غزوة الخندق (الأحزاب)

غزوة الخندق (الأحزاب)

غزوة ‎ الأحزاب أو غزوة الخندق هي معركة وقعت في الخامس للهجرة بين المسلمين و ‎ قريش وأنصارها من غطفان وكنانة انتهت بنصر المسلمين.

تعود ‎ أسباب المعركة أن الرسول بعد أن أجلى بني النظير وهم قسم من يهود المدينة ‎ وساروا إلى خيبر أخذو على تغليب قريش وغطفان على حرب الرسول محمد بن عبد ‎ الله (صلى الله عليه وسلم) فخرج لذلك رئيسهم حيي ابن أخطب إلى قريش بمكة ‎ وعاهدهم على حرب النبي وقال لهم: إنه قد بقي من قومه سبعمائة نفر في ‎ المدينة وهم بنو قريضة وبينهم وبين محمد عهد وميثاق وأنه يحملهم على نقض ‎ العهد ليكونوا معهم، فسار معه أبو سفيان وغيره من رؤساء قريش في قبائل ‎ العرب حتى اجتمع على قتال النبي قدر عشرة آلاف مقاتل من قريش كنانة والأقرع ‎ بن حابس في قومه، وعباس بن مرداس في بني سليم، وغطفان.

وهكذا ‎ انطلق جيش قوامه عشرة آلاف مقاتل يقودهم أبو سفيان بن حرب وذلك في السنة ‎ الخامسة من الهجرة من شهر شوال.

لما علم ‎ الرسول بالأمر ، استشار أصحابه وقادته في الحرب وأشار الصحابة بالبقاء في ‎ المدينة، فأشار عليه سلمان الفارسي بحفر خندق في مشارف المدينة ، فاستحسن ‎ الرسول والصحابة رأيه ، وعملوا به . كما أن يهود بني قريظة مدوا لهم يد ‎ المساعدة من معاول ومكاتل بموجب العهد المكتوب بين الطرفين . واستطاع ‎ المسلمون إنهاء حفر الخندق بعد مدة دامت خمس عشر يوماً.

بدت ‎ طلائع جيوش المشركين مقبلة على المدينة من جهة جبل أحد ، ولكنهم فوجئوا ‎ بوجود الخندق فتفاجؤا به وقاموا إزاء المدينة شهرا.
‏‎

لم يجد المشركون سبيلا للدخول إلى المدينة ، وبقوا ينتظرون أياما وليالي ‎ يقابلون المسلمين من غير تحرك ، حتى جاء حيي بن أخطب الذي تسلل إلى بني ‎ قريظة ، وأقنعهم بفسخ الاتفاقية بين بني قريظة والمسلمين ، ولما علم الرسول ‎ عليه الصلاة والسلام بالأمر أرسل بعض أصحابه ليتأكد من صحة ما قيل ، فوجده ‎ صحيحا . وهكذا أحيط المسلمون بالمشركين من كل حدب وصوب ، إلا أن الرسول صلى ‎ الله عليه وسلم وأصحابه لم ييأسوا، لأنهم كانوا على يقين بأن عين الله ‎ ترعاهم . 

استطاع عكرمة بن أبي جهل وعمرو بن عبد ود العامري المعروف بفارس الجزيره ‎ أو فارس العرب فدعا أن يخرج له أحد من المسلمينيبارزه ولم يبرز له أحد ‎ إلا علي بن أبي طالب (امير المؤمنين). كان صغير السن إلا إن شجاعته لاتخفى ‎ على أحد وحين برز علي بن أبي طالب(ع) قال الرسول صلى الله عليه وآله. وقتل ‎ علي عمرو .. واستطاع عدد من المشركين عبور خندق المدينة واقتتلوا مع ‎ المسلمين ، فقُتل من قُتل ، وهرب من هرب ، وكان من جملة الهاربين عكرمة .
‏‎

بعد مقتل عمر بن عبد ود العامري بادر علي بن ابي طالب (ع) إلى سد الثغرة ‎ التي عبر منها عمرو بن ود العامري ورجاله ورابط

عندها مزمعا القضاء على كل ‎ من تسول له نفسه التسلل من المشركين، ولولا ذلك لاقتحم جيش المشركين ‎ المدينة على المسلمين بذلك العدد الهائل.
‏‎

وهكذا كانت بطولة علي بن ابي طالب (ع) في غزوة الأحزاب من أهم عناصر النصر ‎ للمعسكر الإسلامي وانهزام المشركين.
‏‎

ولما طال مقام قريش تفككت روابط جيش المشركين ، وانعدمت الثقة بين أطراف ‎ القبائل ، كما أرسل الله ريحا شديدة قلعت خيامهم ، وجرفت مؤنهم ، وأطفأت ‎ نيرانهم ، فرجعوا إلى مكة ورجعت غطفان إلى بواديها.

 وحين أشرق الصبح ، لم يجد المسلمون أحدا منهم .
‏‎

جاء في “المنتظم في تاريخ الملوك والأمم” ‎ لابن الجوزي:

‏” ‎ كانت في ذي القعدة وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أجلى بني ‎ النضير ساروا إلى خيبر فخرج نفر من أشرافهم ووجوههم إلى مكة فالتقوا قريشًا ‎ ودعوهم إلى الخروج واجتمعوا معهم على قتاله وواعدوهم لذلك موعدًا ثم خرجوا ‎ من عندهم فأتوا غطفان وسليم ففارقوهم على مثل ذلك وتجهزت قريش وجمعوا ‎ أحابيشهم ومن تبعهم من العرب فكانوا أربعة آلاف وعقدوا اللواء في دار ‎ الندوة وحمله عثمان بن طلحة بن أبي طلحة وقادوا معهم ثلاثمائة فرس وألف ‎ وخمسمائة بعير وخرجوا يقودهم أبو سفيان ووافتهم بنو سليم بمر الظهران وهم ‎ سبعمائة يقودهم سفيان بن عبد شمس وخرجت معهم بنو أسد يقودهم طلحة بن خويلد ‎ وخرجت فزارة وهم ألف يقودهم عقبة بن حصين وخرجت أشجع وهم أربعمائة يقودهم ‎ مسعود بن رخيلة وخرجت بنو مرة وهم أربعمائة يقودهم الحارث بن عوف‏.‏

‏‎ وروى الزهري أن الحارث رجع ببني مرة ت فلم يشهد الخندق منهم أحد والأول ‎ أثبت‏.‏

‏‎وكان جميع من وافوا الخندق ممن ذكر من القبائل عشرة آلاف وهم الأحزاب ‎ وكانوا ثلاثة عساكر والجملة بيد أبي سفيان فلما بلغ رسول الله صلى الله ‎ عليه وسلم فصولهم من مكة ندب الناس وأخبرهم خبرهم وشاورهم فأشار سلمان ‎ الفارسي بالخندق فأعجب ذلك المسلمين وعسكر بهم رسول الله صلى الله عليه ‎ وسلم إلى سفح سلع وجعل سلعًا خلف ظهره وكان المسلمون يومئذ ثلاثة آلاف ‎ واستخلف على المدينة عبد الله بن أم مكتوم‏.‏

ثم خندق على المدينة وجعل المسلمون يعملون مستعجلين يبادرون قدوم عدوهم ‎ وعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم بيده لينشطرا ففرغوا منه في ستة ‎ أيام‏.‏

أخبرنا عبد الرحمن بن محمد قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن علي بن ثابت قال‏:‏ ‎ أخبرنا أبو نعيم أحمد بن عبد الله قال‏:‏ حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن ‎ قال‏:‏ حدثنا إسحاق بن الحسن الحربي قال‏:‏ أخبرنا هوذة بن خليفة قال‏:‏ ‎ أخبرنا عوف عن ميمون قال‏:‏ حدثني البراء بن عازب قال‏:‏ لما كان حين أمرنا ‎ رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفر الخندق عرضت لنا في بعض الخندق صخرة ‎ عظيمة شديدة لا تأخذ فيها المعاول قال‏:‏ فشكينا ذلك إلى رسول الله صلى ‎ الله عليه وسلم فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رآها ألقى ثوبه ‎ وأخذ المعول وقال‏:‏ بسم الله ثم ضرب ضربة فكسر ثلثها وقال‏:‏ الله أكبر ‎ أعطيت مفاتيح الشام والله إني لأبصر قصورها الحمر الساعة ثم ضرب الثانية ‎ فقطع ثلثًا آخر فقال‏:‏ الله أكبر أعطيت مفاتيح فارس والله إني لأبصر قصر ‎ المدائن الأبيض ثم ضرب الثالثة وقال‏:‏ بسم الله فقطع بقية الحجر وقال‏:‏ ‎ الله أكبر قال علماء السير‏:‏ وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم ‎ الاثنين لثماني ليال مضين من ذي القعدة وكان لواء المهاجرين مع زيد بن ‎ حارثة ولواء الأنصار مع سعد بن عبادة ودس أبو سفيان بن حرب حيي بن أخطب إلى ‎ بني قريطة يسألهم أن ينقضوا العهد الذي بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه ‎ وسلم ويكونوا معهم عليه فامتنعوا ثم أجابوا وبلغ ذلك رسول الله قال‏:‏ ‎ حسبنا الله ونعم الوكيل وفشل الناس وعظم البلاء واشتد الخوف وخيف على ‎ الذراري والنساء وكانوا كما قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏إذ جاءوكم من فوقكم ومن ‎ أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر‏}‏‏.‏

وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عيينة بن حصن وإلى الحارث بن عوف ‎ وهما قائدا غطفان فأعطاهما ثلث ثمار المدينة على أن يرجعا بمن معهما عنه ‎ وكتبوا الكتاب ولم تقع الشهادة وإنما كانت مراوضة ومراجعة فبعث رسول الله ‎ صلى الله عليه وسلم إلى سعد بن معاذ وابن عبادة فأخبرهما بذلك فقالا‏:‏ هذا ‎ شيء تحبه أو شيء أمرك الله به قال‏:‏ لا بل أصنعه لأجلكم فإن العرب قد ‎ رمتكم عن قوس واحدة فقالا‏:‏ قد كنا نحن وهم على الشرك وهم لا يطمعون أن ‎ يأكلوا منها تمرة فحين أذن الله بالإسلام نفعل هذا ما لنا إلى هذا حاجة ‎ والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا قال‏:‏ فأنتم وذاك فتناول ‎ سعد الصحيفة التي كتبوها فمحاها وقال ليجهدوا علينا وأقام رسول الله صلى ‎ الله عليه وسلم والمسلمين وجاه العدو لا يزولون غير أنهم يعتقبون خندقهم ‎ ويحرسونه وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث سلمة بن أسلم في مائتي ‎ رجل وزيد بن حارثة في ثلاثمائة رجل يحرسون المدينة ويظهرون التكبير وكانوا ‎ يخافون على الذراري من بني قريظة وكان عباد بن بشر على حرس قبة رسول الله ‎ صلى الله عليه وسلم مع عشرة من الأنصار يحرسونه كل ليلة فكان المشركون ‎ يتناوبون بينهم فيغدو أبو سفيان يومًا ويغدو خالد بن الوليد يومًا ويغدو ‎ عمرو بن العاص يومًا ويغدو هبيرة بن أبي وهب يومًا ويغدو عكرمة بن أبي جهل ‎ يومًا ويغدو ضرار بن الخطاب يومًا فلا يزالون يجيلون خيلهم ويتفرقون مرة ‎ ويجتمعون أخرى ويناوشون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقدمون رماتهم ‎ فيرمون فرمى حبان بن العرقة سعد بن معاذ بسهم فأصاب أكحله فقال‏:‏ خذها ‎ وأنا ابن العرقة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏”‏ عرق الله وجهك ‎ في النار ‏”‏ ويقال‏:‏ الذي رماه أبو أسامة الجشمي‏.‏

‏‎أخبرنا محمد بن أبي طاهر البزاز قال‏:‏ أخبرنا أبو محمد الجوهري قال‏:‏ ‎ أخبرنا ابن حيوية قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن معروف قال‏:‏ أخبرنا ابن الفهم ‎ قال‏:‏ أخبرنا محمد بن سعد أخبرنا يزيد بن هارون‏.‏

‏‎وأخبرنا عاليا بن الحصين قال‏:‏ أخبرنا ابن المذهب قال‏:‏ أخبرنا ابن مالك ‎ قال‏:‏ حدثنا عبد الله بن أحمد قال‏:‏ حدثني أبي قال‏:‏ أخبرت يزيد بن ‎ هارون قال أخبرنا محمد بن عمرو بن علقمة عن أبيه عن جده عن عائشة قالت‏:‏ ‎ خرجت يوم الخندق أقفو آثار الناس فسمعت وئيد الأرض من ورائي – يعني حس ‎ الأرض – فالتفت فإذا أنا بسعد بن معاذ ومعه ابن أخيه الحارث بن أوس يحمل ‎ رمحه فجلست إلى الأرض فمر سعد وهو يرتجر ويقول‏:‏ لبث قليلًا يدرك الهيجا ‎ حمل ما أحسن الموت إذا حان الأجل‏.‏

‏‎قالت‏:‏ وعليه درع قد خرجت منه أطرافه فأنا أتخوف على أطراف سعد وكان سعد ‎ من أطول الناس وأعظمهم قالت‏:‏ فقمت فاقتحمت حديقة فإذا فيها نفر من ‎ المسلمين فيهم عمر بن الخطاب وفيهم رجل عليه تسبغة له – تعني المغفر – قالت ‎ فقال لي عمر‏:‏ ما جاء بك والله إنك لجريئة وما يؤمنك أن يكون تحوز أو بلاء ‎ قالت‏:‏ فما زال يلومني حتى تمنيت أن الأرض انشقت ساعتئذ فدخلت فيها ‎ قالت‏:‏ فرفع الرجل التسبغة عن وجهه فإذا طلحة بن عبيد الله فقال‏:‏ ويحك ‎ يا عمر إنك قد أكثرت منذ اليوم وأين التحوز وأين الفرار إلا إلى الله ‎ قالت‏:‏ ويرمي سعدًا رجل من المشركين من قريش يقال له ابن العرقة بسهم ‎ فقال‏:‏ خذها وأنا ابن العرقة فأصاب أكحله فدعا الله عز وجل سعد فقال‏:‏ ‎ اللهم لا تمتني حتى تشفيني من قريظ – وكانوا مواليه وحلفاءه في الجاهلية – ‎ قالت‏:‏ فرقأ كلمه وبعث الله تعالى الريح على المشركين ‏{‏وكفى الله ‎ المؤمنين القتال وكان الله قويًا عزيزًا‏}‏‏.‏

‏‎قال مؤلف الكتاب‏:‏ العرقة أم حبان بن عبد مناف بن منقد بن عمر وسميت ‎ العرقة لطيب ريحها‏.‏

‏‎قال علماء السير‏:‏ لما حام الأحزاب حول الخندق أيامًا أجمع رؤساؤهم أن ‎ يغدوا يومًا فغدوا جميعًا وطلبوا مضيقًا من الخندق يقحمون فيه خيلهم فلم ‎ يجدوا فقالوا‏:‏ إن هذه لمكيدة ما كانت العرب تصنعها فقيل لهم‏:‏ إن معه ‎ رجلًا فارسيًا فهو أشار عليه بذلك فصاروا إلى مكان ضيق فعبر عكرمة ونوفل ‎ وضرار وهبيرة وعمرو بن عبد ود فجعل عمرو يدعو إلى البراز وهو ابن تسعين سنة ‎ فقال علي رضي الله عنه‏:‏ أنا أبارزه فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم سيفه ‎ وعممه وقال‏:‏ ‏”‏ اللهم أعنه عليه ‏”‏ فضربه علي فقتله وولى أصحابه هاربين ‎ وحمل الزبير على نوفل فقتله‏.‏

أنبأنا الحسين بن محمد بن عبد الوهاب قال‏:‏ أخبرنا ابن المسلمة قال‏:‏ ‎ أخبرنا أبو طاهر المخلص قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن سلمان بن داوود قال‏:‏ ‎ أخبرنا الزبير بن بكار قال‏:‏ عمرو بن عبد ود وضرار بن الخطاب وعكرمة بن ‎ أبي جهل ونوفل بن عبد الله بن المغيرة هم الذين طفروا عمرو بن ود كان أول ‎ فارس جزع المزاد وكان فارس يليل قال مؤلف الكتاب‏:‏ المزاد موضع من الخندق ‎ فيه حفر ويليل واد قريب من بدر‏.‏

