الأسواق في العهدين الراشدي والأموي

‎بحث في التجارة / جزء 21

الأسواق في العهدين الراشدي والأموي

 عمل الرسول على إنشاء سوق خاص بالمسلمين في المدينة المنورة وأعفى التجار فيه من ضريبة الخراج. وكان هذا أول سوق تجاري يقام في مطلع الدعوة بشبه الجزيرة العربية. وينقل عن الرسول قوله حول هذا السوق الجديد: إن سوقكم هذا لا يؤخذ منه خراج ولا علة (كما ذكر البلاذري في مؤلفيه انساب وفتوح). وهذا ما شجع التجار الانباط في بلاد الشام من ارتياده لبيع بضائعهم وشراء التمر منه. وفي ايام الراشدين نشطت الحركة التجارية في هذا السوق. ولما تولى عثمان بن عفان الخلافة أقطعه الحارث بن الحكم فقام هذا الاخير بالاشراف عليه والتحكم به وبمقاعده وباسعاره . ويذكر الواقدي في كتابه المغازي ان عثمان” ولى الحارث السوق فكان يشتري الجلب بحكمة ويبيعه بسؤمة، ويجبي مقاعد المتسوقين ويصنع صنيعاً منكراً”. ويذكر المدائني “ان الحارث كان يجبيعشوره اليه.”

أسواق العرب

الأسواق الخاصة 

إتسعت الأسواق وتنوعت بضائعها بعد انتشار العرب واستقرار الأعداد الكبيرة منهم في البلدان المفتوحة وظهرت الاسواق الخاصة، سواء للخلفاء او للولاة او لاقاربهم واصدقائهم. ومن هذه الاسواق الجديدة: سوق البصرة الذي اشتراه واليها من التاجر عبد الله بن عامر بن كريز من ماله ووهبه الى أهله؛ وسوق الوردان في الفسطاط بمصر (القاهرة القديمة) الذي كان يملكه وردان الرومي، مولى عمرو بن العاص. أما في دمشق، حيث مركز الخلافة الأموية، فكثرت الاسواق الخاصة وكان من بينها: سوق الصياقلة الذي اقطعه عبد الملك بن مروان لسفيان ابن الابرد بن ابي أمامة، وسوق الخالديين. ونشأت في فترة لاحقة اسواق أخرى لاقارب الخليفة بن عبد الملك  مثل سوق ام حكيم زوجة هشام وسوق سعيد بن عبد الملك، أخ هشام، إضافة الى سوق الغنم وسوق الصرف وسوق الغزل وسواها من  الأسواق. أما عمال بني أمية فأقاموا الاسواق الخاصة في مراكز ولاياتهم، مثل سوق يوسف بالحيرة وسوق أسد بالكوفة. وكان للخليفة هشام بن عبد الملك سوقه الخاص هو سوق هشام العتيق بالجزيرة.

الأسواق العامة

إنتشرت الأسواق العامة، إضافة الى الاسواق الخاصة، في كافة الأقطار. وكان من بينها: سوق حزورة وسوق الأبواء في مكة وسوق الخزامين وسوق الرقيق وسوق الخيل وسوق مهزور في المدينة. وفي العراق توزعت الاسواق العامة بين الكوفة والبصرة وبغداد. وكان من أشهرها سوق المراضيع وسوق الكرابيس وسوق السلاح وسوق الكلاء وسوق الثلاثاء وسوق الرقيق. واشتهرت في الموصل سوق القنابين وسوق الحشيش وسوق الاربعاء. وفي اليمن سوق الذئاب وسوق عدن، وعد هذا الأخير أنه أقدم أسواق العرب. وفي تهامة سوق حباشة، وهو أكبر أسواقها. وكان الرسول يحضره لبيع البز. وفي البحرين سوق دارين الذي صدَر العطر الى مكة وانحاء أخرى. وفي الأهواز سوق الاهواز وسوق الاربعاء.

