غزوة بني المصطلق

غزوة بني المصطلق

غزوة بنى المصطلق حدثت في السنة الخامسة للهجرة في المريسيع وهي ماء لبني خزاعة في وادي قديد. بلغت قوات المسلمين 1000 رجل معهم 30 فرس وكان الطرف الآخر هم بنو المصطلق. هدفت الغزوة إلى القضاء على تجمع بنو المصطلق بقيادة الحارث بن أبر ضرار حيث كانوا يتجمعون لمهاجمة المدينة المنورة.

وصل المسلمون بقيادة الرسول محمد إلى المريسيع وعندما علم بنو المصطلق بذلك هرب معظمهم. تهيأ الحارث للحرب وترامى الطرفان بالنبل لساعة ثم هجم المسلمون على بنو المصطلق وقتلوا 10 وأسروا الباقين واستشهد مسلم واحد. غنم المسلمون في هذه الغزوة 2000 بعير و5000 شاة.

حدثت حادثة الإفك عند عودة المسلمين إلى المدينة المنورة بعد هذه الغزوة.

جاء في “المنتظم في تاريخ الملوك والأمم” لابن الجوزي:

” غزوة المريسيع في شعبان وذلك أن بني المصطلق كانوا ينزلون على بئر لهم يقال لها‏:‏ المريسيع وكان سيدهم الحارث بن أبي ضرار فسار في قومه ومن قدر عليه فدعاهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأجابوه وتهيأوا للمسير معه فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعث بريدة بن الحصيب ليعلم علم ذلك فأتاهم ولقي الحارث بن أبي ضرار وكلمه ورجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره فندب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إليهم فأسرعوا الخروج ومعهم ثلاثون فرسًا وخرج معهم جماعة من المنافقين واستخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم على المدينة زيد بن حارثة وخرج يوم الاثنين لليلتين خلتا من شعبان وبلغ الحارث بن أبي ضرار ومن معه مسير رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه قد قتل عينه الذي كان يأتيه بخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فسيء بذلك فخاف وتفرق من معه من العرب وانتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المريسيع فضرب عليه قبته ومعه عائشة وأم سلمة فتهيأوا للقتال وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه ودفع راية المهاجرين إلى أبي بن الصديق وراية الأنصار إلى سعد بن عبادة فتراموا بالنبل ساعة ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه فحملوا حملة رجل واحد فقتل من العدو عشرة وأسر الباقون وسبى رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجال والنساء والذرية والنعم والشاء فكانت الإبل ألفي بعير والشاء خمسة آلاف والسبي مائتي أهل وقد روى ابن عمر أنه كان حدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أغار عليهم وهم غارون ونعمهم يسقى على الماء‏.‏

قال مؤلف الكتاب‏:‏ والأول أصح‏.‏

ولما رجع المسلمون بالسبي قدم أهاليهم فافتدوهم وجعلت جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار في سهم ثابت بن قيس وابن عم له فكاتباها فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتابتها فأدى عنها وتزوجها وسماها برة قيل‏:‏ إنه جعل صداقها عتق أربعين من قومها‏.‏
وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا نضلة الطائي بشيرًا إلى المدينة بفتح المريسيع‏.‏

أنبأنا أبو بكر بن عبد الباقي قال‏:‏ أنبأنا أبو محمد الجوهري قال‏:‏ أخبرنا ابن حيويه قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن معروف قال‏:‏ حدثنا الحسين بن الفهم قال‏:‏ أخبرنا محمد بن سعد قال‏:‏ أخبرنا محمد بن عمر قال‏:‏ أخبرنا عبد الله بن يزيد بن قسيط عن أبيه عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن عائشة قالت‏:‏ أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في بني المصطلق فأخرج الخمس منه ثم قسمه بين الناس فأعطى الفرس سهمين والرجل سهمًا فوقعت جويرية بنت الحارث في سهم ثابت بن قيس وكاتبها ثابت بن قبس على تسع أواق وكانت امرأة حلوة لا يكاد أحد يراها إلا أخذت بنفسه فبينا النبي صلى الله عليه وسلم عندي إذ دخلت عليه جويرية فسألته في كتابتها فوالله ما هو إلا أن رأيتها فكرهت دخولها على النبي صلى الله عليه وسلم وعرفت أنه سيرى منها مثل الذي رأيت فقالت‏:‏ يا رسول الله أنا جويرية بنت الحارث سيد قومه وقد أصابني من الأمر ما قد علمت فوقعت في سهم ثابت بن قيس فكاتبني على تسع أواق فأعني في فكاكي فقال‏:‏ ‏”‏ أو خير من ذلك ‏”‏ قالت‏:‏ ما هو يا رسول الله قال‏:‏ ‏”‏ أودي عنك كتابتك وأتزوجك ‏”‏ قالت‏:‏ نعم يا رسول الله‏.‏

