منهج أنتروبولوجيا الدين

الفصل الأوّل
منهج أنتروبولوجيا الدين

يقتضي الوقوف على مسار المنهج الأنتروبولوجيّ معرفة موقعه في جملة مناهج العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة التي تبحث في الدين ، ثمّ العناصر التي يتألّف منها المنهج الأنتروبولوجيّ ، وهي علم الظاهرات أي الفينومينولوجيا وعلم التأويل أي الهرمينويطيقا ، والتساؤل الفلسفيّ ، ثمّ المبادئ التي تقوم عليها هذه المقاربة المنهجيّة .

1- علوم الدين الإنسانيّة والاجتماعيّة وتساؤلاتها

العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة التي قد تبحث في الدين هي : علم النفس ، وعلم الاجتماع ، وعلم التأريخ ، وعلم الألسنيّة ، والظواهريّة أي الفينومينولوجيا ، وعلم التأويل أي الهرمينويطيقا . وتسائل الفلسفة معطيات هذه العلوم جميعًا . وفي ما يأتي تحديد مقتضب لموضوعات هذه العلوم ومناهجها .

يقتطع علم النفس من الظاهرة الدينيّة وجهها الذاتيّ ، ويتناول بالتحليل والتعليل الاختبار الدينيّ كما يعيشه الناس كلٌّ بمفرده ، ويحدِّد هذا الاختبارَ الدينيّ بما هو مجموع بِنًى ذهنيّة ودوافع وأنماط سلوكيّة ومواقف وتصوّرات أحدثها في نفسيّة الفرد اعتقادُه بالله وانتماؤه إلى المجموعة الدينيّة . – من مناهجه : المنهج الاختباريّ ومنهج التحليل النفسيّ .

يقتطع علم الاجتماع من الظاهرة الدينيّة وجهها الموضوعيّ ، ويتناول بالتحليل والتعليل التصوّرات المشتركة والأنماط السلوكيّة الجماعيّة ونظام الفرائض والنظم التي تتميّز بها حياة المجموعة متى اعتقدت بالله . – من مناهجه : المنهج الاستفتائيّ والإحصائيّ .
يتّخذ علم التأريخ له موضوعًا نشأةَ دينٍ ما وارتقاءَه وانحطاطه وأشكال تحوّله وبقائه أو فنائه ، وذلك في إطار الحياة الجماعيّة وفي إطار التأريخ المقارن للأديان . – من مناهجه : سردٌ لتسلسل الحوادث ، وتعليلُها بربطها بالظروف التاريخيّة ، والمقارنةُ بين الأديان ، والتأثيرُ المتبادل لبعضها في بعض .

أمّا موضوع الألسنيّة ، أو ما كان يسمّى بالفيلولوجيا أو فقه اللغة ، فهو اللغة الدينيّة أو الكلام الدينيّ ، مفردات وتأكيدات وطرق تدليل ، علمًا أنّ اللغة الدينيّة وأدبيّاتها رمزيّة الطابع في الأساس . – من مناهجها المناهج المعهودة في التحليل اللغويّ والأدبيّ .

يقوم علم الظاهرات ( بحسب مدرسة هوسّرل Husserl ) بتحليل وصفيّ للذات الدينيّة وللموضوع الدينيّ الذي يقابلها ، أي للقصد الدينيّ وللمقصود الدينيّ . ويقوم نوع آخر من علم الظاهرات ( كما يعتمده تأريخ الأديان أو البحث في دينٍ ما ) بتحليل وصفيّ للأنظومة الدينيّة بجميع مقوّماتها العقائديّة والعباديّة والأخلاقيّة والمؤسّسيّة . – من مناهجها : الوصف والتحليل .

يقوم علم التأويل بالكشف عن معنى الرموز الدينيّة واللغة الدينيّة ، أي عن الباطن المستور والمتجلّي في الظاهر . – من مناهجه : وصف الرموز وفكّها ، وتفسير اللغة ، والكشف عن المعنى الأخلاقيّ أو المعنى الروحيّ انطلاقًا من التعبير بمعناه الظاهر .

تبحث الفلسفة عن الحقيقة والواقع في ما يتضمّنه الدين ، وذلك بمساءلة اختبار الإيمان هل هو اختبار حقيقيّ قائم بذاته أم هو وهم أو حالة مرَضيّة ، وبالسؤال عن حقيقة الله الذي بدونه لا وجود لما يسمّى دينًا ، هل هو كائن أم مجرّد تصوّر . فالحقيقة الفلسفيّة أنطولوجيّة الطابع . – تختلف مناهجها باختلاف النظريّات الفلسفيّة ، فمنها العقائديّة ، والنقديّة ، والجدليّة المادّيّة ، والمثاليّة ، والذاتيّة .

ومنهم من يقول بـ “ لاهوت ” الأديان ، بمعنى أنّ علم الإلهيّات ، متى قام على أساس الوحي ، يبحث هو أيضًا عن الحقيقة ، لكنّه يتميّز من الفلسفة بأنّه يبحث عن الحقيقة انطلاقًا من الإيمان الدينيّ . إذّاك كان لكلّ دين حقيقته الإيمانيّة ، وموقفه من غيره من الأديان . فحقيقة هذا العلم قيَميّة الطابع وخلاصيّة الهدف . – تختلف مناهجها باختلاف الأنظومات اللاهوتيّة القائمة على قراءات مغايرة لمعطيات التنزيل .

أمّا التساؤلات العلميّة والفلسفيّة واللاهوتيّة ، فهي عمليّات يقوم بها الفكر في شأن الدين . ويمكن تحديدها على النحو الآتي :
العمليّة الأولى تحديد الدين ، أي الظاهرة الدينيّة ، كموضوع للبحث ، وذلك باعتماد مناهج علم النفس وعلم الاجتماع وعلم التأريخ وعلم الظاهرات والألسنيّة .

الثانية وصف بِنى الدين وعمله باعتباره اختبارًا وأنظومة ، وذلك باعتماد المناهج المذكورة .

الثالثة تعليل الدين بربطه بالعلل الأحيائيّة والنفسيّة والاجتماعيّة والثقافيّة والتاريخيّة .

الرابعة تأويل الدين ، أي البحث عن معناه ، باللجوء إلى معيار ترابط الأنظومة الدينيّة الداخليّ ، وبردّ المعنى الدينيّ إلى منبعه أي الذات ، ويكون البحث باعتماد منهجَي علم الظاهرات وعلم التأويل .

الخامسة البحث عن حقيقة الدين الأنطولوجيّة ، باعتماد المنهج الفلسفيّ .

السادسة البحث عن حقيقة الدين الإيمانيّة القيَميّة والخلاصيّة ، باعتماد منهج علم الإلهيّات .

2- المنهج الأنتروبولوجيّ

يشمل هذا المنهج منهج علم الظاهرات ( الفينومينولوجيا ) ومنهج علم التأويل ( الهرمينويطيقا ) ومنهج الأنطولوجيا .

