أصناف المتاجر القديمة ودليل البحر الأرثري

‎بحث في التجارة / جزء 4

أصناف المتاجر القديمة ودليل البحر الأرثري

خلَف مؤلف مجهول دليلاً للبحر الاحمر وضعه على الأرجح في القرن الثاني للميلاد. ويعتقد، من جهة ثانية، ان المؤلف كان تاجراً يونانياً عاش في الإسكندرية بمصر وأنه وضع دليله في القرن الأول قبل الميلاد، وأطلق على هذا الدليل إسم دليل البحر الأرثري. والارثري كلمة يونانية تعني الأحمر. فهل قصد بها هذا المؤلف البحر الأحمر؟ لا دليل على ذلك. فالبحر الأحمر كان يسمى قديماً خليج العرب او الخليج العربي. لذلك يمكن القول ان ما قصده المؤلف هو القسم الشمالي من المحيط الهندي ومتفرعاته، بما في ذلك البحر العربي وبحر الزنج وخليج عُمان والخليج العربي والبحر الاحمر. ويتألف الدليل من 66 فصلاً قصيراً. ويدل الدليل على ان مؤلفه كان تاجراً خبيراً .

يقدم الدليل – الكتاب وصفاً جغرافياً لشواطئ البحر الأحمر وأفريقيا في ما وراء باب المندب، إضافة الى شواطئ شبه الجزيرة العربية الجنوبية . ويفصل الدليل السلع المختلفة، المستورد منها والمصدَر. وهو يعدد ثمانية وعشرين ميناء موزعة على الشكل التالي:

البحر الأحمر ومصر 2، افريقيا وما وراء باب المندب 9 ، بلاد العرب 6 ، الخليج العربي 2 ، ساحل مكران 1 ، الهند 7، الصين 1

ووصف المؤلف الميناء بأنه مركز تجاري يضم الاسواق والمخازن ومراكز داخلية تزود الموانئ بمنتجات البلاد من الداخل. وقلما يتحدث المؤلف عن الطرق البرية، انما يصف الطريق البري المار من أدوليس (عدولي) على الساحل الافريقي الى عطيرة ثم شمالاً الى مصر بأنه أفضل من الطريق الشمالي من القصير الى الداخل لأن الأول فيه ماء وكلأ بينما يمر الثاني في أرض شبه قاحلة .

يزودنا الدليل ببعض المعلومات المفيدة عن الغلال النباتية والمعادن والمنتجات الصناعية التي عرفتها المناطق الممتدة من الهند الى مصر وشرق أفريقيا وبحر العرب وخليج عُمان والبحر الأحمر وبحر الزنج، وهي :

1 – منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط:

الخمور من سوريا (اللاذقية) وايطاليا .زيت الزيتون من سورية واليونان وايطاليا. المرجان من الاحواض الغربية في البحر الأبيض المتوسط. الكهرمان من جزيرة صقلية. الزجاج من الساحل السوري الشمالي. الغار الابيض من اليونان وايطاليا. القماش الارجواني من صور .

2 – منطقة البحر الأحمر ومصر :

الأقمشة من مصر (الكتانية بنوع خاص).  عصير العنب من مصر. الكحل من مصر (حيث كان يصنع بينما مادته فمستوردة من الجزيرة العربية) المرجان من البحر الاحمر. اللؤلؤ من البحر الاحمر. الاحجار الثمينة من البحر الاحمر وتشمل الزمرد والياقوت الاصفر والعقيق.

3 – اليمن وحضرموت وجنوب شبه الجزيرة العربية :

البخور من اليمن وحضرموت.  الذبل من اليمن وحضرموت. الحبوب من اليمن. خمور التمر من اليمن وحضرموت. معدن الكحل من شرق شبه الجزيرة العربية. المرمر من اليمن. الذهب من الحجاز وشرق شبه الجزيرة العربية. الرماح من منطقة موزا (مخا) .

4 – شرق أفريقيا :

القرفة، السمسم، المر، العاج، الذَبل (القماش)، قرن وحيد القرن، الرقيق .

5 – منطقة خليج عمان وكرمانيا

المرجان ، اللؤلؤ ، الخمور من القطيف في شبه الجزيرة العربية وعُمان. التمور من عُمان . رهج الغار من كرمانيا . القوارب المخيطة .

6 – الهند :

الذهب ، الفولاذ الهندي ، النحاس ، أخشاب التيك والأبنوس ، البتل ، الأرز ، القمح ، زيت السيرج ، الدهن الهندي ، السكر، الماس ، العقيق والياقوت ، اللؤلؤ ، الكحل ، الموسلين وأقمشة اخرى، الأوني الفخارية ، الذَبل ، النيلة ، الافاويه ( الفلفل والقرفة ) ، الطيوب

7 – الملايو والصين :

الحرير ، الحديد ، الأواني الفخارية ، اليشب من أواسط آسيا ، القردة من التيبت ، الرصاص ، الفيروز ، اللازورد .

