تجارة العراق في القرن الرابع للهجرة

‎بحث في التجارة / جزء 35

تجارة العراق في القرن الرابع للهجرة

نشير في مطلع هذا البحث الى ان العراق كان ينقسم في ذلك العصر الى منطقتين : المنطقة الجنوبية التي أطلق عليها اسم العراق، والشمالية التي عرفت باسم الجزيرة . أما كلمة السواد فتشير الى الاراضي الغرينية التي شملت كل المنطقة الجنوبية . إمتد العراق ككل من عبدان الى جبي شمالاً فالطيب فحلوان، ثم شمالاً غرباً الى تكريت فالسن فحديثة فالموصل فجزيرة ابن عمر فارزن ، ثم شرقاً الى البصرة في الخليج .

التجارة في العراق حسب المؤرخين القدامى 

عالج عدد من الكتاب والمؤرخين القدامى الذين عاصروا تلك الفترة موضوع التجارة في هذه المنطقة التي أصبحت تعرف حديثاً باسم العراق ، وحاولوا ايجاد المخارج التي لا تتعارض مع الشرع في ما يتعلق بمواضيع جد شائكة كالربا والفائدة الخ.. . فالجاحظ الذي توفي سنة 869 م، وهو ابن عراق، ترك رسالة للتجار عنوانها كتاب “التبصرة في التجارة” ذكر فيه بعض المبادئ العامة في التجارة وتكلم عن الذهب والفضة والاحجار الكريمة والعطور والثياب والمنسوجات. وله مؤلف آخر عنوانه “رسالة في مدح التجار وفي ذم خدمة السلطان”. وعالج مؤلفون وجغرافيون كابن خرداذبه وابن رستة واليعقوبي وابن الفقيه والمسعودي والمقدسي وسواهم بعض جوانب التجارة والمنتوجات المحلية ووصفوا طرق المواصلات البرية والبحرية والنهرية. ووضع الشيباني المتوفي سنة 1009 م . كتاباً خاصاً بالتجار شرح لهم فيه الطرق التي يستطيعون بموجبها ان يتجنبوا القيود الاسلامية في بعض طرق البيع وفي مسألة الربا . أما أبو الفضل الدمشقي فتناول في كتابه الاشارة الى محاسن التجارة واصناف البضائع والمعاملات التجارية وأصولها ، وصنف التجار . كذلك صنف البيروني في مؤلفه “الجماهير في معرفة الجواهر” الاحجار الكريمة وتحدث عن المباديء الاقتصادية العامة وتكلم عن بعض العوامل الطبيعية والجغرافية التي أسهمت في نمو التجارة العراقية ومنها موقع العراق الجغرافي كجسر بين ايران والهند وأواسط اسيا والصين من جهة ، والجزيرة العربية وبلاد الشام ومصر والغرب من جهة اخرى، ونصح العراقيين ان يصبحوا وسطاء اساسيين في تجارة العالم المتمدن. ولاحقاً دعا ابن خلدون، الذي أطلق على العراق اسم “السوق الأعظم للتجارة” ، الى حل مشكلة الربا والصيرفة . وقال ان هاتين المشكلتين حلتا لسببين اثنين: اولاً، لأن المتعاملين بهما ، خاصة مشكلة الربا ، كانوا من غير المسلمين ؛ وثانياً لأن التجارة توسعت بشكل كبير مما دفع بالفقهاء الى إيجاد وسائل مشروعة للتخلص من المشكلتين معاً . وفي مؤلفه “المخارج والحيل” قال الشيباني ان موضوع الربا قد حل عملياً ببيع البضائع من دون رؤيتها ، وأجاز التأخير بالدفع ونقل الديون والدفع باقساط ، كما أجاز الفائض مقترحاً ” بيع العينة ” لتسويغ الفائض ( الفائدة ) .

حرم الشرع احتكار المواد الغذائية ، لكن التجار لم يتقيدوا بهذا التحريم . اما في ما تعلق بالمواد غير الغذائية فالاحتكار لم يكن مألوفاً وليس ممنوعاً . وحدها الدولة احتكرت آنذاك المنسوجات الرسمية والطراز للخليفة .

التجار وتجاراتهم

تعاطى التجار بالدرجة الاولى بأدوات الترف كالبسط والجواهر والرقيق . وكانت أسواقهم تعتمد كثيراً على كبار الموظفين وعلى الأغنياء . وهذه نماذج من تجارات التجار في ايام الدولة العباسية :

تعامل ابن الجصاص بادوات الترف فقط ، كالجواهر والرياش . وكان يتعامل بشكل عام مع الطبقة العليا في الدولة . وكانت أرباحه هائلة ، فجمع ثروة كبيرة وصار له نفوذ واسع .

ويحدثنا ابو الفضل الدمشقي بدوره عن ثلاثة انواع من التجار :

1 – الركاض ، وهو التاجر الذي يتعامل مع بلدان عديدة ومختلفة .

