موقع الدين في الأنظومة الثقافيّة

الفصل الثاني
موقع الدين في الأنظومة الثقافيّة

يقتضي تحديد موقع الدين في الأنظومة الثقافيّة الوقوفَ على ماهيّة الثقافة ومقوّماتها ، ثمّ وصفَها بما هي أنظومة .

حاول كثير من علماء الاجتماع ، والإنسانيّات عمومًا ، تحديد الثقافة والتعبير عن ماهيّتها بجملةٍ تشمل جميع مقوّماتها ، انطلاقًا من التمييز بين الثقافة والطبيعة ، أي بين ما هو من صنع الانسان وما هو من معطيات الطبيعة ، وانطلاقًا من التمييز بين الثقافة بما هي صفة شخصيّة ذاتيّة يتّصف بها الإنسان الفرد المثقَّف ، والثقافة بما هي أمر اجتماعيّ وموضوعيّ وصفة مشتركة بين جميع الأفراد في مجتمعٍ ما . والكلّ يعرف محاولة كروبر وكلاكهون ضبطَ جميع التعريفات التي تقدّم بها كلّ مَن تناول بالبحث موضوع الثقافة . والكلّ يعرف أيضًا التحديد المألوف الذي قدّمه إدوارد تايلور وسلّم به معظم الباحثين في الثقافة والثقافات ، حيث قال : “ إنّ الثقافة أو الحضارة ، بمعناها الإتنوغرافيّ الواسع ، هي هذا المجموع المركَّب الذي يشمل المعارف والمعتقدات والفنّ والقانون والأخلاق والمعاملات وسائر الكفاءات والعادات التي يكتسبها الإنسان بما هو عضو في مجتمعٍ ما ” . كما يعرف الجميع كبف ذكر دوركايم أفعالاً اجتماعيّة ووصفها بأنّها “ طرائق الفعل والتفكير والشعور ” . ومعروف موقف كلود ليفي ستروس من الأنظومة الثقافيّة والأنظومة الاجتماعيّة ، حيث ميّز الثقافة بما هي طريقة تعامل الناس مع الطبيعة ، من الحضارة بما هي طريقة تعامل الناس في ما بينهم . وثمّة من حدّد الثقافة بأنّها تشمل الفنّ والأخلاق والدين ، وحدّد الحضارة بأنّها تشمل العلم والتقنية والتنظيم الاجتماعيّ . ويمكن ، في هذا الموضوع ، ذكر كثير من علماء الاجتماع ، نظير كاردينر ولينتون ومالينوفسكي وكثير غيرهم . وعند الفلاسفة ، معروفٌ موقف هيغل من كنه الثقافة أو التنشئة Bildung وتجلّياتها ووظائفها . كما يفيد الاطّلاع على ما كتب بيربيت في “ فلسفة الثقافة ” ، وما كُتب في هذا المادّة في “ معجم الفلسفة التاريخيّ ” .

1- مقوّمات الثقافة

في الأصل ، نجد موقفًا إجماليًّا من الكائنات ومن الحوادث ، أي موقفًا من الكون بما هو واقع معطى . وإجماليّة الموقف تعني أنّ الإنسان ، بجميع قدراته وجميع أبعاد كيانه ، انصبّ في علاقته بالكون على نحوٍ بات وجوده معه يتحدّد بهذا الموقف .

والمواقف على أشكال ، منها ، على سبيل المثال ، موقف قبول الواقع تبعًا لمبدإ الواقعيّة في نظريّة فرويد ، وموقف رضى التسليم تبعًا لمبدإ الرواقيّة ، وموقف الرفض الذي يتميّز به سنّ المراهقة ، وموقف التمرّد في نظريّة ألبير كامو ، وموقف الاعتماد على القدرة الذاتيّة المتمثّل بالبطل الأسطوريّ بروميتيوس عند الإغريق ، هذا البطل الذي بات رمزًا ومثالاً للإنسان العصريّ . وأيًّا كان الموقف الأساسيّ ، فهو ينعكس أو يعبّر عن نفسه ، منتقلاً من كونه ذاتًا إلى كونه موضوعًا ، في أشكال أو مجالات أربعة تتكوّن من جملتها المجالات والنشاطات التي تتحدّد بها وتؤدّيها الأنظومة الاجتماعيّة الثقافيّة .

المجال أو الشكل الأوّل هو التصوّرات ، وهي تنقسم مجموعتَين . تتألّف المجموعة الأولى منها رؤية إلى الكون ، أي تصوّر أمورٍ ، منها بداية الكون ونهايته ، وطبيعة الأشياء ، وموقع الإنسان في الكون ، ومصير الإنسان ، ومعنى الوجود … وتبدو هذه المجموعة من التصوّرات ذات طابع ماورائيّ ودينيّ أو أسطوريّ . تتألّف المجموعة الثانية من معارف تجريبيّة ، موضوعها العالم المحيط . وهي على صلة بالتصوّرات التي تتكوّن منها الرؤية إلى الكون ، أو هي موضوع تأويل في ضوء هذه الرؤية الشاملة إلى الكون . وتعبّر هذه التصوّرات جميعًا عن الموقف الأساسيّ من حيث هو النقطة المركزيّة التي يمتدّ منها النظر إلى الكائنات . وهي ، بدورها ، تتحكّم بالمجالات أو الأشكال الثلاثة التالية للتعبير الموضوعيّ عن الموقف الأساسيّ المذكور .

المجال أو الشكل الثاني هو السلوك أو التصرّف . وهو يفترض مجموعتين من العناصر . تتألّف المجموعة الأولى من قيَم ، وظيفتها أن تكون معيارًا للتصرّف . وتتألّف المجموعة الثانية من قواعد للسلوك الأخلاقيّ ، ونماذج لتنظيم العلاقات التي تتكوّن منها الحياة الجماعيّة في مجالات الاجتماع والاقتصاد والسياسة .

المجال أو الشكل الثالث هو الصنع أو الإنتاج . وهو يفترض نماذج للمعالجة التقنيّة للأشياء وفاقًا للحاجات .

المجال أو الشكل الرابع هو التعبير الفنّيّ . وهو يفترض أصولاً ومجموعةً من الرموز ونمطًا وأسلوبًا ، أو أنماطًا وأساليب ، في التعبير . وموضوع التعبير أو مضمونه إنّما هو الموقف الأساسيّ من حيث كونه منعكسًا في التصوّرات والسلوك والتقنيات .

هنا تجدر الإشارة إلى أنّ هذه العناصر التي تتكوّن منها البنية الثقافيّة هي نفسها عناصر البنية الذهنيّة ذات الطابع الجماعيّ ، مع احتمال وجود فوارق واختلافات عند الأفراد . ثمّ إنّ هذه الأنظومة تجد في اللغة وطرائق استعمالها تعبيرًا عنها . زدْ على ذلك أنّ الاختبار ، الفرديّ والجماعيّ ، يحدث تغييرات ، منها ما هو جوهريّ ومنها ما هو عرضيّ ، في بنيان العناصر . ومن هذه التغييرات ينتج مصيرٌ أو تاريخٌ ذو طابع خاصّ تتميّز به الأنظومة الاجتماعيّة الثقافيّة . وهذا المصير يحكمه الاختبار . إلاّ أنّه يتطوّر وفاقًا للبنية الثقافيّة الأساسيّة باعتبارها من الثوابت .

2- وصف الأنظومة الثقافيّة

ينطلق هذا الوصف من المبدإ القائل بأنّ الثقافة هي مجمل مرافق الحياة الجماعيّة ، بما هي نتاج النشاطات الإنسانيّة وتعبير عنها ، وبالتالي بما هي تجلّي القدرات والأبعاد المقوِّمة للكائن البشريّ .

هناك ، أوّلاً ، المرافق التي تتألّف منها الحياة الجماعيّة ، وهي مجالات التقنية والفنّ والأخلاق والعلم والمجتمع والدين . فيشمل مجال التقنية الأشياء المصنَّعة والأدوات والمهارات . ويشمل مجال الفنّ الأعمال والأساليب . ويشمل مجال الأخلاق أنماط السلوك والعادات والقواعد . ويشمل مجال العلم المعارف والنظريّات والمناهج . ويشمل مجال المجتمع العلاقات والأحكام والنُظم الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسياسيّة . ويشمل مجال الدين العقائد والعبادات والفنون الدينيّة والأخلاق المستوحاة من الدين والنُظم المقوِّمة للمجتمع الدينيّ .

ثمّ نلحظ أنّ كلاًّ من هذه المرافق تستقطبه قيمة من القيَم الحافزة للحياة أو النشاط الفرديّ والجماعيّ . وهذه القيَم ، باعتبارها الشروط الموضوعيّة المثاليّة ، هي ، على التتالي ، بالنسبة إلى المرافق الثقافيّة المذكورة ، المنفعة ، والجمال ، والخير ، والحقيقة ، والإنسان الآخر أو الخير العامّ ، والله .

ثمّ نلحظ النشاطات والمواقف المختلفة المتوافقة مع القيَم والمرافق الثقافيّة المذكورة . وهي نشاطات ومواقف مزدوجة بالنسبة إلى كلّ قيمة وكلّ مجال . فالإنسان ، فردًا أو جماعةً ، هو ، بالنسبة إلى المنفعة ، منتِج ومستهلِك في مجال التقنية . وهو ، بالنسبة إلى الجمال ، مبدِع ومتذوِّق في مجال الفنّ . وهو ، بالنسبة إلى الخير ، فاعل وحاكم في مجال الأخلاق . وهو ، بالنسبة إلى الحقيقة ، مبتكِر وناقد في مجال العلم والمعرفة . وهو ، بالنسبة إلى الإنسان الآخر ، في موقف الباحث عن التجمّع وموقف الباحث عن الاتّصال والمشاركة والتنظيم في مجال الحياة الاجتماعيّة . وهو ، بالنسبة إلى الله ، يكتفي بالإيمان أي بالتسليم والطاعة ، أو يسعى إلى تحقيق ذاته في أسمى أبعادها الإنسانيّة .

وأخيرًا نلحظ الشروط الذاتيّة ، أي الكفايات والقدرات التي تؤهّل الإنسان ليقوم بالنشاطات ويتّخذ المواقف المذكورة . وهي ، في مجال التقنية ، الذكاء العمليّ المؤهَّل لإنتاج ما ينفع ، والحاجات التي يسعى المستهلك إلى تلبيتها . وهي ، في مجال الفنّ ، العبقريّة ، أي القدرة على الإبداع ، والذوق ، أي القدرة على تمييز الجميل من القبيح . وهي ، في مجال الأخلاق ، الإرادة أو القدرة على الفعل ، والضمير أو القدرة على الحكم في ما هو خير وما هو شرّ . وهي ، في مجال العلم والمعرفة ، الذكاء النظريّ والمبدع ، القادر على إنتاج المعرفة واكتساب العلم ، والروح النقديّة أو القدرة على تمييز الحقّ من الباطل . وهي ، في مجال الحياة الجماعيّة ، غريزة التجمّع من أجل الشعور بالطمأنينة ، والقدرة على التنظيم العقلانيّ للعلاقات الاجتماعيّة والعلاقات بين الأفراد في ما خصّ الخيرات والأموال وفي ما خصّ السلطة والحكم . وهي ، في مجال الدين ، الحاجة إلى الخلاص ، والقدرة على تجاوز الذات سعيًا إلى المطلق .

وتكتمل الأنظومة الثقافيّة بإضافة عنصرَين تجتمع فيهما الثقافة كلّها . أوّلهما اللغة بما هي أداة التثقيف وحاملة الثقافة وحافظتها ، وثانيهما التاريخ بما هو ديناميّة الإبداع الثقافيّ وفسحة وجود الثقافة في تجلّياتها وتطوّرها .

ولمزيد من الإيضاح ، يمكن ترتيب هذه العناصر جميعًا ضمن شبكةٍ من شأنها إظهار المنهج المعتمَد لتحليل الأنظومة الثقافيّة وتأويلها . وهو منهج ينطلق من المعطى الظاهر نحو استكشاف ما يستلزمه هذا المعطى الظاهر من شروط ونشاطات وقدرات . وتبدو الشبكة على الشكل الآتي .

 

الفصل الثاني

موقع الدين في الأنظومة الثقافيّة

يقتضي تحديد موقع الدين في الأنظومة الثقافيّة الوقوفَ على ماهيّة الثقافة ومقوّماتها ، ثمّ وصفَها بما هي أنظومة .

حاول كثير من علماء الاجتماع ، والإنسانيّات عمومًا ، تحديد الثقافة والتعبير عن ماهيّتها بجملةٍ تشمل جميع مقوّماتها ، انطلاقًا من التمييز بين الثقافة والطبيعة ، أي بين ما هو من صنع الانسان وما هو من معطيات الطبيعة ، وانطلاقًا من التمييز بين الثقافة بما هي صفة شخصيّة ذاتيّة يتّصف بها الإنسان الفرد المثقَّف ، والثقافة بما هي أمر اجتماعيّ وموضوعيّ وصفة مشتركة بين جميع الأفراد في مجتمعٍ ما . والكلّ يعرف محاولة كروبر وكلاكهون ضبطَ جميع التعريفات التي تقدّم بها كلّ مَن تناول بالبحث موضوع الثقافة . والكلّ يعرف أيضًا التحديد المألوف الذي قدّمه إدوارد تايلور وسلّم به معظم الباحثين في الثقافة والثقافات ، حيث قال : “ إنّ الثقافة أو الحضارة ، بمعناها الإتنوغرافيّ الواسع ، هي هذا المجموع المركَّب الذي يشمل المعارف والمعتقدات والفنّ والقانون والأخلاق والمعاملات وسائر الكفاءات والعادات التي يكتسبها الإنسان بما هو عضو في مجتمعٍ ما ” . كما يعرف الجميع كبف ذكر دوركايم أفعالاً اجتماعيّة ووصفها بأنّها “ طرائق الفعل والتفكير والشعور ” . ومعروف موقف كلود ليفي ستروس من الأنظومة الثقافيّة والأنظومة الاجتماعيّة ، حيث ميّز الثقافة بما هي طريقة تعامل الناس مع الطبيعة ، من الحضارة بما هي طريقة تعامل الناس في ما بينهم . وثمّة من حدّد الثقافة بأنّها تشمل الفنّ والأخلاق والدين ، وحدّد الحضارة بأنّها تشمل العلم والتقنية والتنظيم الاجتماعيّ . ويمكن ، في هذا الموضوع ، ذكر كثير من علماء الاجتماع ، نظير كاردينر ولينتون ومالينوفسكي وكثير غيرهم . وعند الفلاسفة ، معروفٌ موقف هيغل من كنه الثقافة أو التنشئة Bildung وتجلّياتها ووظائفها . كما يفيد الاطّلاع على ما كتب بيربيت في “ فلسفة الثقافة ” ، وما كُتب في هذا المادّة في “ معجم الفلسفة التاريخيّ ” .

1- مقوّمات الثقافة

في الأصل ، نجد موقفًا إجماليًّا من الكائنات ومن الحوادث ، أي موقفًا من الكون بما هو واقع معطى . وإجماليّة الموقف تعني أنّ الإنسان ، بجميع قدراته وجميع أبعاد كيانه ، انصبّ في علاقته بالكون على نحوٍ بات وجوده معه يتحدّد بهذا الموقف .

والمواقف على أشكال ، منها ، على سبيل المثال ، موقف قبول الواقع تبعًا لمبدإ الواقعيّة في نظريّة فرويد ، وموقف رضى التسليم تبعًا لمبدإ الرواقيّة ، وموقف الرفض الذي يتميّز به سنّ المراهقة ، وموقف التمرّد في نظريّة ألبير كامو ، وموقف الاعتماد على القدرة الذاتيّة المتمثّل بالبطل الأسطوريّ بروميتيوس عند الإغريق ، هذا البطل الذي بات رمزًا ومثالاً للإنسان العصريّ . وأيًّا كان الموقف الأساسيّ ، فهو ينعكس أو يعبّر عن نفسه ، منتقلاً من كونه ذاتًا إلى كونه موضوعًا ، في أشكال أو مجالات أربعة تتكوّن من جملتها المجالات والنشاطات التي تتحدّد بها وتؤدّيها الأنظومة الاجتماعيّة الثقافيّة .

المجال أو الشكل الأوّل هو التصوّرات ، وهي تنقسم مجموعتَين . تتألّف المجموعة الأولى منها رؤية إلى الكون ، أي تصوّر أمورٍ ، منها بداية الكون ونهايته ، وطبيعة الأشياء ، وموقع الإنسان في الكون ، ومصير الإنسان ، ومعنى الوجود … وتبدو هذه المجموعة من التصوّرات ذات طابع ماورائيّ ودينيّ أو أسطوريّ . تتألّف المجموعة الثانية من معارف تجريبيّة ، موضوعها العالم المحيط . وهي على صلة بالتصوّرات التي تتكوّن منها الرؤية إلى الكون ، أو هي موضوع تأويل في ضوء هذه الرؤية الشاملة إلى الكون . وتعبّر هذه التصوّرات جميعًا عن الموقف الأساسيّ من حيث هو النقطة المركزيّة التي يمتدّ منها النظر إلى الكائنات . وهي ، بدورها ، تتحكّم بالمجالات أو الأشكال الثلاثة التالية للتعبير الموضوعيّ عن الموقف الأساسيّ المذكور .

المجال أو الشكل الثاني هو السلوك أو التصرّف . وهو يفترض مجموعتين من العناصر . تتألّف المجموعة الأولى من قيَم ، وظيفتها أن تكون معيارًا للتصرّف . وتتألّف المجموعة الثانية من قواعد للسلوك الأخلاقيّ ، ونماذج لتنظيم العلاقات التي تتكوّن منها الحياة الجماعيّة في مجالات الاجتماع والاقتصاد والسياسة .

المجال أو الشكل الثالث هو الصنع أو الإنتاج . وهو يفترض نماذج للمعالجة التقنيّة للأشياء وفاقًا للحاجات .

المجال أو الشكل الرابع هو التعبير الفنّيّ . وهو يفترض أصولاً ومجموعةً من الرموز ونمطًا وأسلوبًا ، أو أنماطًا وأساليب ، في التعبير . وموضوع التعبير أو مضمونه إنّما هو الموقف الأساسيّ من حيث كونه منعكسًا في التصوّرات والسلوك والتقنيات .

هنا تجدر الإشارة إلى أنّ هذه العناصر التي تتكوّن منها البنية الثقافيّة هي نفسها عناصر البنية الذهنيّة ذات الطابع الجماعيّ ، مع احتمال وجود فوارق واختلافات عند الأفراد . ثمّ إنّ هذه الأنظومة تجد في اللغة وطرائق استعمالها تعبيرًا عنها . زدْ على ذلك أنّ الاختبار ، الفرديّ والجماعيّ ، يحدث تغييرات ، منها ما هو جوهريّ ومنها ما هو عرضيّ ، في بنيان العناصر . ومن هذه التغييرات ينتج مصيرٌ أو تاريخٌ ذو طابع خاصّ تتميّز به الأنظومة الاجتماعيّة الثقافيّة . وهذا المصير يحكمه الاختبار . إلاّ أنّه يتطوّر وفاقًا للبنية الثقافيّة الأساسيّة باعتبارها من الثوابت .

2- وصف الأنظومة الثقافيّة

ينطلق هذا الوصف من المبدإ القائل بأنّ الثقافة هي مجمل مرافق الحياة الجماعيّة ، بما هي نتاج النشاطات الإنسانيّة وتعبير عنها ، وبالتالي بما هي تجلّي القدرات والأبعاد المقوِّمة للكائن البشريّ .

هناك ، أوّلاً ، المرافق التي تتألّف منها الحياة الجماعيّة ، وهي مجالات التقنية والفنّ والأخلاق والعلم والمجتمع والدين . فيشمل مجال التقنية الأشياء المصنَّعة والأدوات والمهارات . ويشمل مجال الفنّ الأعمال والأساليب . ويشمل مجال الأخلاق أنماط السلوك والعادات والقواعد . ويشمل مجال العلم المعارف والنظريّات والمناهج . ويشمل مجال المجتمع العلاقات والأحكام والنُظم الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسياسيّة . ويشمل مجال الدين العقائد والعبادات والفنون الدينيّة والأخلاق المستوحاة من الدين والنُظم المقوِّمة للمجتمع الدينيّ .

ثمّ نلحظ أنّ كلاًّ من هذه المرافق تستقطبه قيمة من القيَم الحافزة للحياة أو النشاط الفرديّ والجماعيّ . وهذه القيَم ، باعتبارها الشروط الموضوعيّة المثاليّة ، هي ، على التتالي ، بالنسبة إلى المرافق الثقافيّة المذكورة ، المنفعة ، والجمال ، والخير ، والحقيقة ، والإنسان الآخر أو الخير العامّ ، والله .