قال‏:‏ ‏”‏ قد فعلت ‏”‏ وخرج الخبر إلى الناس فقالوا‏:‏ أصهار رسول الله صلى الله عليه وسلم يسترقون فأعتقوا ما كان في أيديهم من نساء المصطلق فبلغ عتقهم إلى مائة بيت بتزويجه إياها فلا أعلم امرأة أعظم بركة على قومها منها‏.‏

حديث الإفك

كان حديث الإفك في غزوة المصطلق‏: أخبرنا هبة الله بن محمد قال‏:‏ أخبرنا الحسين بن علي قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن جعفر قال‏:‏ حدثنا عبد الله بن أحمد قال‏:‏ حدثني أبي قال‏:‏ أخبرنا عبد الرزاق قال‏:‏ حدثنا معمر عن الزهري قال‏:‏ أخبرني سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير بن أبي وقاص وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن حديث عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم حين قال لها أهل الإفك ما قالوا فبرأها الله عز وجل وكلهم حدثني بطائفة من حديثها وبعضهم كان أوعى لحديثها من بعض وأثبت اقتصاصًا وقد وعيت عن كل واحد منهم الحديث الذي حدثني وبعض حديثهم يصدق بعضًا ذكروا‏:‏ أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرج سفرًا أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها رسول الله صلى الله عليه وسلم معه‏.‏

قالت عائشة فأقرع بيننا في غزاة غزاها فخرج فيها سهمي فخرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك بعد أن نزل الحجاب وأنا أحمل في هودجي وأنزل فيه مسيرنا حتى إذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوته وقفل ودنونا من المدينة آذن بالرحيل فقمت حين أذنوا بالرحيل فمشيت حتى جاوزت الجيش فلما قضيت شاني أقبلت إلى الرحل فلمست صدري فإذا عقد من جزع ظفار قد انقطع فرجعت فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون بي فحملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب وهم يحسبون إني فيه‏.‏

قالت‏:‏ وكانت النساء إذ ذاك خفافًا لم يهبلهن ولم يغشهن اللحم إنما يأكلن المحلقة من الطعام فلم يستنكر القوم ثقل الهودج حين رحلوه ورفعوه وكنت جارية حديثه السن فبعثوا الجمل وساروا فوجدت عقدي بعد ما استمر الجيش فجئت بها منازلهم وليس بها داع ولا مجيب فتيممت منزلي الذي كنت فيه وظننت أن القوم سيفقدوني فيرجعون إلي‏.‏

فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمت وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني قد عرس من وراء الجيش فأدلج فأصبح عند منزلي فرأى سواد إنسان نائم فأتاني فعرفني حين رآني وقد كان يراني قبل أن يضرب علي الحجاب فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني فخمرت وجهي بجلبابي فوالله ما كلمني كلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه حتى أناخ راحلته فوطئ على يدها فركبتها فانطلق يقود الراحلة حتى أتينا الجيش بعد ما نزلوا موغرين في نحر الظهيرة فهلك من هلك في شأني وكان الذي تولى كبره عبد الله بن أبي بن سلول فقدمت المدينة فاشتكيت حين قدمنا شهرًا والناس يفيضون في قول الإفك ولا أشعر بشيء من ذلك وهو يريبني في وجعي أني لا أرى من رسول الله صلى الله عليه وسلم اللطف الذي كنت أعرف منه حين أشتكي إنما يدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسلم فيقول‏:‏ كيف تيكم فذاك يريبني ولا أشعر بالشر حتى خرجت بعد ما نقهت وخرجت معي أم مسطح قبل المناصع وهو مبرزنا ولا نخرج إلا ليلًا إلى ليل وذلك قبل أن تتخذ الكنف قريبًا من بيوتنا وأمرنا أمر العرب الأول في التنزه وكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا فانطلقت أنا وأم مسطح وهي بنت أبي رهم بن المطلب بن عبد مناف وأمها بنت صخر بن عامر خالة أبي بكر الصديق وابنها مسطح بن أثاثة فأقبلت أنا وبنت أبي رهم قبل بيتي حين فرغنا من شأننا فعثرت أم مسطح في مرطها فقالت‏:‏ تعس مسطح فقلت لها‏:‏ بئسما قلت تسبين رجلًا قد شهد بدرًا قالت‏:‏ أي هنتاه أو لم تسمعي ما قال قلت‏:‏ وماذا قال قالت‏:‏ فأخبرتني بقول أهل الإفك فازددت مرضًا على مرضي فلما رجعت إلى بيتي دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال‏:‏ ‏”‏ كيف تيكم ‏”‏ قلت‏:‏ أتأذن لي أن آتي أبوي قالت‏:‏ وأنا حينئذ أريد أن أتيقن الخبر من قبلها فأذن لي رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