في ما خصّ علم الظاهرات ، لا ضرورة هنا لعرض تاريخيّ لمفهوم الظاهرة عند القدماء وعند كانط وهيغل ولما قد يعنيه علم الظاهرات . يكفي استيحاء مبادئ هذا العلم كما وضعها كلٌّ من هوسّرل وهايدغر . فأوّل علامات علم الظاهرات أنّه وصف وتحليل . وبما هو تحليل ، يهدف إلى إظهار العناصر التي تتألّف منها الظاهرة المقصودة . وبما هو وصف ، يهدف إلى إظهار الأشكال والمجالات التي تتجلّى فيها الظاهرة المقصودة . ثمّ يجدر بنا ذكر ما أثبته هوسّرل إذ قال بمشاهدة الذوات Wesenschau ، وبتوافق أو تقابل القصد العقليّ ( نويسيس noèsis ) والمقصود العقليّ ( نويما noèma ) ، وبالأنا الصوريّ والقَبْليّ Ego transcendantal المتميّز بإضفائه معنًى ، بل وجودًا أو مظهرًا ، على الأشياء . ويجدر بنا أيضًا ذكر ما قاله هايدغر محدّدًا الظاهرة بأنّها تجلّي الشيء ذاته وليس من خلال تصوّر يمثّله .

أمّا علم التأويل ، فغرضه محاولة إدراك معنى الشيء المقصود الذي تمّ وصفه وتحليله ، أي فهم الشيء المقصود . والفهم يستند إلى تعليل بالأسباب ويهدف إلى إدراك المقاصد والنوايا . ويعني ذلك أنّ علم التأويل يعتبر الظاهرة تعبيرًا عن معنًى . وأن يعني الشيء يفترض علاقة بين ظاهرٍ ما ومعنًى باطن . وغالبًا ما تكون الظاهرة تعبيرًا عن كثير من المعاني . فمهمّة التأويل كشف المحجوب أي محاولة إدراك المعنى الباطن من خلال المعنى الظاهر ، كما نرى ذلك في التحليل النفسيّ وفي فكّ الرموز . ويفترض ذلك أن تتحدّد الأشياء بأنّها رموز وبأنّ بينها تطابق وتقابل . فيكون موضوع التأويل إذّاك الكلام المنطوق والمكتوب والأفعال والحوادث والكائنات . هذا الانتقال من الظاهر إلى الباطن يحدّد التأويل بأنّه ردّ الشيء ( الظاهر ) إلى أوائله أي حقيقته ( الباطن ) . وفي علم الألسنيّة أنّ الكلمة تشير إلى المعنى ، وأنّ الكلمة ومعناها ، أي الدالّ signifiant والمدلول signifié المتلازمين ، تتكوّن من مجموعهما الإشارة signe التي تشير إلى الشيء ، أي المرجع référent . بذلك تكتمل المقاربة التأويليّة بالمقاربة الأنطولوجيّة .

هذه المقاربة الأنطولوجيّة تحاول تخطّي الذاتيّة إلى الواقع الذي قد يكون حقيقة ذاتيّة أو حقيقة موضوعيّة ، أو الشيء في ذاته أي في ما وراء الظاهر . والواقع أو الحقيقة لا يُراد بهما التصوّر ، بل الوجود أو الكيان . وهذا ما تعنيه الكلمة اليونانيّة أليتيا alètheia 2k–heia ، انكشاف الشيء في حقيقته أو ظهور الشيء ذاته .

متى اجتمعت هذه المقاربات الثلاث ، الظواهريّة والتأويليّة والأنطولوجيّة ، حصلت مقاربة يمكن تسميتها بالظواهريّة التأويليّة أو بالأنطولوجيا الظواهريّة .

ماذا يمكن أن تكون ظواهريّة تأويليّة ؟ على الظواهريّة ، كي يكون لها طابع التأويليّة ، أن تكون عمليّة وصف وتحليل ، وبالتالي أن يكون موضوعها واقعيّة الظاهرة ، أي المُعاش بما هو معطى . والظواهريّة ، لكونها وصفًا وتحليلاً ، تتميّز من عمليّة التعليل والاستنتاج ، وتكتفي بقول الأشياء كما تظهر أي كما تُعطي ذاتها . هذه الأشياء تعطي ذاتها لذات ( sujet ) في علاقة معرفة أو شعور أو فعل ، كما يقول علماء النفس . هي هذه المُعاشات المعنويّة أو القصديّة التي تقوم العمليّة الظواهريّة بوصفها وتحليلها . وهذا يعني أنّ عمليّة الوصف هذه تبدو هي أيضًا مُعاشًا معنويًّا أو قصديًّا تقابلها توافقيًّا المُعاشات المعنويّة القصديّة ، مُعاشات المعرفة والشعور والفعل . إذّاك صار القائم بالعمليّة الظواهريّة ، بفعل قيامه بالوصف والتحليل ، متضمَّنًا في وضع مركَّب هو الجميعة المعنويّة القصديّة ، بوصفه ذاتًا قاصدةً القطبَين اللذين هما عينُه كذات قاصدةٍ موضوعًا والموضوعُ المقصود لذاتٍ قاصدة .

تضمين الذات هذا يكفي لوضع الظواهريّة في نطاق التأويليّة . ويظهر ذلك بوضوح في ما يسمّى الدور التأويليّ ، ومثاله العلاقة بين الفهم والاعتقاد ، حيث يطلب غير المؤمن أن يفهم كي يؤمن ، في حين أنّه لا يفهم ما لم يؤمن . علاوةً على تضمين الذات هذه ، تعتبر الظواهريّة ، بما هي تأويليّة ، أنّ للواقع أو المعطى أو المُعاش أو الظاهرة معنًى . ولمّا لم يكن من واقع محض ، أي من دون معنى ، إلاّ كنتيجة لعمليّة تجريد عقليّ ، انتقلت الظواهريّة التأويليّة من التحليل الوصفيّ إلى التأويل الهادف إلى إدراك معنى الأشياء أو المُعاشات أو الاختبار والتعبير عنه . ويفيد قصد معنى الاختبار محاولة إدراك السبب أو الدافع أو القصد أو الأساس الذي يجعل الاختبار والأشياء معقولةً تمامًا ، لكونه يوجب الوجودَ الفعليّ للاختبار وما يتضمّنه ووجودَه بما هو هذا الاختبار بالذات ويبرّرهما . محاولة إدراك سبب الأشياء أو حقيقتها ( اللوغس ) يُدخل العمليّة التأويليّة في حقل الغائيّة . ذلك لأنّ تبرير وجود شيءٍ ما ، وجعله معقولاً ، يعني تبيين غايته والتعبير عنها . وفي ذلك عودةٌ إلى الذاتيّة ، لكون الغاية والمعقوليّة والتبرير والسبب والقصد ، كلِّ ذلك خاصًّا بالذات ، وبالتالي عودةٌ ، في الواقع ، بفعل تضمين الذات ، إلى كامل الحقيقة أو الاختبار في الوجهين الذاتيّ والموضوعيّ ، وذلك لكون الحقيقة أو الاختبار أمرًا ترابطيًّا في الأساس .

