم من المتاجرة في سوق المسلمين بالمدينة احتال أحد الأعاجم على القرار بان باع بضاعته باسم عثمان بن عفان. وقد أجاز عمر ذلك. وبدوره طلب العباس بن الحارث بن عبد المطلب من الخليفة عثمان بن عفان، وكان العباس ابن شريكه في التجارة قبل الإسلام، ان يكتب الى والي البصرة عبد الله بن عامر بن كريز ليسلفه من بيت المال مئة الف درهم ففعل. وطلب احد الموالي التجار (من غير المسلمين) من معاوية ان يكتب له منشوراً ليبيع بضاعته قبل سواه في سوق البصرة، فكتب له ذلك المنشور. وطلب ابو كثير مولى أسلم، احد سراة الموالي، من عبد العزيز بن مروان والي مصر، ان يعفى من العشور كلما دخل مصر بتجارته فاستجيب طلبه .

عمل التجار الولاة، وهم من غير المسلمين، على مساعدة زملائهم التجار في الامور التجارية وسواها. فقد استعان عمرو بن العاص بوردان الرومي وجعله بمنزلة صاحب  شرطته، كما عهد معاوية الى التاجر ابي الدرداء بالقضاء في بلاد الشام، وكذلك فعل زياد بن أبيه عندما عهد الى صديقه التاجر ابو وائل مسؤولية بيت المال في البصرة واستخدم ابنه على سوق البصرة.