فجئت أبوي فقلت لأمي‏:‏ يا أماه ما يتحدث الناس فقالت‏:‏ أي بنية هوني عليك فوالله لقل ما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها لها ضرائر إلا أكثرن عليها قالت‏:‏ قلت‏:‏ سبحان الله أو قد تحدث الناس بهذا قالت‏:‏ فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم ثم أصبحت أبكي ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي ليستشيرهما في فراق أهله قالت‏:‏ فأما أسامة بن زيد فأشار على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذي يعلم من براءة أهله وبالذي يعلم من نفسه لهم من الود فقال‏:‏ يا رسول الله هم أهلك ولا نعلم إلا خيرًا وأما علي بن أبي طالب فقال‏:‏ لم يضيق الله عز وجل عليك والنساء سواها كثير وأن تسأل الجارية تصدقك‏.‏

قالت‏:‏ فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة فقال‏:‏ أي بريرة هل رأيت من شيء يريبك من عائشة فقالت له بريرة‏:‏ والذي بعثك بالحق إن رأيت عليها أمرًا قط أغمضه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها فتأتي الداجن فيأكله فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستعذر من عبد الله بن أبي فقال وهو على المنبر‏:‏ ‏”‏ يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهل بيتي فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرًا ولقد ذكروا لي رجلًا ما علمت عليه إلا خيرًا وكان لا يدخل على أهلي إلا معيإ فقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال‏:‏ أعذرك منه يا رسول الله إن كان من الأوس ضربنا عنقه وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج وكان رجلًا صالحًا ولكنه احتملته الحمية فقال لسعد بن معاذ‏:‏ لعمرك لا تقتله ولا تقدر على قتله فقام أسيد بن حضير وهو ابن عم سعد بن معاذ فقال لسعد بن عبادة‏:‏ كذبت لعمر الله لتقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين‏.‏

فثار الحيان‏:‏ الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم على قالت‏:‏ فبكيت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم ثم بكيت ليلتي المقبلة لا يرقأ دمع ولا أكتحل بنوم وأبواي يظنان أن البكاء فالق كبدي‏.‏

قالت‏:‏ فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي استأذنت علي امرأة من الأنصار فأذنت لها فجلست تبكي معي فبينا نحن على ذلك إذ دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلم ثم جلس قالت‏:‏ ولم يجلس عندي منذ قيل لي ما قيل وقد لبث شهرًا لا يوحى إليه في شأني شيء‏.‏

قالت‏:‏ فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جلس ثم قال‏:‏ ‏”‏ أما بعد يا عائشة فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا فإن كنت بريئة فسيبرئك الله عز وجل وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه فإن العبد إذا اعترف بذنب ثم تاب تاب الله عليه ‏”‏‏.‏

قالت‏:‏ فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته فاض دمعي حتى ما أحس منه قطرة فقلت لأبي‏:‏ أجب عني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ والله ما أدري مما أقول يا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت لأمي‏:‏ أجيبي عني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت‏:‏ والله ما أدري ما أقول يا رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت‏:‏ فقلت وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيرًا من القرآن وإني والله قد عرفت إنكم قد سمعتم هذا حتى استقر في نفوسكم وصدقتم ولئن قلت لكم إني بريئة والله عز وجل يعلم أني بريئة فلا تصدقوني بذلك ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أني بريئة فلا تصدقوني وإني والله ما أجد لي ولكم مثلًا إلا كما قال أبو يوسف‏:‏ ‏”‏ صبر جميل والله المستعان على ما تصفون ‏”‏‏.‏