هذا الأساس الترابطيّ للاختبار وللحقيقة يجعل الأنطولوجيا ظواهريّة الطابع . فالترابطيّة والقصديّة وجميعة العاقل والمعقول التي بها تتحدّد حقيقة الظاهرة تؤدّي إلى تحديد أيّ حقيقة بأنّها ظاهريّة phénoménalité . كي تكون الأنطولوجيا ذات طابع ظواهريّ ، عليها أن تمتنع عن أن تكون ماورائيّة . ويتمّ تنافي الظواهريّة والماورائيّة في مسألة الشيء في ذاته أي في ما هو ما وراء الظاهرة أي فوقها . ويتمّ الانفصال بين ماورائيّة الكائن وأنطولوجيا الكينونة في مسألة الكينونة . هل يعني هذا أنّه يتوجّب على الأنطولوجيا الظواهريّة أن تردّ الكينونة ، كينونة الكائن ، أو الكائن ، إلى ظاهريّة صرف ؟ عند هذه النقطة تتّخذ الأنطولوجيا الظواهريّة شكلين . الشكل الأوّل ، إذ يردّ الكينونة إلى الظاهريّة ، والكائن إلى ظاهره ، يؤدّي إلى مثول الأشياء في الذاتيّة المكوِّنة وإلى نوع من المثاليّة الصوريّة والقَبْليّة ، القائلة بأنّ الكائن الحقيقيّ هو الكائن موضوع التفكُّر ، وبأنّ الكائن الحقيقيّ هو ما يظهر لذاتٍ كمقابل موضوعيّ . والشكل الثاني يجعل بالحريّ الذات يحكمها الموضوع أو ، بتعبير أدقّ ، الأشياء أو الكينونة . إذّاك تتحدّد الذات بموقف الانتظار والقبول والانفتاح على انكشاف الكينونة أو على عطائها . ويلتقي الطريقان في كون الأنطولوجيا الظواهريّة تثبت الظاهرة كعطاء الشيء ذاتَه ، وكبحث عن الكينونة من خلال الكائن أو في ما بعد الكائن . ومن وجه آخر ، إذا أنكرت الظواهريّةُ الماورائيّةَ ، فإنّ الأنطولوجيا تنكر الأنطو-تيولوجيا . فمن وجه ، ليس الشيء في ذاته وراء الظاهرة أي فوقها ، ومن وجه آخر ، ليس الكائن الأسمى المدعوّ الله منشأ الكائنات ولا هو الكينونة بمعنى كينونة الكائنات .

3- مبادئ المنهج الأنتروبولوجيّ

من مبادئ المقاربة الأنتروبولوجيّة ما خصّ الإنسان ، ومنها ما خصّ الدين .

في ما خصّ الإنسان ، المبدأ الأساس أنّ هذا الكائن ، كأيّ كائن آخر ، يمتنع عليه الخروج من عالمه كي يصير غير ما هو عليه . النتيجة الأنطولوجيّة لهذا المبدإ أنّ الإنسان يبقى إنسانًا أيًّا كانت اختباراته وتطلّعاته . والنتيجة المعرفيّة أنّ الكائن الإنسانيّ لا يدرك إلاّ ما كان في عالمه ومن عالمه . حتّى متى ادّعى الإنسان معرفة ما هو أدنى أو أعلى من عالمه ، فموضوع هذه المعرفة الحقيقيّ يجب تأويله بردّه إلى ما هو في عالم الإنسان . مثال على ذلك الأساطير ، فهي إذ تتخيّل كائنات وحوادث خارقة ، تكون في الواقع تعني غير ما تدّعي ، أي تكون تشير إلى اختبارات ذات طابع إنسانيّ صرف . لا بدّ هنا من بعض التفصيل في ما هي المعرفة وما يمكن أن يكون موضوعها . ومن قال معرفة قال طلب الحقيقة واليقين .

إذا انطلقنا من القول إنّ المعرفة هي نوع من العلاقات القائمة بين الإنسان وعالم الكائنات والحوادث ، وجب تحليل عمليّة المعرفة من وجهها الذاتيّ ، أي من جهة الإنسان القائم بهذه العمليّة ، ومن وجه موضوع المعرفة ، أي من جهة العالم أو الكون . هذان الوجهان تثبتهما فلسفة القصديّة التي قالت بها الفلسفة المدرسيّة اللاتينيّة الوسيطيّة والفلسفة الظواهريّة المعاصرة . فقد قال المدرسيّون إنّ المعرفة تقوم بوجود الشيء في الفكر ليس وجودًا حقيقيًّا بل وجودًا معنويًّا . وقال هوسّرل إنّ المعرفة نوع من أنواع القصديّة ، حيث قال بتوجّه طالب المعرفة نحو موضوعه ( نويسيس noèsis ) ، وبتوافق هذا القصد مع ما يواجهه من الشيء ( نويما noèma ) . وقالت الفلسفة المدرسيّة إنّ العالِم والمعلوم بالفعل – أي متى تمّت عمليّة المعرفة – هما واحد . وقال هوسّرل إنّ القصد والمقصود يتحدّد الواحد منهما بشكل الآخر . وقالت الفلسفة المدرسيّة أيضًا إنّ كلّ ما يُدرَك يُدرَك وفاقًا لما هو عليه المتلقّي quidquid recipitur ad modum recipientis recipitur . وليس بعيدًا من هذا القول قول نيتشه إنّ المدرَك يتحدّد بوجهة نظر المدرِك أو موقعه . ونجد الأمر نفسه في قول فويرباخ ، ومن بعده في قول فرويد ، بإسقاط ميزات الذات على الموضوع . وكذلك قال ماركس بالتعويض عن حالة الاستلاب . ومن قبلُ كان قول بروتاغوراس إنّ الإنسان هو مقياس كلّ شيء .

إذا كان الأمر على هذا النحو ، لا بدّ من السؤال هل يعرف الإنسان ما يوافقه وحسب ، أم يعرف الشيء في ذاته ، أي هل تقتصر معرفة الإنسان على ما يتوافق مع مقوّماته الذاتيّة وما يلبّي حاجاته ، أم تتجاوز ذاتيّةَ الإنسان إلى الأشياء كما هي في ذاتها . الكلّ يعلم أنّ حواسّ الإنسان تجعله يعرف من الأشياء ما يمكن الحواسّ إدراكه ، أي ما يلبّي حاجات الإنسان أو ما يفيده في التعامل مع الأشياء . وكذلك العقل ، فإنّه ، على ما يبدو ، لا يكترث لما يتميّز به شيءٌ ما بفرادته ، بل يتجاوز الخاصّ إلى العامّ ، أي إنّه يكوّن فكرةً أو مفهومًا عمّا هو مشترَك بين أشياء تتشابه في ما يسمّونه النوع الواحد . من هنا كان القول بأنّ الاختبار الشخصيّ لا يمكن أن يكون من مفاهيم العقل وبالتالي لا يمكن التعبير عنه بكلام منطقيّ ، بل هو موضوع إدراك حدسيّ . فالكلام استدلاليّ بذاته ويُبقي على مسافة تفصل العالِم عن المعلوم ، فيما الحدس – على ما قال برغسون مثلاً – يُلامس الشيء ذاته أو يتّحد به في خصوصيّته الفريدة . ومنهم مَن قال بحدسٍ عقليّ ، بمعنى أنّ العقل يدرك ذات الشيء من خلال ظاهره أو تجلّياته ، كما يدرك العقل المثلَّثَ الهندسيّ المثاليّ من خلال المثلّثات الحسّيّة المرسومة – على ما قال هوسّرل في ما خصّ مشاهدة ذات الأشياء – ، أو كما يدرك العقل العدلَ المثاليّ في الأفعال والأحكام العادلة – على ما قال شيلر Scheler في ما خصّ القيَم .