ثمّ نلحظ النشاطات والمواقف المختلفة المتوافقة مع القيَم والمرافق الثقافيّة المذكورة . وهي نشاطات ومواقف مزدوجة بالنسبة إلى كلّ قيمة وكلّ مجال . فالإنسان ، فردًا أو جماعةً ، هو ، بالنسبة إلى المنفعة ، منتِج ومستهلِك في مجال التقنية . وهو ، بالنسبة إلى الجمال ، مبدِع ومتذوِّق في مجال الفنّ . وهو ، بالنسبة إلى الخير ، فاعل وحاكم في مجال الأخلاق . وهو ، بالنسبة إلى الحقيقة ، مبتكِر وناقد في مجال العلم والمعرفة . وهو ، بالنسبة إلى الإنسان الآخر ، في موقف الباحث عن التجمّع وموقف الباحث عن الاتّصال والمشاركة والتنظيم في مجال الحياة الاجتماعيّة . وهو ، بالنسبة إلى الله ، يكتفي بالإيمان أي بالتسليم والطاعة ، أو يسعى إلى تحقيق ذاته في أسمى أبعادها الإنسانيّة .

وأخيرًا نلحظ الشروط الذاتيّة ، أي الكفايات والقدرات التي تؤهّل الإنسان ليقوم بالنشاطات ويتّخذ المواقف المذكورة . وهي ، في مجال التقنية ، الذكاء العمليّ المؤهَّل لإنتاج ما ينفع ، والحاجات التي يسعى المستهلك إلى تلبيتها . وهي ، في مجال الفنّ ، العبقريّة ، أي القدرة على الإبداع ، والذوق ، أي القدرة على تمييز الجميل من القبيح . وهي ، في مجال الأخلاق ، الإرادة أو القدرة على الفعل ، والضمير أو القدرة على الحكم في ما هو خير وما هو شرّ . وهي ، في مجال العلم والمعرفة ، الذكاء النظريّ والمبدع ، القادر على إنتاج المعرفة واكتساب العلم ، والروح النقديّة أو القدرة على تمييز الحقّ من الباطل . وهي ، في مجال الحياة الجماعيّة ، غريزة التجمّع من أجل الشعور بالطمأنينة ، والقدرة على التنظيم العقلانيّ للعلاقات الاجتماعيّة والعلاقات بين الأفراد في ما خصّ الخيرات والأموال وفي ما خصّ السلطة والحكم . وهي ، في مجال الدين ، الحاجة إلى الخلاص ، والقدرة على تجاوز الذات سعيًا إلى المطلق .

وتكتمل الأنظومة الثقافيّة بإضافة عنصرَين تجتمع فيهما الثقافة كلّها . أوّلهما اللغة بما هي أداة التثقيف وحاملة الثقافة وحافظتها ، وثانيهما التاريخ بما هو ديناميّة الإبداع الثقافيّ وفسحة وجود الثقافة في تجلّياتها وتطوّرها .

ولمزيد من الإيضاح ، يمكن ترتيب هذه العناصر جميعًا ضمن شبكةٍ من شأنها إظهار المنهج المعتمَد لتحليل الأنظومة الثقافيّة وتأويلها . وهو منهج ينطلق من المعطى الظاهر نحو استكشاف ما يستلزمه هذا المعطى الظاهر من شروط ونشاطات وقدرات . وتبدو الشبكة على الشكل الآتي .

المجالات القيَم النشاطات والمواقف القدرات والكفايات
التقنية :

– أشياء مصنّعة
– أدوات
– مهارات

المنفعة – إنتاج
– استهلاك ، استعمال
– ذكاء عمليّ
– حاجات
الفنّ :

– أعمال
– أساليب

الجمال

– إبداع

– تذوّق وحكم

– عبقريّة
مخيّلة خلاّقة
– ذوق
الأخلاق :

– أنماط السلوك
– عادات
– قواعد

الخير
الشريعة
القانون
– فعل الخير
– الحكم في الخير والشرّ
– إرادة
– ضمير
العلم :

– معارف
– نظريّات
– مناهج

الحقيقة – إنتاج العلم
– الحكم في الحقّ والباطل
– ذكاء نظريّ
– روح نقديّة
المجتمع :

العلاقات
الاجتماعيّة
والاقتصاديّة
والسياسيّة

الإنسان الآخر
الخير العامّ
– المعيّة
– الاتّصال والمشاركة
– غريزة التجمّع
– تنظيم عقلانيّ للعلاقات
الدين :

– عقائد
– عبادات
– فنون
– أخلاق
– مؤسّسات

الله
الكائن الأسمى
المطلق
– التسليم والطاعة
– السعي إلى أصالة الكيان
– طلب الخلاص
– طلب المطلق

إذًا كانت مقوّمات الثقافة هذه محاولة الإجابة عن الأسئلة الآتية : ما هي المجالات الثقافيّة ؟ ما هي القيم التي تتميّز بها هذه المجالات ؟ ما هي الأنشطة التي يقوم بها الإنسان في كلٍّ من هذه المجالات لتحقيق القيم ؟ ما هي الوظائف أو القدرات التي تؤهّل الإنسان للقيام بهذه الأنشطة ؟

قد يفيد تبيين كيفيّة قراءة هذا الرسم . إنّه يُقرأ عموديًّا أو أفقيًّا . تطلعنا القراءة العموديّة على مجمل المجالات الثقافيّة ومجمل القيم ومجمل الأنشطة والمواقف ومجمل الوظائف والقدرات . وقد يتوضّح ذلك في القراءة الأفقيّة ، فهي تطلعنا بالتفصيل على مجمل ما يختصّ به كلٌّ من المجالات الثقافيّة .

فيشمل مجال التقنية جميع أنواع المصنوعات والأدوات وطرائق الصنع . والقيمة التي تحكم هذا المجال هي المنفعة ، أي توافق المصنوعات والحاجات من أجل تلبيتها . والأنشطة التي يقوم بها الإنسان كما المواقف التي يقفها الإنسان التقنيّ وإنسان الحاجات اليوميّة ، فهي أوّلاً الإنتاج ، أي تحويل الأشياء الطبيعيّة إلى مصنوعات أي أشياء تقنيّة تتوافق مع الحاجات ، وهي ثانيًا استعمال هذه المنتَجات والحكم عليها ، أي على أهليّتها لتلبية الحاجات . والوظائف والقدرات التي يُفترَض أن يمتلكها الإنسان للقيام بهذه الأنشطة هي أوّلاً الذكاء العمليّ الضروريّ للإنتاج والذي يتميّز به ما سمّاه برغسون “ الإنسان الصانع ” homo faber ، وهي ثانيًا الحاجات التي دفعت إلى إنتاج مصنوعات مفيدة .

على هذا النحو يمكن وصف المجالات الأخرى . فيشمل مجال الفنّ جميع أنواع الأعمال الفنّيّة وطرائق إنتاجها أو إبداعها . وذلك بغية تحقيق الجمال في أيٍّ من هذه الأعمال . والعمل الفنّيّ يقتضي أوّلاً عمليّة الإبداع ، وثانيًا التذوّق والحكم على قيمة العمل الجماليّة أي على درجة تحقيقه للجمال في كلٍّ من الفنون . ويقتضي ذلك ، عند الفنّان المبدع ، عبقريّة الإبداع أي المخيّلة الخلاّقة ، وعند المشاهِد والمتذوّق والناقد ، الذوق أي القدرة على الحكم والتقييم .

ويشمل مجال الأخلاق أنواع السلوك والعادات والقواعد . والقيمة التي تحكمه هي الخير ، المتمثّل بالشريعة والقانون . ويفترض هذا المجال أوّلاً الفعل الأخلاقيّ ، وهو بدوره يفترض الإرادة المسؤولة عن الفعل ، وثانيًا الحكم على الفعل وتقييمه ، ممّا يفترض عند الإنسان الضمير حكَمًا وقاضيًا .

ويشمل مجال المعرفة والعلم المعارف والمفاهيم والنظريّات والمناهج التي يتميّز بها كلّ نوع من أنواع العلوم . والقيمة التي تقاس بها المعرفة والعلم هي الحقيقة . ومعرفة الحقيقة تفترض أوّلاً إعمال العبقريّة العلميّة والقدرة على الاكتساب بحسب المناهج الخاصّة بكلٍّ من العلوم ، وثانيًا الحكم على المعارف والنظريّات وتقييمها بإعمال الروح النقديّ القادر على تمييز الحقّ والصحيح من الباطل والخطإ .

ويشمل مجال المجتمع العلاقات بين الناس ، كعلاقات العمل وعلاقات السلطة ، والنظم والمؤسّسات الاجتماعيّة التي تنظّم المجتمع في أشكاله : العيلة والاقتصاد والسياسة . والمجتمع لا يقوم ألاّ متى اعتُبر الإنسان الآخر قيمةً ، ومتى اعتَبر الجميع الخيرَ العامّ قيمةً . والمجتمع يتكوّن على صعيدين ، صعيد المعيّة الذي يلبّي غريزة التجمّع ، وصعيد الاتّصال في هيئة المودّة وفي هيئة التنظيم العقلانيّ .

وأخيرًا يشمل مجال الدين مجموع المعتقدات والعبادات والنظم الذي يجمع أفراد المجتمع الدينيّ . والدين لا يقوم إلاّ بقيمة هي الله أو الكائن الأسمى أو واجب الوجود أو المطلق ، علمًا أنّ الله يمكن اعتباره إمّا كائنًا أو قيمةً . والتديّن على نوعين من المواقف ، موقف الاعتقاد والطاعة ، طلبًا للخلاص أو النجاة ، حيث المتديّن يجعل نفسه غايةً والله وسيلةً ، في حين أنّ الموقف الثاني هو السعي إلى الأصالة عن طريق طلب المطلق أملاً بالاتّصال بالله أو الاتّحاد به ، حيث الغاية هو الله وليس الإنسان .

في الرسم لم يؤتَ على ذكر اللغة والتاريخ . ذلك أنّ اللغة والتاريخ ليسا مجالَين ثقافيَّين كما هو الحال بالنسبة إلى التقنية والفنّ والأخلاق وغيرها ، بل هما ، على نحوٍ ما مرادفَين للثقافة بمجملها . فاللغة ، بما هي مجموع كلمات وقواعد ، تحتوي الثقافةَ بجملتها لكونها تعبّر عنها . والكلام ، نطقًا وكتابةً ، هو الوظيفة التي من شأنها ابتداع اللغة واستخدامها وفهمها . ولذلك كان الكلام وظيفة اتّصال بين أفراد الناطقين باللغة الواحدة . من هنا كان الاتّصال الكلاميّ يفترض المجتمع ويُنشئه في آن ، حيث كان المجتمع أنظومة علاقات . ثمّ الكلام وظيفة رمزيّة ، حيث إنّ الكلام ، إذ يُنشئ اللغة أنظومةَ إشارات ، يبدو وظيفة تصوّر ، أي استبدال الإشارات بالأشياء ، وبالتالي فهو وظيفة تجريد وابتعاد عن الواقع المحسوس . ثمّ الكلام ، لكونه وظيفة رمزيّة ، يفترض مرجعًا تدلّ عليه الإشارات ، وهذا المرجع قد يكون إمّا اختبار الإنسان نفسه ، أو الواقع الخارجيّ . وأخيرًا ، لمّا كانت اللغة تحتوي الثقافة بجملتها ، أمكن اعتبار الثقافة أنظومة رموز ، أي لغة ، بل اللغة الإنسانيّة الشاملة ، الدالّة في آن على الوجود الإنسانيّ أوالوضعيّة الإنسانيّة ، وعلى الواقع الطبيعيّ بما هو محيط هذا الوجود . وبالتالي أمكن اعتبار اللغة أو الثقافة علاقة الناس بعضهم ببعض ، أو علاقة الإنسان بالطبيعة ، أو علاقة الذات بالموضوع ، ممّا يعني أنّ الإنسان يتحدّد بأنّه “ كائن في العالم أو للعالم ” ، كما عند هايدغر .

في ما خصّ التاريخ ، أوّل ما يتبادر إلى الذهن المفهومان المتلازمان ، مفهوم الإبداع ومفهوم التقليد ، حيث يجتمعان في مفهوم حركة التطوّر . إذّاك أمكن الانتقال إلى العلاقة بين الزمان والكينونة ، حيث يبدو أنّ الكينونة تعطي ذاتها أو تتجلّى في الزمان . على هذا النحو أمكن التقريب بين مفهوم انكشاف الكينونة ومفهوم التطوّر الخلاّق . ثمّ لدينا مفهوم التاريخيّة ، وهو يعني ، في ما يعني ، النسبيّة . إذّاك كلّ ما كان يتّصف بالمطلقيّة صار يتحدّد بكونه ما يحاول التاريخيّ والنسبـيّ أن يتحوّلا إليه ، وبذلك كان المطلق ، على نحوٍ ما ، ما سمّي معنى التاريخ أو اتّجاهه . والتاريخيّة هي في آن بُعد من أبعاد الذات وبُعد من أبعاد الواقع الموضوعيّ ، وبالتالي بُعد من أبعاد العلاقة بينهما . فهي إذن بُعد جوهريّ من أبعاد الثقافة ، والتاريخ هو عين الإبداع الثقافيّ .

يبقى النظر في العلاقة بين الفلسفة والثقافة . يمكن أوّلاً تصوّر هذه العلاقة على غرار العلاقة بين العيش والتفكير . فالمجالات الثقافيّة يمكن اعتبارها وجوهًا أو قطاعات للحياة أو للأنشطة الإنسانيّة ، في حين أنّ الفلسفة ليست أيًّا من هذه الأنشطة ، بل هي إعمال الفكر في هذه المجالات ، وهي تفكّر في أساس الأنشطة والمنتَجات الثقافيّة وفي قيمتها . لكن ، انطلاقًا من ذلك ، أمكن القول إنّ الفلسفة هي شكل الثقافة المتميّز ، لكون التفكير والوعي هما الدرجة الأسمى للعيش الإنسانيّ وتأصيل هذا العيش . وثمّة مقاربة ثالثة للعلاقة بين الفلسفة والثقافة ، هي مفهوم البراكسيس praxis أي التطبيق العمليّ . ليست البراكسيس موقف التأمّل الذي يفصل الفيلسوف عن العالم وعن مشكلات الحياة الواقعيّة . وهي ليست أيضًا مجرّد فعل أو تطبيق كما هو التصرّف الآليّ في النظريّة السلوكيّة behaviorism . البراكسيس ، بما هي فعل إنسانيّ ، هي الفعل الواعي والعقلانيّ . ومن هذا الوجه أمكن وصف الفلسفة بأنّها موقف نقديّ ، يُعنى بالواقع المحسوس ، ويحاول إثبات مقتضى الحقيقة في قلب الواقع ، كي يتكوّن الواقع على حقيقته .

في ختام هذا التحليل للأنظومة الثقافيّة ، لا بدّ من التوقّف عند الوظيفة الرمزيّة التي للثقافة .

يمكن تقسيم الأنظومة الثقافيّة مجموعتين من العناصر : التصوّرات والأعمال . والتصوّر والعمل هما نتاج عمليّتي المعرفة والفعل اللتين يقوم الإنسان بهما في علاقاته بالعالم . وحيث كان الفعل والمعرفة نوعين من العلاقة بين الذات والموضوع ، صارا بذلك تعبيرًا ، أي إشارةً أو رمزًا للذات وللموضوع في آن . والأمر ذاته ينسحب على التصوّرات والأعمال . فالمفاهيم هي تصوّرات ، أي إشارات أو رموز تدلّ على الواقع الذاتيّ والموضوعيّ . والأعمال التي تحقّق الأفكار أو المشاريع أو القيم هي نوع من تصوّر لها . لذا كانت الثقافة بمجملها أنظومة تعبير ، أي أنظومة إشارات أو رموز تشير أو ترمز إلى الإنسان في علاقاته بالعالم وباعتباره كائنًا في موقع .

أمّا أداة أيّ تعبير وأيّ اتّصال ، فهي الكلام بما هو أنظومة إشارات منطوقة أو مكتوبة ، أو بما هو أنظومة التعبير بوجه عامّ . بهذا المعنى ، يعبّر الإنسان عن ذاته بالثقافة ، والثقافة هي الكلام الشامل المعبّر عن الإنسان في وجوده المحسوس وفي تاريخه . وهي خاصّة من خصائص الإنسان ، لكونها شيئًا مكتسَبًا من طريق الاختراع أو التعلّم ، وليست شيئًا من طبيعة الإنسان الأحيائيّة . وكذلك التعبير بالكلمات هو من خصائص الإنسان ، لكون الكلمات مجموعة إشارات اصطلاحيّة ومتنقّلة وليست رموزًا طبيعيّة أو إشارات ملازمة ، ولكون التعبير بالكلمات يدلّ على المعاني والنوايا ، أكثر ممّا هو تصرّف طبيعيّ كالصراخ عند الألم مثلاً .

فإذا كانت الثقافة كلامًا ، بل لغة ، فالإشارات التي تتكوّن منها هي التصوّرات والأعمال ، أي ، تفصيلاً ، الحركات والتصرّفات والمواقف ، وأيضًا المنتَجات التقنيّة والأعمال الفنّيّة ، وأيضًا تقنيات الفعل والتفكّر ، والصوَر والذكريات والمفاهيم والنظريّات والقيم والأحكام ، وأيضًا الكلمات الحاملة والملازمة لجميع هذه العناصر جاعلةً لها ثباتًا واستمرارًا . وبمختصر القول ، كلّ ما في الثقافة ، من أشياء وحوادث وأشخاص ، هو في آن رمز وحقيقة .

إذّاك أمكن استنتاج أنّ ما يتميّز به الإنسان إنّما هو تلك القدرة على ابتداع الإشارات وفهمها واستعمالها ، وعلى اعتبار الشيء أو الحادثة أو الشخص قيمة . وبناءً على هذه الوظيفة الرمزيّة ، تظهر العلامات الأخرى التي يتميّز بها الكائن الإنسانيّ .

فالوظيفة الرمزيّة ، كما تجلّت في ما خصّ الأعمال والتصوّرات ، من شأنها إدراك علاقات العلّة بالمفعول ، والوسيلة بالغاية ، وعمومًا الإشارة بالمدلول . ولمّا كانت علاقة الوسيلة بالغاية تشبه ، بالنسبة إلى الفعل ، علاقة العلّة بالمفعول الذي تتناوله المعرفة العلميّة ، أمكنت ملاحظة أنّ هاتين العلاقتين تعود إلى علاقة الإشارة بالمدلول ، مع إمكان اعتبار العلّة والمفعول كما الوسيلة والغاية ، كلاًّ بدوره ، إشارة ومدلولاً . وفي مجال آخر ، يمكن اعتبار أداةٍ ما علاقةً ، لكونها الوسيلة لأهداف محدَّدة . وكذلك يمكن اعتبار نظريّةٍ ما أو أنظومةٍ فكريّةٍ ما وسائلَ أو أدواتٍ للتفكّر أو للفعل ، وبالتالي علاقاتٍ تفترض تفعيل الوظيفة الرمزيّة .

وإدراك العلاقات ، بدوره ، يفترض عمليّة التجريد . فالتجريد ، أوّلاً ، يتضمّنه التصوّر الذي به تتحدّد الإشارة ، لكون الإنسان ، بالإشارة أو التصوّر ، ينسلخ عن الشيء المحسوس الواحد فيحتفظ بالإشارة الواحدة للتدليل على أشياء محسوسة كثيرة . ثمّ إنّ العلاقة بحدّ ذاتها ليست شيئًا محسوسًا ، بل مفهومًا مجرّدًا ، أي إنّها ليست شيئًا يربط بين شيئين ، بل هي ربْط شيئين محسوسين . ولنا مثَل على العلاقة بهذا المعنى في “ العلبة التالية ” عند علماء النفس . فالشيء الموضوع أوّلاً في علبة أولى يُنقَل إلى علبة تالية . كلّ علبة على حدة هي شيء محسوس ، لكنّ “ العلبة التالية ” ليست علبة معيّنة ، بل هي أيّ علبة بدورها . والاختبار النفسيّ يظهر أنّ القرد يعجز عن إدراك هذه العلاقة ، أي انتقال الشيء من علبة إلى التالية ، في حين أنّ الطفل يدركها .