يذكر مؤلف الدليل أسماء الموانئ التي زارها، وهي الموانئ الواقعة على البحر الأحمر وشرق افريقيا وجنوب شبه الجزيرة العربية وخليج عُمان والهند الغربية. ويضيف الى ذلك ما سمعه عن موانئ الخليج العربي وشرق الهند وبعض موانئ الصين.

 

الموانئ الرئيسة كما ذكرها الدليل :                         

1 – الساحل الافريقي ( من الشمال الى الجنوب ) :

– ميوس هرموس (رأس ابو سمرا) كانت هذه الميناء نقطة الانطلاق الاولى ايام البطالمة مع السواحل العربية وساحل افريقيا والهند، واتصالها داخلياً مع قفط على النيل.

– برنيتسي (خليج ام الكتف). إتصالها داخلي مع قفط. ظلت الميناء الرئيس للاتجار مع الموانئ العربية .

– بطولمايس . كانت مركز الاتجار مع الداخل للحصول على الفيلة بنوع خاص .

– ادوليس (على مقربة من ميناء مصوع الحالية). كانت مركز تجميع لغلات السودان والحبشة والصناعات المصرية. كذلك كان يجمع في هذا الميناء: النحاس الأصفر والأحمر والخمور السورية (من اللاذقية) والايطالية، فضلاً عن زيت الزيتون والحديد والفولاذ والاقمشة المستوردة من الهند .

اما ما كان يصدر من ادوليس فشمل العاج والذَبل وقرون وحيد القرن وكلها بضاعة كانت تستوردها اوليس وتعيد تصديرها .

2 – البحر الاحمر : الساحل العربي

– ميناء لوكي كومي (الحوراء) الذي كان يقع على الشاطئ المقابل لمينائي ميوس هرموس وبرنتسي. كان يصلها بالبتراء طريق بري تنقل بواسطته المتاجر التي تفرغها السفن الصغيرة في هذا الميناء .

– ميناء موزا (مخا) وهو الميناء الرئيس للتجارة في ذلك الساحل. لم يكن هذا الميناء جيداً، لكن موقعه بالنسبة لليمن والجهة الافريقية واتصاله بموانئ جنوب جزيرة العرب جعل منه مركزاً تجارياً مميزاً. ويعدد صاحب الدليل ما يرد الى هذا الميناء فيذكر: الأقمشة الارجوانية والأردية اليمنية والزعفران والموسلين والارز والخمور والطيوب والحبوب. اما ما كان يصدر من ميناء موزا فشمل : المر والمرمر والعاج والذبل والرماح والحراب .

3 – شرق افريقيا

كانت السفن المبحرة من البحر الأحمر باتجاه شطر شرق افريقيا تمر اولاً بألبتس (ربما زيلع  الحديثة) ومنها الى مالا و(بربرة). وكانت تنقل المر والقرفة والعاج والرقيق. ومن ثم كانت السفن تنتقل الى موسلوم (ربما هنترة) التي كانت مركزاً كبيراً لتصدير القرفة، فالى ثمة أبون (راس هانون) التي كانت سوقاً للرقيق والذبل المستوردين من أفريقيا، فضلاً عن الارز والدهن الهندي والسيرج والاقطان والسكر، وكلها مستوردة من الهند. وآخر ميناء يذكره صاحب الدليل هو ميناء رابتا (ربما كلوة. ويبدو ان هذه المدينة كانت تستورد كميات كبيرة من رماح موزا (مخا) وحرابها وسيوفها. اما ما كانت تصدره فشمل العاج بكميات كبيرة وقرن وحيد القرن والذبل وزيت النخيل (بكميات قليلة).

4- جنوب الجزيرة العربية

كان في جنوب شبه الجزيرة العربية ثلاثة موانئ رئيسة هي: يوديمون (عدن) وقنا (حصن الغراب او بير علي) وموشا  (خور ريري)، ومركزان تجاريان في جزيرة ديوسقورديا  (سوقطرة) وجز زنوبيا (موريا) .

كانت يوديمون (عـدن) مركزاً لتبادل السلع المحمولة من الهند وتلك القادمة من مصر وما وراءها. وقد تعرضت هذه المدينة لغزوة مدمرة من الداخل ففقدت مركزها المميز لمدة طويلة. اما قنا فكانت من أكبر المراكز التجارية في جنوب شبه الجزيرة العربية وشملت تجارتها البضائع الهندية والافريقية والمصرية المستوردة، وما كان يأتي عن طريق الخليج العربي. اما وارداتها، وأغلبها للاستهلاك المحلي، فشملت القمح والارز والخمر والثياب والاردنة والنحاس والقصدير. وتضمنت صادراتها اللـبـان، وهو أهم ما كانت تصدره والذي كان يحمل اليها من حضرموت وظفار .

كانت موشا (خور ريري) مركزاً رئيساً لتجميع اللبان واعادة تصديره. كما ان السفن العائدة من الهند كانت تقضي الشتاء في هذا الميناء اذا جاءت متأخرة بالنسبة للرياح. وكانت هذه مناسبة ليتبادل التجار سلعهم من الاقمشة والقمح والسيرج باللبان .