من هنا كان السؤال هل المعرفة تصوّر أو تفكّر . يكون التصوّر بأنّ طالب المعرفة لا يلامس الشيء ذاته ، بل يمتلك أو يختلق ما يمثّل الشيء ، أي صورةً عنه في الذهن تسمّى فكرةً أو مفهومًا . والصورة ، إجمالاً ، قد تكون إمّا إشارةً ، وبخاصّةٍ كلمةً ، أو رمزًا . والفرق بين الإشارة أو الكلمة والرمز يقوم بأنّ الإشارة يُصطلَح عليها في ثقافةٍ ما ، ولا يربط بينها وبين ما تشير إليه رباط طبيعيّ كالتشابه مثلاً . لذا أمكن التعبير عن الأمر نفسه بإشارات أو كلمات مختلفة ، في لغات مختلفة باختلاف الثقافات . أمّا الرمز فيبدو إلى حدٍّ ما شبيهًا في الطبع بما يرمز إليه . مثال على ذلك الميزان المتساوي الكفّتين ، فهو يرمز إلى المساواة التي يقتضيها العدل ، وذلك في أيٍّ من الثقافات . ومثال آخر رسم الشيء أو الشخص ، فالرسم يرمز إلى الشيء أو الشخص المرسوم لما بينه وبين الشيء أو الشخص من تشابه . وقد يرمز الشيء المصنوع إلى صانعه ، كما ترمز الثمرة إلى الشجرة . على هذا النحو كان التصوّر العقليّ للشيء المفهومَ الذي كوّنه العقل انطلاقًا من إدراكه ما به تتشابه الأشياء الفرديّة . فكانت المفاهيم صورًا عن الأشياء في ذاتها بعد تجريدها من خصائصها الفريدة الظاهرة المختلفة . وثمّة تصوّر هو من فعل التخيّل . ومثل هذا التصوّر الخياليّ يبدو وسطًا بين الإدراك الحسّيّ والتجريد العقليّ ، وهو يتميّز بكونه يعبّر عن ذاتيّة الإنسان وإبداعيّته . والميزة المشتركة بين أنواع التصوّر هذه أنّ صورة الشيء هي من فعل المتصوِّر ، وهي تنوب عن الشيء .

في مقابل التصوّر لدينا التفكّر . يرادف التفكّر في أحد وجوهه التصوّر العقليّ ، بمعنى أنّ المتفكِّر يبني فكرةً أي صورةً عقليّة عن الشيء ، هي المفهوم المجرَّد . لكنّ التفكّر ، كما عند هايدغر ، قد يعني موقف التأمّل وترقّب انكشاف الشيء على حقيقته . في هذا السياق ليس العقل هو الذي يلقي ضوءه على الشيء ليدركه ، بل هو الشيء يُنير العقل أو يسطع نورُه فيظهر للعقل ، بحيث لا يكون للعقل سوى الرؤية والفهم . وفي هذا السياق لا يدرك العقل صورةً عن الشيء بل الشيءَ عينه ظاهرًا . فالمعرفة ليست بعدُ فعلاً يقوم به الإنسان فيبني مفاهيمه صوَرًا عن الأشياء ، بل صارت بالحريّ انفعالاً به يلامس الشيءُ الإنسانَ بتجلّيه وظهوره عليه . كان التقليد في علم النفس أنّ العلاقة بين الإنسان والأشياء على ثلاثة أنواع . النوع الأوّل هو المعرفة ، حيث العلاقة محض موضوعيّة ، بمعنى أن لا يغيّر الإنسانُ الأشياء ولا الأشياءُ الإنسان . والنوع الثاني هو الانفعال ، حيث الأشياء تؤثّر في الإنسان فتغيّره ، شرطَ أن يكون الإنسان قد أضفى على هذه الأشياء معنى أي قيمةً تجعلها قادرةً على التأثير فيه . والنوع الثالث هو الفعل ، حيث الإنسان هو الذي يغيّر الأشياء . بالنسبة إلى هذا التصنيف ، كانت المعرفة أقرب إلى الانفعال أو مزيجًا من الموضوعيّة والانفعال . إذّاك تقلّص الفرق بين مقاربة الأشياء من طريق العيش أو من طريق التفكّر .

مفهوم التفكّر هذا يعيدنا إلى السؤال هل يعرف الإنسان الشيءَ كما يتجلّى له ، أي كما يكون الإنسان ، أم كما هو الشيء في ذاته . في هذا الأمر ثمّة مواقف ثلاثة ، موقف ماورائيّ يذهب إلى أنّ العقل يدرك الشيء في ذاته في ما وراء الظواهر ، وموقف يذهب إلى أنّ الإنسان لا يدرك إلاّ الظواهر وأن ليس ثمّة شيء في ذاته مغاير لمجموع الظواهر ، وموقف يذهب إلى أنّ الشيء يتجلّى في ذاته للعقل بحيث ليس ثمّة ما يمثّل الشيءَ عند العقل . إذا عبّرنا عن هذه المذاهب بالنسبة إلى ما سمّي الباطن والظاهر ، كان مذهب التمييز بين الباطن والظاهر وإدراك الباطن من خلال الظاهر ، ومذهب إنكار الباطن وإدراك الظاهر ، ومذهب وحدة الباطن والظاهر وإدراك الباطن متى ظهر . أمّا اختيار أحد هذه المذاهب ، فيفترض معرفة ما هو اليقين وما الحقيقة .

بدءًا ، ما هي المجالات التي فيها يقول المرء إنّه على يقين . في مجال الحواسّ ، يقول مَن يرى أو يسمع أو يلمس إنّه على يقين من أنّه رأى أو سمع أو لمس شيئًا معيّنًا . حتّى لو رأى أحدٌ مثلاً عصًا نصْفها في الماء وقال إنّها مكسورة ، كان موضوع يقينه أنّه رأى العصا مكسورة ، أي أنّ العصا بدت له مكسورة ، وأنّ العصا مكسورة فعلاً . وعلى هذا النحو رأى الناس الشمس تشرق وتغيب فتيقّنوا أنّها تدور حول أرض رأوها مسطَّحة . كذلك الأمر في جميع معطيات الحواسّ ، حيث تتلازم معطيات الحواسّ والحكم على حقيقتها أو التيقّن بحقيقتها . وعلى غرار هذا النوع من اليقين ، قد يرى المرء وجه صاحبه يتصبّب عرقًا ، وهو متيقّن بما يراه وبتأويله لما رأى ، كأن يقول إنّ صاحبه اعتراه خوف شديد أو أصابه دور من الحمّى أو إنّه يعاني من الحرّ الشديد . وكذلك الأمر بالنسبة إلى الكلام أو الوعد ، فقد يكون السامع على يقين من صدق المتكلّم وصاحب الوعد ، أي من التوافق بين معنى الكلام أو الوعد وما يضمره المتكلّم وصاحب الوعد . وقد يكون المرء على يقين من أنّه يرى المثلّث المثاليّ ولو كان ما يراه حسّيًّا هو مثلّث غير سويّ . ولا يشكّ مَن اختبر القيم الأخلاقيّة في صحّة حكمه أنّ فعلاً ما هو فعل خير أو فعل شرّ . وقد يتجاوز الحكم الأفعالَ إلى نوايا فاعليها ، فيوصفون بأنّهم يقصدون فعل الخير أو فعل الشرّ . وفي حال الحكم على قيمة عمل فنّيّ ، لا يشكّ المتذوّق والحاكم في سلامة ذوقه وصحّة حكمه أنّ العمل الفنّيّ جميل أو قبيح . وفي مجال الدين لا يساور المؤمن شكّ في صحّة ما يعتقد وصواب ما يقوم به من عبادات .