وأخيرًا يظهر التجريد في إدراك العكسيّة ، كما بيّنها الاختبار النفسيّ الذي أجراه عالم النفس بياجيه Piaget على الطفل ، حيث يتبيّن أنّ الطفل قد بلغ مستوى العقل التجريديّ متى وعى أنّه هو أخ لأخيه . ذلك أنّ مثل هذا الوعي يفترض قدرة الإنسان على أن ينفصل عن ذاته وأن يعتبر ذاته موضوعًا أو آخر .

عندئذٍ يُظهر التجريد أنّ ميزة الإنسان إنّما تقوم بقدرته على تجاوز ذاتيّته ، بحيث لا يعود سجين وضعيّته الطبيعيّة . وهذا ما قد عناه الكاتب والمفكّر الفرنسيّ مالرو بقوله إنّ الفنّ إنّما هو ضدّ القدَر . فالإنسان ، في نشاطه الفنّيّ مثلاً ، يحاول الإفلات من حتميّات وضعيّته وسجن طبيعته . وكذلك الأمر بالنسبة إلى النشاط الأخلاقيّ أو الدينيّ أو الفكريّ ، لكون هذه الأنشطة غالبًا ما تبدو مناقضة لرغبات الفرد الأحيائيّة أو لمصالحه الاجتماعيّة .

ويُحيل التجاوز إلى الحرّيّة بما هي ذات الإنسان ، وبما هي اسم مرادف للروح . وفي نهاية المطاف ، يمكن القول إنّ العلامات الدالّة على ما هو إنسانيّ هي العقل ، في ما خصّ المعرفة ، والإرادة ، في ما خصّ الفعل .

إذن كان العقل والإرادة مدلولي الثقافة ، وكانت الثقافة حاملة للذات الإنسانيّة . بذلك كنّا انتقلنا من تحليل الأنظومة الثقافيّة إلى تأويلها ، أي إلى معرفة مدلولها . وإذا كان مدلولها هو أوّلاً وآخرًا الإنسان نفسه ، كان علينا الوقوف على معالم الكائن الإنسانيّ كما تبدو من خلال الثقافة .

3- تأويل الثقافة

ثمّة تأويل مثاليّ أو روحيّ للثقافة يرى أنّ حقيقة الإنسان الروحيّة تتجلّى في الثقافة ، بمعنى أنّ الثقافة تدلّ على العبقريّة الإنسانيّة وعلى القيم المثاليّة . فالعمل الفنّيّ والسلوك الأخلاقيّ هما تحقيق لقيم جماليّة وأخلاقيّة . ومثل هذا التحقيق يعني في آن تحويل الواقع الإنسانيّ على مثال القيم ، وحركة التجاوز الإنسانيّ نحو عالم المثال .

في المقابل ، يربط التأويل الطبيعيّ أو المادّيّ الثقافة بالشروط النفسيّة والاجتماعيّة التي تجعل الإنسان كائنًا للعالم ومن العالم . فالمنتَجات التقنيّة غايتها تلبية الحاجات المادّيّة ، والأعمال الفنّيّة هي تعبير مقنَّع عن رغائب مكبوتة ، والسلوك الأخلاقيّ هو تأقلم مع المحرَّمات الاجتماعيّة ، أو هو ، في بعض من أشكاله ، خداع . في كلّ هذه الأحوال يظهر الإنسان في ذاته جملة من الحاجات والمصالح . فما يتميّز به ليس من بعدُ التأمّل في القيم ، بل السعي إلى إشباع شهواته ، وأيضًا العمل المنتِج لوسائل هذا الإشباع والمنتِج للإنسان نفسه .

على الرغم من التناقض الظاهر بين هذين الموقفين ، يمكن التوفيق بينهما ، شرط اعتبار مسألتي مصدر النشاط الثقافيّ وأساس قيمته متلائمتين ومتكاملتين . فما يدفع الرسّام ، مثلاً ، إلى الرسم وإلى رسم موضوعٍ معيّن ، إنّما هو أوضاعه النفسيّة والاجتماعيّة . لكنّ قيمة عمله الفنّيّ أساسها العبقريّة التي مكّنته من تجسيد القيم الجماليّة في عمله ، أي التي جعلته يبدع عملاً جميلاً . فالإنسان إذًا ليس روحًا وحسب ولا مادّةً وحسب ، بل هو في آن عبقريّة وحاجات .

ومن وجه آخر ، يحاول التأويل إدراك معنى الثقافة ، أي وصف موقف الإنسان من الواقع . يبدو أوّلاً هذا الموقف موقف الانكفاء أو الابتعاد عن الواقع : فبالثقافة يتخطّى الإنسان حدود الطبيعة ، ويتحرّر من سجن الواقع المحسوس الحاضر . ومردّ هذا الانكفاء إلى القدرة على التصوّر ، بمعنى أنّ الإنسان لا يُسائل الواقع ، بل يسائل تفكيره في الواقع . والتصوّر إعمال الوظيفة الرمزيّة ، التي بها تنوب الإشارات عن الواقع . والوظيفة الرمزيّة والتصوّر مرتبطان بالقدرة على التجريد . والتجريد يفترض الذكاء ، أي القدرة على إدراك الميزات الجوهريّة والكلّيّة بعد فصلها ذهنيًّا عن الواقع الفرديّ والمحسوس . ومن وجه آخر ، يعطي التجريدُ الإنسانَ أن يمتلك الماضي والمستقبل ، على الرغم من غيابهما ، وذلك باستحضارهما في شكل الذكر والمشروع . ولكون الثقافة انكفاءً وتصوّرًا ، فإنّها تُظهر استقلاليّة العقل والإنسان . وهي تبدو ، في كلٍّ من مجالاتها ، عمليّة تحرّر وحركة تجاوز بهما يتميّز وجود الإنسان وتاريخه .

امتدادًا لتأويل الثقافة ثمّة مساءلة الثقافة من وجهة النظر النفسيّة والاجتماعيّة والتاريخيّة . لن أعرض في هذا البحث لهذه المسائل ، بل أكتفي بعرض مجموعة من المسائل الفلسفيّة التي تثيرها الأنظومة الثقافيّة .

ثمّة مجموعتان من هذه المسائل الفلسفيّة . المجموعة الأولى تصدر عن القراءة الأفقيّة للأنظومة الثقافيّة . مثال على ذلك مجال الفنّ ، حيث يُسأل عمّا هو الفنّ وعمّا هو الجمال وعمّا هو الذوق وعمّا هو الإبداع الفنّيّ وعمّا هو التذوّق أو الحكم الفنّيّ . المجموعة الثانية تصدر عن القراءة العموديّة للأنظومة الثقافيّة ، حيث يكون السؤال عن القيم والمقاييس التي يتميّز بها كلٌّ من المجالات الثقافيّة ، وعن الأنشطة الثقافيّة ، وعن الوظائف التي يفترضها وجود الأنشطة . في هذا البحث أعرض لهذه المجموعة الثانية من المسائل ، وبالنسبة لكلٍّ منها أبدأ بالعرض الكلاسّيكيّ ، أُتبعه بمساءلات إضافيّة .

4) مسألة القيم

يتعلّق الوجه الأوّل لهذه المسألة بتحديد القيمة والقيم . يتضمّن مفهوم القيمة ثلاث ميزات . أوّلها التفضيل ، حيث يكون موقع القيمة في مجال الشعور والفعل ، وحيث تتحدّد بكونها الكائن ذاته في علاقته بالإرادة . ثمّ تعني القيمةُ المثالَ والمقياس ، في مقابل الواقع والمعطى الوضعيّ ، وبالتالي فهي ، من حيث وظيفتها المقياسيّة ، تدفع إلى مباشرة النشاط وتدلّ على غايته . وأخيرًا تعني القيمة صفةَ الموضوع بالنسبة إلى الذات ، بمعنى أنّ قيمة شيءٍ ما تكون على قدْر ملاءمته لديناميّة الإنسان الداخليّة ، أي لحاجاته أو تطلّعاته . أمّا القيم التي تحكم الأنشطة الثقافيّة والتي تتميّز بها المجالات الثقافيّة – وهي المنفعة ، والجمال ، والخير ، والحقيقة ، والآخر أو الخير العامّ ، والله – ، فهي تتلاءم والأنشطة المادّيّة والروحيّة المنتسبة إلى مجالات المعرفة والفعل والحياة الجماعيّة والتعالي .

يتعلّق الوجه الثاني للمسألة بالمجالات التي فيها يُطرح السؤال عن القيم . في علم النفس ، على عكس الحافز الموضوعيّ الذي تقول به النظريّة السلوكيّة ، يُظهر مفهوم العالم المحيط Umwelt أنّ الشيء لا يحفز إلاّ إذا أضفى الإنسان عليه قيمة ، أي إذا كان ذا قيمة بالنسبة إلى الإنسان . فالفعل وردّة الفعل يكوّنان عالم الشعور الذي من شأنه في الأساس تقييم الأشياء والدفع إلى الفعل ، كما يتحقّق ذلك في مبدإ اللذّة والشعور المنظِّم والانفعال المغالي في التقييم والشغف المقيّم حصرًا لكائن واحد . وأخيرًا ، في ما خصّ الميول ، يُسأل هل ثمّة ميول نحو قيم مثاليّة أم ليس ثمّة سوى الوظائف والدوافع . في مجال الاقتصاد ، تتحدّد قيمة الشيء المصنوع ، أي ثمنه ، وقيمة العمل ، أي أجرة العامل ، بالنسبة إلى قانون العرض والطلب ، وإلى العلاقة بين الحاجة والندرة . في مجال الأخلاق ، ينبع التشكيك في وجود قيم مثاليّة تقرّها ضمائر الناس كافّة من واقع اختلاف الناس في القيم الأخلاقيّة . من هنا كانت نظريّات النفسانيّة والاجتماعيّة والتاريخانيّة واللاهوتانيّة والعقلانيّة والظواهريّة . وينسحب السؤال على العلاقة بين القانون الطبيعيّ والقانون الوضعيّ ، والعلاقة بين الحقّ والقوّة . في مجال الجماليّات والمنطق والدين ، ثمّة نظريّات تؤسّس القيم الجماليّة والمنطقيّة والدينيّة على الكيان أو الطبيعة أو الله أو المجتمع أو البنى النفسيّة أو هيئة العقل أو الاختبار .

السؤال الثالث هو كيف تُصنَّف النظريّات في القيمة . علاوةً على المحاولات التي قام بها كلٌّ من رويّه ولافلّ وشيلر ، على سبيل المثال ، يمكن تصنيف النظريّات على أساس العوامل الموضوعيّة أو الذاتيّة التي بها تتحدّد أو عليها تتأسّس القيمة . فإذا كانت العوامل الموضوعيّة الله أو الطبيعة أو القيمة القائمة بذاتها ، كانت نظريّة اللاهوتانيّة أو الطبيعيّة والكونيّة أو الواقعيّة والأفلاطونيّة . وإذا كانت العوامل الذاتيّة الاختباريّة الديناميّةَ النفسيّة أو الظروف الاجتماعيّة ، كانت نظريّة النفسانيّة أو الاجتماعيّة . وإذا كانت العوامل الذاتيّة العقليّة الحرّيّةَ أو العقل ، كانت نظريّة الذاتيّة أو العقلانيّة . تجدر الإشارة إلى توافق العوامل الموضوعيّة والعوامل الذاتيّة : الله / الحرّيّة ، الطبيعة / الذات النفسيّة والاجتماعيّة ، الشيء في ذاته / العقل .

أمّا من وجهة نظر الموقف الإيجابيّ أو السلبـيّ من القيم ، فيمكن تصنيف النظريّات أربعة نماذج . ثمّة موقف إثبات القيم تمثّله الأفلاطونيّة والعقلانيّة والظواهريّة . وثمّة موقف نزع أسطوريّة القيم تمثّله لاهوتانيّة الوحي التوراتيّ والإنجيليّ والقرآنيّ ، القائلة بأنّ الله ، بمشيئته المطلقة ، وضع القيم والشرائع والأوامر . وثمّة موقف تحويل القيم واختراعها ، وهو الصيغة الدنيويّة للموقف السابق ، حيث استُبدل الإنسان بالله . وثمّة شكلان لهذا الموقف . الشكل الأوّل يُثبت ، كما فعل نيتشه ، إرادة القدرة والحياة والإنسان المتفوّق المنتسب إلى ديونيسوس والمنتصر على عدميّة القيم الإلهيّة والإنسانيّة . والشكل الثاني يثبت الحرّيّة ، كما فعل سارتر بقوله “ حيث كنتُ الكائن الذي به كانت القيم ، إنّي لا مبرّر لي ” ، أو بقوله “ إنّ الإنسان هو الكائن الذي يرمي إلى أن يكون الله ” ، “ إنّ الإنسان هو في الأساس رغبة في أن يكون الله ” . يماثل هذا الموقف موقف إنسانويّة الفعل المجّانيّ ،كما عند مالرو ، علمًا أنّ هذه الإنسانويّة هي إنسانويّة جماليّة . وثمّة الموقف الرابع والأخير يردّ القيم إمّا إلى الضرورة الكلّيّة ، كما عند سبينوزا ، أو إلى الجدليّة ، كما عند هيغل ، أو إلى إعلاء الرغبة ، كما عند فرويد ، أو إلى الخداع وتقنّع المصالح الطبقيّة ، كما عند ماركس ، أو إلى الوجدان الجماعيّ ، كما عند دوركايم .

السؤال الرابع والأخير تثيره ازدواجيّة القيم ، ممّا يجعل الفكر يتأرجح بين إثبات القيم وإنكارها . تعتبر الفلسفة المدرسيّة الوسيطيّة القيم خصائص مثاليّة متسامية ومطلقة . لكن كيف يمكن تصوّر قيمةٍ ما دون نسبتها إلى كائن اختباريّ أو عقليّ ناطق ، حيث تتيح نسبيّة القيم القول بأفول المطلقات . ثمّ على القيم أن تكون كلّيّة أو لا تكون قيمًا . لكن لا يسعها أن توجد حسّيًّا ما لم تتخصّص بفعل ظروف تطبيقها أو تجسيدها . ثمّ إنّ القيم تتعالى على الكائن الفاعل الذي يحتكم إليها . إلاّ أنّ هذا الكائن ، لكونه يعترف بها ويستبطنها لتكون له بمثابة حوافز داخليّة على الفعل ، يضفي عليها بذلك طابع الحضوريّة . وأخيرًا يبدو أنّ على القيم أن يتّصل بعضها ببعض ، بحيث يكون للفكر أن يُثبت ترادف الكينونة والحقيقة والخير ، كما في الفكر المدرسيّ الوسيطيّ وأيضًا في نظريّة الجماليّات في العصر الكلاسّيكيّ الفرنسيّ إذ قال بوالو Boileau “ لا جميل إلاّ الحقّ ” . لكنّ اختبار الإنسان للقيم يبدو بالحريّ اختبار تصادم بعضها ببعض ، واختبار الميل إلى ردّها عنوةً إلى الوحدة في إمبرياليّة قيمةٍ ما كالقيمة الأخلاقيّة ، أو في تفضيل قيمة وإقصاء غيرها كما في الموقف الجماليّ أو الموقف المنطقيّ الصرف .

هذا التحليل الكلاسّيكيّ يستتبع التفكير في بعض وجوه نظريّة القيم .

الموضوع الأوّل هو قائمة القيم ، وفيه موقف التراتبيّة أو الوحدانيّة أو التعدّديّة . الموقف التراتبـيّ يُثبت هرميّة القيم ، على أساس ذات الإنسان ككائن مادّيّ وروحيّ في آن ، علمًا أنّ كرامته تقوم على كونه كائنًا روحيًّا . مثال أوّل على ذلك تفضيل القيم الروحيّة ( الدين والأخلاق والفنّ والعلم ) المنسوبة إلى الثقافة ، على القيم المادّيّة ( التقنية والاقتصاد والسياسة ) المنسوبة إلى الحضارة . مثال ثانٍ على التراتبيّة الهرميّة ما نجده عند كانط من تمييز بين العقل الذي يُعتبَر غاية ، والطبيعة البشريّة التي تُعتبَر وسيلة . في هذا السياق الإنسانويّ ، كان للأشخاص قيمة الغاية ، وكان لأشكال التنظيم الاجتماعيّ قيمة الوسيلة . مثال ثالث على ذلك التمييز عند نيتشه بين قيم العبيد الدينيّة والإنسانيّة ، وقيم الأسياد كالحياة والحرّيّة والإبداع وإرادة القدرة . وعلى هذا النحو كان ، في المجتمع القديم ، عالم الأسياد يسيطر على عالم العبيد ، كما يفضُل تأمّل المثُل وفنّ الخطابة والحكم التقنيةَ والعمل ، وكما العلم والمعرفة épistèmè ژpirs–lg تفضُل التقنية والفنّ tekhnè sŒvmg. مثال رابع على التراتب الهرميّ للقيم نجده عند شيلر ، حيث درجات سلّم القيم تصعد من المستحَبّ إلى النافع ، ثمّ إلى الحيّ ، فإلى الروحيّ المتمثّل بالجماليّات والمنطق ، فإلى المقدَّس ، وحيث تقوم القيمة الأخلاقيّة بتحقيق القيم . مثال رابع على ذلك نجده عند لافِلّ ، حيث تتوزّع القيم بالنسبة إلى موقف الإنسان : فإذا كان الإنسان في العالم ، كانت القيم الاقتصاديّة والقيم العاطفيّة ، وإذا كان الإنسان أمام العالم ، كانت القيم العقليّة والجماليّة ، وإذا كان الإنسان فوق العالم ، كانت القيم الأخلاقيّة والدينيّة . مثال أخير على تراتب القيم ينطلق من القيم الأحيائيّة ( المفيد ) إلى القيم الاجتماعيّة ( الإنسان الآخر ) ، فإلى القيم المثلى ( الجمال والحقيقة والخير ) ، فإلى قيمة التعالي ( الله ) .

أمّا في موقف وحدانيّة القيم ، فتُعتبَر كلّ قيمة شيئًا مطلقًا بها يتكوّن الكون كلاًّ . ويرتبط اختيار هذه القيمة أو تلك مركزًا أو محورًا باختيارات سابقة عامّة ، روحيّة أو مادّيّة ، صادرة عن العالم النفسيّ أو الاجتماعيّ أو الثقافيّ . أمّا أشكال هذه الوحدانيّة ، فيمكن ردّها إلى ستّة وفاقًا للقيم الستّة التي تحكم مجالات الأنظومة الثقافيّة الستّة ، بحيث تكون المنفعيّة والجماليّة والأخلاقيّة واللاهوتانيّة وغيرها .

وأخيرًا ، إذا اعتُبر الإنسان كلاًّ محسوسًا ، كان موقف تعدّديّة القيم من دون أيّ تفضيل . عندئذٍ لن يكون السؤال أيّ القيم تكون مميِّزة للإنسان ، بل أيّ بنية قيم يتميّز بها الإنسان . والقول بالبنية مردّه إلى أن ليس من قيمة قائمة بذاتها .

الموضوع الثاني هو هذه الفكرة القائلة بأن ليس من قيمة قائمة بذاتها . ذلك أنّ القيمة ، أكانت دينيّة أم أخلاقيّة أم جماليّة أم منطقيّة ، تتحدّد بالنسبة إلى الإنسان ، بحيث يكون موقعها في نقطة تلاقي الأحيائيّ والنفسيّ والاجتماعيّ والثقافيّ والتاريخيّ . من وجه آخر ، لمّا كان للقيمة وظيفة الدافع ، كانت مصادر هذه الدوافع عوالم القيم في ذاتها ، أي الله ، والطبيعة أو الكون ، والمجتمع ، والميول . لكن لمّا كان الإنسان ينتمي إلى كلّ هذه العوالم في آن ، لم يكن ثمّة قيمة قائمة بذاتها .

الموضوع الثالث هو العلاقة بين القيمة والمطلق والواقع . إذا لم تكن قيمةٌ ما ما لم تكن مطلقة ، كان السؤال الأوّل ، بالنسبة إلى موقفَي وحدانيّة القيم وتعدّدها ، هل يصحّ القول بمطلق واحد أم بمطلقات كثيرة ، وهل يجب إخضاع القيم إلى واحدة منها تكون هي القيمة المطلقة ، أم ردّ القيم إلى أساس واحد ، الكينونة أم الله ، يكون هو المطلق . الاختبار الإنسانيّ يبدو ميّالاً إلى موقف تعدّديّة القيم ، مع أنّ هذا الموقف لا يتنافى والبحث عن أساس للقيم في الحقيقة أو الكيان . ولمّا كان الروح النقديّ يقضي بمعرفة الخير الحقيقيّ أو الحرّيّة الحقيقيّة ، أو العدل الحقيقيّ ، إلى ما هنالك من قيم ، وجب أن تكون الحقيقة هي الطابع المطلق لأيّ قيمة .