‏‎ولما جزع عمرو بن عبد المزاد دعى البراز وقال يرتجز‏:‏ ولقد بححت من النداء ‎ بجمعكم‏:‏ هل من مبارز ووقفت إذ جبن الشجا ع بموقف البطل المناجز إني كذلك ‎ لم أزل متسرعًا نحو الهزاهز إن الشجاعة والسم احة في الفتى خير الغرائز ‎ فبرز له علي بن أبي طالب رضي الله عنه ثم أجابه يقول‏:‏ لا تعجلن فقد أتا ك ‎ مجيب صوتك غير عاجز ذو نية وبصيرة والصدق منجي كل فائز إني لأرجو أن أقي م ‎ عليك نائحة الجنائز من ضربة فوهاء يب قى ذكرها عند الهزاهز ثم دعاه أن ‎ يبارزه فقال له علي‏:‏ يا عمرو إنك كنت عاهدت الله لقريش لا يدعوك رجل إلى ‎ رسوله وإلى الإسلام فقال‏:‏ لا حاجة لي بذلك قال‏:‏ فإني أدعوك إلى ‎ مبارزة‏.‏

‏‎قال‏:‏ يا ابن أخي والله ما أحب أن أقتلك فقال له علي‏:‏ لكني والله أنا ‎ أحب أن أقتلك فحمي عمرو واقتحم عن فرسه وعرقبه ثم أقبل فتناورا وتجاولا ‎ وثارت عليهما غبرة سترتهما عن المسلمين فلم يرع المسلمين إلا التكبير ‎ فعرفوا أن عليًا رضي الله عنه قتله فانجلت الغبرة وعلي على صدره يذبحه‏.‏

‏‎قال علماء السير‏:‏ لما قتل عمرو رثته أمه فقالت‏:‏ لو كان قاتل عمرو غير ‎ قاتله ما زلت أبكي عليه دائم الأبد لكن قاتله من لا يقال به من كان يدعى ‎ أبوه بيضة البلد ثم تواعدا أن يأتوا من الغد فباتوا يعبئون أصحابهم ونحوا ‎ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كتيبة غليظة فيها خالد بن الوليد ‎ فقاتلوهم يومهم ذلك إلى هوي من الليل ما يقدرون أن يزولوا عن مكانهم ولا ‎ صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ ظهرًا ولا عصرًا حتى كشفهم الله عز ‎ وجل فرجعوا منهزمين فلم يكن لهم بعد ذلك قتال – يعني انصرفوا – إلا أنهم لا ‎ يدعون الطلائع بالليل يطمعون في الغارة فمال النبي صلى الله عليه وسلم في ‎ ذلك اليوم الذي فاتته الصلاة فيه‏:‏ ‏”‏ شغلونا عن الصلاه الوسطى ‏”‏‏.‏

‏‎أخبرنا هبة الله بن محمد قال‏:‏ أخبرنا الحسن بن علي قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن ‎ جعفر قال‏:‏ حدثنا عبد الله بن أحمد قال‏:‏ حدثني أبي قال‏:‏ أخبرنا أبو ‎ معاوية قال‏:‏ أخبرنا الأعمش عن مسلم بن صبيح عن شتير بن شكل عن علي قال‏:‏ ‎ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب‏:‏ ‏”‏ شغلونا عن الصلاة ‎ الوسطى صلاة العصر ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارًا ‏”‏ ثم صلاها بين ‎ العشاءين المغرب والعشاء‏.‏

‏‎ أخرجاه في الصحيحين‏.‏

‏‎وحصر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بضع عشرة ليلة وقيل‏:‏ أربعا ‎ وعشرين ليلة حتى خلص إلى كل أمر منهم الكرب‏.‏

‏‎ودعى رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجد الأحزاب‏.‏

‏‎ويروى في مسجد الفتح‏”.‏

‏‎أخبرنا هبة الله بن محمد قال‏:‏ أخبرنا ابن المذهب قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن ‎ جعفر قال‏:‏ أخبرنا عبد الله بن أحمد قال‏:‏ حدثني أبي قال‏:‏ أخبرنا أبو ‎ عامر قال‏:‏ أخبرنا كثير بن زيد قال‏:‏ حدثني عبد الله بن عبد الرحمن بن ‎ كعب بن مالك قال‏:‏ حدنا جابر‏:‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا في مسجد ‎ الفتح ثلاثًا‏:‏ يوم الاثنين ويوم الثلاثاء ويوم الأربعاء فاستجيب له يوم ‎ الأربعاء بين الصلاتين فعرف البشر في وجهه‏.‏

‏‎قال جابر‏:‏ فلم ينزل بي أمر مهم غليظ إلا توخيت تلك الساعة فأدعو فيها ‎ فأعرف الإجابة‏.‏

‏‎قالوا‏:‏ وكان نعم بن مسعود الأشجعي قد أسلم وحسن إسلامه فمشى بين قريش ‎ وقريظة وغطفان فخذل بينهم‏.‏

‏‎فأنبأنا أبو بكر محمد بن عبد الباقي قال‏:‏ أخبرنا الجوهري قال‏:‏ أخبرنا ‎ ابن حيويه قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن معروف قال‏:‏ أخبرنا الحسن بن الفهم ‎ قال‏:‏ أخبرنا محمد بن سعد قال‏:‏ أخبرنا محمد بن عمر‏.‏

‏‎وبه قال أخبرنا عبد الله بن عاصم الأشجعي عن أبيه قال‏:‏ قال نعيم بن ‎ مسعود‏:‏ لما سارت الأحزاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سرت مع قومي ‎ وأنا على ديني فقذف الله في قلبي الإسلام فكتمت ذلك قومي وأخرج حتى آتي ‎ رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المغرب والعشاء فأجده يصلي فلما رآني جلس ‎ وقال‏:‏ ‏”‏ ما جاء بك يا نعيم ‏”‏ وكان بي عارفًا قلت‏:‏ إني جئت أصدقك ‎ وأشهد أن ما جئت به حق فمرني بما شئت قال‏:‏ أما استطت أن تخذل عنا الناس ‎ فخذل قلت‏:‏ أفعل ولكن يا رسول الله أقول قال‏:‏ ‏”‏ قل ما بدا لك فأنت في ‎ حل ‏”‏ قال‏:‏ فذهبت إلى قريظة فقلت‏:‏ اكتموا علي قالوا‏:‏ نفعل فقلت‏:‏ ‎ إن قريشًا وغطفان على الانصراف عن محمد صلى الله عليه وسلم إن أصابوا فرصة ‎ انتهزوها وإلا انصرفوا إلى بلادهم فلا تقاتلوا معهم حتى تأخذوا منهم رهناء ‎ قالوا‏:‏ أشرت علينا والنصح لنا ثم خرجت إلى أبي سفيان بن حرب فقلت قد جئتك ‎ بنصيحة فاكتم علي قال‏:‏ أفعل قلت‏:‏ تعلم أن قريظة قد ندموا على ما فعلوا ‎ فيما بينهم وبين محمد صلى الله عليه وسلم وأرادوا إصلاحه ومراجعته فأرسلوا ‎ إليه وأنا عندهم إنا سنأخذ من قريش وغطفان سبعين رجلًا من أشرافهم نسلمهم ‎ إليك تضرب أعناقهم ونكون معك على قريش وغطفان حتى نردهم عنك وترد حناحنا ‎ الذي كسرت إلى ديارهم – يعني بني النضير – فإن بعثوا إليكم يسألونكم رهنًا ‎ فلا تدفعوا إليهم أحدًا واحذروهم ثم أتى غطفان فقال لهم مثل ذلك وكان رجلًا ‎ منهم فصدقوه وأرسلت قريظة إلى قريش‏:‏ إنا والله ما نخرج فنقاتل محمدًا صلى ‎ الله عليه وسلم حتى تعطونا رهنًا منكم يكونون عندنا فإنا نتخوف أن تنكشفوا ‎ وتدعونا ومحمدًا فقال أبو سفيان‏:‏ صدق نعيم‏.‏

‏‎وأرسلوا إلى غطفان بمثل ما أرسلوا إلى قريش فقالوا لهم مثل ذلك وقالوا ‎ جميعًا‏:‏ إنا والله ما نعطيكم رهنًا ولكن أخرجوا فقاتلوا معنا‏.‏

‏‎فقالت اليهود‏:‏ نحلف بالتوراة أن الخبر الذي قال نعيم لحق وجعلت قريش ‎ وغطفان يقولون‏:‏ الخبر ما قال نعيم ويئس هؤلاء من نصر هؤلاء وهؤلاء من نصر ‎ هؤلاء‏.‏

‏‎واختلف أمرهم وتفرقوا في كل وجه وكان نعيم يقول‏:‏ أنا خذلت بين الأحزاب ‎ حتى تفرقوا في كل وجه وأنا أمين رسول الله صلى الله عليه وسلم على سره‏.‏

‏‎قال علماء السير‏:‏ فلما استوحش كل فريق من صاحبه اعتلت قريظة بالسبت ‎ فقالوا‏:‏ لا نقاتل وهبت ليلة السبت ريح شديدة فقال أبو سفيان‏:‏ يا معشر ‎ قريش إنكم والله لستم بدار مقام لقد هلك الخف والحافر وأجدب الجناب ‎ وأخلفتنا بنو قريظة ولقد لقينا من الريح ما ترون فارتحلوا فإني مرتحل فأصبح ‎ رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس بحضرته أحد من العساكر قد انقشعوا فبعث ‎ رسول الله صلى الله عليه وسلم حذيفة لينظر ما فعل القوم‏.‏

‏‎فروى مسلم في أفراده من حديث إبراهيم بن يزيد بن شريك التيمي عن أبيه ‎ قال‏:‏ كنا عند حذيفة فقال رجل‏:‏ لو أدركت رسول الله صلى الله عليه وسلم ‎ قاتلت معه وأبليت فقال حذيفة‏:‏ أنت كنت تفعل ذلك لقد رأيتنا مع رسول الله ‎ صلى الله عليه وسلم ليلة الأحزاب وأخذتنا ريح شديدة وقر فقال رسول الله صلى ‎ الله عليه وسلم ‏”‏ ألا رجل يأتينا نجبر القوم جعله الله معي يوم القيامة ‎ ‏”‏ فسكتنا فلم يجبه أحد ثم قال‏:‏ ‏”‏ ألا رجل يأتينا بخبر القوم جعله ‎ الله معي يوم القيامة ‏”‏ فسكتنا ولم يقم قائم فقال‏:‏ ‏”‏ قم يا حذيفة ‏”‏ ‎ فلم أجد بدًا إذ دعاني باسمي إلا أن أقوم قال‏:‏ ‏”‏ اذهب فأتني بخبر القوم ‎ ولا تذعرهم علي ‏”‏ فلما وليت من عنده جعلت كأنما أمشي في حمام حتى أتيتهم ‎ فرأيت أبا سفيان يصلي ظهره بالنار فوضعت سهمي في كبد القوس فأردت أن أرميه ‎ فذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏”‏ لا تذعرهم علي ‏”‏ فرجعت ‎ وأنا أمشي في مثل الحمام فلما أتيته أخبرته خبر القوم وفرعت وقررت فألبسني ‎ رسول الله صلى الله عليه وسلم من فضل عباءة كانت عليه يصلي فيها فلم أزل ‎ نائمًا حتى أصبحت قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏”‏ قم يا نومان ‏”‏‏.‏

‏‎وقد رواه ابن إسحاق عن يزيد بن زياد عن محمد بن كعب القرظي قال‏:‏ قال فتى ‎ من أهل الكوفة لحذيفة بن اليمان‏:‏ يا أبا عبد الله رأيتم رسول الله صلى ‎ الله عليه وسلم صحبتموه قال‏:‏ نعم يا ابن أخي قال‏:‏ كيف كنتم تصنعون ‎ قال‏:‏ والله لقد كنا نجهد فقال الفتى‏:‏ والله لو أدركناه ماتركناه يمشي ‎ على وجه الأرض ولحملناه على أعناقنا فقال حذيفة‏:‏ يا ابن أخي والله لقد ‎ رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخندق يصلي هويًا من الليل ثم ‎ التفت إلينا فقال‏:‏ ‏”‏ من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم ثم يرجع ‏”‏ ‎ وشرط له انه إذا رجع أدخله الله الجنة فما قام رجل ثم صلى رسول الله صلى ‎ الله عليه وسلم هويًا من الليل ثم التفت إلينا فقال مثل ذلك ثم قال‏:‏ ‏”‏ ‎ أسأل الله أن يكون رفيقي في الجنة ‏”‏‏.‏

‏‎فما قام أحد من شدة الخوف والجوع والبرد فلما لم يقم أحد دعاني رسول الله ‎ صلى الله عليه وسلم فلم يكن لي بد من القيام فقال‏:‏ ‏”‏ يا حذيفة اذهب ‎ فادخل في القوم فانظر ما يفعلون ‏”‏‏.‏

‏‎فذهبت فدخلت في القوم والريح وجنود الله تفعل بهم ما تفعل فلا تترك قدرًا ‎ ولا نارًا ولا بناء‏.‏

‏‎فقام أبو سفيان فقال‏:‏ يا معشر قريش لينظر امرؤ جليسه فأخذت بيد الرجل ‎ الذي كان إلى جنبي فقلت‏:‏ من أنت فقال‏:‏ أنا فلان بن فلان ثم قال أبو ‎ سفيان‏:‏ يا معشر قريش إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام لقد هلك الكراع ‎ والخف ولقينا من هذه الريح ما ترون فارتحلوا فإني مرتحل‏.‏

‏‎فرجعت فأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏

‏‎قال ابن إسحاق‏:‏ لم يقتل يوم الخندق من المسلمين إلا ستة نفر وقتل من ‎ المشركين ثلاثة‏”.‏
‏‎ جاء في “البداية والنهاية” ‎ لابن كثير:‏” ‎ وقد أنزل الله تعالى فيها صدر سورة الأحزاب فقال تعالى: {‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ‎ إِذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ ‎ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً * إِذْ جَاءُوكُمْ ‎ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ ‎ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * ‎ هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً * ‎ وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا ‎ وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً * وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ ‎ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا ‎ وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا ‎ عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَاراً * وَلَوْ ‎ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ ‎ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيراً * وَلَقَدْ كَانُوا ‎ عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ ‎ اللَّهِ مَسْئُولاً * قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ ‎ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلاً * ‎ قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ‎ سُوءاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ ‎ اللَّهِ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً * قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ ‎ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا ‎ يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلاً * أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ ‎ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ ‎ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ ‎ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ * أُولَئِكَ ‎ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى ‎ اللَّهِ يَسِيراً * يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ ‎ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ ‎ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا ‎ إِلَّا قَلِيلاً * لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ ‎ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ ‎ اللَّهَ كَثِيراً * وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا ‎ هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ‎ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً * مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ‎ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى ‎ نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً * ‎ لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ ‎ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ ‎ غَفُوراً رَحِيماً * وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ ‎ يَنَالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ ‎ اللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً * وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ ‎ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ ‎ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً * وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ ‎ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ ‎ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 9-27‏]‏‏.‏ ‏

‏‎وقد تكلمنا على كل من هذه الآيات الكريمات في التفسير، ولله الحمد والمنة، ‎ ولنذكر ها هنا ما يتعلق بالقصة إن شاء الله، وبه الثقة وعليه التكلان‏.‏

‏‎وقد كانت غزوة الخندق في شوال سنة خمس من الهجرة، نص على ذلك ابن إسحاق، ‎ وعروة بن الزبير، وقتادة والبيهقي، وغير واحد من العلماء سلفاً وخلفاً‏.‏

‏‎وقد روى موسى بن عقبة، عن الزهري أنه قال‏:‏ ثم كانت وقعة الأحزاب في شوال ‎ سنة أربع‏.‏

‏‎وكذلك قال الإمام مالك بن أنس، فيما رواه أحمد بن حنبل عن موسى بن داود ‎ عنه‏.‏

‏‎قال البيهقي‏:‏ ولا اختلاف بينهم في الحقيقة لأن مرادهم أن ذلك بعد مضي ‎ أربع سنين، وقبل استكمال خمس، ولا شك أن المشركين لما انصرفوا عن أحد، ‎ واعدوا المسلمين إلى بدر العام المقابل، فذهب النبي صلى الله عليه وسلم ‎ وأصحابه كما تقدم في شعبان سنة أربع، ورجع أبو سفيان بقريش لجدب ذلك العام، ‎ فلم يكونوا ليأتوا إلى المدينة بعد شهرين، فتعين أن الخندق في شوال من سنة ‎ خمس، والله أعلم‏.‏

‏‎وقد صرح الزهري بأن الخندق كانت بعد أحد بسنتين، ولا خلاف أن أُحداً في ‎ شوال سنة ثلاث إلا على قول من ذهب إلى أن أول التاريخ من محرم السنة ‎ الثانية لسنة الهجرة، ولم يعدوا الشهور الباقية من سنة الهجرة من ربيع ‎ الأول إلى آخرها، كما حكاه البيهقي‏.‏