قال‏:‏ ثم تحولت فاضطجعت على فراشي وأنا والله حينئذ أعلم أني بريئة وأن الله عز وجل مبرئي ببراءتي ولكن والله ما كنت أظن أن ينزل في شأني وحي ولشأني كان أحقر في نفسي من أن يتكلم الله عز وجل في بأمر يتلى ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم رؤيا يبرئني الله عز وجل بها قالت‏:‏ فوالله ما رأم رسول الله مجلسه ولا خرج من أهل البيت أحد حتى أنزل الله عز وجل على نبيه فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء عند الوحي حتى انه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق في اليوم الشاتي من ثقل القول الذي أنزل عليه قالت‏:‏ فلما سري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يضحك فكان أول كلمة لكلم بها أن قال‏:‏ ‏”‏ أبشري يا عائشة أما والله عز وجل فقد برأك ‏”‏ فقالت أمي‏:‏ قومي إليه فقلت‏:‏ لا والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله عز وجل هو الذي أنزل براءتي وأنزل الله عز وجل‏:‏ ‏”‏ إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم ‏”‏ عشر آيات فأنزل الله عز وجل هذه الآيات براءتي‏.‏

فقال أبو بكر وكان ينفق على مسطح لقرابته منه وفقره‏:‏ والله لا أنفق عليه شيئًا أبدًا بعد الذي قال لعائشة‏.‏

فأنزل الله عز وجل‏:‏ ‏{‏ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏ألا تحبون أن يغفر الله لكم‏}‏‏.‏

قال أبو بكر‏:‏ والله إني لأحب أن يغفر الله عز وجل لي فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه ومال‏:‏ لا أنزعها منه أبدًا‏.‏

قالت عائشة رضي الله عنها‏:‏ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل زينب بنت جحش عن أمري وما علمت أو ما رأيت أو ما سمعت أو ما بلغك قالت‏:‏ يا رسول الله أحمي سمعي وبصري والله ما علمت إلا خيرًا قالت عائشة‏:‏ وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فعصمها الله عز وجل بالورع وطفقت أختها حمنة بنت جحش تحارب لها فهلكت فيمن هلكت‏.‏

قال ابن شهاب‏:‏ وهذا ما انتهى إلينا من أمر هؤلاء الرهط أخرجاه في الصحيحين‏.‏

وغاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الغزاة ثمانية عشر يومًا وقدم لهلال رمضان زواجه صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش وفي هذه السنة‏.  تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش بن رئاب أمها أميمة بنت عبد المطلب وكانت فيمن هاجر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت امرأة جميلة فخطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيد فقالت‏:‏ لا أرضاه لنفسي قال‏:‏ ‏”‏ فإني قد رضيته لك ‏”‏ فتزوجها زيد بن حارثة ثم تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم لهلال ذي القعدة سنة خمس من الهجرة وهي يومئذ بنت خمس وثلاثين سنة‏.‏

أنبأنا أبو بكر بن عبد الباقي قال‏:‏ أنبأنا أبو محمد الحسن بن علي قال‏:‏ أخبرنا أبو عمرو بن حيويه قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن معروف قال‏:‏ أخبرنا الحسين بن الفهم قال‏:‏ حدثنا محمد بن سعد قال‏:‏ أخبرنا محمد بن عمر قال‏:‏ حدثني عبد الله بن عامر الأسلمي عن محمد بن يحيى بن حيان قال‏:‏ جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت زيد بن حارثة يطلبه وكان زيد إنما يقال له زيد بن محمد فربما فقده رسول الله صلى الله عليه وسلم الساعة فيقول‏:‏ ‏”‏ أين زيد ‏”‏ فجاء منزله يطلبه فلم يجده وتقوم إليه زوجته زينب بنت جحش فضل فأعرض رسول الله عنها يا رسول الله ليس هو ها هنا فادخل بأبي أنت وأمي فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدخل وإنما عجلت زينب أن تلبس لما قيل لها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالباب فوثبت عجلى فأعجبت رسول الله صلى الله عليه وسلم فولى وهو يهمهم بشيء لا يكاد يفهم منه إلا ربما أعلن منه‏:‏ ‏”‏ سبحان الله العظيم سبحان مصرف القلوب ‏”‏ فجاء زيد إلى منزله فأخبرته امرأته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى منزله فقال زيد‏:‏ ألا قلت له أن يدخل قالت‏:‏ قد عوضت عليه ذلك فأبى قال‏:‏ فسمعت منه شيئًا قالت‏:‏ سمعته حين ولى تكلم بكلام لا أفهمه وسمعته يقول‏:‏ ‏”‏ سبحان الله العظيم سبحان مصرف القلوب ‏”‏‏.‏