قيل ان معاوية عندما فتح قيسارية في فلسطين وجد فيها ثلاثمئة سوق قائمة (البلاذري). وفي مصر كانت هناك أعداد كبيرة من الأسواق بينها: سوق بربر وسوق الحمام وسوق النحاسين. وكذلك كانت أسواق المغرب كثيرة اشهرها سوق أكرسيف الذي كان يقام كل يوم خميس. وعدت أسواق تونس المدينة وقيروان من أحسن الأسواق. واشتهرت في جزيرة صقلية اسواق الزياتين والقمح والصيارفة. وكانت بعض الاسواق في كل هذه المناطق تتخصص بصنف واحد وبسلعة واحدة. وهذا ما أدى الى ظهور التجمعات المهنية وسهل توارد الناس اليها واشراف المحتسب عليها.

كانت الأسواق، بشكل عام، مفتوحة امام الجميع، من مسلمين وغير مسلمين في الدولة. وعندما حاول عمر بن الخطاب حماية التجارة الاسلامية من سيطرة غير المسلمين في الحجاز وأصدر أمراً بمنع الاعاجم من التفرد بالتجارة في أسواق المسلمين في الحجاز، إلتجأ احد كبار تجار البز الاعاجم الى عثمان بن عفان طالباً منه السماح له باستخدام اسمه أثناء تجارته بالبز مقابل نسبة معينة من الارباح، ووافق عثمان على ذلك.

إختلف الأمر خارج الحجاز. ويذكر في هذا المجال ان عامل عمر بن الخطاب على بلاد الشام، معاوية بن ابي سفيان، طلب من ابي هريرة ان يحث قاضي فلسطين عبادة بن الصامت بان لا يتدخل في تجارة أهل الذمة. وقال له: “الا تمسك عنا أخاك عبادة. اما في الغدوات فيغدوا الى السوق فيفسد على أهل الذمة أسواقهم (ابن عساكر: تاريخ؛ الذهبي: سير). أما علماء المسلمين فدعوا الى فرض بعض الشروط المخالفة للشريعة في هذا السوق. فيقول ابو يوسف في كتاب الخراج: “يترك أهل الذمة يتاجرون في الاسواق شرط عدم بيع الخمر والخنزير”. أما مالك بن انس ( المدونة ) فكره التعامل مع الصيارفة النصارى في الاسواق.

أدوار متعددة للأسواق

تميزت الأسواق في مطلع الدعوة وصدر الاسلام بكونها مراكز اعلام الى جانب كونها مؤسسات اقتصادية كبيرة. ويذكر الجاحظ في مؤلفه الحيوان ان التجار من كافة الاديان والاجناس سمح لها ان تشترك في هذه الاسواق. وتقول مصادر عديدة ان دور السوق في خلال هذه الفترة لم يقتصر على البيع والشراء، بل تحولت ايضاً الى مراكز ثقافية ومجامع للعلماء. ويذكر في هذا المجال ان الرسول كان يطوف في اسواق عكاظ ومجنة وذي مجاز في مكة ناشراً دعوته بين القبائل المختلفة ورواد الاسواق (ابن عساكر : تاريخ ) . كما انه اختار سوق بني قينقاع في المدينة مكاناً للاجتماع مع اليهود لموادعتهم (ابن الأثير) .