‏‎وبه قال يعقوب بن سفيان الفسوي، وقد صرح بأن بدراً في الأولى، وأحداً في ‎ سنة ثنتين، وبدر الموعد في شعبان سنة ثلاث، والخندق في شوال سنة أربع، وهذا ‎ مخالف لقول الجمهور، فإن المشهور أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب جعل أول ‎ التاريخ من محرم سنة الهجرة، وعن مالك من ربيع الأول سنة الهجرة، فصارت ‎ الأقوال ثلاثة، والله أعلم‏.‏

‏‎والصحيح قول الجمهور أن أحداً في شوال سنة ثلاث، وأن الخندق في شوال سنة ‎ خمس من الهجرة، والله أعلم‏.‏

‏‎فأما الحديث المتفق عليه في الصحيحين من طريق عبيد الله، عن نافع، عن ابن ‎ عمر أنه قال‏:‏ عرضت على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد وأنا ابن ‎ أربع عشرة سنة، فلم يجزني، وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة ‎ فأجازني، فقد أجاب عنها جماعة من العلماء منهم البيهقي بأنه عرض يوم أحد في ‎ أول الرابعة عشرة، ويوم الأحزاب في أواخر الخامسة عشرة‏.‏

‏‎قلت‏:‏ ويحتمل أنه أراد أنه لما عرض عليه يوم الأحزاب كان قد استكمل خمس ‎ عشرة سنة التي يجاز لمثلها الغلمان، فلا يبقى على هذا زيادة عليها، ولهذا ‎ لما بلَّغ نافع عمر بن عبد العزيز هذا الحديث قال‏:‏

‏‎إن هذا الفرق بين الصغير والكبير، ثم كتب به إلى الآفاق، واعتمد على ذلك ‎ جمهور العلماء، والله أعلم‏.‏

‏‎وهذا سياق القصة مما ذكره ابن إسحاق وغيره‏.‏

‏‎قال ابن إسحاق‏:‏ ثم كانت غزوة الخندق في شوال سنة خمس، فحدثني يزيد بن ‎ رومان، عن عروة ومن لا أتهم، عن عبيد الله بن كعب بن مالك، ومحمد بن كعب ‎ القرظي، والزهري، وعاصم بن عمر بن قتادة، وعبد الله بن أبي بكر، وغيرهم من ‎ علمائنا، وبعضهم يحدث ما لا يحدث بعض قالوا‏:‏

‏‎إنه كان من حديث الخندق أن نفراً من اليهود منهم‏:‏ سلام بن أبي الحقيق ‎ النضري، وحيي بن أخطب النضري، وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق، وهوذة بن ‎ قيس الوائلي، وأبو عمار الوائلي، في نفر من بني النضير، ونفر من بني وائل، ‎ وهم الذين حزبوا الأحزاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم خرجوا حتى قدموا ‎ على قريش بمكة، فدعوهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا‏:‏ إنا ‎ سنكون معكم عليه حتى نستأصله‏.‏

‏‎فقالت لهم قريش‏:‏ يا معشر يهود إنكم أهل الكتاب الأول، والعلم بما أصبحنا ‎ نختلف فيه نحن ومحمد، أفديننا خير أم دينه‏.‏

‏‎قالوا‏:‏ بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق منه، فهم الذين أنزل الله ‎ فيهم‏:‏ ‏{‏أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ ‎ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ‎ هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً * أُولَئِكَ الَّذِينَ ‎ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ ‎ نَصِيراً‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 51 -52‏]‏

‏‎فلما قالوا ذلك لقريش سرهم، ونشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول الله صلى ‎ الله عليه وسلم، فاجتمعوا لذلك واتعدوا له، ثم خرج أولئك النفر من يهود حتى ‎ جاؤوا غطفان من قيس عيلان، فدعوهم إلى حرب النبي صلى الله عليه وسلم، ‎ وأخبروهم أنهم يكونون معهم عليه، وأن قريشاً قد تابعوهم على ذلك واجتمعوا ‎ معهم فيه‏.‏ ‏

‏‎فخرجت قريش وقائدها أبو سفيان، وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصن بن حذيفة ‎ بن بدر في بني فزارة، والحارث بن عوف بن أبي حارثة المري في بني مرة، ومسعر ‎ بن رخيلة بن نويرة بن طريف بن سحمة بن عبد الله بن هلال بن خلاوة بن أشجع ‎ بن ريث بن غطفان فيمن تابعه من قومه من أشجع‏.‏

‏‎فلما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أجمعوا له من الأمر، ضرب ‎ الخندق على المدينة‏.‏

‏‎قال ابن هشام‏:‏ يقال إن الذي أشار به سلمان‏.‏

‏‎قال الطبري، والسهيلي‏:‏ أول من حفر الخنادق منوشهر بن أيرج بن أفريدون، ‎ وكان في زمن موسى عليه السلام‏.‏

‏‎قال ابن إسحاق‏:‏ فعمل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ترغيباً للمسلمين ‎ في الأجر، وعمل معه المسلمون، وتخلف طائفة من المنافقين يعتذرون بالضعف، ‎ ومنهم من ينسل خفية بغير إذنه ولا علمه عليه الصلاة والسلام‏.‏

‏‎وقد أنزل الله تعالى في ذلك قوله تعالى‏:‏

‏‎{‏إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ‎ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى ‎ يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ ‎ يُؤْمِنُونَبِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ ‎ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ ‎ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ ‎ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ ‎ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذاً فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ ‎ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ‎ * أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا ‎ أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا ‎ عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ‏}‏ ‏[‏النور‏:‏ 62-64‏]‏‏.‏

قال ابن إسحاق‏:‏ فعمل المسلمون فيه حتى أحكموه، وارتجزوا فيه برجل من ‎ المسلمين يقال له جُعيل سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم عمراً، فقالوا ‎ فيما يقولون‏:‏

‏‎         سماه من بعد جُعَيلِ عمراً  *  وكان للبائس يوماً ظهرا

‏‎وكانوا إذا قالوا عمراً، قال معهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عمراً، ‎ وإذا قالوا ظهراً قال لهم ظهراً‏.‏

‏‎وقد قال البخاري‏:‏ حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا ‎ أبو إسحاق، عن حميد سمعت أنساً قال‏:‏ خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ‎ إلى الخندق فإذا المهاجرون والأنصار يحفرون في غداة باردة، ولم يكن لهم ‎ عبيد يعملون ذلك لهم، فلما رأى ما بهم من النصب والجوع قال‏:‏ ‏(‏‏(‏اللهم ‎ إن العيش عيش الآخرة فاغفر الأنصار والمهاجره‏)‏‏)‏ فقالوا مجيبين له‏:‏

‏‎         نحن الذين بايعوا محمداً  *  على الجهاد ما بقينا أبدا

‏‎وفي الصحيحين من حديث شعبة، عن معاوية بن قرة، عن أنس نحوه‏.‏

‏‎وقد رواه مسلم من حديث حماد بن سلمة، عن ثابت وحميد، عن أنس بنحوه‏.‏

‏‎وقال البخاري‏:‏ حدثنا أبو معمر، حدثنا عبد الوارث، عن عبد العزيز، عن أنس ‎ قال‏:‏ جعل المهاجرون والأنصار يحفرون الخندق حول المدينة، وينقلون التراب ‎ على متونهم ويقولون‏:‏

‏‎        نحن الذين بايعوا محمداً  *  على الإسلام ما بقينا أبدا

‏‎قال‏:‏ يقول النبي صلى الله عليه وسلم مجيباً لهم‏:‏ ‏(‏‏(‏اللهم إنه لا ‎ خير إلا خير الآخرة، فبارك في الأنصار والمهاجرة‏)‏‏)‏

‏‎قال‏:‏ يؤتون بملء كفي من الشعير فيصنع لهم بإهالة سنخة توضع بين يدي ‎ القوم، والقوم جياع، وهي بشعة في الحلق ولها ريح منتن‏.‏

‏‎وقال البخاري‏:‏ حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم، عن ‎ سهل بن سعد قال‏:‏ كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخندق وهم ‎ يحفرون، ونحن ننقل التراب على أكتادنا، فقال رسول الله صلى الله عليه ‎ وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة، فاغفر للمهاجرين ‎ والأنصار‏)‏‏)‏‏.‏

‏‎ورواه مسلم، عن القعنبي، عن عبد العزيز به‏.‏

‏‎وقال البخاري‏:‏ حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن ‎ البراء بن عازب قال‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينقل التراب يوم ‎ الخندق حتى أغمر بطنه، أو أغبر بطنه يقول‏:‏

‏‎        والله لولا الله ما اهتدين ا *  ولا تصدقنا ولا صلينا

‏‎

        فأنزلن سكينة علينا      *  وثبت الأقدام إن لاقينا

‏‎

        إن الألى قد بغوا علينا  *  إذا أرادوا فتنة أبينا

‏‎ورفع بها صوته‏:‏ أبينا أبينا‏.‏

‏‎ورواه مسلم من حديث شعبة به‏.‏

‏‎ثم قال البخاري‏:‏ حدثنا أحمد بن عثمان، حدثنا شريح بن مسلمة، حدثني ‎ إبراهيم بن يوسف، حدثني أبي، عن أبي إسحاق، عن البراء يحدث قال‏:‏ لما كان ‎ يوم الأحزاب وخندق رسول الله صلى الله عليه وسلم رأيته ينقل من تراب ‎ الخندق، حتى وارى عني التراب جلدة بطنه، وكان كثير الشعر، فسمعته يرتجز ‎ بكلمات عبد الله بن رواحة، وهو ينقل من التراب يقول‏:‏ ‏

‏‎      اللهم لولا أنت ما اهتدينا  *   ولا تصدقنا ولا صلينا

‏‎      فأنزلن سكينة علينا       *   وثبت الأقدام إن لاقينا

‏‎      إن الألى قد بغوا علينا    *   وإن أرادوا فتنة أبينا

‏‎ثم يمد صوته بآخرها‏.‏

‏‎وقال البيهقي في ‏(‏الدلائل‏)‏‏:‏ أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، أخبرنا ‎ أحمد بن عبيد الصفار، حدثنا إسماعيل بن الفضل البجلي، حدثنا إبراهيم بن ‎ يوسف البلخي، حدثنا المسيب بن شريك، عن زياد بن أبي زياد، عن أبي عثمان، عن ‎ سلمان‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب في الخندق وقال‏:‏

‏‎ بسم الله وبه هُدينا       *   ولو عبدنا غيره شقينا

‏‎ يا حبذا رباً وحبَّ دينا

‏‎وهذا حديث غريب من هذا الوجه‏.‏

‏‎وقال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا سليمان، حدثنا شعبة، عن معاوية ابن قرة، عن أنس ‎ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهم يحفرون الخندق‏:‏ ‏(‏‏(‏اللهم لا ‎ خير إلا خير الآخرة فأصلح الأنصار والمهاجرة‏)‏‏)‏‏.‏

‏‎وأخرجاه في الصحيحين من حديث غندر، عن شعبة‏.‏

‏‎قال ابن إسحاق‏:‏ وقد كان في حفر الخندق أحاديث بلغتني من الله فيها عبرة ‎ في تصديق رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحقيق نبوته، عاين ذلك المسلمون‏.‏

‏‎فمن ذلك أن جابر بن عبد الله كان يحدث‏:‏ أنه اشتدت عليهم في بعض الخندق ‎ كُدْيَة، فشكوها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعا بإناء من ماء، ‎ فتفل فيه ثم دعا بما شاء الله أن يدعو به، ثم نضح الماء على تلك الكدية‏.‏

‏‎فيقول من حضرها‏:‏ فوالذي بعثه بالحق نبياً، لانهالت حتى عادت كالكثيب، ما ‎ ترد فأساً ولا مسحاة‏.‏ هكذا ذكره ابن إسحاق منقطعاً عن جابر بن عبد الله ‎ رضي الله عنه‏.‏

‏‎وقد قال البخاري – رحمه الله -‏:‏ حدثنا خلاد بن يحيى، حدثنا عبد الواحد بن ‎ أيمن، عن أبيه قال‏:‏ أتيت جابراً فقال‏:‏ أنا يوم الخندق نحفر فعرضت ‎ كُدْيًة شديدة، فجاؤوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا‏:‏ هذه كدية عرضت ‎ في الخندق، فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏أنا نازل‏)‏‏)‏‏.‏

‏‎ثم قام وبطنه معصوب بحجر، ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقاً، فأخذ النبي ‎ صلى الله عليه وسلم المعول فضرب فعاد كثيباً أهيل، أو أهيم‏.‏ فقلت‏:‏ يا ‎ رسول الله ائذن لي إلى البيت‏.‏ فقلت لامرأتي‏:‏ رأيت النبي صلى الله عليه ‎ وسلم شيئاً ما كان في ذلك صبر، فعندك شيء‏؟‏

‏‎قالت‏:‏ عندي شعير وعناق، فذبحت العناق، وطحنت الشعير، حتى جعلنا اللحم في ‎ البرمة، ثم جئت النبي صلى الله عليه وسلم والعجين قد انكسر، والبرمة بين ‎ الأثافي قد كادت أن تنضج، فقلت‏:‏ طعيم لي، فقم أنت يا رسول الله ورجل أو ‎ رجلان، قال‏:‏ ‏(‏‏(‏كم هو ‏؟‏‏)‏‏)‏ فذكرت له، فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏كثير طيب، قل ‎ لها لا تنزع البرمة ولا الخبز من التنور حتى آتي‏)‏‏)‏‏.‏

‏‎فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏قوموا‏)‏‏)‏ فقام المهاجرون والأنصار، فلما دخل على امرأته ‎ قال‏:‏ ويحك، جاء النبي صلى الله عليه وسلم بالمهاجرين والأنصار ومن ‎ معهم‏.‏

‏‎قالت‏:‏ هل سألك‏؟‏ قلت‏:‏ نعم‏.‏

‏‎ فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏ادخلوا ولا تضاغطوا‏)‏‏)‏ فجعل يكسر الخبز، ويجعل عليه ‎ اللحم، ويخمر البرمة والتنور إذا أخذ منه، ويقرب إلى أصحابه، ثم ينزع فلم ‎ يزل يكسر الخبز، ويغرف حتى شبعوا، وبقي بقية‏.‏ قال‏:‏ كلي هذا وأهدي، فإن ‎ الناس أصابتهم مجاعة‏.‏ تفرد به البخاري‏.‏

‏‎وقد رواه الإمام أحمد عن وكيع، عن عبد الواحد بن أيمن، عن أبيه أيمن الحبشي ‎ مولى بني مخزوم، عن جابر بقصة الكدية، وربط الحجر على بطنه الكريم‏.‏

‏‎ورواه البيهقي في ‏(‏الدلائل‏)‏ عن الحاكم، عن الأصم، عن أحمد بن عبد ‎ الجبار، عن يونس بن بكير، عن عبد الواحد بن أيمن، عن أبيه، عن جابر قصة ‎ الكدية والطعام، وطوله أتم من رواية البخاري قال فيه‏:‏

‏‎لما علم النبي صلى الله عليه وسلم بمقدار الطعام، قال للمسلمين جميعاً‏:‏ ‎ ‏(‏‏(‏قوموا إلى جابر‏)‏‏)‏ فقاموا، قال‏:‏ فلقيت من الحياء ما لا يعلمه ‎ إلا الله، وقلت‏:‏ جاءنا بخلق على صاع من شعير وعناق، ودخلت على امرأتي ‎ أقول‏:‏ افتضحت جاءك رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخندق أجمعين‏.‏

‏‎فقالت‏:‏ هل كان سألك كم طعامك‏؟‏

‏‎قلت‏:‏ نعم‏.‏

‏‎فقالت‏:‏ الله ورسوله أعلم قد أخبرناه ما عندنا‏.‏

‏‎قال‏:‏ فكشفت عني غماً شديداً‏.‏

‏‎قال‏:‏ فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏خدمي ودعيني من ‎ اللحم‏)‏‏)‏ وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يثرد، ويغرف اللحم، ويخمر ‎ هذا، ويخمر هذا، فما زال يقرب إلى الناس حتى شبعوا أجمعين، ويعود التنور ‎ والقدر أملأ ما كانا‏.‏

‏‎ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏كلي وأهدي‏)‏‏)‏ فلم تزل ‎ تأكل وتهدي يومها‏.‏

‏‎وقد رواه كذلك أبو بكر بن أبي شيبة، عن عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن ‎ عبد الواحد بن أيمن، عن أبيه، عن جابر به، وأبسط أيضاً‏.‏