في كلّ هذه الحالات يبدو اليقين ملازمًا لمطلب الحقيقة ، بمعنى أنّ من كان على يقين من شيء أيقن في الوقت عينه أنّه امتلك الحقيقة . والواقع أنّ من كان على يقين من شيء غالبًا ما يكون على خطإ . ففي ذلك بيان الفرق بين اليقين والحقيقة فرقًا بين الذاتيّة والموضوعيّة . يسعى الإنسان ، في قرارة نفسه ، طفلاً كان أو بالغًا ، إلى الطمأنينة ، أي إلى الركون إلى موقف لا يتطلّب منه جهدَ البحث المضني لتحاشي الشكّ أو الخروج من موقف التشكيك . أمّا ما يدفع إلى الركون إلى اليقين ، فهو الأهواء الذاتيّة والأحكام المسبّقة التي يفرضها المجتمع على الأفراد . وقد يكون الدافع بداهة الموضوع ، كما القول بأنّ الكلّ أكبر من الجزء – ولو كان في اعتبار اللامتناهي يتساوى الجزء والكلّ – ، أو البرهان والدليل القاطع ، كما هو الأمر في الرياضيّات والعلوم الطبيعيّة – ولو كان البرهان الرياضيّ يتعلّق بالمسلَّمات الأولى ، ولو كان البرهان الاختباريّ يستند إلى استقراء قد يناقضه استقراء لاحق . فإذا نتج اليقين من البرهان ، كان المرء قد خرج من ذاتيّته وكان اهتمامه بالموضوع . واقتضاء الموضوعيّة هذا شرط للتيقّن بالحقيقة . لكنّ البرهان والموضوعيّة والبداهة لا يصحّ أيٌّ منها ولا اجتماعها للتيقّن بالحقيقة ، ما لم يتحدّد مفهوم الحقيقة .

فمنهم من قال إنّ الحقيقة هي توافق العقل والشيء . لكنّ هذا التحديد يفترض أن يعرف العقل مسبَّقًا نفسَه والشيءَ لكي يتمكّن من إثبات التوافق . ثمّ ما هو الشيء في مثل هذا التوافق ؟ لا يمكن أن يكون الشيءَ في ذاته ، بل ما يراه العقل من الشيء . ومنهم من قال إنّ الحقيقة تقوم بالتحقّق العمليّ . لكنّ هذا التحديد يجعل الحقيقة أمرًا نسبيًّا ، يختلف باختلاف متطلّبات العمل . ومنهم من قال إنّ جملةً أو قضيّةً ما يكون لها معنى وتكون حقيقة إذا أمكن نقضها بالاستناد إلى الاختبار والتجربة . لكنّ هذا الشرط يفترض موقفًا معرفيًّا مثبَتًا من دون برهان قاطع على صحّته . ومنهم من قال إنّ الحقيقة هي ما اتّفق الناس عليه ، كما قد يتّفق علماء الطبيعة على مسلَّمات تمّ اختيارها والتوافق عليها ، كما يتّفق اللاعبون على قواعد اللعبة . وقد يُعمَّم هذا التحديد على كلّ ما يتيح تواصل الناس بعضهم ببعض في مجتمع متماسك . ومنهم من قال إنّ الحقيقة – كما المعنى – هي من فعل العقل يبنيها بناءً . إذّاك يبدو أنّ الموضوعيّة قد انتفت ، ما لم يستند البناء العقليّ إلى شيءٍ ما لا يبنيه العقل .

ومنهم من قال – كما قال كانط بعد أن أيقظه تشكيك هيوم وتجريبيّته من سباته الدوغمائيّ – إنّ الحقيقة ممكنة في نطاق معرفة الظاهرات ، أي في نطاق الرياضيّات والعلوم الطبيعيّة ، في حين أنّ القضايا الماورائيّة ، لكونها غير مرتبطة بالتجربة ، فهي لا تكون موضوع معرفة يقينيّة ، بل يثبتها العقل العمليّ كافتراضات يقتضيها واقع الواجب الأخلاقيّ . ومنهم من قال إنّ الحقيقة تكون بترابط الكلمات في الجملة المفيدة . قد تردّ هذه النظريّة الأشياءَ إلى كلمات . وفي ذلك شيء من العودة إلى اعتقاد القدماء بأنّ الكلمات لا تدلّ على الأشياء وحسب ، بل هي الأشياء ذاتها . ومنهم من قال إنّ الجملة ، ولو كان تركيبها النحويّ صحيحًا ، قد لا تفيد معنى لكون ما تتحدّث عنه لا يمكن مشاهدته في التجربة ، بحيث لا يمكن الحكم فيها بالصحّة أو الخطإ . لكن يمكن القول بأنّ أيّ كلمة تدلّ على شيءٍ ما وأيَّ جملة تفيد معنًى ما ، لكن ليس بالضرورة على الشيء المزعوم أو المعنى الظاهر . إذّاك يجب البحث عن الشيء الواقعيّ الذي تدلّ عليه الكلمة وعن المعنى الباطن الذي تعبّر عنه الجملة . وذلك على غرار الرمز ، حيث الشيء ليس هو الرمز بل هو ما دلّ عليه الرمز . والرمز بطبعه يحمل معنيَين ، معنًى ظاهرًا يستر المعنى الحقيقيّ الباطن ويقود إليه في آن . وهذا ما ارتكز عليه التحليل النفسيّ ، كما التأويل الدينيّ .
نخلص من ذكر هذه النظريّات إلى أنّ الحقيقة لا يمكن امتلاكها والتيقّن بها نهائيًّا ، بل هي موضوع بحث مستمرّ لا يتوانى . وذلك باعتبار قصور الإنسان عن المعرفة المطلقة واختلاف وجهات نظره إلى الكائنات ، وباعتبار كثرة وجوه الكائنات أو الحقائق واختلافها ، وباعتبار أنّ الإنسان والحقائق تتبدّل وفاقًا لتبدّلات الزمان ، حيث الكلّ في صيرورة . إذّاك اتّصف جهد الإنسان المعرفيّ بأنّه مقاربة وليس امتلاكًا .

أمّا أنواع المعرفة ، فهي ، وفاقًا للنظريّات المعرفيّة المختلفة ، المعرفة الدينيّة ، والمعرفة العلميّة ، والمعرفة الفلسفيّة .

ترى المعرفة الدينيّة إلى الكائنات انطلاقًا من مبادئ أو مسلَّمات الدين ، أي أساسًا في ضوء الاعتقاد بوجود الله وبكلامه المنزَل . في هذه النظرة تتحدّد الكائنات بنوع علاقتها بالله ، وهي علاقة الخالق بالمخلوق . لذا كان الله هو من يضبط خليقته ويدبّرها ، بعد أن جعل لها قوانين تحكم طبيعتها . ومن جملة ما خلق الله الإنسان ، جعله سيّدًا على سائر خلقه ، إذ وهبه العقل به يعرف الإنسان خالقه عن طريق مشاهدة خلقه . وإنّ الله كلّم الإنسان منتظرًا منه جواب الإيمان . وجعل له في الدنيا شريعة يمتثل لأوامرها ونواهيها . وجعل له في الآخرة ثواب النعيم وعقاب الجحيم . وتفترض هذه المعرفة عند المؤمن تحوّلاً في النظر وفي الكيان به ينقل الله الباحث من صعيد الطبيعة إلى صعيد النعمة ، كي يتمكّن من إدراك مبادرة الله في الاتّصال بالإنسان وحيًا وجواب الإنسان الإيمانيّ عن هذه المبادرة . وحيث كان من الله الخلق والوحي والتدبير والحكم والمجازاة ، كان هو الأوّل والآخر ، أي كان هو الكلّ ، لا وجود لغيره إلاّ بفضله ، فكانت الكائنات لا وجود لها من ذاتها . من هنا تميّزت هذه المعرفة الدينيّة بقولها بمركزيّة الله ، وبادّعائها امتلاك الحقيقة اليقينيّة الكاملة ، لكونها من عند الله .