فجاء زيد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ يا رسول الله بلغني انك جئت منزلي فهلا دخلت بأبي أنت وأمي لعل زينب أعجبتك فأفارقها فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏”‏ أمسك عليك زوجك ‏”‏ فما استطاع زيد إليها سبيلًا بعد ذلك اليوم فيأتي إلى رسول الله فيخبره فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏”‏ أمسك عليك زوجك ‏”‏ فيقول‏:‏ يا رسول الله أفارقها‏.‏

فيقول‏:‏ ‏”‏ أحبس عليك زوجك ‏”‏ ففارقها زيد واعتزلها وحلت‏.‏

فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحدث مع عائشة أخذته غشية فسري عنه وهو يبتسم ويقول‏:‏ ‏”‏ من يذهب إلى زينب يبشرها أن الله عز وجل قد زوجنيها من السماء ‏”‏ وتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏”‏ وإذ يقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك وأتق الله‏.‏

القصة كلها قالت عائشة‏:‏ وأخذني ما قرب وما بعد لما يبلغنا من جمالها وأخرى هي أعظم الأمور وأشرفها ما صنع الله لها زوجها الله من السماء وقالت‏:‏ هي تفخر علينا بهذا قالت عائشة‏:‏ فخرجت سلمى خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم تشتد فحدثتها بذلك أعطتها أوضاحًا عليها‏.‏

وفي أفراد مسلم من حديث ثابت عن أنس قال‏:‏ لما انقضت عدة زينب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيد اذهب فاذكرها علي فانطلق زيد حتى أتاها وهي تخمر عجينها قال‏:‏ فلما رأيتها عظمت في صدري حتى ما أستطيع أن أنظر إليها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرها فوليتها ظهري ونكصت على عقبي وقلت‏:‏ يا زينب أرسلني إليك رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرك قالت‏:‏ ما أنا بصانعة شيئًا حتى أوامر ربي فقامت إلى مسجدها ونزل القرآن وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخل عليها بلا إذن فلقد رأيتنا أطعمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبز واللحم حتى امتد النهار‏.‏

وفي سبب زينب نزلت آية الحجاب أخبرنا عبد الأول قال‏:‏ أخبرنا الداوودي قال‏:‏ أخبرنا ابن أعين قال‏:‏ أخبرنا الفربري قال‏:‏ أخبرنا البخاري قال‏:‏ أخبرنا يحيى بن بكير عن عقيل عن ابن شهاب قال‏:‏ أخبرني أنس بن مالك‏.‏

أنه كان ابن عشر سنين يخدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكن أمهاتي يواطئنني على خدمة رسول الله صلى الله عليه وسلم فخدمته عشر سنين فكنت أعلم الناس بشأن الحجاب حين أنزل وكان أول ما أنزل في مبتنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش أصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم بها عريسًا فدعا القوم فأصابوا من الطعام ثم خرجوا وبقي رهط منهم عند النبي صلى الله عليه وسلم فأطالوا المكث فقام النبي صلى الله عليه وسلم فخرج وخرجت معه لكي يخرجوا فمشى النبي صلى الله عليه وسلم ومشيت حتى جاء عتبة حجرة عائشة ثم ظن أنهم خرجوا فرجع ورجعت معه حتى إذا دخل على زينب إذا هم جلوس لم يقوموا فرجع النبي صلى الله عليه وسلم ورجعت معه فإذا هم قد خرجوا فضرب النبي صلى الله عليه وسلم بيني وبينه الستر وأنزل الحجاب”‏.‏