‏‎وقال في آخره‏:‏ وأخبرني أنهم كانوا ثمانمائة، أو قال ثلثمائة‏.‏

‏‎وقال يونس بن بكير‏:‏ عن هشام بن سعد، عن أبي الزبير، عن جابر فذكر القصة ‎ بطولها في الطعام فقط، وقال‏:‏ وكانوا ثلثمائة‏.‏

‏‎ثم قال البخاري‏:‏ حدثنا عمرو بن علي، حدثنا أبو عاصم، حدثنا حنظلة بن أبي ‎ سفيان، عن أبي الزبير، حدثنا ابن ميناء، سمعت جابر بن عبد الله قال‏:‏ لما ‎ حفر الخندق رأيت من النبي صلى الله عليه وسلم خمصاً، فانكفأت إلى امرأتي ‎ فقلت‏:‏ هل عندك شيء‏؟‏ فإني رأيت برسول الله صلى الله عليه وسلم خمصاً ‎ شديداً‏.‏

‏‎ فأخرجت لي جراباً فيه صاع من شعير، ولنا بهيمة داجن فذبحتها فطحنت، ففرغت ‎ إلى فراغي، وقطعتها في برمتها، ثم وليت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ‎ فقالت‏:‏ لا تفضحني برسول الله صلى الله عليه وسلم وبمن معه‏.‏

‏‎ فجئته فساررته، فقلت‏:‏ يا رسول الله ذبحت بهيمة لنا، وطحنت صاعاً من شعير ‎ كان عندنا، فتعال أنت ونفر معك، فصاح رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ ‎ ‏(‏‏(‏يا أهل الخندق إن جابراً قد صنع سؤراً فحيهلا بكم‏)‏‏)‏‏.‏

‏‎ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏لا تنزلن برمتكم، ولا تخبزن ‎ عجينكم حتى أجيء‏)‏‏)‏ فجئت، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم يقدم ‎ الناس، حتى جئت امرأتي فقالت‏:‏ بك وبك، فقلت‏:‏ قد فعلت الذي قلت، فأخرجت ‎ لنا عجيناً فبسق فيه وبارك، ثم عمد إلى برمتنا فبسق وبارك‏.‏

‏‎ ثم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏ادع خبازة فلتخبز معك، واقدحي من برمتك، ولا تنزلوها‏)‏‏)‏ ‎ وهم ألف، فأُقسم بالله لأكلوا حتى تركوه وانحرفوا، وإن برمتنا لتغط كما هي، ‎ وإن عجيننا كما هو‏.‏

‏‎ ورواه مسلم عن حجاج بن الشاعر، عن أبي عاصم به نحوه‏.‏

‏‎ وقد روى محمد بن إسحاق هذا الحديث، وفي سياقه غرابة من بعض الوجوه فقال‏:‏

‏‎ حدثني سعيد بن ميناء، عن جابر بن عبد الله قال‏:‏ عملنا مع رسول الله صلى ‎ الله عليه وسلم في الخندق، وكانت عندي شويهة غير جد سمينة قال‏:‏ فقلت ‎ والله لو صنعناها لرسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ وأمرت امرأتي، ‎ فطحنت لنا شيئاً من شعير، فصنعت لنا منه خبزاً، وذبحت تلك الشاة، فشويناها ‎ لرسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

‏‎ فلما أمسينا وأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم الانصراف عن الخندق، قال ‎ وكنا نعمل فيه نهاراً، فإذا أمسينا رجعنا إلى أهالينا فقلت‏:‏ يا رسول الله ‎ إني قد صنعت لك شويهة كانت عندنا، وصنعنا معها شيئاً من خبز هذا الشعير، ‎ فأنا أحب أن تنصرف معي إلى منزلي‏.‏

‏‎ قال‏:‏ وإنما أريد أن ينصرف معي رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده‏.‏

‏‎ قال‏:‏ فلما أن قلت ذلك، قال‏:‏ ‏(‏‏(‏نعم‏)‏‏)‏ ثم أمر صارخاً فصرخ، أن ‎ انصرفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت جابر بن عبد الله‏.‏

‏‎ قال‏:‏ قلت‏:‏ إنا لله وإنا إليه راجعون‏.‏

‏‎ قال‏:‏ فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأقبل الناس معه، فجلس ‎ وأخرجناها إليه، قال‏:‏ فبرك وسمى الله تعالى، ثم أكل، وتواردها الناس كلما ‎ فرغ قوم قاموا، وجاء ناس حتى صدر أهل الخندق عنها‏.‏

‏‎ والعجب أن الإمام أحمد إنما رواه من طريق سعيد بن ميناء، عن يعقوب بن ‎ إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن ابن إسحاق عنه، عن جابر مثله سواء‏.‏

‏‎ قال محمد بن إسحاق‏:‏ وحدثني سعيد بن ميناء أنه قد حدث أن ابنة لبشير بن ‎ سعد أخت النعمان بن بشير قالت‏:‏ دعتني أمي عمرة بنت رواحة، فأعطتني حفنة ‎ من تمر في ثوبي، ثم قالت‏:‏ أي بنية اذهبي إلى أبيك وخالك عبد الله بن ‎ رواحة بغدائهما‏.‏

‏‎ قالت‏:‏ فأخذتها وانطلقت بها فمررت برسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنا ‎ ألتمس أبي وخالي فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏تعالي يا بنية ما هذا معك‏؟‏‏)‏‏)‏

‏‎ قالت‏:‏ قلت يا رسول الله هذا تمر بعثتني به أمي إلى أبي بشير بن سعد، ‎ وخالي عبد الله بن رواحة يتغديانه‏.‏

‏‎ فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏هاتيه‏)‏‏)‏‏.‏

‏‎ قالت‏:‏ فصببته في كفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما ملأتهما‏.‏ ثم ‎ أمر بثوب فبسط له، ثم دحا بالتمر عليه فتبدد فوق الثوب‏.‏

‏‎ ثم قال لإنسان عنده‏:‏ ‏(‏‏(‏اصرخ في أهل الخندق أن هلم إلى الغداء‏)‏‏)‏ ‎ فاجتمع أهل الخندق عليه، فجعلوا يأكلون منه، وجعل يزيد حتى صدر أهل الخندق ‎ عنه، وإنه ليسقط من أطراف الثوب‏.‏

‏‎ هكذا رواه ابن إسحاق وفيه انقطاع‏.‏

‏‎ وهكذا رواه الحافظ البيهقي من طريقه، ولم يزد‏.‏

‏‎ قال ابن إسحاق‏:‏ وحدثت عن سلمان الفارسي أنه قال‏:‏ ضربت في ناحية من ‎ الخندق، فغلظت علي صخرة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قريب مني، فلما ‎ رآني أضرب، ورأى شدة المكان علي، نزل فأخذ المعول من يدي، فضرب به ضربة ‎ لمعت تحت المعول برقة، ثم ضرب به ضربة أخرى فلمعت تحته برقة أخرى‏.‏

‏‎ قال‏:‏ ثم ضرب به الثالثة فلمعت برقة أخرى، قال‏:‏ قلت بأبي أنت وأمي يا ‎ رسول الله، ما هذا الذي رأيت، لمع تحت المعول وأنت تضرب‏؟‏

‏‎ قال‏:‏ ‏(‏‏(‏أوقد رأيت ذلك يا سلمان ‏؟‏‏)‏‏)‏ قال‏:‏ قلت‏:‏ نعم‏.‏

‏‎ قال‏:‏ ‏(‏‏(‏أما الأولى فإن الله فتح علي باب اليمن، وأما الثانية فإن ‎ الله فتح علي باب الشام والمغرب، وأما الثالثة فإن الله فتح علي بها ‎ المشرق‏)‏‏)‏‏.‏

‏‎ قال البيهقي‏:‏ وهذا الذي ذكره ابن إسحاق قد ذكره موسى بن عقبة في ‎ ‏(‏مغازيه‏)‏‏.‏

‏‎ وذكره أبو الأسود عن عروة‏.‏

‏‎ ثم روى البيهقي من طريق محمد بن يونس الكديمي، وفي حديثه نظر‏.‏

‏‎ لكن رواه ابن جرير في ‏(‏تاريخه‏)‏ عن محمد بن بشار وبندار، كلاهما عن محمد ‎ بن خالد بن عثمة، عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني، عن أبيه، عن ‎ جده، فذكر حديثاً فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطَّ الخندق بين كل ‎ عشرة أربعين ذراعاً‏.‏

‏‎ قال‏:‏ واحتق المهاجرون والأنصار في سلمان، فقال رسول الله صلى الله عليه ‎ وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏سلمان منا أهل البيت‏)‏‏)‏‏.‏

‏‎ قال عمرو بن عوف‏:‏ فكنت أنا وسلمان، وحذيفة، والنعمان بن مقرن، وستة من ‎ الأنصار، في أربعين ذراعاً، فحفرنا حتى إذا بلغنا الندى، ظهرت لنا صخرة ‎ بيضاء مروة، فكسرت حديدنا، وشقت علينا‏.‏

‏‎ فذهب سلمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في قبة تركية، فأخبره ‎ عنها، فجاء فأخذ المعول من سلمان، فضرب الصخرة ضربة فصدعها، وبرقت منها ‎ برقة أضاءت ما بين لابتيها – يعني المدينة – حتى كأنها مصباح في جوف ليل ‎ مظلم، فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم تكبير فتح، وكبر المسلمون‏.‏

‏‎ ثم ضربها الثانية فكذلك، ثم الثالثة فكذلك، وذكر ذلك سلمان والمسلمون لرسول ‎ الله صلى الله عليه وسلم، وسألوه عن ذلك النور، فقال‏:‏

‏‎ ‏(‏‏(‏لقد أضاء لي من الأولى قصور الحيرة ومدائن كسرى، كأنها أنياب الكلاب، ‎ فأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها، ومن الثانية أضاءت القصور الحمر من أرض ‎ الروم، كأنها أنياب الكلاب، وأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها، ومن ‎ الثالثة أضاءت قصور صنعاء، كأنها أنياب الكلاب، وأخبرني جبريل أن أمتي ‎ ظاهرة عليها، فأبشروا‏)‏‏)‏ واستبشر المسلمون وقالوا‏:‏ الحمد لله موعود ‎ صادق‏.‏

‏‎ قال‏:‏ ولما طلعت الأحزاب قال المؤمنون‏:‏ هذا ما وعدنا الله ورسوله، وصدق ‎ الله ورسوله، وما زادهم إلا إيماناً وتسليماً، وقال المنافقون‏:‏ يخبركم ‎ أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة، ومدائن كسرى، وأنها تفتح لكم، وأنتم تحفرون ‎ الخندق لا تستطيعون أن تبرزوا، فنزل فيهم‏:‏ ‏{‏وَإِذْ يَقُولُ ‎ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ ‎ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 12‏]‏ وهذا حديث غريب‏.‏

‏‎ وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني‏:‏ حدثنا هارون بن ملول، حدثنا أبو عبد ‎ الرحمن، حدثنا عبد الرحمن بن زياد، عن عبد الله بن يزيد، عن عبد الله بن ‎ عمرو قال‏:‏ لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخندق، فخندق على ‎ المدينة قالوا‏:‏ يا رسول الله إنا وجدنا صفاة لا نستطيع حفرها‏.‏

‏‎ فقام النبي صلى الله عليه وسلم وقمنا معه، فلما أتاها أخذ المعول فضرب أخرى ‎ فكبر، فسمعت هدة لم أسمع مثلها قط، فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏فتحت فارس‏)‏‏)‏ ثم ضرب ‎ أخرى فكبر، فسمعت هدة لم أسمع مثلها قط، فقال ‏(‏‏(‏فتحت الروم‏)‏‏)‏ ثم ‎ ضرب أخرى فكبر‏.‏

‏‎ فسمعت هدة لم أسمع مثلها قط فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏جاء الله بحمير أعواناً ‎ وأنصاراً‏)‏‏)‏ وهذا أيضاً غريب من هذا الوجه، وعبد الرحمن بن زياد بن أنعم ‎ الإفريقي فيه ضعف، فالله أعلم‏.‏

‏‎ وقال الطبراني أيضاً‏:‏ حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثني سعيد بن ‎ محمد الجرمي، حدثنا أبو نميلة، حدثنا نعيم بن سعيد الغري أن عكرمة حدث عن ‎ ابن عباس قال‏:‏ احتفر رسول الله صلى الله عليه وسلم الخندق، وأصحابه قد ‎ شدوا الحجارة على بطونهم من الجوع‏.‏

‏‎ فلما رأى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏هل دللتم على رجل ‎ يطعمنا أكلة ‏؟‏‏)‏‏)‏

‏‎ قال رجل‏:‏ نعم‏.‏

‏‎ قال‏:‏ ‏(‏‏(‏أما لا، فتقدم فدلنا عليه‏)‏‏)‏ فانطلقوا إلى بيت الرجل فإذا ‎ هو في الخندق يعالج نصيبه منه، فأرسلت امرأته أن جئ، فإن رسول الله صلى ‎ الله عليه وسلم قد أتانا‏.‏

‏‎ فجاء الرجل يسعى وقال‏:‏ بأبي وأمي، وله معزة ومعها جديها، فوثب إليها فقال ‎ النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏الجدي من ورائها‏)‏‏)‏ فذبح الجدي، ‎ وعمدت المرأة إلى طحينة لها فعجنتها وخبزت، فأدركت القدر، فثردت قصعتها ‎ فقربتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه‏.‏

‏‎ فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم إصبعه فيها وقال‏:‏ ‏(‏‏(‏بسم الله ‎ اللهم بارك فيها أطعموا‏)‏‏)‏ فأكلوا منها حتى صدروا، ولم يأكلوا منها إلا ‎ ثلثها وبقي ثلثاها، فسرح أولئك العشرة الذين كانوا معه أن اذهبوا وسرحوا ‎ إلينا بعدتكم، فذهبوا فجاء أولئك العشرة، فأكلوا منها حتى شبعوا، ثم قام ‎ ودعا لربة البيت، وسمت عليها، وعلى أهل بيتها‏.‏

‏‎ ثم مشوا إلى الخندق فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏اذهبوا بنا إلى سلمان‏)‏‏)‏ وإذا صخرة ‎ بين يديه قد ضعف عنها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏دعوني ‎ فأكون أول من ضربها‏)‏‏)‏ فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏بسم الله‏)‏‏)‏ فضربها، فوقعت فلقة ‎ ثلثها، فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏الله أكبر قصور الشام ورب الكعبة‏)‏‏)‏‏.‏

‏‎ ثم ضرب أخرى فوقعت فلقة فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏الله أكبر قصور فارس ورب ‎ الكعبة‏)‏‏)‏ فقال عندها المنافقون‏:‏ نحن نخندق على أنفسنا، وهو يعدنا ‎ قصور فارس والروم‏.‏

‏‎ ثم قال الحافظ البيهقي‏:‏ أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، أخبرنا أحمد بن ‎ عبيد الصفار، حدثنا محمد بن غالب بن حرب، حدثنا هوذة، حدثنا عوف، عن ميمون ‎ بن أستاذ الزهري، حدثني البراء بن عازب الأنصاري قال‏:‏

‏‎ لما كان حين أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفر الخندق، عرض لنا في ‎ بعض الخندق صخرة عظيمة شديدة، لا تأخذ فيها المعاول، فشكوا ذلك إلى رسول ‎ الله صلى الله عليه وسلم، فلما رآها أخذ المعول وقال‏:‏ ‏(‏‏(‏بسم ‎ الله‏)‏‏)‏ وضرب ضربة فكسر ثلثها‏.‏

‏‎ وقال‏:‏ ‏(‏‏(‏الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمر ‎ إن شاء الله‏)‏‏)‏ ثم ضرب الثانية فقطع ثلثاً آخر، فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏الله أكبر ‎ أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر قصر المدائن الأبيض‏)‏‏)‏‏.‏

‏‎ ثم ضرب الثالثة فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏بسم الله‏)‏‏)‏ فقطع بقية الحجر، فقال‏:‏ ‎ ‏(‏‏(‏الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني ‎ الساعة‏)‏‏)‏ وهذا حديث غريب أيضاً، تفرد به ميمون بن أستاذ هذا، وهو بصري ‎ روى عن البراء، وعبد الله بن عمرو وعنه حميد الطويل، والجريري، وعوف ‎ الأعرابي‏.‏

‏‎ قال أبو حاتم، عن إسحاق بن منصور، عن ابن معين‏:‏ كان ثقة‏.‏

‏‎ وقال علي بن المديني‏:‏ كان يحيى بن سعيد القطان لا يحدث عنه‏.‏

‏‎ وقال النسائي‏:‏ حدثنا عيسى بن يونس، حدثنا ضمرة، عن أبي زرعة السيباني، عن ‎ أبي سكينة – رجل من البحرين – عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ‎ قال‏:‏ لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفر الخندق، عرضت لهم صخرة ‎ حالت بينهم وبين الحفر‏.‏