والشكل الأوّل للمعرفة الفلسفيّة هو المعرفة الماورائيّة . تتميّز هذه المعرفة بإثبات ما يتجاوز الظاهر وباعتماد المنهج المنطقيّ . والماوراء الأنطولوجيّ هو ما يكمن وراء الظاهر ، بمعنى أنّ الظاهر الذي يدركه الإنسان بالحواسّ ينبئ عمّا هو غير ظاهر للحواسّ ، وهو الشيء في ذاته . وفي النظرة الماورائيّة يعود إدراك الشيء في ذاته إلى العقل . وفي هذه النظرة كان ثمّة عالم الإنسان والطبيعة وعالم كائنات ليست من جنس الكائن الإنسانيّ ولا من جنس الكائنات الطبيعيّة . وفي ما خصّ الإنسان ، تنبئ الأنشطة والوظائف الإنسانيّة الظاهرة عن الكيان الإنسانيّ الجوهريّ أو ذات الإنسان أو طبيعته الثابتة . والماوراء القيَميّ والمعياريّ هو القيم في ذاتها وعالمها الخاصّ ، وهذه القيم معروضة على الإنسان كمشروع عليه أن يحقّقه ما استطاع . والمنهج المنطقيّ يهدف إلى تحديد ماهيّة الإنسان والأشياء في مفهوم مجرّد وكلّيّ .

وتتميّز المعرفة العلميّة بنقضها الماورائيّات . فهي ، في مقابل ما تعتبره لغوًا ماورائيًّا ، تتّخذ موقفًا واقعيًّا . وهذا يعني أنّها تلفظ الشيء في ذاته والجوهر والقيم والمقاييس وتحتفظ بالظاهرات والبنية والوقائع الوضعيّة . ومن وجه آخر تستبدل المحسوس الاختباريّ بالمجرّد المنطقيّ ، والتحليل بالتنظير ، والبناء بالحدس ، والتعليل بالتأمّل . وفي ما خصّ الإنسان ، كان الإنسان أو أيّ كائن آخر مجاورةً أو تركيبًا تراكميًّا لمختلف الظاهرات أو البنى التي يُظهر التحليل أنّه يتألّف منها . أمّا العلوم التي تعتمد هذا المنهج الوضعيّ ، فهي العلوم الطبيعيّة أي الفيزياء والكيمياء وعلم الفلك ، والعلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة أي علم النفس وعلم الاجتماع وعلم التأريخ وعلم الألسنيّة .

أمّا الشكل الثاني للمعرفة الفلسفيّة ، فهي المعرفة الظواهريّة والتأويليّة . ليس من الضروريّ للأنطولوجيا أن تكون ماورائيّة وأن تباعد ما بين الكيان والظاهر وأن تثبت وجود كائنات تفوق عالم الإنسان . فالظاهرة هي الكيان ذاته ظاهرًا للعقل . من هنا كانت العودة إلى المحسوس . هذه الحقيقة المرئيّة تخضع للوصف والتحليل بما هي مجموعة ظاهرات . يلي عمليّةَ وصفها وتحليلها عمليّةُ فهمها ، أي محاولة إدراك معناها . والمعنى يُدرَك نتيجةً لجهد التأويل ، أو يُقبَل في حالة الإصغاء إلى الكينونة . وفي ما خصّ الإنسان ، كان الإنسان حاضرًا في أعماله ، تعبّر عنه منتَجاته الثقافيّة . فوجب إذّاك قراءته في رموزه متى تمّ حلّها . وهذه المعرفة الظواهريّة والتأويليّة جزء من المعرفة الأنتروبولوجيّة .

هذا المبدأ الأنتروبولوجيّ لا يرمي إلى اختزال جميع أبعاد الكيان الإنسانيّ في بُعد واحد . فالكائن الإنسانيّ -كما سأعود إلى ذلك في الفصل الأخير من هذا البحث – قيل فيه إنّه حيوان ناطق ، أو جسد ونفس ، أو مادّة وروح ، أو طبيعة وعقل ، أو غير ذلك . وأرى أنّه واقع ومعنى ، أي أنّ من أبعاده بُعد التجاوز في شكل طلب المطلق . لكنّ هذا المطلق ، حيث كان مطلوبًا للإنسان ، فهو حكمًا في عالم الإنسان ومن عالم الإنسان .

أمّا في ما خصّ الدين ، ففي المقاربة الأنتروبولوجيّة أوّلاً أنّ الدين أمر بشريّ محض ، لا يمكن اعتباره منزَلاً من كائن أو من عالم غير عالم الإنسان أو غير الكيان الإنسانيّ . وهذا المبدأ نتيجة لنقد الماورائيّات ، ولنقد القول بكلام الله ، ولنقد الكلام البشريّ في ما سمّى الله ، ولنقد الكلام البشريّ في كائن أسمى أو في كائن سمّي بواجب الوجود . وقد أعود إلى هذا بالتفصيل في الفصل الرابع في البحث عن المطلق .

ثمّ في المنهج الأنتروبولوجيّ أنّ الدين لغة أو كلام أو تعبير ، وأنّ لغة الدين لغة رمزيّة ، لا يمكن فهمها بالتوقّف عند ظاهرها ، بل ينبغي كشف محجوبها الباطن أو الكامن ، أي تأويلها بهدف إدراك معناها الحقيقيّ . وذلك من دون أن يكون هذا المعنى الحقيقيّ خارجًا عن عالم الإنسان ومتعاليًا عليه . وخلاصة القول الأنتروبولوجيّ في الدين أنّه ظاهرة ثقافيّة ، في شكل أنظومة توصَف وتُحلَّل ظواهريًّا ، وأنّ هذه الأنظومة الدينيّة تعبّر عن معناها ، وهو قصد المطلق .

يبقى أن نعرف كيف تُطبَّق هذه المبادئ ، أي ما هي مراحل عمليّة التأويل الأنتروبولوجيّ .

4- مسار المقاربة الأنتروبولوجيّة

في تحليل أوّليّ لطريقة تأويل نصوص تعالج مسائل نظريّة ، يمكن الانطلاق من افتراض أنّ المؤلّف يختار أن يعالج موضوعًا . ويُثبت في هذا الموضوع قضيّة . وتتضمّن القضيّة كما الموضوع جملةً من المفاهيم . ويقوم المؤلّف بتنظيم هذه المفاهيم في شكل استدلال . والاستدلال يستند إلى مسلَّمات . واختيار الموضوع والقضيّة والمفاهيم وشكل الاستدلال والمسلَّمات يتمّ بموجب دوافع . والكلّ يندرج في سياق شامل معيَّن .

الموضوع هو ما يُطرَح للمعالجة ، فيهدف التحليل إلى تبيين كيف تمّ تحديده وكيف صار موضوع تساؤل .

القضيّة هي الحكم في الموضوع جوابًا عن مسألة قيمته . ويقوم تحليل النصّ بتبيين الأشكال التي صيغت فيها القضيّة .

المفاهيم التي استخدمت لمعالجة الموضوع يجب تعدادها وتحديدها كما وردت في النصّ وباعتبار سياق النصّ . وهي تدلّ على معارف المؤلّف ومستواه الثقافيّ وتوجّهات اهتماماته .