من وجه آخر ، تعني الحقيقة عين الكينونة . إذّاك يُطرح السؤال في واقعيّة القيم أو حقيقتها . تضاربت الأجوبة عن هذا السؤال ، فمنها ما أثبت القيم ، ومنها ما أنكرها ، ومنها ما ردّها إلى عوامل خارجة عنها . مثال على ذلك موقف المفكّر الفرنسيّ لاروشفوكو الذاهب إلى أن ليس من فضيلة حقيقيّة ، بل ثمّة تقنيع للمصلحة ولحبّ الذات . مثال على ذلك أيضًا موقف فرويد بأنّ القيم تتولّد من عمليّة الإعلاء ، وأنّ هذا الإعلاء ليس إلاّ شكلاً من أشكال تقنيع الرغبة المكبوتة . لكن يمكن الإجابة عن السؤال بالعودة إلى الاختبار أو الوجود الإنسانيّ ، حيث أمكن القول في القيمة ، كما في المثال ، إنّها موجودة وغير موجودة في آن . فهي موجودة بما هي دافع وغاية ومشروع للفعل . وهي غير موجودة بمعنى أنّه لا يمكن تحقيقها يالكامل . الفرق بين المثال والواقع يدلّ على أنّ القيمة المثاليّة لا يمكن تحقيقها ولا تصوّرها بالكامل ، وعلى أنّ تصوّر القيمة يتوضّح تدريجًا وفاقًا لواقع تحقيقها . إذّاك يتبيّن أنّ القيمة تلازم عمليّة التقييم .

الموضوع الرابع هو نوع من تأويل للتسلسل التاريخيّ للمواقف الإنسانيّة من القيم . المقصود بذلك تاريخ المقدَّس ، الذي يبدو في الواقع تاريخ نزع القداسة . والمقصود أيضًا تاريخ التقييم ، وهو أيضًا يبدو في الواقع تاريخ نقض القيم وأفول المطلقات . ومراحل هذا التاريخ هي الآتية : إضفاء القيمة على الآلهة أي ، في اللاوعي ، على الطبيعة ، وهذا موقف مركزيّة الألوهة . إضفاء القيمة على الله ، وهذا موقف التوحيد . إضفاء القيمة على الطبيعة ، وهذا موقف مركزيّة الكون . إضفاء القيمة على الإنسان ، أي إثبات الإنسان مصدرَ التقييم والكائنَ المقيّم ، وهذا موقف مركزيّة الإنسان . نزع القيمة أو نفي القيمة ، المتمثّل بحركة أو عمليّة نزع الأسطوريّة ونزع القدسيّة وكشف الخداع ، بهدف تقييم اللوغوس والعقل العلميّ والاختبار والواقعيّة ، وهذا موقف النسبيّة .

5- مسألة الأنشطة

لا حاجة هنا إلى عرض الأنشطة من وجهة النظر النفسيّة ، حيث تُصنَّف الأنشطة نوعين ، هما التصوّر في مجال المعرفة ، والعمل في مجال الفعل ، بهما يبدو الإنسان منتِجًا للثقافة . تكفي مساءلة المعطيات النفسيّة من منطلق فلسفيّ ، وذلك بعرض كلاسّيكيّ لمسألة الأنشطة الإنسانيّة ، يليه عرض لموضوعات تُسائل العرض الكلاسّيكيّ .

أوّلاً يمكن نسبة فعل عَرَفَ إلى المعرفة ، ونسبة الأفعال صَنَعَ وأبْدَعَ وتَصَرَّفَ على التتالي إلى التقنية والفنّ والأخلاق ، في حين أنّ المعيّة والاعتقاد يدلاّن على موقفين شاملين لا يُنسَبان إلى المعرفة ولا إلى الفعل . لكن ، إذا صحّ القول بحياة جماعيّة وحياة دينيّة ، صحّ بالمقابل أنّ المعرفة تفترض فعليًّا شكلاً من أشكال الفعل ، وأنّ الفعل في جميع أشكاله يتضمّن عند الإنسان شيئًا من التصوّر ، بحيث يصحّ القول بحياة معرفيّة وتقنيّة وفنّيّة وأخلاقيّة .

ثانيًا يمكن ردّ نماذج النشاط العامّة إلى ثلاثة : النشاط الآليّ ، والنشاط العفويّ ، والنشاط الإراديّ . ومثال القائم بكلٍّ من هذه الأنشطة هو الآلة ، والحيوان ، والإنسان . والعوامل والميزات لكلٍّ منها هي المادّة المتميّزة بالجماديّة ، والحياة المتميّزة بالديناميّة والطاقة ، والوجدان المتميّز يالتحكّم والقدرة على الجمع . وهذه النماذج تخصّ المعرفة والفعل على السواء . فتداعي الصوَر ، كما ترابط الارتكاسات ، هو ، في النظريّة التجريبيّة والسلوكيّة ، عمليّة آليّة . وديناميّة الميول تظهر في الإدراك العفويّ وتخيّل الأحلام ، كما في السلوك العاديّ المتكيّف مع الظروف والسلوك الانفعاليّ والشغفيّ . والإرادة تتدخّل في الحياة الأخلاقيّة والدينيّة ، وأيضًا في الاعتقادات والأحكام .

ثالثًا يمكن تحليل إجراء الأنشطة ، كما تحليل العوامل والظروف المتعلّقة بهذا الإجراء ، على الوجه الآتي . يمكن ردّ الفعل الآليّ إلى العلاقة الآليّة بين الحافز والجواب ، علمًا أنّ الارتكاسات البسيطة تتفاعل يالتسلسل في التصرّف المركّب . والفعل العفويّ يفترض ، فضلاً عن الحافز الخارجيّ ، حوافز داخليّة كالإفرازات الباطنيّة ، ودوافع داخليّة أي ميول وغرائز ، وأساليب فعل فطريّة كالغرائز أو مكتسبة كالعادات . والفعل الإراديّ في وضعٍ ما يفترض معرفة السؤال الذي يطرحه هذا الوضع ، ومعرفة إمكانات الردّ العامّة والفرديّة الراهنة مع اعتبار الوسائل والعوائق ، ومعرفة المقاييس أي القيم والقوانين والمبادئ التي يحكم اختيار ردّ من بين الردود الممكنة ، ويفترض اختيار ردٍّ ما وفاقًا للقيم وللدوافع الداخليّة ، والقيام بالردّ باستعمال الوسائل والتقنيات الطبيعيّة والمكتسبة . أمّا نتائج السلوك الإراديّ المتوقَّعة أو غير المتوقّعة ، فهي موضوع إرادة أو قبول كما تُقبَل المجازفة . وقد يتطابق هذا التحليل مع التحليل المعروف لمراحل الفعل الإراديّ ، وهي المشروع والتفكّر والقرار والتنفيذ ، حيث تتدخّل كلّ العوامل التي يتكوّن منها الكائن الإنسانيّ ، وهي العقل والذكاء العمليّ ، والميول ، والوجدان المتحكّم بالميول ، والجسد ، والعادات . ويُعتبَر الفعل الإراديّ مميِّزًا للإنسان ، لكون التفكّر يسبق فيه التنفيذ .

رابعًا وامتدادًا للسؤال السابق ، يمكن تحديد موقع النشاط بالنسبة إلى منبعه وموضوعه ووسيلته . منبع أيّ نشاط هو ديناميّة الميول الساعية إلى تلبيتها . والموضوع الذي يقصده النشاط هو ما يلبّي الميول ، أي ما يسعى الناشط إلى الحصول عليه كي يكتمل صاحب الميول في كيانه . والوسيلة التي تنظّم النشاط وتجعله مطابقًا للهدف هي الذكاء أي القدرة على إدراك العلاقات بين الأشياء وبين الأفكار ، علمًا أنّ الذكاء هو الوسيلة لأيّ توافق مع الظروف . وثمّة حالتان أساسيّتان لنشاط الميول ، هما الوعي واللاوعي . بالوعي يوسّع الإنسان أبعاده ، بحيث يتخطّى الحاضر ويستحضر الماضي والمستقبل ، وبالتالي يتمكّن من السيطرة على الحاضر . لكنّ النشاط الواعي يبقى مثالاً يمتنع إدراكه ، ويبقى ، في شكلَيه كفعل إراديّ وكتفكّر عقليّ ، هدفًا لا ينتهي السعي إلى بلوغه ولا يُتيقَّن الحصول عليه .

انطلاقًا من هذا العرض ، ثمّة موضوعات يجدر التفكّر فيها .

أوّلها ، كما كان الأمر بالنسبة إلى مسألة القيم ، واقع تعدّد الأنشطة . فالسؤال هو هل يجب إثبات هرميّة الأنشطة ، أم محاولة ردّها إلى نموذج نشاط واحد ، أم الاكتفاء بتسجيل تعدّدها ومحاولة معرفة كيف تمكن الوحدة انطلاقًا من الكثرة . قد يكون ترتيب الأنشطة في شكل هرميّ ، على سبيل المثال ، باعتبار المعرفة والإبداع متفوّقَين على الصنع ، وقد يكون أيضًا ، ضمن النشاط الواحد ، باعتبار أحد وجوهه متفوّقًا على ما سواه . على هذا النحو وعلى سبيل المثال قد يُعتبَر الوجه الروحيّ في الفنّ أو في الدين متفوّقًا على الوجه المادّيّ للأنشطة الفنّيّة والدينيّة . مثل هذا التمحور حول الروح والمادّة يؤدّي إلى موقف الوحدانيّة الروحيّة أو الوحدانيّة المادّيّة ، وإلى تحديد الإنسان إمّا بعنصر أنشطته الروحيّ وحده أو بعنصر أنشطته المادّيّ وحده . ويمكن اعتبار وحدانيّة الأنشطة متوازيًا مع وحدانيّة القيم . فعلى سبيل المثال ، يرى الموقف اللاهوتيّ أنّ الفعل الأكثر أصالةً بالنسبة إلى الإنسان هو الاعتقاد ، ويرى الموقف الجماليّ أنّه الإبداع ، ويرى الموقف العقلانيّ أو العلمويّ أنّه المعرفة . أمّا في نظرة واقعيّة وشاملة للإنسان ، فيبدو الموقف الصحيح القبول بتعدّد الأنشطة ، دون محاولة تصنيفها هرميًّا ودون تفضيل الأنشطة المعتبَرة روحيّة على الأنشطة المعتبَرة مادّيّة .

ثاني الموضوعات المطروحة على التفكير هو القول بأن ليس من نشاط خالص ، بمعنى أنّ أيّ نشاط اعتُبِر نفسيًّا أو روحيًّا هو في الواقع مزيج من مادّة وروح . مثال على ذلك الانتباه ، فهو حدث نفسيّ يفترض موقفًا جسديًّا وفعل الميول . كذلك الإرادة ، فهي ليست قوّة روحيّة كما ظنّ بيران Maine de Biran ، بل هي تجميع الميول والتحكّم بها ، وهي لا تتمّ إلاّ عند التنفيذ ، وإلاّ لما كانت سوى أمنيّة . كذلك الفعل الحرّ لا يتعارض والحتميّة الطبيعيّة ، بل يفترضها وسيلةً ليتحقّق ، فالفعل الإراديّ لا يتمّ ما لم يتوسّل العادة والانفعال ، أي ما يبدو غير إراديّ . وفي مجال التفكير ، لا يتمّ الحكم بفعل العقل الصرف ، بل بتضافر أفعال العقل والإرادة والأهواء والأحكام المسبّقة . ثمّ لا يتمّ التفكير من دون الكلام ، أي من دون مادّيّة الكلمات . والمعرفة العلميّة لا تتمّ من دون التقنية ، كما لا تتقدّم التقنية إلاّ بتقدّم العلم . والفعل الفنّيّ ليس إبداعًا مطلقًا ، بل يفترض العمل الفنّيّ فعل الثقافة والأهواء والعقل والتقنيات ، وهو تحقيق مادّيّ لقيمة مثاليّة . والأخلاق ليست قطّ مثاليّة ، فالناس لا يتساءلون إلاّ في ما يستطيعون الجواب عنه ، كما قال ماركس ، أي إنّهم لا يفرضون على أنفسهم من الواجبات الأخلاقيّة إلاّ ما يستطيعون القيام به . ثمّ إنّ الأخلاق لا تقوم بتأمّل القيم ، بل بتحقيقها في عالم الواقع المحسوس . والإيمان الدينيّ لا يخلو ممّا يعبّر عنه ، وممّا قد يشوّهه ، والتعبير الثقافيّ عن الإيمان هو الأنظومة الدينيّة . وصحّ أنّ الإيمان يغتذي بالممارسة والأعمال . والمعيّة ليست مودّة صافية ولا احترامًا مثاليًّا للأشخاص ، فالمجتمع يتكوّن أيضًا بالمصالح وتنازع القوى . ومن وجه آخر ، يتأنسن النشاط المعتبَر أحائيًّا بعلاقته بالوجدان ، فمثلاً يتميّز الإنسان من الحيوان بأنّ الحيوان يأكل في حين أنّ الإنسان يتناول الطعام وفاقًا لأدبيّات هذا الفعل .

موضوع التفكّر الثالث هو أن ليس من نشاط كامل ، أي من نشاط يحقّق تمامًا القيمة المقصودة ويتمّ وفاقًا لهيئة هذا النشاط المثاليّة . فالأنشطة الناجحة ذاتها يجب القيام بها مجدّدًا ، ونتائجها يجب تجاوزها . ليس من فنّان ولا من فاعل في مجال الأخلاق ولا من مؤمن ولا من عالِم يرضى بنشاطه كما قام به ويعتقد أنّه قد توصّل إلى تحقيق قيم الجمال والخير والإيمان والحقيقة بأفعاله وفي أعماله . وهذا يوافق ما ورد سابقًا في القيم المثاليّة ، من أنّها في آن موجودة وغير موجودة . ومردّ هذا التفاوت بين المثال والواقع إلى أنّ الإنسان كائن تاريخيّ ، فهو لا يوجد ، بل يصير ، وهو ليس معطًى ، بل يجب أن يكون .

أخيرًا ، على الرغم من الخليط الذي يتميّز به أيٌّ من الأنشطة ، قد يتبادر إلى الذهن محاولة فرز العامل الإنسانيّ من سائر العوامل الروحيّة والمادّيّة التي تتشابك في أيّ نشاط . في هذا المنحى ، صحيح أنّ السلوك الإراديّ عمليّة معقّدة يتداخل فيها العقل والميول والجسد ، لكن قد يقال إنّ العنصر المحدَّد الذي يجعل هذا السلوك سلوكًا إراديًّا هو القرار . من هنا ينتج تصوّر الإرادة حرّيّة الاختيار المطلقة . كذلك الفكر يوجد في الكلام ، لكنّ ما هو أساسيّ ليس الكلمة المادّيّة ، لأنّها لم تصر كلمة إلاّ بفضل العقل الذي صيّرها إشارة . وكذلك صحيح أنّ الفنّان هو أيضًا صانع ، لكنّه ليس فنّانًا لأنّه صانع . لكن ليس المقصود فرز عاملٍ ما واعتباره حقيقة مستقلّة ولو تركّب مع غيره من العوامل في شكل بنية أو إجراء . المقصود بالحريّ هو تصوّر النشاط في شكل بنية وإجراء ، حيث البنية وليس العنصر هي التي يتميّز بها النشاط كنشاط إنسانيّ .

6- مسألة الوظائف

في البدء ، كما في المسألتين السابقتين ، عرض كلاسّيكيّ للمسألة ، يتبعه ذكر موضوعات للتفكّر في المسألة .

أوّل العرض الكلاسّيكيّ تعداد الوظائف التي تفترضها نماذج النشاط الموافقة للقيم وللمجالات الثقافيّة . وذلك بملاحظة أنّ أيّ وظيفة هي في الواقع وظيفتان ، بمعنى أنّ لها وجهًا إنتاجيًّا ووجهًا تقبّليًّا . مثال على ذلك مجال التقنية ، حيث تحكم المنفعة كقيمة الصنعَ والتلبية ، إذ كان هدف تلبية الحاجات هو الذي أوجد الصنع والإنتاج ، وأوجد مجال التقنية في الأنظومة الثقافيّة . والتلبية تفترض الحاجات ، وإنتاج الأشياء المفيدة يفترض الذكاء العمليّ . لكن ليس من فصل بين الحاجات والذكاء ، حيث الواقع هو واقع إجراء شامل يكون فيه الكائن الإنسانيّ هو الذي لُبّيت حاجاته وهو الذي أنتج الأشياء الضروريّة لتلبية حاجاته . وهذا يفترض تلازم الحاجات والذكاء ، ويفترض أيضًا طرائق عمل ابتدعها الذكاء وفاقًا لإمكانات الجسد .

كذلك الأمر بالنسبة إلى الوجدان الجماليّ ، حيث يفعل بما هو ذوق أي حكم جماليّ يفترضه تمييز ما هو جميل ، وبما هو تأمّل أي تذوّق ، ويفعل أيضًا بما هو عبقريّة فنّيّة يفترضها إبداع الأعمال الفنّيّة .

وعلى هذا النحو يمكن القول إنّ الضمير الأخلاقيّ يفعل في آن بما هو حكم يفترضه تمييز الخير قبل الفعل وبعده ، وبما هو إرادة أي عبقريّة أخلاقيّة يفترضها إبداع القيم الأخلاقيّة ، كما يفترضها أيضًا القرار والفعل الأخلاقيّ في سياق الحياة اليوميّة .

في مجال العلم ، وعلى العموم في مجال الفكر ، يفعل الوجدان المنطقيّ بما هو حكم أي روح نقديّ يفترضه تمييز ما هو حقّ وصحيح ، ويفعل بما هو عبقريّة علميّة يفترضها الإبداع المعرفيّ والعلميّ .

والتجمّع أو المجتمع يلبّي الحاجة إلى الحماية عند الأفراد ، علمًا أنّ المجتمع يُعتبَر الوسيلة الشاملة لتلبية جميع حاجات الأفراد . والمجتمع يوجده تقييم الإنسان الآخر ، بمعنى احترام الشخص أو المودّة والعطف . ومن الطبيعيّ تلازم المودّة والحاجة إلى التجمّع .

والدين والموقف الإيمانيّ يتوافقان مع وظيفة ذات وجهين ، وجه الحاجة إلى الخلاص أو النجاة ، حيث يهتمّ المؤمن بنفسه ، ووجه طلب المطلق ، وهو الإيمان الحقيقيّ ، حيث يتضمّن توحيد الوجود بالنسبة إلى قطب مطلق .

النقطة الثانية توضيح مفهوم الوظيفة . قد يفي الغرض تعارض مفهوم الملَكة ومفهوم الوظيفة . في الفلسفة القديمة والوسيطيّة ، تُعتبَر الملَكة حقيقة ماورائيّة ، بمعنى أنّها قوّة يفترضها ويُظهرها الفعل المنظور ، وهي قائمة حتّى في حين أنّها لا تفعل ، فهي إذن قوّة كامنة والسبب المباشر للأفعال ، في حين أنّ الإنسان هو السبب غير المباشر لهذه الأفعال والفاعل بواسطة الملَكات .

وقد تعرّض هذا المفهوم الماورائيّ للانتقاد . معروف القول “ إنّ الأفيون ينوّم لأنّ له قوّة على التنويم ” الذي جعل أوغوست كونت يعتبر التعليل الماورائيّ تجريدًا ليس له محتوى محسوس ، ولغوًا لا معنى له . ومعروف موقف كانط من الماورائيّات ، حيث يرى أنّها أمر غير محقَّق ، بل أمر يمتنع تيقّنه معرفيًّا .

يحاول مفهوم الوظيفة تحاشي هذا الارتباك الماورائيّ . فنجد ، في “ معجم الفلسفة التقنيّ والنقديّ ” الذي أشرف عليه لالاند ، أنّ الوظيفة ، في علم النفس ، ليست مرتبطة بعضو خاصّ بل بأنظومة علل مركَّزة على الأهداف العامّة الواحدة . وهي تتضمّن معنى العلاقة . وفي مقابل الظاهرة ، تدلّ على القوّة الكامنة والقدرة والأهليّة . وفي مقابل البنية ، تدلّ على الديناميّة . وفي مقابل الوصف والتحليل ، تدلّ على المنفعة والدور والغائيّة والمعنى . يمكن ، مع علماء النفس نظير كلاباريد وبياجيه وأصحاب نظريّة الهيئة Gestalttheorie ، القول إنّ مفهوم الوظيفة يذكّر بمفاهيم التنظيم والتوازن والإجراء والبنية لتبيين أنّ السلوك هو حالة خاصّة من حالات التبادل بين العالم الخارجيّ والذات تفترض في آن وجهًا معرفيًّا هو تنظيم ، ووجهًا عاطفيًّا هو التقييم .