‏‎ فقام النبي صلى الله عليه وسلم وأخذ المعول، ووضع رداءه ناحية الخندق، ‎ وقال‏:‏ ‏{‏وتمت كلمات ربك صدقاً وعدلاً لا مبدل لكلماته وهو السميع ‎ العليم‏}‏ فندر ثلث الحجر وسلمان الفارسي قائم ينظر، فبرق مع ضربة رسول ‎ الله صلى الله عليه وسلم برقة‏.‏

‏‎ ثم ضرب الثانية وقال‏:‏ ‏{‏وتمت كلمات ربك صدقاً وعدلاً لا مبدل لكلمات ‎ الله وهو السميع العليم‏}‏ فندر الثلث الآخر وبرقت برقة، فرآها سلمان‏.‏

‏‎ ثم ضرب الثالثة وقال‏:‏ ‏{‏وتمت كلمات ربك صدقاً وعدلاً لا مبدل لكلماته ‎ وهو السميع العليم‏}‏ فندر الثلث الباقي‏.‏

‏‎ وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ رداءه وجلس، فقال سلمان‏:‏ يا رسول ‎ الله رأيتك حين ضربت لا تضرب إلا كانت معها برقة، قال رسول الله صلى الله ‎ عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏يا سلمان رأيت ذلك ‏؟‏‏)‏‏)‏ قال‏:‏ أي والذي بعثك ‎ بالحق يا رسول الله‏.‏

‏‎ قال‏:‏ ‏(‏‏(‏فإني حين ضربت الضربة الأولى رفعت لي مدائن كسرى وما حولها، ‎ ومدائن كثيرة حتى رأيتها بعيني‏)‏‏)‏‏.‏

‏‎ فقال له من حضره من أصحابه‏:‏ يا رسول الله ادع أن يفتحها علينا، ويغنمنا ‎ ذراريهم، ونخرب بأيدينا بلادهم‏.‏ فدعا بذلك‏.‏

‏‎ قال‏:‏ ‏(‏‏(‏ثم ضربت الثانية فرفعت لي مدائن قيصر وما حولها، حتى رأيتها ‎ بعيني‏)‏‏)‏ قالوا‏:‏ يا رسول الله ادع الله أن يفتحها علينا، ويغنمنا ‎ ذراريهم، ونخرب بأيدينا بلادهم، فدعا‏.‏

‏‎ ثم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏ثم ضربت الثالثة فرفعت لي مدائن الحبشة وما حولها من ‎ القرى، حتى رأيتها بعيني‏)‏‏)‏‏.‏ ‏

‏‎ ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏دعوا الحبشة ما ودعوكم، ‎ واتركوا الترك وما تركوكم هكذا‏)‏‏)‏ رواه النسائي مطولاً وإنما روى منه ‎ أبو داود ‏(‏‏(‏دعوا الحبشة ما ودعوكم، واتركوا الترك ما تركوكم‏)‏‏)‏ عن ‎ عيسى بن محمد الرملي، عن ضمرة بن ربيعة، عن أبي زرعة يحيى بن أبي عمرو ‎ السيباني به‏.‏

‏‎ ثم قال ابن إسحاق‏:‏ وحدثني من لا أتهم عن أبي هريرة أنه كان يقول، حين ‎ فتحت هذه الأمصار في زمان عمر، وزمان عثمان، وما بعده‏:‏ افتتحوا ما بدا ‎ لكم، فوالذي نفس أبي هريرة بيده ما افتتحتم من مدينة، ولا تفتحونها إلى يوم ‎ القيامة، إلا وقد أعطى الله محمداً صلى الله عليه وسلم مفاتيحها قبل ذلك‏.‏

‏‎ وهذا من هذا الوجه منقطع أيضاً، وقد وصل من غير وجه ولله الحمد‏.‏

‏‎ فقال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا حجاج، حدثنا ليث، حدثني عقيل بن خالد، عن ابن ‎ شهاب، عن سعيد بن المسيب، أن أبا هريرة قال‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله ‎ عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏‏(‏بعثت بجوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وبينا أنا نائم ‎ أتيت بمفاتيح خزائن الأرض فوضعت في يدي‏)‏‏)‏‏.‏

‏‎ وقد رواه البخاري منفرداً به عن يحيى بن بكير، وسعد بن عفير، كلاهما عن ‎ الليث به‏.‏ وعنده قال أبو هريرة‏:‏ فذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم ‎ وأنتم تنتثلونها‏.‏

‏‎ وقال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا يزيد، حدثنا محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي ‎ هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏نصرت بالرعب، ‎ وأوتيت جوامع الكلم، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، وبينا أنا نائم أتيت ‎ بمفاتيح خزائن الأرض فتلت في يدي‏)‏‏)‏ وهذا إسناد جيد قوي على شرط مسلم، ‎ ولم يخرجوه‏.‏

‏‎ وفي الصحيحين‏:‏ ‏(‏‏(‏إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، وإذا هلك كسرى فلا كسرى ‎ بعده، والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله‏)‏‏)‏‏.‏

‏‎ وفي الحديث الصحيح‏:‏ ‏(‏‏(‏إن الله زوى لي الأرض مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ‎ ملك أمتي ما زوى لي منها‏)‏‏)‏‏.‏

‏‎ فصل نزول قريش بمجتمع الأسيال يوم الخندق‏.‏

‏‎ قال ابن إسحاق‏:‏ ولما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخندق، أقبلت ‎ قريش حتى نزلت بمجتمع الأسيال من رومة، بين الجرف وزغابة، في عشرة آلاف من ‎ أحابيشهم ومن تبعهم من بني كنانة وأهل تهامة، وأقبلت غطفان ومن تبعهم من ‎ أهل نجد، حتى نزلوا بذنب نقمى، إلى جانب أحد‏.‏

‏‎ وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع، في ‎ ثلاثة آلاف من المسلمين، فضرب هنالك عسكره، والخندق بينه وبين القوم، وأمر ‎ بالذراري والنساء، فجعلوا فوق الأطام‏.‏

‏‎ قال ابن هشام‏:‏ واستعمل على المدينة عبد الله ابن أم مكتوم‏.‏

‏‎ قلت‏:‏ وهذا معنى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ ‎ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ ‎ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ ‎ 10‏]‏‏.‏ ‏

‏‎ قال البخاري‏:‏ حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا عبيد، عن هشام بن عروة، عن ‎ أبيه، عن عائشة في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ ‎ زاغت الأبصار‏}‏ قالت‏:‏ ذلك يوم الخندق‏.‏

‏‎ قال موسى بن عقبة‏:‏ ولما نزل الأحزاب حول المدينة أغلق بنو قريظة حصنهم ‎ دونهم‏.‏

‏‎ قال ابن إسحاق‏:‏ وخرج حيي بن أخطب النضري، حتى أتى كعب بن أسد القرظي صاحب ‎ عقدهم وعهدهم، فلما سمع به كعب أغلق باب حصنه دون حيي، فاستأذن عليه فأبى ‎ أن يفتح له، فناداه‏:‏ ويحك يا كعب افتح لي‏.‏

‏‎ قال‏:‏ ويحك يا حيي إنك امرؤ مشؤوم، وإني قد عاهدت محمداً فلست بناقض ما ‎ بيني وبينه، ولم أر منه إلا وفاء وصدقاً‏.‏

‏‎ قال‏:‏ ويحك افتح لي أكلمك‏.‏

‏‎ قال‏:‏ ما أنا بفاعل، قال‏:‏ والله إن أغلقت دوني إلا خوفاً على جشيشتك أن ‎ آكل معك منها، فاحفظ الرجل، ففتح له فقال‏:‏ ويحك يا كعب جئتك بعز الدهر ‎ وبحر طام‏.‏

‏‎ قال‏:‏ وما ذاك‏؟‏

‏‎ قال‏:‏ جئتك بقريش على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بمجتمع الأسيال من رومة ‎ وبغطفان، على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بذنب نقمى، إلى جانب أحد، وقد ‎ عاهدوني وعاقدوني على أن لا يبرحوا حتى نستأصل محمداً ومن معه‏.‏

‏‎ فقال كعب‏:‏ جئتني والله بذل الدهر وبجهام قد هراق ماؤه، يرعد ويبرق وليس ‎ فيه شيء، ويحك يا حيي ‏!‏ فدعني وما أنا عليه، فإني لم أر من محمد إلا ‎ وفاءً وصدقاً‏.‏

‏‎ وقد تكلم عمر بن سعد القرظي فأحسن فيما ذكره موسى بن عقبة‏:‏ ذكرهم ميثاق ‎ رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهده ومعاقدتهم إياه على نصره وقال‏:‏ إذا ‎ لم تنصروه فاتركوه وعدوه‏.‏

‏‎ قال ابن إسحاق‏:‏ فلم يزل حيي بكعب يفتله في الذروة والغارب، حتى سمع له – ‎ يعني في نقض عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي محاربته مع الأحزاب – ‎ على أن أعطاه حيي عهد الله وميثاقه لئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمداً ‎ أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك، فنقض كعب بن أسد العهد، وبرئ مما ‎ كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

‏‎ قال موسى بن عقبة‏:‏ وأمر كعب بن أسد بنو قريظة حيي بن أخطب أن يأخذ لهم من ‎ قريش وغطفان رهائن، تكون عندهم لئلا ينالهم ضيم إن هم رجعوا ولم يناجزوا ‎ محمداً، قالوا‏:‏ وتكون الرهائن تسعين رجلاً من أشرافهم، فنازلهم حيي على ‎ ذلك، فعند ذلك نقضوا العهد ومزقوا الصحيفة التي كان فيها العقد إلا بني ‎ سعنة أسد وأسيد وثعلبة، فإنهم خرجوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

‏‎ قال ابن إسحاق‏:‏ فلما انتهى الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى ‎ المسلمين، بعث سعد بن معاذ وهو يومئذ سيد الأوس، وسعد بن عبادة وهو يومئذ ‎ سيد الخزرج، ومعهما عبد الله بن رواحة، وخوات بن جبير‏.‏

‏‎ قال‏:‏ ‏(‏‏(‏انطلقوا حتى تأتوا هؤلاء القوم فتنظروا أحقٌ ما بلغنا عنهم، ‎ فإن كان حقاً فالحنوا لي لحنا أعرفه ولا تفتوا في أعضاد المسلمين، وإن ‎ كانوا على الوفاء فاجهروا به للناس‏)‏‏)‏‏.‏

‏‎ قال‏:‏ فخرجوا حتى أتوهم‏.‏

‏‎ قال موسى بن عقبة‏:‏ فدخلوا معهم حصنهم، فدعوهم إلى الموادعة وتجديد الحلف، ‎ فقالوا‏:‏ الآن وقد كسر جناحنا وأخرجهم يريدون بني النضير، ونالوا من رسول ‎ الله صلى الله عليه وسلم، فجعل سعد بن عبادة يشاتمهم، فأغضبوه فقال له سعد ‎ بن معاذ‏:‏ إنا والله ما جئنا لهذا، ولما بيننا أكبر من المشاتمة‏.‏

‏‎ ثم ناداهم سعد بن معاذ فقال‏:‏ إنكم قد علمتم الذي بيننا وبينكم يا بني ‎ قريظة، وأنا خائف عليكم مثل يوم بني النضير، أو أمر منه‏.‏

‏‎ فقالوا‏:‏ أكلت أير أبيك‏.‏

‏‎ فقال‏:‏ غير هذا من القول كان أجمل بكم وأحسن‏.‏

‏‎ وقال ابن إسحاق‏:‏ نالوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا‏:‏ من ‎ رسول الله‏؟‏ لا عهد بيننا وبين محمد‏.‏

‏‎ فشاتمهم سعد بن معاذ وشاتموه، وكان رجلاً فيه حدة فقال له سعد بن عبادة‏:‏ ‎ دع عنك مشاتمتهم لما بيننا وبينهم أربى من المشاتمة، ثم أقبل السعدان ومن ‎ معهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلموا عليه، ثم قالوا‏:‏ عضل ‎ والقارة أي‏:‏ كغدرهم بأصحاب الرجيع‏:‏ خبيب وأصحابه‏.‏

‏‎ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏الله أكبر أبشروا يا معشر ‎ المسلمين‏)‏‏)‏‏.‏

‏‎ قال موسى بن عقبة‏:‏ ثم تقنع رسول الله صلى الله عليه وسلم بثوبه حين جاءه ‎ الخبر عن بني قريظة، فاضطجع ومكث طويلاً، فاشتد على الناس البلاء والخوف ‎ حين رأوه اضطجع، وعرفوا أنه لم يأته عن بني قريظة خير، ثم إنه رفع رأسه ‎ وقال‏:‏ ‏(‏‏(‏أبشروا بفتح الله ونصره‏)‏‏)‏‏.‏

‏‎ فلما أن أصبحوا، دنا القوم بعضهم من بعض، وكان بينهم رمي بالنبل ‎ والحجارة‏.‏

‏‎ قال سعيد بن المسيب‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏اللهم ‎ إني أسألك عهدك ووعدك، اللهم إن تشأ لا تعبد‏)‏‏)‏‏.‏

‏‎ قال ابن إسحاق‏:‏ وعظم عند ذلك البلاء واشتد الخوف، وأتاهم عدوهم من فوقهم ‎ ومن أسفل منهم، حتى ظن المؤمنون كل ظن، ونجم النفاق حتى قال معتب بن قشير – ‎ أخو بني عمرو بن عوف -‏:‏ كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا ‎ لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط‏.‏

‏‎ وحتى قال أوس بن قيظي‏:‏ يا رسول الله إن بيوتنا عورة من العدو، وذلك عن ‎ ملأ من رجال قومه، فأذن لنا أن نرجع إلى دارنا فإنها خارج من المدينة‏.‏

‏‎ قلت‏:‏ هؤلاء وأمثالهم المرادون بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذْ يَقُولُ ‎ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ ‎ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً * وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا ‎ أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ ‎ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ ‎ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَاراً‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 12-13‏]‏‏.‏

‏‎ قال ابن إسحاق‏:‏ فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم مرابطاً، وأقام ‎ المشركون يحاصرونه بضعاً وعشرين ليلة قريبا من شهر، ولم يكن بينهم حرب إلا ‎ الرميا بالنبل، فلما اشتد على الناس البلاء، بعث رسول الله صلى الله عليه ‎ وسلم كما حدثني عاصم بن عمر بن قتادة، ومن لا أتهم عن الزهري إلى عيينة بن ‎ حصن، والحارث بن عوف المري وهما قائدا غطفان، وأعطاهما ثلث ثمار المدينة ‎ على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه‏.‏

‏‎ فجرى بينه وبينهم الصلح حتى كتبوا الكتاب، ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح ‎ إلا المراوضة، فلما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل ذلك، بعث ‎ إلى السعدين فذكر لهما ذلك واستشارهما فيه، فقالا‏:‏ يا رسول الله أمراً ‎ تحبه فنصنعه، أم شيئاً أمرك الله به ولا بد لنا من العمل به، أم شيئاً ‎ تصنعه لنا‏؟‏

‏‎ فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏بل شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا لأني رأيت العرب ‎ رمتكم عن قوس واحدة، وكالبوكم من كل جانب، فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم ‎ إلى أمر ما‏)‏‏)‏

‏‎ فقال له سعد بن معاذ‏:‏ يا رسول الله قد كنا وهؤلاء على الشرك بالله وعبادة ‎ الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة واحدة ‎ إلا قرى أو بيعاً، أفحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له وأعزنا بك وبه، ‎ نعطيهم أموالنا‏؟‏ ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى ‎ يحكم الله بيننا وبينهم‏.‏

‏‎ فقال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏أنت وذاك‏)‏‏)‏ فتناول سعد بن معاذ ‎ الصحيفة، فمحا ما فيها من الكتاب، ثم قال‏:‏ ليجهدوا عليها‏.‏

‏‎ قال‏:‏ فأقام النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه محاصرين، ولم يكن بينهم ‎ وبين عدوهم قتال، إلا أن فوارس من قريش – منهم عمرو بن عبد ود بن أبي قيس ‎ أحد بني عامر بن لؤي، وعكرمة بن أبي جهل، وهبيرة بن أبي وهر المخزوميان، ‎ وضرار بن الخطاب بن مرداس، أحد بني محارب بن فهر – تلبسوا للقتال‏.‏