يتحدث صاحب الدليل عن جزيرة ديسقورديا (سوقطرى) فيصفها بأنها واسعة الارجاء، بعض منها جاف تغطيه المستنقعات التي تجتازها انهار تكثر فيها التماسيح. كما ان الجزيرة عرفت العظايا الضخمة التى يأكل الناس لحمها. وتصدر الجزيرة الذَبل البحري والبري. وكان أهل موزا (مخا) والتجار الذين تأتي بهم السفن مصادفة الى الجزيرة يبتاعون هذه الاشياء، وكانوا يحملون اليها حاجة السكان من القمح والارز والقماش الهندي والرقيق من النساء .

لم تكن جزر زنزبيا (كوريا موريا) ذات شأن تجاري كبير. كانت تبيع الذَبل الجيد من تجار قنا .

 

5 – خليج عُمان والخليج العربي

هنا يذكر صاحب الدليل اسمين لمركزين تجاريين فقط هما ابولوغوس (الايلة) وشراكس  سبازيني (المحمرة) ويكتفي بالاشارة الى عُمان فيقول ان ما كان يمر في عُمان شمل التمر والنبيذ والسفن المخيطة (مادارتا) أي مدرعة. غير ان عُمان كانت متجراً كبيراً يأتيها النحاس وعود الند وخشب التيك والابنوس والخشب الاسود من الهند والبخور من فنا. وكانت تصدر القوارب والسفن المدرعة المصنوعة من جذوع النخيل واللؤلؤ المستورد من الخليج العربي والثياب والنبيذ والذهب والرقيق.

6– الساحل الغربي

يذكر صاحب الدليل عدداً كبيراً من موانئ الساحل الممتد من مصب السند الى جنوب الهند. وأهم هذه الموانئ:

– بربريكوم (بهار ديبور) الواقعة عند مصب من مصبات نهر السند. وكانت تستقبل هذه الميناء السفن القادمة المحملة ببضائع متعددة الانواع منها الأقمشة، الكتانية خاصة، من مصر والياقوت والمرجان (من سواحل البحر الأبيض المتوسط) والبخور والزجاج والاوعية الذهبية والفضية وبعض الخمور اما ما كانت تصدره فشمل عود الند والفيروز واللازورد والرو والحرير الصيني والنيلة .

– باريغازا (براوخ) الواقع على خليج كمباي والطريق الى هذا الميناء كان يصعب الملاحة فيه. وكانت المدينة تصدر عود الند والعاج واليشب والاقمشة القطنية والحريرية والفلفل الطويل . اما ما كانت تستورده فشمل الاقمشة والياقوت والمرجان والبخور والخمور والزجاج والاوعية الفضية والذهبية .

– ساحل الملبار وتقع فيه ثلاثة موانئ متجاورة هي: موزيريس (كرانفامور)، نلسند (كوتايام ) واخيراً بكرا( بوركا د). وشكل الفلفل اكبر صادرات هذا الساحل، يليه اللؤلؤ الجيد بكميات كبيرة، فالعاج والحرير الصيني الاصلي وعود الند والاحجار الكريمة والماس والذَبل. وكانت هذه الموانئ تستورد معدن الكحل والنحاس والرصاص والقصدير فضلاً عن النقود الفضية والذهبية .

– يذكر صاحب دليل البحر الارثري ان الهند كانت تستورد النقود. وقد علق ولفرد شوف، صاحب الدليل الارثري على ذلك بان الرصاص كان يستعمل في الهند لسك النقود، إذ ان نقودهم كانت رصاصية. كما أشار الدليل الى النقود الفضية والذهبية التي كانت تصدر الى الهند من العالم الروماني .

المراجع

1 – زيادة ، نقولا ، مشرقيات : في صلات التجارة والفكر ، الأهلية للنشر والتوزيع ، بيروت 2002 .

2 – زيادة ، نقولا ، الجغرافيا والرحلات عند العرب ، الأهلية للنشر والتوزيع ، بيروت 2002 .

3 – طقوش ، محمد سهيل ، تاريخ العرب قبل الاسلام ، دار النفائس ، بيروت 2009 .

4- البيروتي، ابو الريحان محمد بن احمد ، الآثار الباقية من القرون الخالية ، دار الكتب العلمية ، بيروت 2000 .

5 –ابن المحاور ، ابو الفتح ، صفة بلاد اليمن ومكة والحجاز ، بريل ، 1951 .

6 – الافغاني ، سعيد ، أسواق العرب في الجاهلية والاسلام ، دار الفكر ، دمشق 1960 .

7 – حمور ، عرفان محمد ، أسواق العرب ، دار الشورى ، بيروت 1979 .

8 – الشريف ، احمد ابراهيم ، مكة والمدينة في الجاهلية وعهد الرسول ، دار الفكر العربي ، القاهرة 1965

Pritchard, Ancient Near Eastern Texts , Princeton , 1950. – 9