النقطة الثالثة تصنيف الوظائف . تُقسَم الوظائف عادةً ثلاثة أقسام ، وظائف الحياة العاطفيّة ، ووظائف الحياة المعرفيّة ، ووظائف الحياة العمليّة . لكن منهم من ردّها ، كما رأى بياجيه ، إلى وجهين ، وجه المعرفة أو البنية ، ووجه العاطفة أو الطاقة . ومنهم من ميّز بين الكفاءات والمواقف ، بمعنى أنّ المواقف تعبّر عن الطبع بعوامله ، الانفعاليّة والفاعليّة والترصّنيّة secondarité ، أو عن الميول أو الديناميّة النفسيّة ، في حين أنّ الكفاءات تدخل في عالم الأدوات . بهذا المعنى قال برجيه “ إنّ الطبع يوجّه نحو غايات ، فيما الكفاءات تؤمّن الوسائل الكفيلة ببلوغها ” . ويميّز برجيه أيضًا بين الكفاءات الفيزيائيّة والحواسّيّة والمحرِّكة والحسّيّة الحركيّة والعقليّة .

هذان الوجهان ، العاطفيّ والمعرفيّ ، ينقسم كلٌّ منهما قسمين ، في حال اعتُمد التمييز الماورائيّ بين الحسّيّ والعقليّ . فيصير لنا المعرفة الحسّيّة والنزوع الحسّيّ ، وبالمقابل المعرفة العقليّة والنزوع العقليّ أي الإرادة .

انطلاقًا من مفهوم النزوع هذا يمكن الانتقال إلى مفهوم الديناميّة أي الميل . يتحدّد الميل بأنّه قوّة طبيعيّة موجَّهة نحو أهداف . والميل ليس التصرّفات والمشاعر والتصوّرات التي يتجلّى فيها ، بل هو قوّة كامنة تفترضها التصرّفات المرئيّة دون أن تكون هي نفسها مرئيّة . كون الميل ذا طابع الكمون والغائيّة يجعله موضوع تشكيك في نظر علم النفس الموضوعيّ . ويميّز برادين الميول المزيّفة التي سمّاها “ الميول إلى ” ، وحدّدها بأنّها مجرّد ارتكاسات لاتّقاء خطر راهن ، من الميول الحقيقيّة التي هي “ ميول نحو ” الشيء الملائم .

بناءً على مفهوم الميل هذا ، صُنّفت الميول ميولاً أنانيّة وإيثاريّة ومثاليّة ، وفاقًا للمقصود ، وهو الأنا أو الآخر أو قيم الجمال والخير والحقيقة . واختلف علماء النفس حول هذه الميول . فمنهم مَن ارتأى أن يردّ كلّ الميول إلى الأنانيّة . ومنهم ، مثل برادين ، مَن قال إنّ من جوهر الميل أن لا ينكفئ على الأنا ، بل أن يتوجّه إلى موضوع ، ولا يصير أنانيًّا إلاّ بإفساد حركته الطبيعيّة ، بمعنى أنّ الإنسان يقصد لذّة تلبية ميوله ، بدلاً من قصده التلبية الطبيعيّة للميل بامتلاك الموضوع الملائم .

انطلاقًا من هذا المفهوم ومن هذا الخلاف في النظريّات ننتقل إلى مفاهيم الحاجة والطلب والرغبة ، وإلى مفهوم الدافع pulsion ، في علم التحليل النفسيّ .

يحدّد لاكان Lacan مفاهيم التحليل النفسيّ على النحو الآتي : الحاجة تقصد شيئًا ملائمًا يلبّيها . والطلب يعبّر عنه الإنسان مخاطبًا الإنسان الآخر ، وهو طلب مودّة . والرغبة تتولّد من الفجوة القائمة بين الحاجة والطلب ، وهي علاقة باستيهام وليس بشيء واقعيّ ، وهي تفرض نفسها دون الاكتراث لكلام الإنسان الآخر ولاوعيه ، وتقضي أن يعترف بها هذا الآخر كشيء مطلق . والاستيهام هو تركيب الإشارات التي بها تبحث الذات عن موضوعها . والإشارات هي آثار تذكّريّة أو تكرّر هَلسيّ للإدراكات الحسّيّة . وفي هذا ما يذكّر بمفهوم الممثّل النفسيّ في لغة فرويد .

أمّا الدافع – Trieb بالألمانيّة – ، فهو إجراء ديناميّ أي عمليّة دفع ، بمعنى أنّه شحنة طاقة أو عامل حركيّة يجعل الجهاز العضويّ ينزع إلى هدف . وتحديد مفهوم الدافع يكون بتحديد منبعه ، وهو إثارة جسديّة أو حالة توتّر ، وبتحديد غايته ، وهي إزالة حالة التوتّر ، وبتحديد موضوعه ، لأنّ الدافع يبلغ هدفه في موضوعه أو بفضله . وتُحيل إزالة حالة التوتّر إلى مبدإ الثبات أو مبدإ النيرفانا . تجدر الإشارة إلى أنّ فرويد يعتبر الدافع تصوّرًا يقع بين النفسيّ والجسديّ – كما الممثّل النفسيّ – وأنّه يتمسّك ، على الرغم من منتقديه ، بالتمييز بين دوافع الحياة erôs “qx| ودوافع الموت thanatos h0maso| ، وأخيرًا أنّه يعلم جيّدًا أنّ نظريّة الدوافع ليس لها الطابع الوضعيّ العلميّ بالمعنى الدقيق ، حيث يقول “ إنّ نظريّة الدوافع هي نوعًا ما أسطورتنا ” . يبقى أن نتذكّر بنية النفسيّة كما يراها فرويد ، بدرجاتها الثلاث ، الهو والأنا والأنا المثاليّ أو الأعلى . أمّا في ما خصّ مفهوم الحاجة وتصنيف الحاجات لدراستها اختباريًّا ، يُراجَع كتاب مورّيه .

وفي موضوع الوظائف ثمّة تساؤلات يجدر التفكّر فيها .

أوّلاً ، كما كان الأمر بالنسبة إلى القيم والأنشطة ، كذلك يجب الامتناع عن ترتيب الوظائف ترتيبًا هرميًّا ، قد يؤدّي إلى انقسام في الكائن الإنسانيّ ، أو إلى ثنائيّة قد يتأسّس عليها تصوّر روحيّ أو تصوّر مادّيّ لما يتميّز به الكيان الإنسانيّ . على عكس ذلك ، يمكن ، كما فعل بياجيه ، تصوّر وظيفة الذكاء مثلاً باعتبارها “ هيئة التوازن التي تقصدها جميع البنى والتي تتكوّن منذ الإدراك الحسّيّ والعادة والأواليات الحسّيّة المحرِّكة ” . ثمّة درجات وتفاوت بين الوظائف ، لكن لا يصحّ القول إنّ الدرجة الأعلى هي وحدها خاصّة الإنسانيّة .

أمّا الأهمّيّة التي ينسبها التحليل النفسيّ الفرويديّ للشهوانيّة ( ليبيدو libido ) ، بما هي التجلّي الديناميّ للدافع الجنسيّ في الحياة النفسيّة ، فهي لا تعني أنّ التحليل النفسيّ يثبت وحدانيّة الوظائف ، بل تعني أنّ جميع الوظائف قد يكون لها لون جنسيّ أي أنّها قد تعبّر عن الدافع الجنسيّ . بيد أنّه تجدر الإشارة إلى تطبيق التحليل النفسيّ على الثقافة . في هذه النظريّة ، ليست الأعمال الفنّيّة ، كما هو حال الأحلام ، سوى تعبير مقنَّع عن رغبة مكبوتة . وأشكال التقنيع هي التحويل والإعلاء والانعكاس والإسقاط والارتداد . وكما الفنّ ، كذلك الأخلاق والدين هي أيضًا إعلاءات وتتجذّر في عقدة أويديبوس . والأنا الأعلى أو المثاليّ ، وإن كان استبطانًا للمحرَّمات الاجتماعيّة ، فإنّ هذا الاستبطان يتجذّر في الحاجة إلى الأمان .

ثانيًا ، كما قيل في القيم والأنشطة ، كذلك يمكن القول بعدم وجود وظائف خالصة ، بمعنى أنّ ثمّة وظائف مادّيّة ووظائف روحيّة تفعل كلٌّ منها على حدة ، بلا تداخل الروحيّ والمادّيّ . ذلك أنّ الكائن الإنسانيّ ، إذا تجلّى في تصرّفاته ، فمن البديهيّ أنّ العوامل المختلفة تتضافر وتنتظم لإنتاج هذه التصرّفات . فوجه المعرفة ووجه العاطفة ، وأيضًا وجه البنية ووجه الطاقة ، كلّ هذه الأوجه متلازمة ومترابطة . وفي رأي سيكولوجيا الهيئة Gestaltpsychologie “ يفترض السلوك حقلاً شاملاً يحتوي على الذات والموضوعات ، وديناميّة هذا الحقل تكوّن المشاعر ( هكذا عند ليفين ) ، في حين أنّ بناء هذا الحقل تقوم بها الإدراكات الحسّيّة والحركيّة والذكاء ” . إذن ليس من وظيفة تعمل على انفراد . فالحاجات من دون الذكاء لن تمكّن من إيجاد الوسائل الكفيلة بتلبيتها . والحكم العقليّ والاعتقاد تؤثّر فيهما الأهواء والأحكام المسبّقة . والإرادة ليست بشيء من دون الميول والعادات . والضمير الأخلاقيّ هو إجراء نفسيّ اجتماعيّ معقَّد . والمخيّلة الخلاّقة عند الفنّان هي على السواء هوى ولاوعي ، وعقل وتقنية .

ثالثًا ، ليس من وظيفة كاملة لا تخطئ . فاختبارات الخيبة مردّها ليس إلى العوائق الخارجيّة وحسب ، بل أيضًا إلى النقائص الطبيعيّة وإلى محدوديّة المؤهِّلات . في هذا السياق يكتب برجيه : “ يجب الإجابة عن السؤال الخطير الذي طرحه بوضوح غريجيه Grieger : لماذا هناك جهد لا يُجدي ؟ ” بصدد ذلك ، يجدر التفكير في قول كانط في كتابه “ نقد القدرة على الحكم ” : “ سؤال يُطرَح في مذهب الغائيّة الأنتروبولوجيّة : لماذا وُضع في طبيعتنا الميل إلى تكوين رغبات نعرف أنّها لن تُلبّى . يبدو أنّنا ، إذا لم نقدم على استعمال القوى التي أوتيناها إلاّ متى تأكّدنا مسبّقًا من فعّاليّة قدرتنا على الإنتاج الموضوعيّ ، لَما استُعملت هذه القوى في غالب الأحيان . ذلك أنّنا ، على وجه العموم ، لا نعرف قوانا إلاّ عند استعمالها . هذا الوهم ، وهم الرغبات التي لا تُلبّى ، ليس إلاّ نتيجة نزعة مفيدة في طبيعتنا ” .

إذًا كان موقع الدين في الأنظومة الثقافيّة ، وكان الدين مجالاً كغيره من مجالات الثقافة . إلاّ أنّه قد يشمل سائر مجالات الأنظومة الثقافيّة ، بمعنى أنّ ثمّة تقنية دينيّة تقوم بإنتاج ما يتيح القيام بالعبادات ، وفنًّا دينيًّا يقوم بالتعبير عن الرموز الدينيّة ، وأخلاقًا دينيّة يسلك المؤمن بموجبها ، ومعرفة دينيّة في شكل الاعتقاد بمعطيات الدين التي لا يدركها الاختبار الإنسانيّ ولا العقل الإنسانيّ ، ومجتمعًا دينيًّا ينتمي إليه كلّ من اعتنق دينًا معيّنًا . ممّا يعني أنّ ثمّة أنظومة دينيّة متكاملة العناصر .

 

المجالات القيَم النشاطات والمواقف القدرات والكفايات
التقنية :

– أشياء مصنّعة

– أدوات

– مهارات

المنفعة – إنتاج

– استهلاك ،         استعمال

– ذكاء عمليّ

– حاجات

الفنّ :

– أعمال

– أساليب

الجمال – إبداع

– تذوّق وحكم

– عبقريّة ،

مخيّلة خلاّقة

– ذوق

الأخلاق :

– أنماط السلوك

– عادات

– قواعد

الخير

الشريعة

القانون

– فعل الخير

– الحكم في الخير والشرّ

– إرادة

– ضمير

العلم :

– معارف

– نظريّات

– مناهج

الحقيقة – إنتاج العلم

– الحكم في الحقّ والباطل

– ذكاء نظريّ

– روح نقديّة

المجتمع :

العلاقات

الاجتماعيّة

والاقتصاديّة

والسياسيّة

الإنسان الآخر

الخير العامّ

– المعيّة

– الاتّصال والمشاركة

– غريزة التجمّع

– تنظيم عقلانيّ للعلاقات

الدين :

– عقائد

– عبادات

– فنون

– أخلاق

– مؤسّسات

الله

الكائن الأسمى

المطلق

– التسليم والطاعة

– السعي إلى أصالة الكيان

– طلب الخلاص

– طلب المطل

إذًا كانت مقوّمات الثقافة هذه محاولة الإجابة عن الأسئلة الآتية : ما هي المجالات الثقافيّة ؟ ما هي القيم التي تتميّز بها هذه المجالات ؟ ما هي الأنشطة التي يقوم بها الإنسان في كلٍّ من هذه المجالات لتحقيق القيم ؟ ما هي الوظائف أو القدرات التي تؤهّل الإنسان للقيام بهذه الأنشطة ؟

قد يفيد تبيين كيفيّة قراءة هذا الرسم . إنّه يُقرأ عموديًّا أو أفقيًّا . تطلعنا القراءة العموديّة على مجمل المجالات الثقافيّة ومجمل القيم ومجمل الأنشطة والمواقف ومجمل الوظائف والقدرات . وقد يتوضّح ذلك في القراءة الأفقيّة ، فهي تطلعنا بالتفصيل على مجمل ما يختصّ به كلٌّ من المجالات الثقافيّة .

فيشمل مجال التقنية جميع أنواع المصنوعات والأدوات وطرائق الصنع . والقيمة التي تحكم هذا المجال هي المنفعة ، أي توافق المصنوعات والحاجات من أجل تلبيتها . والأنشطة التي يقوم بها الإنسان كما المواقف التي يقفها الإنسان التقنيّ وإنسان الحاجات اليوميّة ، فهي أوّلاً الإنتاج ، أي تحويل الأشياء الطبيعيّة إلى مصنوعات أي أشياء تقنيّة تتوافق مع الحاجات ، وهي ثانيًا استعمال هذه المنتَجات والحكم عليها ، أي على أهليّتها لتلبية الحاجات . والوظائف والقدرات التي يُفترَض أن يمتلكها الإنسان للقيام بهذه الأنشطة هي أوّلاً الذكاء العمليّ الضروريّ للإنتاج والذي يتميّز به ما سمّاه برغسون “ الإنسان الصانع ” homo faber ، وهي ثانيًا الحاجات التي دفعت إلى إنتاج مصنوعات مفيدة .

على هذا النحو يمكن وصف المجالات الأخرى . فيشمل مجال الفنّ جميع أنواع الأعمال الفنّيّة وطرائق إنتاجها أو إبداعها . وذلك بغية تحقيق الجمال في أيٍّ من هذه الأعمال . والعمل الفنّيّ يقتضي أوّلاً عمليّة الإبداع ، وثانيًا التذوّق والحكم على قيمة العمل الجماليّة أي على درجة تحقيقه للجمال في كلٍّ من الفنون . ويقتضي ذلك ، عند الفنّان المبدع ، عبقريّة الإبداع أي المخيّلة الخلاّقة ، وعند المشاهِد والمتذوّق والناقد ، الذوق أي القدرة على الحكم والتقييم .

ويشمل مجال الأخلاق أنواع السلوك والعادات والقواعد . والقيمة التي تحكمه هي الخير ، المتمثّل بالشريعة والقانون . ويفترض هذا المجال أوّلاً الفعل الأخلاقيّ ، وهو بدوره يفترض الإرادة المسؤولة عن الفعل ، وثانيًا الحكم على الفعل وتقييمه ، ممّا يفترض عند الإنسان الضمير حكَمًا وقاضيًا .

ويشمل مجال المعرفة والعلم المعارف والمفاهيم والنظريّات والمناهج التي يتميّز بها كلّ نوع من أنواع العلوم . والقيمة التي تقاس بها المعرفة والعلم هي الحقيقة . ومعرفة الحقيقة تفترض أوّلاً إعمال العبقريّة العلميّة والقدرة على الاكتساب بحسب المناهج الخاصّة بكلٍّ من العلوم ، وثانيًا الحكم على المعارف والنظريّات وتقييمها بإعمال الروح النقديّ القادر على تمييز الحقّ والصحيح من الباطل والخطإ .

ويشمل مجال المجتمع العلاقات بين الناس ، كعلاقات العمل وعلاقات السلطة ، والنظم والمؤسّسات الاجتماعيّة التي تنظّم المجتمع في أشكاله : العيلة والاقتصاد والسياسة . والمجتمع لا يقوم ألاّ متى اعتُبر الإنسان الآخر قيمةً ، ومتى اعتَبر الجميع الخيرَ العامّ قيمةً . والمجتمع يتكوّن على صعيدين ، صعيد المعيّة الذي يلبّي غريزة التجمّع ، وصعيد الاتّصال في هيئة المودّة وفي هيئة التنظيم العقلانيّ .

وأخيرًا يشمل مجال الدين مجموع المعتقدات والعبادات والنظم الذي يجمع أفراد المجتمع الدينيّ . والدين لا يقوم إلاّ بقيمة هي الله أو الكائن الأسمى أو واجب الوجود أو المطلق ، علمًا أنّ الله يمكن اعتباره إمّا كائنًا أو قيمةً . والتديّن على نوعين من المواقف ، موقف الاعتقاد والطاعة ، طلبًا للخلاص أو النجاة ، حيث المتديّن يجعل نفسه غايةً والله وسيلةً ، في حين أنّ الموقف الثاني هو السعي إلى الأصالة عن طريق طلب المطلق أملاً بالاتّصال بالله أو الاتّحاد به ، حيث الغاية هو الله وليس الإنسان .

في الرسم لم يؤتَ على ذكر اللغة والتاريخ . ذلك أنّ اللغة والتاريخ ليسا مجالَين ثقافيَّين كما هو الحال بالنسبة إلى التقنية والفنّ والأخلاق وغيرها ، بل هما ، على نحوٍ ما مرادفَين للثقافة بمجملها . فاللغة ، بما هي مجموع كلمات وقواعد ، تحتوي الثقافةَ بجملتها لكونها تعبّر عنها . والكلام ، نطقًا وكتابةً ، هو الوظيفة التي من شأنها ابتداع اللغة واستخدامها وفهمها . ولذلك كان الكلام وظيفة اتّصال بين أفراد الناطقين باللغة الواحدة . من هنا كان الاتّصال الكلاميّ يفترض المجتمع ويُنشئه في آن ، حيث كان المجتمع أنظومة علاقات . ثمّ الكلام وظيفة رمزيّة ، حيث إنّ الكلام ، إذ يُنشئ اللغة أنظومةَ إشارات ، يبدو وظيفة تصوّر ، أي استبدال الإشارات بالأشياء ، وبالتالي فهو وظيفة تجريد وابتعاد عن الواقع المحسوس . ثمّ الكلام ، لكونه وظيفة رمزيّة ، يفترض مرجعًا تدلّ عليه الإشارات ، وهذا المرجع قد يكون إمّا اختبار الإنسان نفسه ، أو الواقع الخارجيّ . وأخيرًا ، لمّا كانت اللغة تحتوي الثقافة بجملتها ، أمكن اعتبار الثقافة أنظومة رموز ، أي لغة ، بل اللغة الإنسانيّة الشاملة ، الدالّة في آن على الوجود الإنسانيّ أوالوضعيّة الإنسانيّة ، وعلى الواقع الطبيعيّ بما هو محيط هذا الوجود . وبالتالي أمكن اعتبار اللغة أو الثقافة علاقة الناس بعضهم ببعض ، أو علاقة الإنسان بالطبيعة ، أو علاقة الذات بالموضوع ، ممّا يعني أنّ الإنسان يتحدّد بأنّه “ كائن في العالم أو للعالم ” ، كما عند هايدغر .