‏‎ ثم خرجوا على خيلهم حتى مروا بمنازل بني كنانة فقالوا‏:‏ تهيئوا يا بني ‎ كنانة للحرب، فستعلمون من الفرسان اليوم، ثم أقبلوا تعنق بهم خيلهم حتى ‎ وقفوا على الخندق، فلما رأوه قالوا‏:‏ والله إن هذه لمكيدة ما كانت العرب ‎ تكيدها، ثم تيمموا مكاناً من الخندق ضيقاً فضربوا خيلهم، فاقتحمت منه فجالت ‎ بهم في السبخة بين الخندق وسلع‏.‏

‏‎ وخرج علي بن أبي طالب في نفر معه من المسلمين، حتى أخذوا عليه الثغرة التي ‎ أقحموا منها خيلهم، وأقبلت الفرسان تعنق نحوهم، وكان عمرو بن عبد ود قد ‎ قاتل يوم بدر حتى أثبتته الجراحة، فلم يشهد يوم أحد، فلما كان يوم الخندق ‎ خرج معلماً ليرى مكانه، فلما خرج هو وخيله قال‏:‏ من يبارز ‏؟‏

‏‎ فبرز له علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال له‏:‏ يا عمرو إنك كنت هاعدت ‎ الله لا يدعوك رجل من قريش إلى إحدى خلتين إلا أخذتها منه‏.‏

‏‎ قال‏:‏ أجل‏.‏

‏‎ قال له علي‏:‏ فإني أدعوك إلى الله وإلى رسوله وإلى الإسلام‏.‏

‏‎ قال‏:‏ لا حاجة لي بذلك‏.‏

‏‎ قال‏:‏ فإني أدعوك إلى النزال‏.‏ ‏

‏‎ قال له‏:‏ لمَ يا ابن أخي فوالله ما أحب أن أقتلك‏.‏

‏‎ قال له علي‏:‏ لكني والله أحب أن أقتلك، فحمى عمرو عند ذلك فاقتحم عن فرسه، ‎ فعقره وضرب وجهه، ثم أقبل على علي فتنازلا وتجاولا، فقتله علي رضي الله عنه ‎ وخرجت خيلهم منهزمة، حتى اقتحمت من الخندق هاربة‏.‏

‏‎ قال ابن إسحاق‏:‏ وقال علي بن أبي طالب في ذلك‏:‏

‏‎ نصر الحجارة من سفاهة رأيه * ونصرت رب محمد بصواب

‏‎ فصدرت حين تركته متجدلاً * كالجذع بين دكادك وروابي

‏‎ وعففت عن أثوابه ولو أنني * كنت المقطر بزَّنى أثوابي

‏‎ لا تحسبن الله خاذل دينه * ونبيه يا معشر الأحزاب

‏‎ قال ابن هشام‏:‏ وأكثر أهل العلم بالشعر يشك فيها لعلي‏.‏

‏‎ قال ابن هشام‏:‏ وألقى عكرمة رمحه يومئذ وهو منهزم عن عمرو، فقال في ذلك ‎ حسان بن ثابت‏:‏

‏‎ فر وألقى لنا رمحه * لعلك عكرم لم تفعل

‏‎ ووليت تعدو كعدو الظليـ * ـم ما إن يحور عن المعدل

‏‎ ولم تلو ظهرك مستأنساً * كأن قفاك قفا فرعل

‏‎ قال ابن هشام‏:‏ الفراعل صغار الضباع‏.‏

‏‎ وذكر الحافظ البيهقي في ‏(‏دلائل النبوة‏)‏‏:‏ عن ابن إسحاق في موضع آخر من ‎ السيرة قال‏:‏ خرج عمرو بن عبد ود وهو مقنع بالحديد، فنادى من يبارز ‏؟‏

‏‎ فقام علي بن أبي طالب فقال‏:‏ أنا لها يا نبي الله‏.‏

‏‎ فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏إنه عمرو اجلس‏)‏‏)‏‏.‏

‏‎ ثم نادى عمرو‏:‏ ألا رجل يبرز ‏؟‏

‏‎ فجعل يؤنبهم ويقول‏:‏ أين جنتكم التي تزعمون أنه من قتل منكم دخلها، أفلا ‎ تبرزون إلي رجلاً ‏؟‏

‏‎ فقام علي فقال‏:‏ أنا يا رسول الله ‏؟‏

‏‎ فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏اجلس‏)‏‏)‏‏.‏

‏‎ ثم نادى الثالثة فقال‏:‏

‏‎ ولقد بححت من النداء * لجمعهم هل من مبارز

‏‎ ووقفت إذ جبن المشجع * موقف القرن المناجز

‏‎ ولذاك إني لم أزل * متسرعاً قبل الهزاهز

‏‎ إن الشجاعة في الفتى * والجود من خير الغرائز

‏‎ قال‏:‏ فقام علي رضي الله عنه فقال‏:‏ يا رسول الله أنا‏.‏

‏‎ فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏إنه عمرو‏)‏‏)‏‏.‏

‏‎ فقال‏:‏ وإن كان عمراً‏.‏ فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فمشى إليه ‎ حتى أتى وهو يقول‏:‏

‏‎ لا تعجلن فقد أتاك * مجيب صوتك غير عاجز

‏‎ في نية وبصيرة * والصدق منجي كل فائز

‏‎ إني لأرجو أن أقي * م عليك نائحة الجنائز

‏‎ من ضربة نجلاء * يبقى ذكرها عند الهزاهز

‏‎ فقال له عمرو‏:‏ من أنت ‏؟‏

‏‎ قال‏:‏ أنا علي‏.‏

‏‎ قال‏:‏ ابن عبد مناف ‏؟‏

‏‎ قال‏:‏ أنا علي بن أبي طالب‏.‏

‏‎ فقال‏:‏ يا ابن أخي من أعمامك من هو أسن منك، فإني أكره أن أهريق دمك‏؟‏

‏‎ فقال له علي‏:‏ لكني والله لا أكره أن أهريق دمك، فغضب فنزل وسل سيفه كأنه ‎ شعلة نار، ثم أقبل نحو علي مغضباً واستقبله علي بدرقته، فضربه عمرو في ‎ درقته فقدها، وأثبت فيها السيف، وأصاب رأسه فشجه، وضربه علي على حبل عاتقه ‎ فسقط وثار العجاج، وسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم التكبير، فعرفنا أن ‎ علياً قد قتله، فثم يقول علي‏:‏

‏‎ أعلي تقتحم الفوارس هكذا * عني وعنهم أخروا أصحابي

‏‎ اليوم يمنعني الفرار حفيظتي * ومصمم في الرأس ليس بنابي

‏‎ إلى أن قال‏:‏

‏‎ عبد الحجارة من سفاهة رأيه * وعبدت رب محمد بصواب

‏‎ إلى آخرها‏.‏

‏‎ قال‏:‏ ثم أقبل علي نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجهه يتهلل فقال له ‎ عمر بن الخطاب‏:‏ هلا استلبته درعه، فإنه ليس للعرب درع خير منها‏؟‏ ‎ فقال‏:‏ ضربته فاتقاني بسوءته، فاستحييت ابن عمي أن أسلبه‏.‏

‏‎ قال‏:‏ وخرجت خيوله منهزمة حتى اقتحمت من الخندق‏.‏

‏‎ وذكر ابن إسحاق فيما حكاه، عن البيهقي‏:‏ أن علياً طعنه في ترقوته حتى ‎ أخرجها من مراقه، فمات في الخندق، وبعث المشركون إلى رسول الله صلى الله ‎ عليه وسلم يشترون جيفته بعشرة آلاف، فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏هو لكم لا نأكل ثمن ‎ الموتى‏)‏‏)‏‏.‏

‏‎ وقال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا نصر بن باب، حدثنا حجاج، عن الحكم، عن مقسم، عن ‎ ابن عباس أنه قال‏:‏ قتل المسلمون يوم الخندق رجلاً من المشركين، فأعطوا ‎ بجيفته مالاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏ادفعوا إليهم ‎ جيفته، فإنه خبيث الجيفة خبيث الدية‏)‏‏)‏ فلم يقبل منهم شيئاً‏.‏

‏‎ وقد رواه البيهقي من حديث حماد بن سلمة، عن حجاج وهو ابن أرطأة، عن الحكم، ‎ عن مقسم، عن ابن عباس‏:‏ أن رجلاً من المشركين قتل يوم الأحزاب، فبعثوا إلى ‎ رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ أن ابعث إلينا بجسده ونعطيهم اثني عشر ‎ ألفاً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏لا خير في جسده ولا في ‎ ثمنه‏)‏‏)‏‏.‏

‏‎ وقد رواه الترمذي، من حديث سفيان الثوري، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن ‎ مقسم، عن ابن عباس، وقال غريب‏.‏

‏‎ وقد ذكر موسى بن عقبة‏:‏ أن المشركين إنما بعثوا يطلبون جسد نوفل بن عبد ‎ الله المخزومي حين قتل، وعرضوا عليه الدية، فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏إنه خبيث خبيث ‎ الدية، فلعنه الله ولعن ديته، فلا أرب لنا في ديته، ولسنا نمنعكم أن ‎ تدفنوه‏)‏‏)‏‏.‏

‏‎ وذكر يونس بن بكير، عن ابن إسحاق قال‏:‏ وخرج نوفل بن عبد الله بن المغيرة ‎ المخزومي، فسأل المبارزة فخرج إليه الزبير بن العوام، فضربه فشقه باثنتين ‎ حتى فلَّ في سيفه فلاً، وانصرف وهو يقول‏:‏

‏‎ إني امرؤ أحمي وأحتمي * عن النبي المصطفى الأمي

‏‎ وقد ذكر ابن جرير‏:‏ أن نوفلاً لما تورط في الخندق رماه الناس بالحجارة، ‎ فجعل يقول قتلة أحسن من هذه يا معشر العرب، فنزل إليه علي فقتله وطلب ‎ المشركون رمته من رسول الله صلى الله عليه وسلم بالثمن، فأبى عليهم أن يأخذ ‎ منهم شيئاً، ومكنهم من أخذه إليهم‏.‏

‏‎ وهذا غريب من وجهين‏.‏

‏‎ وقد روى البيهقي‏:‏ من طريق حماد بن يزيد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن ‎ عبد الله بن الزبير قال‏:‏ جعلت يوم الخندق مع النساء والصبيان في الأطم، ‎ ومعي عمر بن أبي سلمة، فجعل يطأطئ لي، فأصعد على ظهره فأنظر إليهم كيف ‎ يقتتلون، وأطأطئ له فيصعد فوق ظهري فينظر‏.‏

‏‎ قال‏:‏ فنظرت إلى أبي وهو يحمل مرة ها هنا ومرة ها هنا، فما يرتفع له شيء ‎ إلا أتاه، فلما أمسى جاءنا إلى الأطم‏.‏

‏‎ قلت‏:‏ يا أبة رأيتك اليوم وما تصنع‏.‏

‏‎ قال‏:‏ ورأيتني يا بني ‏؟‏

‏‎ قلت‏:‏ نعم‏.‏

‏‎ قال‏:‏ فدى لك أبي وأمي‏.‏

‏‎ قال ابن إسحاق‏:‏ وحدثني أبو ليلى عبد الله بن سهل بن عبد الرحمن بن سهل ‎ الأنصاري، أخو بني حارثة‏:‏ أن عائشة أم المؤمنين كانت في حصن بني حارثة ‎ يوم الخندق، وكان من أحرز حصون المدينة‏.‏

‏‎ قال‏:‏ وكانت أم سعد بن معاذ معها في الحصن‏.‏

‏‎ قالت عائشة‏:‏ وذلك قبل أن يضرب علينا الحجاب‏.‏ قالت‏:‏ فمر سعد وعليه درع ‎ مقلصة قد خرجت منها ذراعه كلها، وفي يده حربته يرفل بها ويقول‏:‏

‏‎ لبّثْ قليلاً يشهد الهيجا جمَل * لا بأس بالموت إذا حان الأجل

‏‎ فقالت له أمه‏:‏ الحق بني فقد والله أخرت‏.‏

‏‎ قالت عائشة‏:‏ فقلت لها يا أم سعد، والله لوددت أن درع سعد كانت أسبغ مما ‎ هي‏.‏

‏‎ قالت‏:‏ وخفت عليه، حيث أصاب السهم منه، فرُمي سعد بن معاذ بسهم فقطع منه ‎ الأكحل‏.‏ ‏

‏‎ قال ابن إسحاق‏:‏ حدثني عاصم بن عمر بن قتادة قال‏:‏ رماه حيان بن قيس بن ‎ العرقة أحد بني عامر بن لؤي، فلما أصابه قال‏:‏ خذها مني وأنا ابن العرقة، ‎ فقال له سعد‏:‏ عرق الله وجهك في النار، اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش ‎ شيئاً فأبقني لها فإنه لا قوم أحب إلي أن أجاهد من قوم آذوا رسولك وكذبوه ‎ وأخرجوه، اللهم وإن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم فاجعلها لي شهادة، ولا ‎ تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة‏.‏

‏‎ قال ابن إسحاق‏:‏ وحدثني من لا أتهم عن عبد الله بن كعب بن مالك أنه كان ‎ يقول‏:‏ ما أصاب سعداً يومئذ إلا أبو أسامة الجشمي حليف بني مخزوم‏.‏

‏‎ وقد قال أبو أسامة في ذلك شعراً قاله لعكرمة بن أبي جهل‏:‏

‏‎ أعكرم هلاّ لمتني إذ تقول لي * فداك بآطام المدينة خالدَ

‏‎ ألست الذي ألزمت سعداً مريشة * لها بين أثناء المرافق عاند

‏‎ قضى نحبه منها سعيد فأعولت * عليه مع الشمط العذارى النواهد

‏‎ وأنت الذي دافعت عنه وقد دعا * عبيدة جمعاً منهم إذ يكابد

‏‎ على حين ما هم جائر عن طريقه * وآخر مرعوبٌ عن القصد قاصد

‏‎ قال ابن إسحاق‏:‏ والله أعلم أي ذلك كان‏.‏

‏‎ قال ابن هشام‏:‏ ويقال إن الذي رمى سعداً خفاجة بن عاصم بن حبان‏.‏

‏‎ قلت‏:‏ وقد استجاب الله دعوة وليه سعد بن معاذ في بني قريظة، أقر الله عينه ‎ فحكم فيهم بقدرته وتيسيره، وجعلهم هم الذين يطلبون ذلك كما سيأتي بيانه، ‎ فحكم بقتل مقاتلتهم وسبي ذراريهم، حتى قال له رسول الله صلى الله عليه ‎ وسلم‏:‏ لقد حكمت فيهم بحكم الله فوق سبع أرقعة‏.‏

‏‎ قال ابن إسحاق‏:‏ وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه عباد ‎ قال‏:‏ كانت صفية بنت عبد المطلب في فارع، حصن حسان بن ثابت، قالت‏:‏ وكان ‎ حسان معنا فيه مع النساء والصبيان، فمر بنا رجل من يهود فجعل يطيف بالحصن، ‎ وقد حاربت بنو قريظة، وقطعت ما بينها وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم ‎ وليس بيننا وبينهم أحد يدفع عنا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون ‎ في نحور عدوهم، لا يستطيعون أن ينصرفوا عنهم إلينا إذ أتانا آت‏.‏

‏‎ فقلت‏:‏ يا حسان إن هذا اليهودي كما ترى يطيف بالحصن، وإني والله ما أمنه ‎ أن يدل على عورتنا من وراءنا من يهود، وقد شغل رسول الله صلى الله عليه ‎ وسلم وأصحابه فانزل إليه فاقتله‏.‏

‏‎ قال‏:‏ يغفر الله لك يا بنت عبد المطلب، والله لقد عرفت ما أنا بصاحب ‎ هذا‏.‏

‏‎ قالت‏:‏ فلما قال لي ذلك ولم أر عنده شيئاً احتجزت، ثم أخذت عموداً، ثم ‎ نزلت من الحصن إليه، فضربته بالعمود حتى قتلته، فلما فرغت منه رجعت إلى ‎ الحصن فقلت‏:‏ يا حسان انزل فاستلبه، فإنه لم يمنعني من سلبه إلا أنه ‎ رجل‏.‏

‏‎ قال‏:‏ مالي بسلبه حاجة يا ابنة عبد المطلب‏.‏

‏‎ قال موسى بن عقبة‏:‏ وأحاط المشركون بالمسلمين حتى جعلوهم في مثل الحصن من ‎ كتائبهم، فحاصروهم قريباً من عشرين ليلة، وأخذوا بكل ناحية حتى لا يدرى أتم ‎ أم لا‏.‏