الاستدلال هو تنظيم المفاهيم بهدف البرهان عن القضيّة ، ودفع الشبهات والاعتراضات عنها ، ودحض القضايا المخالفة لها . ويقوم التحليل بتبيين أشكال الاستدلال كما وردت في النصّ .

المسلَّمات غالبًا ما تصاغ في شكل بديهيّات ، وهي في الواقع أحكام سابقة أو افتراضات لا برهان على صحّتها ، بل هي تقوم بدور الأساس للاستدلال والبرهان . ويحاول التحليل إفرادها وتبيين الدور الذي تقوم به في النصّ .

الدوافع ، واعيةً كانت أو غير واعية ، وشخصيًّا كان طابعها أو اجتماعيًّا ، تحكم اختيار الموضوع والقضيّة والمفاهيم والاستدلال . ويحاول التحليل تبيين الأهداف البعيدة التي تسعى معالجة الموضوع إلى بلوغها .

أخيرًا ، السياق التاريخيّ والاجتماعيّ الثقافيّ هو الموقع حيث تقيم العناصر المذكورة وتتّخذ منه معناها الصحيح . ويحاول التحليل أن يصفه كما تفترضه العناصر المذكورة .

ثمّة وصف آخر مفصَّل لمسار التأويل ، يقوم على أساس أنّ الوجود تأويل بحدّ ذاته . لمّا كانت الهرمينويطيقا علم التأويل ، ولمّا كان الوجود مجموع تصرّفات ذات معنًى ، ولمّا كان الإنسان الموجود هو الذي يضفي معنًى على الأوضاع ، صار الوجود ذاته تأويلاً ، وصار يقتضي أن يؤوَّل لكي يُفهَم .

ولمّا كان الوجود في آن تعبيرًا وتأويلاً ، كان المسار المثاليّ للتأويل انعكاسًا للمسار الذي سلكه المعنى في عمليّة التعبير عن ذاته . وعليه تطابق الفهم وابتداع التعبير . عمليّة التعبير هذه لا يمكن مشاهدتها في مراحل تكوينها ، بل تمتنع مشاهدتها على وعي من يقوم بها . فهذه المراحل يكون وصفها بدءًا من النقطة النهائيّة لعمليّة التعبير . لذا يحدّد علم التأويل ذاتَه متى وصف عمليّة التعبير . وعمليّة ابتداع عملٍ ما يماثل عمليّة تكوين التعبير . فلمّا كان العمل ، أيًّا كان نوعه ، نتيجة مجموعة من الأسباب والعوامل والشروط ، كان بهذا المقدار تعبيرًا عن هذه الأسباب والعوامل والشروط ، بمعنى أنّها تتجلّى فيه وأنّه هو يُظهر حضورها وطبيعتها .

والتعبير في ذاته اتّصال ، ولا يقتصر على كونه علاقة بين العمل وصانعه . وإذا كان ثمّة خارجٌ يظهر فيه المعنى متى أبانه التعبير فصار معنًى مرئيًّا ، افترض هذا الخارج وهذا الانكشاف وجود أناس يدركون التعبير في الخارج . فالفكرة تصير موضوعًا لأناس شبيهين بالإنسان المتكلّم . والإنسان الذي يعبّر عن ذاته يصير موضوعًا معروضًا على الآخرين . حتّى إذا افترضنا أن إنسانًا ما يعبّر عن قصده لنفسه ، فذلك لا يبدّل في طبيعة التعبير ، حيث التعبير يتوجّه موضوعيًّا إلى أيّ مستمع ممكن ، علمًا أنّ المتكلّم يمكن اعتباره مستمعًا لذاته .

ولمّا كان التعبير اتّصالاً أو تبليغًا ، أمكن تحليله إلى عناصر ستّة ، هي : – المحتوى أي الرسالة ، أي معنى التعبير ، – صاحب التعبير ، – الذين يتوجّه إليهم التعبير ويتمكّنون من إدراكه ، – وسائل التعبير المتاحة في الأنظومة الثقافيّة ، – فعل التعبير ، أي استعمال وسائل التعبير لإبلاغ الرسالة ، – التعبير بما هو موضوع ، أي نتيجة فعل التعبير ، أي الرسالة متى تمّ تبليغها في صورة التعبير .

المحتوى أو الرسالة أو معنى التعبير هو موضوع الاتّصال أو التبليغ ، باعتباره شيئًا مشتركًا وبالتالي شيئًا تمكن مشاركته أو يمكن تبليغه. لهذا السبب يُفترَض مماثلاً لذاته نسبيًّا وثابتًا لا يتبدّل حتّى بعد تبليغه . لكن ، لمّا كان هذا الثابت الموضوعيّ غير منفصل عن مجموع ما يتألّف منه التعبير ، قد يدخل عليه تبدّل بفعل العناصر الأخرى ، وهي الشخص الذي يعيشه ، والأشخاص الذين سيعيشونه ، ووسائل التعبير التي يُصاغ بها ، وأخيرًا الفعل الفريد الجامع لهذه الشروط والذي يحدّد الشخص في فعل التعبير القائم هنا والآن . والرسالة المبلَّغة قد تكون فكرةً أو شعورًا أو معلومةً عن أشياء موضوعيّة . لكن ، لمّا كانت الأشياء في ذاتها يمتنع التعبير عنها ، و يمتنع التعبير عنها إلاّ في شكلها المُعاش ، نتج من ذلك أنّ أيّ رسالة مبلَّغة تتجلّى في أساسها الحقيقة الإنسانيّة في أبعادها الأربعة : الكيان ، والشخص ، والجماعة ، والتاريخ . حتّى لو كان محتوى التعبير اختبار الشخص الفرد ، قام واقع التعبير عينُه بمحو فرادة الاختبار وبإظهاره في الأشكال الكلّيّة التي لِما يمكن تبليغه . ومن وجه آخر يمكن اعتبار الاختبار الفريد للشخص شكلاً من أشكال كيان الحقيقة الإنسانيّة ، وبالتالي احتوى هذا الاختبار الفريد ما يجعله يتجاوز فرادته .

أمّا صاحب التعبير أو فاعله ، فهو حاضر في التعبير لسببين . أوّلاً هو ما يعبّر عنه التعبير بما هو القطب الذاتيّ للمُعاش ، في مقابل محتوى التعبير أي قطبه الموضوعيّ . على هذا النحو ، الكائن المسمّى الله ، باعتباره كائنًا موضوعيًّا ، لا يكون محتوى يمكن الشخص البشريّ التعبير عنه إلاّ إذا كان مُعاشًا ، وبالتالي إذا تحدّد بكونه المقصود الموضوعيّ المقابل للقصد الذاتيّ . ثمّ إنّ الشخص هو القائم بفعل التعبير ، مستعملاً وسائل التعبير المتاحة في ثقافته ، ومعتبرًا المتلقّين الممكنين . فصاحب التعبير حاضر إذًا في التعبير بما هو موضوع وبما هو ذات .