في ما خصّ التاريخ ، أوّل ما يتبادر إلى الذهن المفهومان المتلازمان ، مفهوم الإبداع ومفهوم التقليد ، حيث يجتمعان في مفهوم حركة التطوّر . إذّاك أمكن الانتقال إلى العلاقة بين الزمان والكينونة ، حيث يبدو أنّ الكينونة تعطي ذاتها أو تتجلّى في الزمان . على هذا النحو أمكن التقريب بين مفهوم انكشاف الكينونة ومفهوم التطوّر الخلاّق . ثمّ لدينا مفهوم التاريخيّة ، وهو يعني ، في ما يعني ، النسبيّة . إذّاك كلّ ما كان يتّصف بالمطلقيّة صار يتحدّد بكونه ما يحاول التاريخيّ والنسبـيّ أن يتحوّلا إليه ، وبذلك كان المطلق ، على نحوٍ ما ، ما سمّي معنى التاريخ أو اتّجاهه . والتاريخيّة هي في آن بُعد من أبعاد الذات وبُعد من أبعاد الواقع الموضوعيّ ، وبالتالي بُعد من أبعاد العلاقة بينهما . فهي إذن بُعد جوهريّ من أبعاد الثقافة ، والتاريخ هو عين الإبداع الثقافيّ .

يبقى النظر في العلاقة بين الفلسفة والثقافة . يمكن أوّلاً تصوّر هذه العلاقة على غرار العلاقة بين العيش والتفكير . فالمجالات الثقافيّة يمكن اعتبارها وجوهًا أو قطاعات للحياة أو للأنشطة الإنسانيّة ، في حين أنّ الفلسفة ليست أيًّا من هذه الأنشطة ، بل هي إعمال الفكر في هذه المجالات ، وهي تفكّر في أساس الأنشطة والمنتَجات الثقافيّة وفي قيمتها . لكن ، انطلاقًا من ذلك ، أمكن القول إنّ الفلسفة هي شكل الثقافة المتميّز ، لكون التفكير والوعي هما الدرجة الأسمى للعيش الإنسانيّ وتأصيل هذا العيش . وثمّة مقاربة ثالثة للعلاقة بين الفلسفة والثقافة ، هي مفهوم البراكسيس praxis أي التطبيق العمليّ . ليست البراكسيس موقف التأمّل الذي يفصل الفيلسوف عن العالم وعن مشكلات الحياة الواقعيّة . وهي ليست أيضًا مجرّد فعل أو تطبيق كما هو التصرّف الآليّ في النظريّة السلوكيّة behaviorism . البراكسيس ، بما هي فعل إنسانيّ ، هي الفعل الواعي والعقلانيّ . ومن هذا الوجه أمكن وصف الفلسفة بأنّها موقف نقديّ ، يُعنى بالواقع المحسوس ، ويحاول إثبات مقتضى الحقيقة في قلب الواقع ، كي يتكوّن الواقع على حقيقته .

في ختام هذا التحليل للأنظومة الثقافيّة ، لا بدّ من التوقّف عند الوظيفة الرمزيّة التي للثقافة .

يمكن تقسيم الأنظومة الثقافيّة مجموعتين من العناصر : التصوّرات والأعمال . والتصوّر والعمل هما نتاج عمليّتي المعرفة والفعل اللتين يقوم الإنسان بهما في علاقاته بالعالم . وحيث كان الفعل والمعرفة نوعين من العلاقة بين الذات والموضوع ، صارا بذلك تعبيرًا ، أي إشارةً أو رمزًا للذات وللموضوع في آن . والأمر ذاته ينسحب على التصوّرات والأعمال . فالمفاهيم هي تصوّرات ، أي إشارات أو رموز تدلّ على الواقع الذاتيّ والموضوعيّ . والأعمال التي تحقّق الأفكار أو المشاريع أو القيم هي نوع من تصوّر لها . لذا كانت الثقافة بمجملها أنظومة تعبير ، أي أنظومة إشارات أو رموز تشير أو ترمز إلى الإنسان في علاقاته بالعالم وباعتباره كائنًا في موقع .

أمّا أداة أيّ تعبير وأيّ اتّصال ، فهي الكلام بما هو أنظومة إشارات منطوقة أو مكتوبة ، أو بما هو أنظومة التعبير بوجه عامّ . بهذا المعنى ، يعبّر الإنسان عن ذاته بالثقافة ، والثقافة هي الكلام الشامل المعبّر عن الإنسان في وجوده المحسوس وفي تاريخه . وهي خاصّة من خصائص الإنسان ، لكونها شيئًا مكتسَبًا من طريق الاختراع أو التعلّم ، وليست شيئًا من طبيعة الإنسان الأحيائيّة . وكذلك التعبير بالكلمات هو من خصائص الإنسان ، لكون الكلمات مجموعة إشارات اصطلاحيّة ومتنقّلة وليست رموزًا طبيعيّة أو إشارات ملازمة ، ولكون التعبير بالكلمات يدلّ على المعاني والنوايا ، أكثر ممّا هو تصرّف طبيعيّ كالصراخ عند الألم مثلاً .

فإذا كانت الثقافة كلامًا ، بل لغة ، فالإشارات التي تتكوّن منها هي التصوّرات والأعمال ، أي ، تفصيلاً ، الحركات والتصرّفات والمواقف ، وأيضًا المنتَجات التقنيّة والأعمال الفنّيّة ، وأيضًا تقنيات الفعل والتفكّر ، والصوَر والذكريات والمفاهيم والنظريّات والقيم والأحكام ، وأيضًا الكلمات الحاملة والملازمة لجميع هذه العناصر جاعلةً لها ثباتًا واستمرارًا . وبمختصر القول ، كلّ ما في الثقافة ، من أشياء وحوادث وأشخاص ، هو في آن رمز وحقيقة .

إذّاك أمكن استنتاج أنّ ما يتميّز به الإنسان إنّما هو تلك القدرة على ابتداع الإشارات وفهمها واستعمالها ، وعلى اعتبار الشيء أو الحادثة أو الشخص قيمة . وبناءً على هذه الوظيفة الرمزيّة ، تظهر العلامات الأخرى التي يتميّز بها الكائن الإنسانيّ .

فالوظيفة الرمزيّة ، كما تجلّت في ما خصّ الأعمال والتصوّرات ، من شأنها إدراك علاقات العلّة بالمفعول ، والوسيلة بالغاية ، وعمومًا الإشارة بالمدلول . ولمّا كانت علاقة الوسيلة بالغاية تشبه ، بالنسبة إلى الفعل ، علاقة العلّة بالمفعول الذي تتناوله المعرفة العلميّة ، أمكنت ملاحظة أنّ هاتين العلاقتين تعود إلى علاقة الإشارة بالمدلول ، مع إمكان اعتبار العلّة والمفعول كما الوسيلة والغاية ، كلاًّ بدوره ، إشارة ومدلولاً . وفي مجال آخر ، يمكن اعتبار أداةٍ ما علاقةً ، لكونها الوسيلة لأهداف محدَّدة . وكذلك يمكن اعتبار نظريّةٍ ما أو أنظومةٍ فكريّةٍ ما وسائلَ أو أدواتٍ للتفكّر أو للفعل ، وبالتالي علاقاتٍ تفترض تفعيل الوظيفة الرمزيّة .

وإدراك العلاقات ، بدوره ، يفترض عمليّة التجريد . فالتجريد ، أوّلاً ، يتضمّنه التصوّر الذي به تتحدّد الإشارة ، لكون الإنسان ، بالإشارة أو التصوّر ، ينسلخ عن الشيء المحسوس الواحد فيحتفظ بالإشارة الواحدة للتدليل على أشياء محسوسة كثيرة . ثمّ إنّ العلاقة بحدّ ذاتها ليست شيئًا محسوسًا ، بل مفهومًا مجرّدًا ، أي إنّها ليست شيئًا يربط بين شيئين ، بل هي ربْط شيئين محسوسين . ولنا مثَل على العلاقة بهذا المعنى في “ العلبة التالية ” عند علماء النفس . فالشيء الموضوع أوّلاً في علبة أولى يُنقَل إلى علبة تالية . كلّ علبة على حدة هي شيء محسوس ، لكنّ “ العلبة التالية ” ليست علبة معيّنة ، بل هي أيّ علبة بدورها . والاختبار النفسيّ يظهر أنّ القرد يعجز عن إدراك هذه العلاقة ، أي انتقال الشيء من علبة إلى التالية ، في حين أنّ الطفل يدركها .

وأخيرًا يظهر التجريد في إدراك العكسيّة ، كما بيّنها الاختبار النفسيّ الذي أجراه عالم النفس بياجيه Piaget على الطفل ، حيث يتبيّن أنّ الطفل قد بلغ مستوى العقل التجريديّ متى وعى أنّه هو أخ لأخيه . ذلك أنّ مثل هذا الوعي يفترض قدرة الإنسان على أن ينفصل عن ذاته وأن يعتبر ذاته موضوعًا أو آخر .

عندئذٍ يُظهر التجريد أنّ ميزة الإنسان إنّما تقوم بقدرته على تجاوز ذاتيّته ، بحيث لا يعود سجين وضعيّته الطبيعيّة . وهذا ما قد عناه الكاتب والمفكّر الفرنسيّ مالرو بقوله إنّ الفنّ إنّما هو ضدّ القدَر . فالإنسان ، في نشاطه الفنّيّ مثلاً ، يحاول الإفلات من حتميّات وضعيّته وسجن طبيعته . وكذلك الأمر بالنسبة إلى النشاط الأخلاقيّ أو الدينيّ أو الفكريّ ، لكون هذه الأنشطة غالبًا ما تبدو مناقضة لرغبات الفرد الأحيائيّة أو لمصالحه الاجتماعيّة .

ويُحيل التجاوز إلى الحرّيّة بما هي ذات الإنسان ، وبما هي اسم مرادف للروح . وفي نهاية المطاف ، يمكن القول إنّ العلامات الدالّة على ما هو إنسانيّ هي العقل ، في ما خصّ المعرفة ، والإرادة ، في ما خصّ الفعل .

إذن كان العقل والإرادة مدلولي الثقافة ، وكانت الثقافة حاملة للذات الإنسانيّة . بذلك كنّا انتقلنا من تحليل الأنظومة الثقافيّة إلى تأويلها ، أي إلى معرفة مدلولها . وإذا كان مدلولها هو أوّلاً وآخرًا الإنسان نفسه ، كان علينا الوقوف على معالم الكائن الإنسانيّ كما تبدو من خلال الثقافة .

3- تأويل الثقافة

ثمّة تأويل مثاليّ أو روحيّ للثقافة يرى أنّ حقيقة الإنسان الروحيّة تتجلّى في الثقافة ، بمعنى أنّ الثقافة تدلّ على العبقريّة الإنسانيّة وعلى القيم المثاليّة . فالعمل الفنّيّ والسلوك الأخلاقيّ هما تحقيق لقيم جماليّة وأخلاقيّة . ومثل هذا التحقيق يعني في آن تحويل الواقع الإنسانيّ على مثال القيم ، وحركة التجاوز الإنسانيّ نحو عالم المثال .

في المقابل ، يربط التأويل الطبيعيّ أو المادّيّ الثقافة بالشروط النفسيّة والاجتماعيّة التي تجعل الإنسان كائنًا للعالم ومن العالم . فالمنتَجات التقنيّة غايتها تلبية الحاجات المادّيّة ، والأعمال الفنّيّة هي تعبير مقنَّع عن رغائب مكبوتة ، والسلوك الأخلاقيّ هو تأقلم مع المحرَّمات الاجتماعيّة ، أو هو ، في بعض من أشكاله ، خداع . في كلّ هذه الأحوال يظهر الإنسان في ذاته جملة من الحاجات والمصالح . فما يتميّز به ليس من بعدُ التأمّل في القيم ، بل السعي إلى إشباع شهواته ، وأيضًا العمل المنتِج لوسائل هذا الإشباع والمنتِج للإنسان نفسه .

على الرغم من التناقض الظاهر بين هذين الموقفين ، يمكن التوفيق بينهما ، شرط اعتبار مسألتي مصدر النشاط الثقافيّ وأساس قيمته متلائمتين ومتكاملتين . فما يدفع الرسّام ، مثلاً ، إلى الرسم وإلى رسم موضوعٍ معيّن ، إنّما هو أوضاعه النفسيّة والاجتماعيّة . لكنّ قيمة عمله الفنّيّ أساسها العبقريّة التي مكّنته من تجسيد القيم الجماليّة في عمله ، أي التي جعلته يبدع عملاً جميلاً . فالإنسان إذًا ليس روحًا وحسب ولا مادّةً وحسب ، بل هو في آن عبقريّة وحاجات .

ومن وجه آخر ، يحاول التأويل إدراك معنى الثقافة ، أي وصف موقف الإنسان من الواقع . يبدو أوّلاً هذا الموقف موقف الانكفاء أو الابتعاد عن الواقع : فبالثقافة يتخطّى الإنسان حدود الطبيعة ، ويتحرّر من سجن الواقع المحسوس الحاضر . ومردّ هذا الانكفاء إلى القدرة على التصوّر ، بمعنى أنّ الإنسان لا يُسائل الواقع ، بل يسائل تفكيره في الواقع . والتصوّر إعمال الوظيفة الرمزيّة ، التي بها تنوب الإشارات عن الواقع . والوظيفة الرمزيّة والتصوّر مرتبطان بالقدرة على التجريد . والتجريد يفترض الذكاء ، أي القدرة على إدراك الميزات الجوهريّة والكلّيّة بعد فصلها ذهنيًّا عن الواقع الفرديّ والمحسوس . ومن وجه آخر ، يعطي التجريدُ الإنسانَ أن يمتلك الماضي والمستقبل ، على الرغم من غيابهما ، وذلك باستحضارهما في شكل الذكر والمشروع . ولكون الثقافة انكفاءً وتصوّرًا ، فإنّها تُظهر استقلاليّة العقل والإنسان . وهي تبدو ، في كلٍّ من مجالاتها ، عمليّة تحرّر وحركة تجاوز بهما يتميّز وجود الإنسان وتاريخه .

امتدادًا لتأويل الثقافة ثمّة مساءلة الثقافة من وجهة النظر النفسيّة والاجتماعيّة والتاريخيّة . لن أعرض في هذا البحث لهذه المسائل ، بل أكتفي بعرض مجموعة من المسائل الفلسفيّة التي تثيرها الأنظومة الثقافيّة .

ثمّة مجموعتان من هذه المسائل الفلسفيّة . المجموعة الأولى تصدر عن القراءة الأفقيّة للأنظومة الثقافيّة . مثال على ذلك مجال الفنّ ، حيث يُسأل عمّا هو الفنّ وعمّا هو الجمال وعمّا هو الذوق وعمّا هو الإبداع الفنّيّ وعمّا هو التذوّق أو الحكم الفنّيّ . المجموعة الثانية تصدر عن القراءة العموديّة للأنظومة الثقافيّة ، حيث يكون السؤال عن القيم والمقاييس التي يتميّز بها كلٌّ من المجالات الثقافيّة ، وعن الأنشطة الثقافيّة ، وعن الوظائف التي يفترضها وجود الأنشطة . في هذا البحث أعرض لهذه المجموعة الثانية من المسائل ، وبالنسبة لكلٍّ منها أبدأ بالعرض الكلاسّيكيّ ، أُتبعه بمساءلات إضافيّة .

4) مسألة القيم

يتعلّق الوجه الأوّل لهذه المسألة بتحديد القيمة والقيم . يتضمّن مفهوم القيمة ثلاث ميزات . أوّلها التفضيل ، حيث يكون موقع القيمة في مجال الشعور والفعل ، وحيث تتحدّد بكونها الكائن ذاته في علاقته بالإرادة . ثمّ تعني القيمةُ المثالَ والمقياس ، في مقابل الواقع والمعطى الوضعيّ ، وبالتالي فهي ، من حيث وظيفتها المقياسيّة ، تدفع إلى مباشرة النشاط وتدلّ على غايته . وأخيرًا تعني القيمة صفةَ الموضوع بالنسبة إلى الذات ، بمعنى أنّ قيمة شيءٍ ما تكون على قدْر ملاءمته لديناميّة الإنسان الداخليّة ، أي لحاجاته أو تطلّعاته . أمّا القيم التي تحكم الأنشطة الثقافيّة والتي تتميّز بها المجالات الثقافيّة – وهي المنفعة ، والجمال ، والخير ، والحقيقة ، والآخر أو الخير العامّ ، والله – ، فهي تتلاءم والأنشطة المادّيّة والروحيّة المنتسبة إلى مجالات المعرفة والفعل والحياة الجماعيّة والتعالي .

يتعلّق الوجه الثاني للمسألة بالمجالات التي فيها يُطرح السؤال عن القيم . في علم النفس ، على عكس الحافز الموضوعيّ الذي تقول به النظريّة السلوكيّة ، يُظهر مفهوم العالم المحيط Umwelt أنّ الشيء لا يحفز إلاّ إذا أضفى الإنسان عليه قيمة ، أي إذا كان ذا قيمة بالنسبة إلى الإنسان . فالفعل وردّة الفعل يكوّنان عالم الشعور الذي من شأنه في الأساس تقييم الأشياء والدفع إلى الفعل ، كما يتحقّق ذلك في مبدإ اللذّة والشعور المنظِّم والانفعال المغالي في التقييم والشغف المقيّم حصرًا لكائن واحد . وأخيرًا ، في ما خصّ الميول ، يُسأل هل ثمّة ميول نحو قيم مثاليّة أم ليس ثمّة سوى الوظائف والدوافع . في مجال الاقتصاد ، تتحدّد قيمة الشيء المصنوع ، أي ثمنه ، وقيمة العمل ، أي أجرة العامل ، بالنسبة إلى قانون العرض والطلب ، وإلى العلاقة بين الحاجة والندرة . في مجال الأخلاق ، ينبع التشكيك في وجود قيم مثاليّة تقرّها ضمائر الناس كافّة من واقع اختلاف الناس في القيم الأخلاقيّة . من هنا كانت نظريّات النفسانيّة والاجتماعيّة والتاريخانيّة واللاهوتانيّة والعقلانيّة والظواهريّة . وينسحب السؤال على العلاقة بين القانون الطبيعيّ والقانون الوضعيّ ، والعلاقة بين الحقّ والقوّة . في مجال الجماليّات والمنطق والدين ، ثمّة نظريّات تؤسّس القيم الجماليّة والمنطقيّة والدينيّة على الكيان أو الطبيعة أو الله أو المجتمع أو البنى النفسيّة أو هيئة العقل أو الاختبار .

السؤال الثالث هو كيف تُصنَّف النظريّات في القيمة . علاوةً على المحاولات التي قام بها كلٌّ من رويّه ولافلّ وشيلر ، على سبيل المثال ، يمكن تصنيف النظريّات على أساس العوامل الموضوعيّة أو الذاتيّة التي بها تتحدّد أو عليها تتأسّس القيمة . فإذا كانت العوامل الموضوعيّة الله أو الطبيعة أو القيمة القائمة بذاتها ، كانت نظريّة اللاهوتانيّة أو الطبيعيّة والكونيّة أو الواقعيّة والأفلاطونيّة . وإذا كانت العوامل الذاتيّة الاختباريّة الديناميّةَ النفسيّة أو الظروف الاجتماعيّة ، كانت نظريّة النفسانيّة أو الاجتماعيّة . وإذا كانت العوامل الذاتيّة العقليّة الحرّيّةَ أو العقل ، كانت نظريّة الذاتيّة أو العقلانيّة . تجدر الإشارة إلى توافق العوامل الموضوعيّة والعوامل الذاتيّة : الله / الحرّيّة ، الطبيعة / الذات النفسيّة والاجتماعيّة ، الشيء في ذاته / العقل .