‏‎ قال‏:‏ ووجهوا نحو منزل رسول الله صلى الله عليه وسلم كتيبة غليظة، ‎ فقاتلوهم يوماً إلى الليل، فلما حانت صلاة العصر دنت الكتيبة، فلم يقدر ‎ النبي صلى الله عليه وسلم ولا أحد من أصحابه الذين كانوا معه أن يصلوا ‎ الصلاة على نحو ما أرادوا، فانكفأت الكتيبة مع الليل، فزعموا أن رسول الله ‎ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏شغلونا عن صلاة العصر ملأ الله بطونهم ‎ وقلوبهم‏)‏‏)‏ وفي رواية ‏(‏‏(‏وقبورهم ناراً‏)‏‏)‏‏.‏

‏‎ فلما اشتد البلاء نافق ناس كثير، وتكلموا بكلام قبيح، فلما رأى رسول الله ‎ صلى الله عليه وسلم ما بالناس من البلاء والكرب، جعل يبشرهم ويقول‏:‏ ‎ ‏(‏‏(‏والذي نفسي بيده ليفرجن عنكم ما ترون من الشدة، وإني لأرجو أن أطوف ‎ بالبيت العتيق أمناً، وأن يدفع الله إلي مفاتيح الكعبة، وليهلكن الله كسرى ‎ وقيصر، ولتنفقن كنوزهما في سبيل الله‏)‏‏)‏‏.‏

‏‎ وقد قال البخاري‏:‏ حدثنا إسحاق، حدثنا روح، حدثنا هشام، عن محمد، عن ‎ عبيدة، عن علي، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يوم الخندق‏:‏ ‎ ‏(‏‏(‏ملأ الله عليهم بيوتهم وقبورهم ناراً كما شغلونا عن الصلاة الوسطى ‎ حتى غابت الشمس‏)‏‏)‏‏.‏

‏‎ وهكذا رواه بقية الجماعة إلا ابن ماجه من طرق، عن هشام بن حسان، عن محمد بن ‎ سيرين، عن عبيدة، عن علي به‏.‏

‏‎ ورواه مسلم والترمذي، من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي حسان ‎ الأعرج، عن عبيدة، عن علي به‏.‏ وقال الترمذي‏:‏ حسن صحيح‏.‏

‏‎ ثم قال البخاري‏:‏ حدثنا المكي بن إبراهيم، حدثنا هشام، عن يحيى، عن أبي ‎ سلمة، عن جابر بن عبد الله‏:‏ أن عمر بن الخطاب جاء يوم الخندق بعد ما غربت ‎ الشمس، فجعل يسب كفار قريش وقال‏:‏ يا رسول الله ما كدت أن أصلي حتى كادت ‎ الشمس أن تغرب‏.‏

‏‎ قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏والله ما صليتها‏)‏‏)‏ فنزلنا مع ‎ رسول الله صلى الله عليه وسلم بطحان، فتوضأ للصلاة وتوضأنا لها، فصلى العصر ‎ بعد ما غربت الشمس، ثم صلى بعدها المغرب‏.‏

‏‎ وقد رواه البخاري أيضاً، ومسلم، والترمذي، والنسائي من طرق، عن يحيى بن أبي ‎ كثير، عن أبي سلمة به‏.‏

‏‎ وقال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا عبد الصمد، حدثنا ثابت، حدثنا هلال، عن عكرمة، ‎ عن ابن عباس قال‏:‏ قاتل النبي صلى الله عليه وسلم عدواً، فلم يفرغ منهم ‎ حتى أخر العصر عن وقتها، فلما رأى ذلك قال‏:‏ ‏(‏‏(‏اللهم من حبسنا عن ‎ الصلاة الوسطى فاملأ بيوتهم ناراً، واملأ قبورهم ناراً‏)‏‏)‏ ونحو ذلك تفرد ‎ به أحمد، وهو من رواية هلال بن خباب العبدي الكوفي، وهو ثقة يصحح له ‎ الترمذي وغيره‏.‏

‏‎ وقد استدل طائفة من العلماء بهذه الأحاديث على كون الصلاة الوسطى هي صلاة ‎ العصر، كما هو منصوص عليه في هذه الأحاديث، وألزم القاضي الماوردي مذهب ‎ الشافعي بهذا لصحة الحديث‏.‏

‏‎ وقد حررنا ذلك نقلاً واستدلالاً عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏حَافِظُوا عَلَى ‎ الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ‏}‏ ‎ ‏[‏البقرة‏:‏ 238‏}‏

‏‎ وقد استدل طائفة بهذا الصنيع على جواز تأخير الصلاة لعذر القتال، كما هو ‎ مذهب مكحول والأوزاعي‏.‏

‏‎ وقد بوب البخاري ذلك، واستدل بهذا الحديث، وبقوله صلى الله عليه وسلم يوم ‎ أمرهم بالذهاب إلى بني قريظة – كما سيأتي – ‏(‏‏(‏لا يصلين أحد العصر إلا ‎ في بني قريظة‏)‏‏)‏ وكان من الناس من صلى العصر في الطريق، ومنهم من لم يصل ‎ إلا في بني قريظة بعد الغروب، ولم يعنف واحداً من الفريقين‏.‏

‏‎ واستدل بما ذكره عن الصحابة ومن معهم في حصار تستر، سنة عشرين في زمن عمر، ‎ حيث صلوا الصبح بعد طلوع الشمس لعذر القتال، واقتراب فتح الحصن‏.‏

‏‎ وقال آخرون من العلماء وهم الجمهور منهم الشافعي‏:‏ هذا الصنيع يوم الخندق ‎ منسوخ بشرعية صلاة الخوف بعد ذلك، فإنها لم تكن مشروعة إذ ذاك، فلهذا ‎ أخروها يومئذ، وهو مشكل‏.‏

‏‎ قال ابن إسحاق وجماعة‏:‏ ذهبوا إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاة ‎ الخوف بعسفان‏.‏

‏‎ وقد ذكرها ابن إسحاق – وهو إمام في المغازي – قبل الخندق، وكذلك ذات الرقاع ‎ ذكرها قبل الخندق، فالله أعلم‏.‏

‏‎ وأما الذين قالوا‏:‏ إن تأخير الصلاة يوم الخندق وقع نسياناً كما حكاه شراح ‎ مسلم عن بعض الناس، فهو مشكل إذ يبعد أن يقع هذا من جمع كبير مع شدة حرصهم ‎ على محافظة الصلاة، كيف وقد روي أنهم تركوا يومئذ الظهر والعصر والمغرب حتى ‎ صلوا الجميع في وقت العشاء، من رواية أبي هريرة وأبي سعيد‏.‏

‏‎ قال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا يزيد وحجاج قالا‏:‏ حدثنا ابن أبي ذئب، عن ‎ المقبري، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري عن أبيه قال‏:‏ حبسنا يوم ‎ الخندق حتى ذهب هَويٌ من الليل حتى كفينا، وذلك قوله‏:‏ ‏{‏وَكَفَى اللَّهُ ‎ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً‏}‏ ‎ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 25‏]‏‏.‏

‏‎ قال‏:‏ فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالاً فأمره، فأقام فصلى الظهر ‎ كما كان يصليها في وقتها، ثم أقام العصر فصلاها كذلك، ثم أقام المغرب ‎ فصلاها كذلك، ثم أقام العشاء فصلاها كذلك، وذلك قبل أن ينزل‏.‏

‏‎ قال حجاج في صلاة الخوف‏:‏ ‏{‏فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ ‎ رُكْبَاناً‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 239‏]‏‏.‏

‏‎ وقد رواه النسائي عن الفلاس، عن يحيى القطان، عن ابن أبي ذئب به‏.‏

‏‎ قال‏:‏ شغلنا المشركون يوم الخندق عن صلاة الظهر حتى غربت الشمس فذكره‏.‏ ‏

‏‎ وقال أحمد‏:‏ حدثنا هشيم، حدثنا أبو الزبير، عن نافع بن جبير، عن أبي عبيدة ‎ بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه‏:‏ أن المشركين شغلوا رسول الله صلى الله ‎ عليه وسلم يوم الخندق عن أربع صلوات، حتى ذهب من الليل ما شاء الله‏.‏

‏‎ قال‏:‏ فأمر بلالاً فأذن، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ثم أقام ‎ فصلى المغرب، ثم أقام فصلى العشاء‏.‏

‏‎ وقال الحافظ أبو بكر البزار‏:‏ حدثنا محمد بن معمر، حدثنا مؤمل – يعني ابن ‎ إسماعيل- حدثنا حماد – يعني ابن سلمة – عن عبد الكريم – يعني ابن أبي ‎ المخارق- عن مجاهد، عن جابر بن عبد الله‏:‏

‏‎ أن النبي صلى الله عليه وسلم شغل يوم الخندق عن صلاة الظهر والعصر والمغرب ‎ والعشاء، فأمر بلالاً فأذن وأقام فصلى الظهر، ثم أمره فأذن وأقام فصلى ‎ العصر، ثم أمره فأذن وأقام فصلى المغرب، ثم أمره فأذن وأقام فصلى العشاء، ‎ ثم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏ما على وجه الأرض قوم يذكرون الله في هذه الساعة ‎ غيركم‏)‏‏)‏‏.‏

‏‎ تفرد به البزار وقال‏:‏ لا نعرفه إلا من هذا الوجه‏.‏

‏‎ وقد رواه بعضهم، عن عبد الكريم، عن مجاهد، عن أبي عبيدة، عن عبد الله‏.‏

فصل في دعائه عليه السلام على الأحزاب

‏‎ قال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا أبو عامر، حدثنا الزبير – يعني ابن عبد الله – ‎ حدثنا ربيح بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه قال‏:‏ قلنا يوم الخندق‏:‏ يا رسول ‎ الله هل من شيء نقوله، فقد بلغت القلوب الحناجر ‏؟‏

‏‎ قال‏:‏ ‏(‏‏(‏نعم، اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا‏)‏‏)‏‏.‏

‏‎ قال‏:‏ فضرب الله وجوه أعدائه بالريح‏.‏

‏‎ وقد رواه ابن أبي حاتم في ‏(‏تفسيره‏)‏ عن أبيه، عن أبي عامر – وهو العقدي ‎ – عن الزبير بن عبد الله مولى عثمان بن عفان، عن ربيح بن عبد الرحمن بن أبي ‎ سعيد، عن أبيه عن أبي سعيد، فذكره وهذا هو الصواب‏.‏

‏‎ وقال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا حسين، عن ابن أبي ذئب، عن رجل من بني سلمة، عن ‎ جابر بن عبد الله‏:‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى مسجد الأحزاب فوضع ‎ رداءه، وقام ورفع يديه مداً يدعو عليهم ولم يصل‏.‏

‏‎ قال‏:‏ ثم جاء ودعا عليهم وصلى‏.‏

‏‎ وثبت في الصحيحين من حديث إسماعيل بن أبي خالد، عن عبد الله بن أبي أوفى ‎ قال‏:‏ دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأحزاب فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏اللهم ‎ منزل الكتاب، سريع الحساب، اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم‏)‏‏)‏ وفي ‎ الرواية‏:‏ ‏(‏‏(‏اللهم اهزمهم وانصرنا عليهم‏)‏‏)‏‏.‏

‏‎ وروى البخاري، عن قتيبة، عن الليث، عن سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي ‎ هريرة‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول‏:‏ ‏(‏‏(‏لا إله إلا ‎ الله وحده، أعز جنده، ونصر عبده، وغلب الأحزاب وحده، فلا شيء بعده‏)‏‏)‏‏.‏

‏‎ وقال ابن إسحاق‏:‏ وأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فيما وصف ‎ الله من الخوف والشدة، لتظاهر عدوهم عليهم، وإتيانهم إياهم من فوقهم ومن ‎ أسفل منهم‏.‏

‏‎ قال‏:‏ ثم إن نعيم بن مسعود بن عامر بن أنيف بن ثعلبة بن قنفذ بن هلال بن ‎ خلاوة بن أشجع بن ريث بن غطفان أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ ‎ يا رسول الله إني قد أسلمت وإن قومي لم يعلموا بإسلامي فمرني بما شئت‏.‏

‏‎ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏إنما أنت فينا رجل واحد فخذل ‎ عنا إن استطعت، فإن الحرب خدعة‏)‏‏)‏ فخرج نعيم بن مسعود حتى أتى بني ‎ قريظة، وكان لهم نديماً في الجاهلية فقال‏:‏ يا بني قريظة قد عرفتم ودي ‎ إياكم، وخاصة ما بيني وبينكم‏.‏

‏‎ قالوا‏:‏ صدقت لست عندنا بمتهم‏.‏

‏‎ فقال لهم‏:‏ إن قريشاً وغطفان ليسوا كأنتم، البلد بلدكم، فيه أموالكم ‎ وأبناؤكم ونساؤكم، لا تقدرون على أن تتحولوا منه إلى غيره، وإن قريشاً ‎ وغطفان قد جاؤوا لحرب محمد وأصحابه، وقد ظاهرتموهم عليه، وبلدهم ونساؤهم ‎ وأموالهم بغيره، فليسوا كأنتم فإن رأوا نهزة أصابوها‏.‏

‏‎ وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل ببلدكم، ولا طاقة ‎ لكم به إن خلا بكم، فلا تقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا منهم رهناً من ‎ أشرافهم، يكونون بأيديكم ثقة لكم على أن تقاتلوا معهم محمداً حتى ‎ تناجزوه‏.‏

‏‎ قالوا‏:‏ لقد أشرت بالرأي، ثم خرج حتى أتى قريشاً فقال لأبي سفيان بن حرب، ‎ ومن معه من رجال قريش‏:‏ قد عرفتم ودي لكم وفراقي محمداً، وإنه قد بلغني ‎ أمر قد رأيت علي حقاً أن أبلغكموه نصحاً لكم فاكتموا عني‏.‏

‏‎ قالوا‏:‏ نفعل‏.‏

‏‎ قال‏:‏ تعلموا أن معشر يهود قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم وبين محمد، ‎ وقد أرسلوا إليه أنا قد ندمنا على ما فعلنا، فهل يرضيك أن نأخذ لك من ‎ القبيلتين من قريش وغطفان رجالاً من أشرافهم فنعطيكهم، فتضرب أعناقهم ثم ‎ نكون معك على من بقي منهم حتى تستأصلهم؟‏

‏‎ فأرسل إليهم‏:‏ أن نعم، فإن بعثت إليكم يهود يلتمسون منكم رهناً من رجالكم ‎ فلا تدفعوا إليهم منكم رجلاً واحداً، ثم خرج حتى أتى غطفان فقال‏:‏ يا معشر ‎ غطفان إنكم أصلي وعشيرتي وأحب الناس إلي، ولا أراكم تتهموني‏.‏

‏‎ قالوا‏:‏ صدقت ما أنت عندنا بمتهم‏.‏

‏‎ قال‏:‏ فاكتموا عني‏.‏

‏‎ قالوا‏:‏ نفعل، ثم قال لهم ما قال لقريش، وحذرهم ما حذرهم‏.‏ ‏

‏‎ فلما كانت ليلة السبت من شوال سنة خمس، وكان من صنيع الله تعالى لرسوله صلى ‎ الله عليه وسلم أن أرسل أبو سفيان بن حرب ورؤوس غطفان، إلى بني قريظة‏:‏ ‎ عكرمة بن أبي جهل في نفر من قريش وغطفان‏.‏

‏‎ فقال لهم‏:‏ إنا لسنا بدار مقام، هلك الخف والحافر، فأعدوا للقتال حتى ‎ نناجز محمداً ونفرغ مما بيننا وبينه‏.‏

‏‎فأرسلوا إليهم‏:‏ إن اليوم يوم السبت، وهو يوم لا نعمل فيه شيئاً، وقد كان ‎ أحدث فيه بعضنا حدثاً، فأصابهم ما لم يخف عليكم، ولسنا مع ذلك بالذين نقاتل ‎ معكم محمداً حتى تعطونا رهناً من رجالكم، يكونون بأيدينا ثقة لنا، حتى ‎ نناجز محمداً، فإنا نخشى إن ضرستكم الحرب واشتد عليكم القتال أن تنشمروا ‎ إلى بلادكم وتتركونا، والرجل في بلادنا ولا طاقة لنا بذلك منه‏.‏

‏‎فلما رجعت إليهم الرسل بما قالت بنو قريظة، قالت قريش وغطفان‏:‏ والله إن ‎ الذي حدثكم نعيم بن مسعود لحق، فأرسلوا إلى بني قريظة‏:‏ إنا ولله لا ندفع ‎ إليكم رجلاً من رجالنا، فإن كنتم تريدون القتال فاخرجوا فقاتلوا‏.‏