من بين متلقّي التعبير ثمّة أوّلاً الذين يقصدهم صاحب التعبير عمدًا . وثمّة الذين قد يتلقّون التعبير لكونهم ينتمون للثقافة عينها التي ينتمي إليها صاحب التعبير . والذين ينتمون إلى ثقافات أخرى يمكن اعتبارهم في عداد متلقّي التعبير ، لكون التعبير قد يبلغهم بفعل النقل على أساس التوافق والتعادل بين الثقافات المختلفة . وبديهيّ أنّ الرسالة لا يعيشها المتلقّون كما يعيشها مرسلها . ومن وجه آخر ، يقوم المرسِل بتبديل التعبير ، وبالتالي الرسالة عينها ، وفاقًا للمتلقّين الذين يقصد إبلاغهم . فكان إذن المتلقّي هو أيضًا حاضرًا في التعبير في آن بما هو موضوع وبما هو ذات قد يعيش الرسالة .

أمّا وسائل التعبير ، فهي أوّلاً عناصر الأنظومة الثقافيّة ، أي التصوّرات والقيم ونماذج السلوك ونماذج النشاط الفنّيّ وطرائق الكلام ، وأيضًا تقنيات التعبير المتاحة في الأنظومة الثقافيّة ، أي الكلام والكتابة والصورة والأنواع والأساليب الأدبيّة وغير ذلك . يمكن اعتبار العلاقة بين وسائل التعبير هذه والمحتوى الذي تعبّر عنه مماثلة للعلاقة بين الجسد والنفس . فالعلاقة التي تجمع بينهما تُبقي على الفرق بينهما . لذا أمكن أن تفرض وسائل التعبير شكلها على المحتوى ، فتصير هي الرسالة . ولذا ، من وجه آخر ، لا يوجد مُعاش إلاّ في أشكال الأنظومة الثقافيّة .

فعل التعبير يقوم به الشخص جامعًا العناصر المذكورة . إذّاك يُطرَح السؤال هل الشخص هو واعٍ وحرّ في قيامه بفعل التعبير . الجواب هو أنّه لا يكون إذّاك لا كامل الوعي والحرّيّة ولا فاقدهما تمامًا . ذلك ، من وجه ، لأنّ الشخص ليس هو وحده الذي يقوم بفعل التعبير ، بل يشارك معه الحقيقة الإنسانيّة الشاملة والكون جميعًا . ومن وجه آخر ، أن يُضطرّ الشخص إلى الإذعان إلى قوانين بنية الأنظومة الثقافيّة ، وإلى اعتبار متلقّي الرسالة ، لا يزيل منه الوعي والحرّيّة . ذلك لأنّ الحرّيّة في الواقع لا تقوم بالتحرّر من الحتميّات الطبيعيّة ، بل بتحويلها من عوائق إلى وسائل . من هنا كان تنوّع التعابير عند الشخص الواحد وعند الأشخاص المنتمين إلى الثقافة الواحدة . وأخيرًا ، تجدر الإشارة إلى أنّ فعل التعبير يعود إلى تكوين المُعاش . ذلك لأن ليس من مُعاش امتنع التعبير عنه .

من فعل التعبير ينتج التعبير أي الشكل الموضوعيّ للعناصر المذكورة التي قامت بدور العوامل أو الأسباب أو الشروط . والتعبير يحمل معنًى ، فوجب تأويله بهدف إدراك معناه . وقد يكون التعبير نصًّا منطوقًا أو مكتوبًا ، أو سلوكًا أو موقفًا ، أو واقعة اجتماعيّة أو مؤسّسة ، أو حادثًا ، أو عملاً فنّيًّا أو نتاجًا تقنيًّا . هذا التنوّع في أشكال التعبير الموضوعيّة مردّه ، من وجه ، إلى الموادّ والوسائل المستعملة للتعبير ، ومن وجه آخر ، إلى تنوّع القيم والأهداف المقصودة .

يبقى التأويل . لمّا كان معنى التأويل العودة بالشيء إلى أوائله وحقيقته ، أمكن اعتبار فعل التأويل موازيًا لفعل التعبير . فينطلق التأويل من التعبير كنتيجة لفعل التعبير ، ويعيد تكوين جميعة العناصر التي أدّى إعمالها إلى هذه النتيجة . لو كان يُفهَم معنى التعبير مباشرةً ، لما كانت الحاجة إلى التأويل . لكنّ معنى التعبير لا يُدرَك مباشرةً بكامله وبجميع أجزائه . ثمّ إذا تعلّق الفهم إلى حدّ بعيد بحالة الشخص الذي يتلقّى الرسالة ، اتّضح أنّ ما يهمّ المرسِل غير ما يهمّ المتلقّي ، وبالتالي اختلفت الأجزاء الواعية من معنى التعبير باختلاف قطبَي الاتّصال . ثمّ إذا أخذ فهم المعنى يصير وجودًا ، اتّضح أنّ الشخص المرسِل والشخص المتلقّي لا يمكنهما عيش المعنى بطريقة مماثلة .

من هنا كانت التعدّديّة قاعدةَ التأويل ، لكن ضمن حدود . فتنوّع التأويلات مردّه إلى الطابع الذاتيّ لأيّ تأويل . والحدّ لهذا التنوّع يضعه الطابع الموضوعيّ لأيّ تأويل بما هو جهد يهدف إلى إدراك معنى التعبير المعروض على الجميع ، وأيضًا بما هو تعليل بقدْر ما هو حدس . هذا الطابع المزدوج ، الموضوعيّ والذاتيّ ، يسِم التأويل والتعبير على السواء . ففي الحالتين ، يمكن تلمّس نوع من معالجة ذاتيّة لمُعطى موضوعيّ . المعطى الموضوعيّ للتأويل هو اختبار العالم كما يعيشه الشخص صاحب التعبير . وعليه كان التعبير محاولة لتبليغ اختبارٍ ما ، وكان التأويل محاولة لملاقاة صاحب هذا الاختبار ، بهدف فهم هذا الاختبار أو تمثّله عقليًّا أو وجوديًّا .

أمّا المناهج المؤدّية إلى فهم معنى تعبيرٍ ما ، فإنّها تختلف باختلاف طبيعة التعابير . لكن ، أكان الموضوع نصًّا أم سلوكًا أم مؤسّسةً أم حدثًا ، وبالتالي أكان المنهج لغويًّا أم نفسيًّا أم اجتماعيًّا أم تاريخيًّا ، أمكن الظنّ أنّ ثمّة معنًى يُدرَك انطلاقًا من التعابير عنه ، أو أنّ هذا المعنى إنّما هو التعبير عينه . وهذا الأمر يذكّر بالتوتّر القائم بين الواقع والمعنى ، والذي يجعل كلاًّ منهما في آن مرتبطًا بالآخر ومختلفًا عنه . وعليه أمكن اعتبار التعابير المنتَجة أشكالاً متتالية وتدريجيّة للتعبير عن المعنى أو لتحقيقه . الحقيقة الإنسانيّة تدخل في الوجود من خلال عمليّة التعبير عنها . ولا شيء يمكن التعبير عنه سوى الاختبارات التي بها تصير الحقيقة الإنسانيّة وجودًا مكتملاً وحقيقيًّا .

تلك هي إذن مقوّمات المنهج الأنتروبولوجيّ . يبقى تبيين كيفيّة تطبيقه على ظاهرة الدين . وهذا التطبيق على مراحل . لمّا كان الدين ظاهرة ثقافيّة ، كانت المرحلة الأولى الوقوف على موقع الدين في الأنظومة الثقافيّة بتحليل هذه الأنظومة . ثمّ كانت المرحلة الثانية تحليل الأنظومة الدينيّة . ثمّ كانت المرحلة الثالثة والأخيرة محاولة إدراك معنى الأنظومة الدينيّة وحقيقتها ، أي قصد المطلق .