شكلت الاسواق مركزاً لتجمع الجواسيس. ويذكر ياقوت في كتابه معجم البلدان وابن الاثير وابن الجوزي ان هذه الاسواق شكلت مراكز مهمة للتجسس لفترة طويلة. وقيل ان التاجر سفيان بن سعيد الثوري قال لاحدهم: “اذا قدمت الرقة فاجلس في سوق الاحد واذكر فضائل علي فان الاباضية فيها كثير”. كما ان الاسواق أضحت في وقت من الاوقات من أنسب الأماكن لتنفيذ الاغتيالات السياسية. ونقل عن ابي سفيان بن حرب “الا أحد يغتال محمداً ، فانه يمشي في الاسواق” (ابن سعد). كذلك شهدت الأسواق عمليات تنفيذ العقوبات القصوى. فقد خندق الرسول في سوق المدينة وضرب اعناق اليهود فيه (الطبري). وتشير بعض المصادر الى ان الاسواق تحولت احياناً الى معسكرات ايام الحروب. ويقال ان الرسول خرج في ذي القعدة في سنة 30 هجرية الى بدر الصغرى لملاقاة ابي سفيان فيها. وقد كانت هذه السوق تجتمع فيها العرب في الايام الثمانية الاولى من ذي القعدة (الواقدي واليعقوبي) .

أقام أهل المدن للجنود اثناء سيرهم للقتال العديد من الاسواق مقابل تأمين السكان. فعندما سار محمد بن الحنيفة الى مدينة مدين أغلق عاملها باب المدينة، فبادره أصحاب محمد ” يا أهل مدين لا تخافوا فانكم آمنون، انما ما نريد منكم ان تقيموا لنا السوق حتى نتسوق منه ما نريد. نحن أصحاب محمد بن علي بن ابي طالب لسنا نرزأ أحداً شيئاً ولا نأكل شيئاً الا بثمن”. ففتح أهل مدين باب مدينتهم وأخرجوا لهم الانزال.

تولت الدولة في صدر الإسلام الاشراف على الاسواق. ويذكر ان الرسول سار مرة في الاسواق وتفقد التجار وبيعهم في سوق المدينة محذراً من الغش وعين من أشرف على أمر السوق. وكان ان عين سعيد بن العاص على سوق مكة للاشراف عليها. وتابع عمر بن الخطاب مراقبة الاسواق، فكان يطوف في اسواق المدينة لينظمها بتفسه و”بيده الدرة يضرب بها التجار اذا اجتمعوا على الطعام بالسوق” (ابن الاثير). كذلك قام بهدم الحوانيت التي كانت تستخدم من دون علمه ويحذر من الحلف والايمان الكاذبة وينهي عن الاحتكار. كما انه استعمل على سوق المدينة عمالاً لمراقبتها مثل السائب بن سعيد بن ثمامة وسليمان ابن ابي خيثمة وعبد الله بن عتبة والشفاء بنت عبد الله بن عبد شمس (ابن عساكر). ويذكر ابن الجوزي في مؤلفه المنتظم ان علي بن أبي طالب كان يسير في الاسواق وبيده الدرَة ويقول: “أفوا الكيل والميزان”. وايضاً “لا تنفخوا اللحم”. وحذر من الايمان الكاذبة.

تابع خلفاء بني أمية سياسة الخلفاء الراشدين في مراقبة الأسواق والاشراف عليها عن طريق ولاة على الاسواق كان يتم تعينهم لمراقبة حسن العمل فيها. وشغل هذا الاهتمام بامور الاسواق وتنظيمها الدولة من رأس هرمها حتى العمال مهما صغرت وظائفهم. وهذا الاهتمام عرَفه الشرع بالحسبة، وهي كما عرَفها ابن خلدون” وظيفة دينية من باب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر”.