أمّا من وجهة نظر الموقف الإيجابيّ أو السلبـيّ من القيم ، فيمكن تصنيف النظريّات أربعة نماذج . ثمّة موقف إثبات القيم تمثّله الأفلاطونيّة والعقلانيّة والظواهريّة . وثمّة موقف نزع أسطوريّة القيم تمثّله لاهوتانيّة الوحي التوراتيّ والإنجيليّ والقرآنيّ ، القائلة بأنّ الله ، بمشيئته المطلقة ، وضع القيم والشرائع والأوامر . وثمّة موقف تحويل القيم واختراعها ، وهو الصيغة الدنيويّة للموقف السابق ، حيث استُبدل الإنسان بالله . وثمّة شكلان لهذا الموقف . الشكل الأوّل يُثبت ، كما فعل نيتشه ، إرادة القدرة والحياة والإنسان المتفوّق المنتسب إلى ديونيسوس والمنتصر على عدميّة القيم الإلهيّة والإنسانيّة . والشكل الثاني يثبت الحرّيّة ، كما فعل سارتر بقوله “ حيث كنتُ الكائن الذي به كانت القيم ، إنّي لا مبرّر لي ” ، أو بقوله “ إنّ الإنسان هو الكائن الذي يرمي إلى أن يكون الله ” ، “ إنّ الإنسان هو في الأساس رغبة في أن يكون الله ” . يماثل هذا الموقف موقف إنسانويّة الفعل المجّانيّ ،كما عند مالرو ، علمًا أنّ هذه الإنسانويّة هي إنسانويّة جماليّة . وثمّة الموقف الرابع والأخير يردّ القيم إمّا إلى الضرورة الكلّيّة ، كما عند سبينوزا ، أو إلى الجدليّة ، كما عند هيغل ، أو إلى إعلاء الرغبة ، كما عند فرويد ، أو إلى الخداع وتقنّع المصالح الطبقيّة ، كما عند ماركس ، أو إلى الوجدان الجماعيّ ، كما عند دوركايم .

السؤال الرابع والأخير تثيره ازدواجيّة القيم ، ممّا يجعل الفكر يتأرجح بين إثبات القيم وإنكارها . تعتبر الفلسفة المدرسيّة الوسيطيّة القيم خصائص مثاليّة متسامية ومطلقة . لكن كيف يمكن تصوّر قيمةٍ ما دون نسبتها إلى كائن اختباريّ أو عقليّ ناطق ، حيث تتيح نسبيّة القيم القول بأفول المطلقات . ثمّ على القيم أن تكون كلّيّة أو لا تكون قيمًا . لكن لا يسعها أن توجد حسّيًّا ما لم تتخصّص بفعل ظروف تطبيقها أو تجسيدها . ثمّ إنّ القيم تتعالى على الكائن الفاعل الذي يحتكم إليها . إلاّ أنّ هذا الكائن ، لكونه يعترف بها ويستبطنها لتكون له بمثابة حوافز داخليّة على الفعل ، يضفي عليها بذلك طابع الحضوريّة . وأخيرًا يبدو أنّ على القيم أن يتّصل بعضها ببعض ، بحيث يكون للفكر أن يُثبت ترادف الكينونة والحقيقة والخير ، كما في الفكر المدرسيّ الوسيطيّ وأيضًا في نظريّة الجماليّات في العصر الكلاسّيكيّ الفرنسيّ إذ قال بوالو Boileau “ لا جميل إلاّ الحقّ ” . لكنّ اختبار الإنسان للقيم يبدو بالحريّ اختبار تصادم بعضها ببعض ، واختبار الميل إلى ردّها عنوةً إلى الوحدة في إمبرياليّة قيمةٍ ما كالقيمة الأخلاقيّة ، أو في تفضيل قيمة وإقصاء غيرها كما في الموقف الجماليّ أو الموقف المنطقيّ الصرف .

هذا التحليل الكلاسّيكيّ يستتبع التفكير في بعض وجوه نظريّة القيم .

الموضوع الأوّل هو قائمة القيم ، وفيه موقف التراتبيّة أو الوحدانيّة أو التعدّديّة . الموقف التراتبـيّ يُثبت هرميّة القيم ، على أساس ذات الإنسان ككائن مادّيّ وروحيّ في آن ، علمًا أنّ كرامته تقوم على كونه كائنًا روحيًّا . مثال أوّل على ذلك تفضيل القيم الروحيّة ( الدين والأخلاق والفنّ والعلم ) المنسوبة إلى الثقافة ، على القيم المادّيّة ( التقنية والاقتصاد والسياسة ) المنسوبة إلى الحضارة . مثال ثانٍ على التراتبيّة الهرميّة ما نجده عند كانط من تمييز بين العقل الذي يُعتبَر غاية ، والطبيعة البشريّة التي تُعتبَر وسيلة . في هذا السياق الإنسانويّ ، كان للأشخاص قيمة الغاية ، وكان لأشكال التنظيم الاجتماعيّ قيمة الوسيلة . مثال ثالث على ذلك التمييز عند نيتشه بين قيم العبيد الدينيّة والإنسانيّة ، وقيم الأسياد كالحياة والحرّيّة والإبداع وإرادة القدرة . وعلى هذا النحو كان ، في المجتمع القديم ، عالم الأسياد يسيطر على عالم العبيد ، كما يفضُل تأمّل المثُل وفنّ الخطابة والحكم التقنيةَ والعمل ، وكما العلم والمعرفة épistèmè ژpirs–lg تفضُل التقنية والفنّ tekhnè sŒvmg. مثال رابع على التراتب الهرميّ للقيم نجده عند شيلر ، حيث درجات سلّم القيم تصعد من المستحَبّ إلى النافع ، ثمّ إلى الحيّ ، فإلى الروحيّ المتمثّل بالجماليّات والمنطق ، فإلى المقدَّس ، وحيث تقوم القيمة الأخلاقيّة بتحقيق القيم . مثال رابع على ذلك نجده عند لافِلّ ، حيث تتوزّع القيم بالنسبة إلى موقف الإنسان : فإذا كان الإنسان في العالم ، كانت القيم الاقتصاديّة والقيم العاطفيّة ، وإذا كان الإنسان أمام العالم ، كانت القيم العقليّة والجماليّة ، وإذا كان الإنسان فوق العالم ، كانت القيم الأخلاقيّة والدينيّة . مثال أخير على تراتب القيم ينطلق من القيم الأحيائيّة ( المفيد ) إلى القيم الاجتماعيّة ( الإنسان الآخر ) ، فإلى القيم المثلى ( الجمال والحقيقة والخير ) ، فإلى قيمة التعالي ( الله ) .

أمّا في موقف وحدانيّة القيم ، فتُعتبَر كلّ قيمة شيئًا مطلقًا بها يتكوّن الكون كلاًّ . ويرتبط اختيار هذه القيمة أو تلك مركزًا أو محورًا باختيارات سابقة عامّة ، روحيّة أو مادّيّة ، صادرة عن العالم النفسيّ أو الاجتماعيّ أو الثقافيّ . أمّا أشكال هذه الوحدانيّة ، فيمكن ردّها إلى ستّة وفاقًا للقيم الستّة التي تحكم مجالات الأنظومة الثقافيّة الستّة ، بحيث تكون المنفعيّة والجماليّة والأخلاقيّة واللاهوتانيّة وغيرها .

وأخيرًا ، إذا اعتُبر الإنسان كلاًّ محسوسًا ، كان موقف تعدّديّة القيم من دون أيّ تفضيل . عندئذٍ لن يكون السؤال أيّ القيم تكون مميِّزة للإنسان ، بل أيّ بنية قيم يتميّز بها الإنسان . والقول بالبنية مردّه إلى أن ليس من قيمة قائمة بذاتها .

الموضوع الثاني هو هذه الفكرة القائلة بأن ليس من قيمة قائمة بذاتها . ذلك أنّ القيمة ، أكانت دينيّة أم أخلاقيّة أم جماليّة أم منطقيّة ، تتحدّد بالنسبة إلى الإنسان ، بحيث يكون موقعها في نقطة تلاقي الأحيائيّ والنفسيّ والاجتماعيّ والثقافيّ والتاريخيّ . من وجه آخر ، لمّا كان للقيمة وظيفة الدافع ، كانت مصادر هذه الدوافع عوالم القيم في ذاتها ، أي الله ، والطبيعة أو الكون ، والمجتمع ، والميول . لكن لمّا كان الإنسان ينتمي إلى كلّ هذه العوالم في آن ، لم يكن ثمّة قيمة قائمة بذاتها .

الموضوع الثالث هو العلاقة بين القيمة والمطلق والواقع . إذا لم تكن قيمةٌ ما ما لم تكن مطلقة ، كان السؤال الأوّل ، بالنسبة إلى موقفَي وحدانيّة القيم وتعدّدها ، هل يصحّ القول بمطلق واحد أم بمطلقات كثيرة ، وهل يجب إخضاع القيم إلى واحدة منها تكون هي القيمة المطلقة ، أم ردّ القيم إلى أساس واحد ، الكينونة أم الله ، يكون هو المطلق . الاختبار الإنسانيّ يبدو ميّالاً إلى موقف تعدّديّة القيم ، مع أنّ هذا الموقف لا يتنافى والبحث عن أساس للقيم في الحقيقة أو الكيان . ولمّا كان الروح النقديّ يقضي بمعرفة الخير الحقيقيّ أو الحرّيّة الحقيقيّة ، أو العدل الحقيقيّ ، إلى ما هنالك من قيم ، وجب أن تكون الحقيقة هي الطابع المطلق لأيّ قيمة .

من وجه آخر ، تعني الحقيقة عين الكينونة . إذّاك يُطرح السؤال في واقعيّة القيم أو حقيقتها . تضاربت الأجوبة عن هذا السؤال ، فمنها ما أثبت القيم ، ومنها ما أنكرها ، ومنها ما ردّها إلى عوامل خارجة عنها . مثال على ذلك موقف المفكّر الفرنسيّ لاروشفوكو الذاهب إلى أن ليس من فضيلة حقيقيّة ، بل ثمّة تقنيع للمصلحة ولحبّ الذات . مثال على ذلك أيضًا موقف فرويد بأنّ القيم تتولّد من عمليّة الإعلاء ، وأنّ هذا الإعلاء ليس إلاّ شكلاً من أشكال تقنيع الرغبة المكبوتة . لكن يمكن الإجابة عن السؤال بالعودة إلى الاختبار أو الوجود الإنسانيّ ، حيث أمكن القول في القيمة ، كما في المثال ، إنّها موجودة وغير موجودة في آن . فهي موجودة بما هي دافع وغاية ومشروع للفعل . وهي غير موجودة بمعنى أنّه لا يمكن تحقيقها يالكامل . الفرق بين المثال والواقع يدلّ على أنّ القيمة المثاليّة لا يمكن تحقيقها ولا تصوّرها بالكامل ، وعلى أنّ تصوّر القيمة يتوضّح تدريجًا وفاقًا لواقع تحقيقها . إذّاك يتبيّن أنّ القيمة تلازم عمليّة التقييم .

الموضوع الرابع هو نوع من تأويل للتسلسل التاريخيّ للمواقف الإنسانيّة من القيم . المقصود بذلك تاريخ المقدَّس ، الذي يبدو في الواقع تاريخ نزع القداسة . والمقصود أيضًا تاريخ التقييم ، وهو أيضًا يبدو في الواقع تاريخ نقض القيم وأفول المطلقات . ومراحل هذا التاريخ هي الآتية : إضفاء القيمة على الآلهة أي ، في اللاوعي ، على الطبيعة ، وهذا موقف مركزيّة الألوهة . إضفاء القيمة على الله ، وهذا موقف التوحيد . إضفاء القيمة على الطبيعة ، وهذا موقف مركزيّة الكون . إضفاء القيمة على الإنسان ، أي إثبات الإنسان مصدرَ التقييم والكائنَ المقيّم ، وهذا موقف مركزيّة الإنسان . نزع القيمة أو نفي القيمة ، المتمثّل بحركة أو عمليّة نزع الأسطوريّة ونزع القدسيّة وكشف الخداع ، بهدف تقييم اللوغوس والعقل العلميّ والاختبار والواقعيّة ، وهذا موقف النسبيّة .

5- مسألة الأنشطة

لا حاجة هنا إلى عرض الأنشطة من وجهة النظر النفسيّة ، حيث تُصنَّف الأنشطة نوعين ، هما التصوّر في مجال المعرفة ، والعمل في مجال الفعل ، بهما يبدو الإنسان منتِجًا للثقافة . تكفي مساءلة المعطيات النفسيّة من منطلق فلسفيّ ، وذلك بعرض كلاسّيكيّ لمسألة الأنشطة الإنسانيّة ، يليه عرض لموضوعات تُسائل العرض الكلاسّيكيّ .

أوّلاً يمكن نسبة فعل عَرَفَ إلى المعرفة ، ونسبة الأفعال صَنَعَ وأبْدَعَ وتَصَرَّفَ على التتالي إلى التقنية والفنّ والأخلاق ، في حين أنّ المعيّة والاعتقاد يدلاّن على موقفين شاملين لا يُنسَبان إلى المعرفة ولا إلى الفعل . لكن ، إذا صحّ القول بحياة جماعيّة وحياة دينيّة ، صحّ بالمقابل أنّ المعرفة تفترض فعليًّا شكلاً من أشكال الفعل ، وأنّ الفعل في جميع أشكاله يتضمّن عند الإنسان شيئًا من التصوّر ، بحيث يصحّ القول بحياة معرفيّة وتقنيّة وفنّيّة وأخلاقيّة .

ثانيًا يمكن ردّ نماذج النشاط العامّة إلى ثلاثة : النشاط الآليّ ، والنشاط العفويّ ، والنشاط الإراديّ . ومثال القائم بكلٍّ من هذه الأنشطة هو الآلة ، والحيوان ، والإنسان . والعوامل والميزات لكلٍّ منها هي المادّة المتميّزة بالجماديّة ، والحياة المتميّزة بالديناميّة والطاقة ، والوجدان المتميّز يالتحكّم والقدرة على الجمع . وهذه النماذج تخصّ المعرفة والفعل على السواء . فتداعي الصوَر ، كما ترابط الارتكاسات ، هو ، في النظريّة التجريبيّة والسلوكيّة ، عمليّة آليّة . وديناميّة الميول تظهر في الإدراك العفويّ وتخيّل الأحلام ، كما في السلوك العاديّ المتكيّف مع الظروف والسلوك الانفعاليّ والشغفيّ . والإرادة تتدخّل في الحياة الأخلاقيّة والدينيّة ، وأيضًا في الاعتقادات والأحكام .

ثالثًا يمكن تحليل إجراء الأنشطة ، كما تحليل العوامل والظروف المتعلّقة بهذا الإجراء ، على الوجه الآتي . يمكن ردّ الفعل الآليّ إلى العلاقة الآليّة بين الحافز والجواب ، علمًا أنّ الارتكاسات البسيطة تتفاعل يالتسلسل في التصرّف المركّب . والفعل العفويّ يفترض ، فضلاً عن الحافز الخارجيّ ، حوافز داخليّة كالإفرازات الباطنيّة ، ودوافع داخليّة أي ميول وغرائز ، وأساليب فعل فطريّة كالغرائز أو مكتسبة كالعادات . والفعل الإراديّ في وضعٍ ما يفترض معرفة السؤال الذي يطرحه هذا الوضع ، ومعرفة إمكانات الردّ العامّة والفرديّة الراهنة مع اعتبار الوسائل والعوائق ، ومعرفة المقاييس أي القيم والقوانين والمبادئ التي يحكم اختيار ردّ من بين الردود الممكنة ، ويفترض اختيار ردٍّ ما وفاقًا للقيم وللدوافع الداخليّة ، والقيام بالردّ باستعمال الوسائل والتقنيات الطبيعيّة والمكتسبة . أمّا نتائج السلوك الإراديّ المتوقَّعة أو غير المتوقّعة ، فهي موضوع إرادة أو قبول كما تُقبَل المجازفة . وقد يتطابق هذا التحليل مع التحليل المعروف لمراحل الفعل الإراديّ ، وهي المشروع والتفكّر والقرار والتنفيذ ، حيث تتدخّل كلّ العوامل التي يتكوّن منها الكائن الإنسانيّ ، وهي العقل والذكاء العمليّ ، والميول ، والوجدان المتحكّم بالميول ، والجسد ، والعادات . ويُعتبَر الفعل الإراديّ مميِّزًا للإنسان ، لكون التفكّر يسبق فيه التنفيذ .

رابعًا وامتدادًا للسؤال السابق ، يمكن تحديد موقع النشاط بالنسبة إلى منبعه وموضوعه ووسيلته . منبع أيّ نشاط هو ديناميّة الميول الساعية إلى تلبيتها . والموضوع الذي يقصده النشاط هو ما يلبّي الميول ، أي ما يسعى الناشط إلى الحصول عليه كي يكتمل صاحب الميول في كيانه . والوسيلة التي تنظّم النشاط وتجعله مطابقًا للهدف هي الذكاء أي القدرة على إدراك العلاقات بين الأشياء وبين الأفكار ، علمًا أنّ الذكاء هو الوسيلة لأيّ توافق مع الظروف . وثمّة حالتان أساسيّتان لنشاط الميول ، هما الوعي واللاوعي . بالوعي يوسّع الإنسان أبعاده ، بحيث يتخطّى الحاضر ويستحضر الماضي والمستقبل ، وبالتالي يتمكّن من السيطرة على الحاضر . لكنّ النشاط الواعي يبقى مثالاً يمتنع إدراكه ، ويبقى ، في شكلَيه كفعل إراديّ وكتفكّر عقليّ ، هدفًا لا ينتهي السعي إلى بلوغه ولا يُتيقَّن الحصول عليه .

انطلاقًا من هذا العرض ، ثمّة موضوعات يجدر التفكّر فيها .

أوّلها ، كما كان الأمر بالنسبة إلى مسألة القيم ، واقع تعدّد الأنشطة . فالسؤال هو هل يجب إثبات هرميّة الأنشطة ، أم محاولة ردّها إلى نموذج نشاط واحد ، أم الاكتفاء بتسجيل تعدّدها ومحاولة معرفة كيف تمكن الوحدة انطلاقًا من الكثرة . قد يكون ترتيب الأنشطة في شكل هرميّ ، على سبيل المثال ، باعتبار المعرفة والإبداع متفوّقَين على الصنع ، وقد يكون أيضًا ، ضمن النشاط الواحد ، باعتبار أحد وجوهه متفوّقًا على ما سواه . على هذا النحو وعلى سبيل المثال قد يُعتبَر الوجه الروحيّ في الفنّ أو في الدين متفوّقًا على الوجه المادّيّ للأنشطة الفنّيّة والدينيّة . مثل هذا التمحور حول الروح والمادّة يؤدّي إلى موقف الوحدانيّة الروحيّة أو الوحدانيّة المادّيّة ، وإلى تحديد الإنسان إمّا بعنصر أنشطته الروحيّ وحده أو بعنصر أنشطته المادّيّ وحده . ويمكن اعتبار وحدانيّة الأنشطة متوازيًا مع وحدانيّة القيم . فعلى سبيل المثال ، يرى الموقف اللاهوتيّ أنّ الفعل الأكثر أصالةً بالنسبة إلى الإنسان هو الاعتقاد ، ويرى الموقف الجماليّ أنّه الإبداع ، ويرى الموقف العقلانيّ أو العلمويّ أنّه المعرفة . أمّا في نظرة واقعيّة وشاملة للإنسان ، فيبدو الموقف الصحيح القبول بتعدّد الأنشطة ، دون محاولة تصنيفها هرميًّا ودون تفضيل الأنشطة المعتبَرة روحيّة على الأنشطة المعتبَرة مادّيّة .

ثاني الموضوعات المطروحة على التفكير هو القول بأن ليس من نشاط خالص ، بمعنى أنّ أيّ نشاط اعتُبِر نفسيًّا أو روحيًّا هو في الواقع مزيج من مادّة وروح . مثال على ذلك الانتباه ، فهو حدث نفسيّ يفترض موقفًا جسديًّا وفعل الميول . كذلك الإرادة ، فهي ليست قوّة روحيّة كما ظنّ بيران Maine de Biran ، بل هي تجميع الميول والتحكّم بها ، وهي لا تتمّ إلاّ عند التنفيذ ، وإلاّ لما كانت سوى أمنيّة . كذلك الفعل الحرّ لا يتعارض والحتميّة الطبيعيّة ، بل يفترضها وسيلةً ليتحقّق ، فالفعل الإراديّ لا يتمّ ما لم يتوسّل العادة والانفعال ، أي ما يبدو غير إراديّ . وفي مجال التفكير ، لا يتمّ الحكم بفعل العقل الصرف ، بل بتضافر أفعال العقل والإرادة والأهواء والأحكام المسبّقة . ثمّ لا يتمّ التفكير من دون الكلام ، أي من دون مادّيّة الكلمات . والمعرفة العلميّة لا تتمّ من دون التقنية ، كما لا تتقدّم التقنية إلاّ بتقدّم العلم . والفعل الفنّيّ ليس إبداعًا مطلقًا ، بل يفترض العمل الفنّيّ فعل الثقافة والأهواء والعقل والتقنيات ، وهو تحقيق مادّيّ لقيمة مثاليّة . والأخلاق ليست قطّ مثاليّة ، فالناس لا يتساءلون إلاّ في ما يستطيعون الجواب عنه ، كما قال ماركس ، أي إنّهم لا يفرضون على أنفسهم من الواجبات الأخلاقيّة إلاّ ما يستطيعون القيام به . ثمّ إنّ الأخلاق لا تقوم بتأمّل القيم ، بل بتحقيقها في عالم الواقع المحسوس . والإيمان الدينيّ لا يخلو ممّا يعبّر عنه ، وممّا قد يشوّهه ، والتعبير الثقافيّ عن الإيمان هو الأنظومة الدينيّة . وصحّ أنّ الإيمان يغتذي بالممارسة والأعمال . والمعيّة ليست مودّة صافية ولا احترامًا مثاليًّا للأشخاص ، فالمجتمع يتكوّن أيضًا بالمصالح وتنازع القوى . ومن وجه آخر ، يتأنسن النشاط المعتبَر أحائيًّا بعلاقته بالوجدان ، فمثلاً يتميّز الإنسان من الحيوان بأنّ الحيوان يأكل في حين أنّ الإنسان يتناول الطعام وفاقًا لأدبيّات هذا الفعل .