‏‎فقالت بنو قريظة حين انتهت إليهم الرسل بهذا‏:‏ إن الذي ذكر لكم نعيم بن ‎ مسعود لحق، ما يريد القوم إلا أن تقاتلوا، فإن رأوا فرصة انتهزوها، وإن كان ‎ غير ذلك انشمروا إلى بلادهم، وخلوا بينكم وبين الرجل في بلدكم‏.‏

‏‎فأرسلوا إلى قريش وغطفان‏:‏ إنا والله ما نقاتل معكم حتى تعطونا رهناً، ‎ فأبوا عليهم، وخذل الله بينهم، وبعث الله الريح في ليلة شاتية شديدة البرد، ‎ فجعلت تكفأ قدورهم وتطرح آنيتهم‏.‏

‏‎وهذا الذي ذكره ابن إسحاق من قصة نعيم بن مسعود أحسن مما ذكره موسى بن ‎ عقبة‏.‏

‏‎ وقد أورده عنه البيهقي في ‏(‏الدلائل‏)‏ فإنه ذكر ما حاصله‏:‏ أن نعيم بن ‎ مسعود كان يذيع ما يسمعه من الحديث، فاتفق أنه مر برسول الله

صلى الله عليه ‎ وسلم ذات يوم عشاء، فأشار إليه أن تعال، فجاء فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏ما وراءك ‎ ‏؟‏‏)‏‏)‏‏.‏

‏‎فقال‏:‏ إنه قد بعثت قريش وغطفان إلى بني قريظة يطلبون منهم أن يخرجوا ‎ إليهم فيناجزوك، فقالت قريظة‏:‏ نعم، فأرسلوا إلينا بالرهن، وقد ذكر فيما ‎ تقدم‏:‏ أنهم إنما نقضوا العهد على يدي حيي بن أخطب، بشرط أن يأتيهم برهائن ‎ تكون عندهم توثقة‏.‏

‏‎ قال‏:‏ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏إني مسر إليك شيئاً ‎ فلا تذكره‏)‏‏)‏ قال‏:‏ ‏(‏‏(‏إنهم قد أرسلوا إلي يدعونني إلى الصلح، وأرد ‎ بني النضير إلى دورهم وأموالهم‏)‏‏)‏‏.‏

‏‎ فخرج نعيم بن مسعود عامداً إلى غطفان، وقال رسول الله صلى الله عليه ‎ وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏الحرب خدعة، وعسى أن يصنع الله لنا‏)‏‏)‏‏.‏ ‏

‏‎ فأتى نعيم غطفان وقريشاً فأعلمهم، فبادر القوم وأرسلوا إلى بني قريظة عكرمة ‎ وجماعة معه، واتفق ذلك ليلة السبت، يطلبون منهم أن يخرجوا للقتال معهم، ‎ فاعتلت اليهود بالسبت، ثم أيضاً طلبوا الرهن توثقة، فأوقع الله بينهم ‎ واختلفوا‏.‏

‏‎ قلت‏:‏ وقد يحتمل أن تكون قريظة لما يئسوا من انتظام أمرهم مع قريش وغطفان، ‎ بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يريدون منه الصلح على أن يرد بني ‎ النضير إلى المدينة، والله أعلم‏.‏

‏‎ قال ابن إسحاق‏:‏ فلما انتهى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما اختلف من ‎ أمرهم، وما فرق الله من جمعهم، دعا حذيفة بن اليمان فبعثه إليهم لينظر ما ‎ فعل القوم ليلاً‏.‏

‏‎ قال ابن إسحاق‏:‏ فحدثني يزيد بن زياد، عن محمد بن كعب القرظي قال‏:‏ قال ‎ رجل من أهل الكوفة لحذيفة بن اليمان‏:‏ يا أبا عبد الله أرأيتم رسول الله ‎ صلى الله عليه وسلم وصحبتموه ‏؟‏

‏‎ قال‏:‏ نعم يا ابن أخي‏.‏

‏‎ قال‏:‏ فكيف كنتم تصنعون ‏؟‏

‏‎ قال‏:‏ والله لقد كنا نجتهد‏.‏

‏‎ قال‏:‏ والله لو أدركناه ما تركناه يمشي على الأرض، ولحملناه على ‎ أعناقنا‏.‏

‏‎قال‏:‏ فقال حذيفة‏:‏ يا ابن أخي والله لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله ‎ عليه وسلم بالخندق، وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم هوياً من الليل، ثم ‎ التفت إلينا فقال‏:‏ من رجل يقول فينظر لنا ما فعل القوم، ثم يرجع – فشرط ‎ له رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجعة – أسأل الله أن يكون رفيقي في ‎ الجنة ‏؟‏

‏‎ فما قام رجل من شدة الخوف وشدة الجوع والبرد، فلما لم يقم أحد دعاني، فلم ‎ يكن لي بد من القيام حين دعاني، فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏يا حذيفة اذهب فادخل في ‎ القوم فانظر ماذا يفعلون، ولا تحدثن شيئاً حتى تأتينا‏)‏‏)‏‏.‏

‏‎ قال‏:‏ فذهبت فدخلت في القوم، والريح وجنود الله تفعل بهم ما تفعل، لا تقر ‎ لهم قدراً ولا ناراً ولا بناء، فقام أبو سفيان فقال‏:‏ يا معشر قريش لينظر ‎ امرؤ من جليسه ‏؟‏

‏‎قال حذيفة‏:‏ فأخذت بيد الرجل الذي كان إلى جنبي فقلت‏:‏ من أنت ‏؟‏

‏‎قال‏:‏ فلان ابن فلان، ثم قال أبو سفيان‏:‏ يا معشر قريش إنكم والله ما ‎ أصبحتم بدار مقام، لقد هلك الكراع والخف، وأخلفتنا بنو قريظة، وبلغنا عنهم ‎ الذي نكره، ولقينا من شدة الريح ما ترون، ما تطمئن لنا قدر، ولا تقوم لنا ‎ نار، ولا يستمسك لنا بناء، فارتحلوا فإني مرتحل‏.‏

‏‎ ثم قام إلى جمله وهو معقول، فجلس عليه ثم ضربه فوثب به على ثلاث، فما أطلق ‎ عقاله إلا وهو قائم، ولولا عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلي لا تحدث ‎ شيئاً حتى تأتيني لقتلته بسهم‏.‏

‏‎ قال حذيفة‏:‏ فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قائم يصلي في مرط ‎ لبعض نسائه مرحل، فلما رآني أدخلني إلى رجليه، وطرح علي طرف المرط، ثم ركع ‎ وسجد وإني لفيه، فلما سلم أخبرته الخبر، وسمعت غطفان بما فعلت قريش ‎ فانشمروا راجعين إلى بلادهم، وهذا منقطع من هذا الوجه‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 4/ ‎ 131‏)‏

‏‎ وقد روى هذا الحديث مسلم بن الحجاج في صحيحه‏:‏ من حديث الأعمش، عن إبراهيم ‎ بن يزيد التيمي، عن أبيه قال‏:‏ كنا عند حذيفة فقال له رجل‏:‏ لو أدركت ‎ رسول الله صلى الله عليه وسلم قاتلت معه وأبليت، فقال له حذيفة‏:‏ أنت كنت ‎ تفعل ذلك‏؟‏

‏‎ لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الأحزاب، في ليلة ذات ريح ‎ شديدة وقر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏ألا رجل يأتيني ‎ بخبر القوم، يكون معي يوم القيامة ‏؟‏‏)‏‏)‏ فسكتنا فلم يجبه منا أحد، ثم ‎ الثانية، ثم الثالثة مثله‏.‏

‏‎ثم قال‏:‏ ‏(‏‏(‏يا حذيفة قم فأتنا بخبر القوم‏)‏‏)‏ فلم أجد بداً إذ دعاني ‎ باسمي أن أقوم، فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏اذهب ائتني بخبر القوم، ولا تذعرهم ‎ عليَّ‏)‏‏)‏‏.‏

‏‎قال‏:‏ فمضيت، كأنما أمشي في حمام، حتى أتيتهم، فإذا أبو سفيان يصلي ظهره ‎ بالنار، فوضعت سهماً في كبد قوسي وأردت أن أرميه، ثم ذكرت قول رسول الله ‎ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏لا تذعرهم علي‏)‏‏)‏ ولو رميته لأصبته‏.‏

‏‎فرجعت كأنما أمشي في حمام، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأصابني ‎ برد حين رجعت وقررت، فأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وألبسني من فضل ‎ عباءة كانت عليه يصلي فيها، فلم أبرح نائماً حتى الصبح، فلما أن أصبحت قال ‎ رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏قم يا نومان‏)‏‏)‏‏.‏

‏‎وقد روى الحاكم والحافظ البيهقي في ‏(‏الدلائل‏)‏ هذا الحديث مبسوطاً من ‎ حديث عكرمة بن عمار، عن محمد بن عبد الله الدؤلي، عن عبد العزيز ابن أخي ‎ حذيفة، قال‏:‏ ذكر حذيفة مشاهدهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ‎ جلساؤه‏:‏ أما والله لو كنا شهدنا ذلك لكنا فعلنا وفعلنا‏.‏

‏‎فقال حذيفة‏:‏ لا تمنوا ذلك، لقد رأيتنا ليلة الأحزاب ونحن صافون قعود، ‎ وأبو سفيان ومن معه فوقنا، وقريظة اليهود أسفل منا، نخافهم على

ذرارينا، ‎ وما أتت علينا ليلة قط أشد ظلمة، ولا أشد ريحاً منها في أصوات ريحها، أمثال ‎ الصواعق وهي ظلمة، ما يرى أحدنا أصبعه‏.‏

‏‎فجعل المنافقون يستأذنون النبي صلى الله عليه وسلم ويقولون‏:‏ إن بيوتنا ‎ عورة وما هي بعورة، فما يستأذنه أحد منهم إلا أذن له، ويأذن لهم ويتسللون، ‎ ونحن ثلاثمائة ونحو ذلك إذا استقبلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً ‎ رجلاً‏.‏

‏‎حتى أتى عليَّ وما علي جنة من العدو ولا من البرد إلا مرط لامرأتي، ما ‎ يجاوز ركبتي، قال‏:‏ فأتاني وأنا جاث على ركبتي، فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏من هذا ‎ ‏؟‏‏)‏‏)‏ فقلت‏:‏ حذيفة، فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏حذيفة ‏!‏‏)‏‏)‏ فتقاصرت للأرض، ‎ فقلت‏:‏ بلى يا رسول الله كراهية أن أقوم، فقمت فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏إنه كائن في ‎ القوم خبر، فأتني بخبر القوم‏)‏‏)‏ قال‏:‏ وأنا من أشد الناس فزعاً، وأشدهم ‎ قراً‏.‏

‏‎قال‏:‏ فخرجت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏اللهم احفظه من ‎ بين يديه، ومن خلفه، وعن يمينه، وعن شماله، ومن فوقه، ومن تحته‏)‏‏)‏‏.‏

‏‎قال‏:‏ فوالله ما خلق الله فزعاً، ولا قراً في جوفي، إلا خرج من جوفي فما ‎ أجد فيه شيئاً‏.‏

‏‎قال‏:‏ فلما وليت، قال‏:‏ ‏(‏‏(‏يا حذيفة لا تحدثن في القوم شيئاً حتى ‎ تأتيني‏)‏‏)‏‏.‏ ‏

‏‎قال‏:‏ فخرجت حتى إذا دنوت من عسكر القوم، نظرت في ضوء نار لهم توقد، وإذا ‎ رجل أدهم ضخم، يقول بيديه على النار، ويمسح خاصرته، ويقول‏:‏ الرحيل ‎ الرحيل، ولم أكن أعرف أبا سفيان قبل ذلك‏.‏

‏‎فانتزعت سهماً من كنانتي أبيض الريش، فأضعه في كبد قوسي لأرميه به في ضوء ‎ النار، فذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏لا تحدثن فيهم ‎ شيئاً حتى تأتيني‏)‏‏)‏ فأمسكت، ورددت سهمي إلى كنانتي‏.‏

‏‎ثم إني شجعت نفسي حتى دخلت العسكر، فإذا أدنى الناس مني بنو عامر يقولون‏:‏ ‎ يا آل عامر الرحيل الرحيل، لا مقام لكم، وإذا الريح في عسكرهم ما تجاوز ‎ عسكرهم شبراً، فوالله إني لأسمع صوت الحجارة في رحالهم وفرشهم، الريح تضرب ‎ بها‏.‏

‏‎ثم إني خرجت نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما انتصفت بي الطريق أو ‎ نحو من ذلك، إذا أنا بنحو من عشرين فارساً أو نحو ذلك معتمين، فقالوا‏:‏ ‎ أخبر صاحبك أن الله قد كفاه‏.‏

‏‎قال‏:‏ فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مشتمل في شملة يصلي، ‎ فوالله ما عدا أن رجعت راجعني القر، وجعلت أقرقف، فأومأ إلي رسول الله صلى ‎ الله عليه وسلم بيده وهو يصلي، فدنوت منه فأسبل علي شملته، وكان رسول الله ‎ صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر صلى، فأخبرته خبر القوم، أخبرته أني ‎ تركتهم يرحلون‏.‏

‏‎قال‏:‏ وأنزل الله تعالى‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا ‎ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا ‎ عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا ‎ تَعْمَلُونَ بَصِيراً‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 9‏]‏ يعني الآيات كلها، إلى قوله‏:‏ ‎ ‏{‏وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا ‎ خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ ‎ قَوِيّاً عَزِيزاً‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 25‏]‏‏.‏

‏‎أي‏:‏ صرف الله عنهم عدوهم، بالريح التي أرسلها عليهم والجنود من الملائكة ‎ وغيرهم، التي بعثها الله إليهم، وكفى الله المؤمنين القتال أي‏:‏ لم ‎ يحتاجوا إلى منازلتهم ومبارزتهم، بل صرفهم القوي العزيز بحوله وقوته‏.‏

‏‎لهذا ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة قال‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه ‎ وسلم يقول‏:‏ ‏(‏‏(‏لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، ‎ وهزم الأحزاب وحده، فلا شيء بعده‏)‏‏)‏‏.‏

‏‎وفي قوله‏:‏ ‏{‏وكفى الله المؤمنين القتال‏}‏ إشارة إلى وضع الحرب بينهم ‎ وبينهم، وهكذا وقع ولم ترجع قريش بعدها إلى حرب المسلمين، كما قال محمد بن ‎ إسحاق رحمه الله‏.‏

‏‎فلما انصرف أهل الخندق عن الخندق قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ‎ بلغنا‏:‏ ‏(‏‏(‏لن تغزوكم قريش بعد عامكم، ولكنكم تغزونهم‏)‏‏)‏ قال‏:‏ فلم ‎ تغز قريش بعد ذلك، وكان يغزوهم بعد ذلك، حتى فتح الله عليه مكة، وهذا بلاغ ‎ من ابن إسحاق‏.‏

‏‎وقد قال الإمام أحمد‏:‏ حدثنا يحيى، عن سفيان، حدثني أبو إسحاق، سمعت ‎ سليمان بن صرد رضي الله عنه يقول‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‎ ‏(‏‏(‏الآن نغزوهم ولا يغزوننا‏)‏‏)‏‏.‏

‏‎وهكذا رواه البخاري من حديث إسرائيل، وسفيان الثوري، كلاهما عن أبي إسحاق ‎ السبيعي، عن سليمان بن صرد به‏.‏

‏‎قال ابن إسحاق‏:‏ واستشهد من المسلمين يوم الخندق ثلاثة من بني عبد الأشهل، ‎ وهم‏:‏ سعد بن معاذ – وستأتي وفاته مبسوطة – وأنس بن أوس بن عتيك بن عمرو، ‎ وعبد الله بن سهل، والطفيل بن النعمان، وثعلبة بن غنمة الجشميان السلميان، ‎ وكعب بن زيد النجاري، أصابه سهم غرب فقتله‏.‏

‏‎قال‏:‏ وقُتل من المشركين ثلاثة وهم‏:‏ منبه بن عثمان بن عبيد بن السباق بن ‎ عبد الدار، أصابه سهم فمات منه بمكة، ونوفل بن عبد الله بن المغيرة، اقتحم ‎ الخندق بفرسه فتورط فيه فقتل هناك، وطلبوا جسده بثمن كبير كما تقدم، وعمرو ‎ بن عبد ود العامري، قتله علي بن أبي طالب‏.‏

‏‎قال ابن هشام‏:‏ وحدثني الثقة أنه حدث عن الزهري أنه قال‏:‏ قتل علي يومئذ ‎ عمرو بن عبد ود، وابنه حسل بن عمرو‏.‏

‏‎قال ابن هشام‏:‏ ويقال عمرو بن عبد ود، ويقال عمرو بن عبد‏.”‏