تجارة المدن والأقاليم

إنتشرت المدن التجارية في كل انحاء الأقاليم الواقعة تحت سيطرة الخلافة الاسلامية. ففي شبه الجزيرة، اشتهرت مدينة جدة الساحلية القريبة من مكة المكرمة. وكان أهلها معظمهم من التجار والاغنياء. وهي تقع الى جوار مدينة سواكن التي كان يسكنها تجار فارس وقوم من ربيعة (اليعقوبي)، كذلك قرية الجار المحاذية للمدينة التي تأتي بعد مكة شهرة بالمال والتجارة. وكانت جدة مرفأ سفن الصين والهند ومصر والحبشة والبحرين. وفي الجوار ايضاً قامت قرية قراف التي كانت مسكناً للتجار (ابن حوقل) . أما الطائف، القريبة من مكة، فاشتهرت بالفاكهة وصنع الأدم. وكانت قريش تتاجر معها بالزيت. وكانت البحرين، حيث تجارة اللؤلؤ والمرجان، مقصد التجار الذين يتعاملون بهذه الاحجار الكريمة. كما تاجرت البحرين بالعطر والمسك المستوردين من اليمن والهند. ومن أشهر مدنها آنذاك مدينة الخط التي تميزت برماحها الخطية، ومدينة الخرصان التي كانت تبيع الرماح. أما مدينة صحار، وهي أقدم مدن عمان وأعمرها وأكثرها مالاً، فكان يقصدها تجار الهند والصين واليمن ومقاطعات افريقيا الشرقية للتزود بكل اصناف اليضائع والتجارات. كذلك اشتهرت مدينة مرباط الواقعة بين عُمان وحضرموت.

كانت صنعاء أكبر وأقدم مدن اليمن، كبيرة العمارة والتجارة. مثلها كانت عـدن التي شهدت قيام أقدم اسواق العرب وإشتهرت بكونها مرفأ سفن تجارة الهند والسند والصين والحجاز والحبشة (اليعقوبي). اما مدينة بيلمان فقد اشتهرت بسيوفها البيلمانية.

شهدت الكوفة والبصرة في العراق ازدهراً في خلال هذه الحقبة. فالبصرة كانت مقصد التجار القادمين اليها براً من الري والاهواز ومسقط وشبه الجزيرة، والقادمين اليها بحراً من فارس والهند والسند. وقيل عنها: “البصرة مدينة الدنيا ومعدن تجارتها وأموالها” (اليعقوبي). والى جانب البصرة كان لمدينة الابلة دورها في هذه التجارة المزدهرة. وقد وصفها عتبة بن غزوان عند فتحها بانها “شاطئ دجلة البصرة العظمى ومرفأ سفن عمان والبحرين وفارس والهند والصين” (البلاذري). وقال عنها التاجر خالد بن صفوان: “ما رأينا أرضاً مثل الابلة أقرب مسافة وأعذب نطفة ولا أربح لتاجر” (ابن قتيبة : عيون).

وصفت الموصل بأنها باب العراق ومفتاح خرسان. وقال عنها ياقوت في مؤلفه معجم البلدان : “ان بلاد الدنيا ثلاثة: نيسابور لأنها بلاد الشرق، ودمشق لأنها بلاد الغرب، والموصل لأنها القاصد الى الحهتين قل ما يمر فيها”. والى جانب الموصل كانت مدينة الانبار مدينة تجارية مزدهرة، وهي تربط ما بين الشام وبغداد. وكانت الاهواز مقصد التجار المتهورين لصعوبة مسالكها (ابن قتيبة) .

تميزت بلاد الشام قبل الاسلام بكونها “متجر العرب ومبرتهم” (ياقوت)، خاصة مدينة غزة الواقعة في جنوبها، ومدينة الجفار التي قامت بين فلسطين ومصر وضمت رفح والقس والعريش ” وكانت جميعها عامرة ويسكنها السوق ، وفيها دكاكين وفنادق (ابن حبيب). أما مدينة ايلة الواقعة على البحر الأحمر فكانت تعتبر الميناء الجنوبي لبلاد الشام. وكان أهلها خليط من الناس والاجناس. وكانت منزلاً لكثير من موالي بني أمية، خاصة موالي عثمان بن عفان. ومثلها كانت مدينة بصرى في وسط بلاد الشام ملتقى تجار العالم ( الوافدي : فتوح ) .

قامت على الجانب الأفريقي الشرقي والشمالي، خاصة سواحله، مراكز تجارية مهمة مثل الإسكندرية ودمياط بمصر والقيروان بالمغرب وسوسة في تونس ، وايضاً مدينة سجلماسة التونسية التي سكنها تجار من البصرة والكوفة .