موضوع التفكّر الثالث هو أن ليس من نشاط كامل ، أي من نشاط يحقّق تمامًا القيمة المقصودة ويتمّ وفاقًا لهيئة هذا النشاط المثاليّة . فالأنشطة الناجحة ذاتها يجب القيام بها مجدّدًا ، ونتائجها يجب تجاوزها . ليس من فنّان ولا من فاعل في مجال الأخلاق ولا من مؤمن ولا من عالِم يرضى بنشاطه كما قام به ويعتقد أنّه قد توصّل إلى تحقيق قيم الجمال والخير والإيمان والحقيقة بأفعاله وفي أعماله . وهذا يوافق ما ورد سابقًا في القيم المثاليّة ، من أنّها في آن موجودة وغير موجودة . ومردّ هذا التفاوت بين المثال والواقع إلى أنّ الإنسان كائن تاريخيّ ، فهو لا يوجد ، بل يصير ، وهو ليس معطًى ، بل يجب أن يكون .

أخيرًا ، على الرغم من الخليط الذي يتميّز به أيٌّ من الأنشطة ، قد يتبادر إلى الذهن محاولة فرز العامل الإنسانيّ من سائر العوامل الروحيّة والمادّيّة التي تتشابك في أيّ نشاط . في هذا المنحى ، صحيح أنّ السلوك الإراديّ عمليّة معقّدة يتداخل فيها العقل والميول والجسد ، لكن قد يقال إنّ العنصر المحدَّد الذي يجعل هذا السلوك سلوكًا إراديًّا هو القرار . من هنا ينتج تصوّر الإرادة حرّيّة الاختيار المطلقة . كذلك الفكر يوجد في الكلام ، لكنّ ما هو أساسيّ ليس الكلمة المادّيّة ، لأنّها لم تصر كلمة إلاّ بفضل العقل الذي صيّرها إشارة . وكذلك صحيح أنّ الفنّان هو أيضًا صانع ، لكنّه ليس فنّانًا لأنّه صانع . لكن ليس المقصود فرز عاملٍ ما واعتباره حقيقة مستقلّة ولو تركّب مع غيره من العوامل في شكل بنية أو إجراء . المقصود بالحريّ هو تصوّر النشاط في شكل بنية وإجراء ، حيث البنية وليس العنصر هي التي يتميّز بها النشاط كنشاط إنسانيّ .

6- مسألة الوظائف

في البدء ، كما في المسألتين السابقتين ، عرض كلاسّيكيّ للمسألة ، يتبعه ذكر موضوعات للتفكّر في المسألة .

أوّل العرض الكلاسّيكيّ تعداد الوظائف التي تفترضها نماذج النشاط الموافقة للقيم وللمجالات الثقافيّة . وذلك بملاحظة أنّ أيّ وظيفة هي في الواقع وظيفتان ، بمعنى أنّ لها وجهًا إنتاجيًّا ووجهًا تقبّليًّا . مثال على ذلك مجال التقنية ، حيث تحكم المنفعة كقيمة الصنعَ والتلبية ، إذ كان هدف تلبية الحاجات هو الذي أوجد الصنع والإنتاج ، وأوجد مجال التقنية في الأنظومة الثقافيّة . والتلبية تفترض الحاجات ، وإنتاج الأشياء المفيدة يفترض الذكاء العمليّ . لكن ليس من فصل بين الحاجات والذكاء ، حيث الواقع هو واقع إجراء شامل يكون فيه الكائن الإنسانيّ هو الذي لُبّيت حاجاته وهو الذي أنتج الأشياء الضروريّة لتلبية حاجاته . وهذا يفترض تلازم الحاجات والذكاء ، ويفترض أيضًا طرائق عمل ابتدعها الذكاء وفاقًا لإمكانات الجسد .

كذلك الأمر بالنسبة إلى الوجدان الجماليّ ، حيث يفعل بما هو ذوق أي حكم جماليّ يفترضه تمييز ما هو جميل ، وبما هو تأمّل أي تذوّق ، ويفعل أيضًا بما هو عبقريّة فنّيّة يفترضها إبداع الأعمال الفنّيّة .

وعلى هذا النحو يمكن القول إنّ الضمير الأخلاقيّ يفعل في آن بما هو حكم يفترضه تمييز الخير قبل الفعل وبعده ، وبما هو إرادة أي عبقريّة أخلاقيّة يفترضها إبداع القيم الأخلاقيّة ، كما يفترضها أيضًا القرار والفعل الأخلاقيّ في سياق الحياة اليوميّة .

في مجال العلم ، وعلى العموم في مجال الفكر ، يفعل الوجدان المنطقيّ بما هو حكم أي روح نقديّ يفترضه تمييز ما هو حقّ وصحيح ، ويفعل بما هو عبقريّة علميّة يفترضها الإبداع المعرفيّ والعلميّ .

والتجمّع أو المجتمع يلبّي الحاجة إلى الحماية عند الأفراد ، علمًا أنّ المجتمع يُعتبَر الوسيلة الشاملة لتلبية جميع حاجات الأفراد . والمجتمع يوجده تقييم الإنسان الآخر ، بمعنى احترام الشخص أو المودّة والعطف . ومن الطبيعيّ تلازم المودّة والحاجة إلى التجمّع .

والدين والموقف الإيمانيّ يتوافقان مع وظيفة ذات وجهين ، وجه الحاجة إلى الخلاص أو النجاة ، حيث يهتمّ المؤمن بنفسه ، ووجه طلب المطلق ، وهو الإيمان الحقيقيّ ، حيث يتضمّن توحيد الوجود بالنسبة إلى قطب مطلق .

النقطة الثانية توضيح مفهوم الوظيفة . قد يفي الغرض تعارض مفهوم الملَكة ومفهوم الوظيفة . في الفلسفة القديمة والوسيطيّة ، تُعتبَر الملَكة حقيقة ماورائيّة ، بمعنى أنّها قوّة يفترضها ويُظهرها الفعل المنظور ، وهي قائمة حتّى في حين أنّها لا تفعل ، فهي إذن قوّة كامنة والسبب المباشر للأفعال ، في حين أنّ الإنسان هو السبب غير المباشر لهذه الأفعال والفاعل بواسطة الملَكات .

وقد تعرّض هذا المفهوم الماورائيّ للانتقاد . معروف القول “ إنّ الأفيون ينوّم لأنّ له قوّة على التنويم ” الذي جعل أوغوست كونت يعتبر التعليل الماورائيّ تجريدًا ليس له محتوى محسوس ، ولغوًا لا معنى له . ومعروف موقف كانط من الماورائيّات ، حيث يرى أنّها أمر غير محقَّق ، بل أمر يمتنع تيقّنه معرفيًّا .

يحاول مفهوم الوظيفة تحاشي هذا الارتباك الماورائيّ . فنجد ، في “ معجم الفلسفة التقنيّ والنقديّ ” الذي أشرف عليه لالاند ، أنّ الوظيفة ، في علم النفس ، ليست مرتبطة بعضو خاصّ بل بأنظومة علل مركَّزة على الأهداف العامّة الواحدة . وهي تتضمّن معنى العلاقة . وفي مقابل الظاهرة ، تدلّ على القوّة الكامنة والقدرة والأهليّة . وفي مقابل البنية ، تدلّ على الديناميّة . وفي مقابل الوصف والتحليل ، تدلّ على المنفعة والدور والغائيّة والمعنى . يمكن ، مع علماء النفس نظير كلاباريد وبياجيه وأصحاب نظريّة الهيئة Gestalttheorie ، القول إنّ مفهوم الوظيفة يذكّر بمفاهيم التنظيم والتوازن والإجراء والبنية لتبيين أنّ السلوك هو حالة خاصّة من حالات التبادل بين العالم الخارجيّ والذات تفترض في آن وجهًا معرفيًّا هو تنظيم ، ووجهًا عاطفيًّا هو التقييم .

النقطة الثالثة تصنيف الوظائف . تُقسَم الوظائف عادةً ثلاثة أقسام ، وظائف الحياة العاطفيّة ، ووظائف الحياة المعرفيّة ، ووظائف الحياة العمليّة . لكن منهم من ردّها ، كما رأى بياجيه ، إلى وجهين ، وجه المعرفة أو البنية ، ووجه العاطفة أو الطاقة . ومنهم من ميّز بين الكفاءات والمواقف ، بمعنى أنّ المواقف تعبّر عن الطبع بعوامله ، الانفعاليّة والفاعليّة والترصّنيّة secondarité ، أو عن الميول أو الديناميّة النفسيّة ، في حين أنّ الكفاءات تدخل في عالم الأدوات . بهذا المعنى قال برجيه “ إنّ الطبع يوجّه نحو غايات ، فيما الكفاءات تؤمّن الوسائل الكفيلة ببلوغها ” . ويميّز برجيه أيضًا بين الكفاءات الفيزيائيّة والحواسّيّة والمحرِّكة والحسّيّة الحركيّة والعقليّة .

هذان الوجهان ، العاطفيّ والمعرفيّ ، ينقسم كلٌّ منهما قسمين ، في حال اعتُمد التمييز الماورائيّ بين الحسّيّ والعقليّ . فيصير لنا المعرفة الحسّيّة والنزوع الحسّيّ ، وبالمقابل المعرفة العقليّة والنزوع العقليّ أي الإرادة .

انطلاقًا من مفهوم النزوع هذا يمكن الانتقال إلى مفهوم الديناميّة أي الميل . يتحدّد الميل بأنّه قوّة طبيعيّة موجَّهة نحو أهداف . والميل ليس التصرّفات والمشاعر والتصوّرات التي يتجلّى فيها ، بل هو قوّة كامنة تفترضها التصرّفات المرئيّة دون أن تكون هي نفسها مرئيّة . كون الميل ذا طابع الكمون والغائيّة يجعله موضوع تشكيك في نظر علم النفس الموضوعيّ . ويميّز برادين الميول المزيّفة التي سمّاها “ الميول إلى ” ، وحدّدها بأنّها مجرّد ارتكاسات لاتّقاء خطر راهن ، من الميول الحقيقيّة التي هي “ ميول نحو ” الشيء الملائم .

بناءً على مفهوم الميل هذا ، صُنّفت الميول ميولاً أنانيّة وإيثاريّة ومثاليّة ، وفاقًا للمقصود ، وهو الأنا أو الآخر أو قيم الجمال والخير والحقيقة . واختلف علماء النفس حول هذه الميول . فمنهم مَن ارتأى أن يردّ كلّ الميول إلى الأنانيّة . ومنهم ، مثل برادين ، مَن قال إنّ من جوهر الميل أن لا ينكفئ على الأنا ، بل أن يتوجّه إلى موضوع ، ولا يصير أنانيًّا إلاّ بإفساد حركته الطبيعيّة ، بمعنى أنّ الإنسان يقصد لذّة تلبية ميوله ، بدلاً من قصده التلبية الطبيعيّة للميل بامتلاك الموضوع الملائم .

انطلاقًا من هذا المفهوم ومن هذا الخلاف في النظريّات ننتقل إلى مفاهيم الحاجة والطلب والرغبة ، وإلى مفهوم الدافع pulsion ، في علم التحليل النفسيّ .

يحدّد لاكان Lacan مفاهيم التحليل النفسيّ على النحو الآتي : الحاجة تقصد شيئًا ملائمًا يلبّيها . والطلب يعبّر عنه الإنسان مخاطبًا الإنسان الآخر ، وهو طلب مودّة . والرغبة تتولّد من الفجوة القائمة بين الحاجة والطلب ، وهي علاقة باستيهام وليس بشيء واقعيّ ، وهي تفرض نفسها دون الاكتراث لكلام الإنسان الآخر ولاوعيه ، وتقضي أن يعترف بها هذا الآخر كشيء مطلق . والاستيهام هو تركيب الإشارات التي بها تبحث الذات عن موضوعها . والإشارات هي آثار تذكّريّة أو تكرّر هَلسيّ للإدراكات الحسّيّة . وفي هذا ما يذكّر بمفهوم الممثّل النفسيّ في لغة فرويد .

أمّا الدافع – Trieb بالألمانيّة – ، فهو إجراء ديناميّ أي عمليّة دفع ، بمعنى أنّه شحنة طاقة أو عامل حركيّة يجعل الجهاز العضويّ ينزع إلى هدف . وتحديد مفهوم الدافع يكون بتحديد منبعه ، وهو إثارة جسديّة أو حالة توتّر ، وبتحديد غايته ، وهي إزالة حالة التوتّر ، وبتحديد موضوعه ، لأنّ الدافع يبلغ هدفه في موضوعه أو بفضله . وتُحيل إزالة حالة التوتّر إلى مبدإ الثبات أو مبدإ النيرفانا . تجدر الإشارة إلى أنّ فرويد يعتبر الدافع تصوّرًا يقع بين النفسيّ والجسديّ – كما الممثّل النفسيّ – وأنّه يتمسّك ، على الرغم من منتقديه ، بالتمييز بين دوافع الحياة erôs “qx| ودوافع الموت thanatos h0maso| ، وأخيرًا أنّه يعلم جيّدًا أنّ نظريّة الدوافع ليس لها الطابع الوضعيّ العلميّ بالمعنى الدقيق ، حيث يقول “ إنّ نظريّة الدوافع هي نوعًا ما أسطورتنا ” . يبقى أن نتذكّر بنية النفسيّة كما يراها فرويد ، بدرجاتها الثلاث ، الهو والأنا والأنا المثاليّ أو الأعلى . أمّا في ما خصّ مفهوم الحاجة وتصنيف الحاجات لدراستها اختباريًّا ، يُراجَع كتاب مورّيه .

وفي موضوع الوظائف ثمّة تساؤلات يجدر التفكّر فيها .

أوّلاً ، كما كان الأمر بالنسبة إلى القيم والأنشطة ، كذلك يجب الامتناع عن ترتيب الوظائف ترتيبًا هرميًّا ، قد يؤدّي إلى انقسام في الكائن الإنسانيّ ، أو إلى ثنائيّة قد يتأسّس عليها تصوّر روحيّ أو تصوّر مادّيّ لما يتميّز به الكيان الإنسانيّ . على عكس ذلك ، يمكن ، كما فعل بياجيه ، تصوّر وظيفة الذكاء مثلاً باعتبارها “ هيئة التوازن التي تقصدها جميع البنى والتي تتكوّن منذ الإدراك الحسّيّ والعادة والأواليات الحسّيّة المحرِّكة ” . ثمّة درجات وتفاوت بين الوظائف ، لكن لا يصحّ القول إنّ الدرجة الأعلى هي وحدها خاصّة الإنسانيّة .

أمّا الأهمّيّة التي ينسبها التحليل النفسيّ الفرويديّ للشهوانيّة ( ليبيدو libido ) ، بما هي التجلّي الديناميّ للدافع الجنسيّ في الحياة النفسيّة ، فهي لا تعني أنّ التحليل النفسيّ يثبت وحدانيّة الوظائف ، بل تعني أنّ جميع الوظائف قد يكون لها لون جنسيّ أي أنّها قد تعبّر عن الدافع الجنسيّ . بيد أنّه تجدر الإشارة إلى تطبيق التحليل النفسيّ على الثقافة . في هذه النظريّة ، ليست الأعمال الفنّيّة ، كما هو حال الأحلام ، سوى تعبير مقنَّع عن رغبة مكبوتة . وأشكال التقنيع هي التحويل والإعلاء والانعكاس والإسقاط والارتداد . وكما الفنّ ، كذلك الأخلاق والدين هي أيضًا إعلاءات وتتجذّر في عقدة أويديبوس . والأنا الأعلى أو المثاليّ ، وإن كان استبطانًا للمحرَّمات الاجتماعيّة ، فإنّ هذا الاستبطان يتجذّر في الحاجة إلى الأمان .

ثانيًا ، كما قيل في القيم والأنشطة ، كذلك يمكن القول بعدم وجود وظائف خالصة ، بمعنى أنّ ثمّة وظائف مادّيّة ووظائف روحيّة تفعل كلٌّ منها على حدة ، بلا تداخل الروحيّ والمادّيّ . ذلك أنّ الكائن الإنسانيّ ، إذا تجلّى في تصرّفاته ، فمن البديهيّ أنّ العوامل المختلفة تتضافر وتنتظم لإنتاج هذه التصرّفات . فوجه المعرفة ووجه العاطفة ، وأيضًا وجه البنية ووجه الطاقة ، كلّ هذه الأوجه متلازمة ومترابطة . وفي رأي سيكولوجيا الهيئة Gestaltpsychologie “ يفترض السلوك حقلاً شاملاً يحتوي على الذات والموضوعات ، وديناميّة هذا الحقل تكوّن المشاعر ( هكذا عند ليفين ) ، في حين أنّ بناء هذا الحقل تقوم بها الإدراكات الحسّيّة والحركيّة والذكاء ” . إذن ليس من وظيفة تعمل على انفراد . فالحاجات من دون الذكاء لن تمكّن من إيجاد الوسائل الكفيلة بتلبيتها . والحكم العقليّ والاعتقاد تؤثّر فيهما الأهواء والأحكام المسبّقة . والإرادة ليست بشيء من دون الميول والعادات . والضمير الأخلاقيّ هو إجراء نفسيّ اجتماعيّ معقَّد . والمخيّلة الخلاّقة عند الفنّان هي على السواء هوى ولاوعي ، وعقل وتقنية .

ثالثًا ، ليس من وظيفة كاملة لا تخطئ . فاختبارات الخيبة مردّها ليس إلى العوائق الخارجيّة وحسب ، بل أيضًا إلى النقائص الطبيعيّة وإلى محدوديّة المؤهِّلات . في هذا السياق يكتب برجيه : “ يجب الإجابة عن السؤال الخطير الذي طرحه بوضوح غريجيه Grieger : لماذا هناك جهد لا يُجدي ؟ ” بصدد ذلك ، يجدر التفكير في قول كانط في كتابه “ نقد القدرة على الحكم ” : “ سؤال يُطرَح في مذهب الغائيّة الأنتروبولوجيّة : لماذا وُضع في طبيعتنا الميل إلى تكوين رغبات نعرف أنّها لن تُلبّى . يبدو أنّنا ، إذا لم نقدم على استعمال القوى التي أوتيناها إلاّ متى تأكّدنا مسبّقًا من فعّاليّة قدرتنا على الإنتاج الموضوعيّ ، لَما استُعملت هذه القوى في غالب الأحيان . ذلك أنّنا ، على وجه العموم ، لا نعرف قوانا إلاّ عند استعمالها . هذا الوهم ، وهم الرغبات التي لا تُلبّى ، ليس إلاّ نتيجة نزعة مفيدة في طبيعتنا ” .

إذًا كان موقع الدين في الأنظومة الثقافيّة ، وكان الدين مجالاً كغيره من مجالات الثقافة . إلاّ أنّه قد يشمل سائر مجالات الأنظومة الثقافيّة ، بمعنى أنّ ثمّة تقنية دينيّة تقوم بإنتاج ما يتيح القيام بالعبادات ، وفنًّا دينيًّا يقوم بالتعبير عن الرموز الدينيّة ، وأخلاقًا دينيّة يسلك المؤمن بموجبها ، ومعرفة دينيّة في شكل الاعتقاد بمعطيات الدين التي لا يدركها الاختبار الإنسانيّ ولا العقل الإنسانيّ ، ومجتمعًا دينيًّا ينتمي إليه كلّ من اعتنق دينًا معيّنًا . ممّا يعني أنّ ثمّة أنظومة دينيّة متكاملة العناصر .