2 – الخزان ، وهو التاجر الذي يشتري البضاعة وقت توفرها وكثرة البائعين لها وقلة الطلب عليها ثم يحفظها وينتظر ان تنعكس الظروف فيرتفع ثمنها .

3 – المجهز ، وهو التاجر الذي لا يسافر من بلد الى آخر ، بل يكون له وكلاء مأمونون يرسل اليهم البضاعة أمانة لبيعها . وبدورهم يشتري له الوكلاء ما يحتاج اليه من البضائع ويرسلونها اليه .

أما السماسرة فكانوا يفوضون بشراء البضائع وبيعها ، وكانت أجورهم مرتفعة . وكان التجار احياناً يشكلون شركات ، منها :

1 – شركة الضمان ، حيث يساهم التجار برأسمال الشركة ويتعاونون في العمل ويتقاسمون الارباح ويتحملون الخسائر ، كل بنسبة رأسماله .

2 – شركة المفاوضة ، وفيها يتفق المساهمون على افتسام الربح وتحمل الخسارة .

3 – شركة الوجوه ، وفيها يساهم احد المتنفذين او الوجهاء باعطاء أسمه للشركة في حين ان الثاني يقوم بالعمل .

الاعتماد                                       

لجأ التجار بكثرة آنذاك الى الاعتماد في معاملاتهم التجارية . ويقول ابو الفضل الدمشقي في مؤلفه “الاشارة الى محاسن التجارة” ان الاعتماد تألف من ثلاثة أنواع :

أ – المضاربة او المقارضة ، وهي ان يشتغل شخص برأسمال شخص آخر لقاء حصة من الارباح يتفق عليها مسبقاً بين الفريقين . وكان المقارض يدفع نفقات سكنه واقامته ، في حين ان أجور النقل كانت تسدد من صافي الارباح .

ب – السلف المؤجل ، أي إقتراض المال ثم وفاءه لاحقاً بموجب الشروط المتفق عليها بين الطرفين .

ج – الاستلاف المنجَم ، أي اقتراض مال على ان يسدد على اقساط محددة القيمة والزمن .

الاقتراض                           

كان التجار يقترضون الاموال من الصرافين بربح معين . وكان لبعض التجار ” ناقد” خاص ينظم لهم معاملات الاعتماد . ويروي التنوخي في مؤلفه “الفرج بعد الشدة” ان تاجراً من أهل الابلة احتاج الى خمسمئة دينار ، فذهب “ناقده” الى البصرة واقترض له هذا المال . ومن جهة اخرى اعتاد التجار على اقراض بعضهم بعضاً .

باع التجار احياناً عملاءهم بالدين ، فكانوا يعطونهم البضاعة على ان يستلموا اثمانها فيما بعد . ويتحدث التنوخي عن رجل أصابه ضيق لأن التجار لم يقرضوه المال الذي احتاج اليه . وكانت القروض تتراواح بين الآف الدنانيير وبين جزء من الدينار . وأشار الجاحظ في مؤلفه “البـخـلاء” ان معاملات الاعتماد، من استدانة او ايفاء دين ، كانت تنظم في صكوك بحضور شاهدين اثنين يوقعان الصك ثم يختم هذا الصك بنوع من الطين .

وجدت معاملات أكثر تعقيداً . فكان الدائن أحياناً يشترط وجود وكيل يتعهد بدفع الدين متى عجز المدين عن تسديد دينه . وكان الدين يحول احياناً من شخص الى آخر . واستخدمت هذه الطريقة لتصفية الديون .

في الاخبار ان أمر التجار، وسمي سفاتج، كان نافذاً في المشارق وفي المغارب لأنهم كانوا يكتبو سفاتج (نوع من سند دفع) بالاموال الجمة على معاملاتهم فيكون “أسرع في الرواج من مال الجباية والخراج”. وكانت هذه السفاتج تقبل في بلاد الاعداء والبلاد الاسلامية المستقلة (مسكويه: تجارب الأمم) .

كانت معاملات الاعتماد تحصل كذلك بين الدولة والتجار. ففي أوقات الازمات ، وعند تأخر جباية الضرائب ، كانت الدولة تقترض من التجار ( دين على الدولة ) . ومتى اقترض الوزير من التجار قدم لهم ضماناً بالدين . فكان علي بن عيسى ، كما يذكر التنوخي في مؤلفه “نشوار المحاضرة” ، يعطي التجار سفاتج مؤجلة على الواردات ، تصرف حين يحل موعدها . واذا شكا التجار من معاملة الدولة فانهم كانوا يتوقفون عن اقراضها . وهذا ما حصل مع الوزير ابن شيراز (943 – 945 م . ) عندما رفض التجار تسليفه مالاً لأنه ظلم بعضهم وصادر أموالهم . وكان التجار يأخذون فائدة على ما يقرضونه للدولة والسفاتج التي يصرفونها .