فكرة الإسلاميّين عن العَلمانيّة

1 ـ فكرة الإسلاميّين عن العَلمانيّة

تتجلّى فكرة الإسلاميّين عن العَلمانيّة الغربيّة الحديثة والمعاصرة في مقاربات ثلاث : مقاربة المصطلَح ، ثمّ مقاربة تحليليّة لمقوّمات العلمانيّة ، وأخيرًا مقاربة استعراضيّة لمسيرة تكوّنها التاريخيّة .

1 ـ المصطلَح .

يتوقّع المرء أن يجد ، من حيث المصطلَح ، العبارة العربيّة “ عصرانيّة ” لتعريب كلمة sécularisme ، والعبارة “ عصرنة ” لتعريب كلمة sécularisation . وذلك استنادًا إلى الترجمة المألوفة لكلمة siècle بكلمة “ عصر ” . بيد أنّ لفظة “ عصرنة ” ، المرادفة لكلمة “ تحديث ” ، تعني modernisation، كما لدى أنور الجندي ، ص 69 . فالكلمة العربيّة التي تعرّب كلمة sécularité أو sécularisme هي لفظة “ عَلمانيّة ” . يكتب محمّد البهي ، محدّدًا الاتّجاه العلمانيّ ، في مشكلات الأسرة ، ص 19 : « هذا الاسم ترجمة للكلمة اللاتينية Saec(U)Larism التي تعرف في الانجليزية باسم Secular كوصف وباسم Sacularism كاتجاه ومذهب« . أمّا لفظة “ علمنة ” التي نجدها مستعملة أيضًا كمرادف لكلمة “ علمانيّة ” لدى أنور الجندي ، على سبيل المثال ، ص 9 و 10 وغيرهما ، فينبغي أن تدلّ على sécularisation، ويُقصد بها القيام بعلمنة المجتمع ، أي بإعطائه صفة العلمانيّة .

ونجد أحيانًا في النصوص لفظة “ عِلمانيّة ” . وقد تكون مشتقّة من لفظة “ عِلم ” science فتشير بالأحرى إلى العِلمويّة scientisme ، لا إلى العَلمانيّة . فعماد الدين خليل ، ص 7 ، يستعمل كلمة “ عِلمانيّة ” ليعرّب الكلمة الإنكليزيّة Secularism. ويبدو أنّه يربط هذه اللفظة العربيّة بكلمة “ عِلم ” science ، إذ إنّه يرى ، في الصفحة نفسها ، أنّ نقطة انطلاق العلمانيّة تكمن في مسألة علاقة العلم بالدين ، أو علاقة العقل بالوحي . ثمّ إنّ المؤلّف ، في معرض معالجته موضوع العلاقة بين العلم والدين في الفصل الأوّل من كتابه ، يقول ، خصوصًا ص 36 : « تلك هي تسمية طريقة الحياة التي دعا إليها الغربيّون بـ “ العلمانية ” Secula- rism . إنّ هذا الاصطلاح يوحي ، للوهلة الأولى ، بصواب الدعوة واستقامة الطريق ، فمن ذا يرفض أن يحيا حياة تعتمد في مقوماتها أسس العلم الصحيح ؟ » . وأخيرًا فإنّ تشكيل الكلمة – وربّما لا يكون من المؤلّف نفسه – يجعلها تُقرأ “ عِلمانيّة ” ، ص 67 (عنوان الفصل الثالث) و 195 (عنوان الفصل الرابع) . والغريب في الأمر أنّ يوسف القَرَضاوي ، في الحلول المستوردة ، ص 52 ، يحدّد العلمانيّة أوّلاً كفصل الدين عن الدولة ، ثمّ يكتب ، ص 119 من الكتاب نفسه : « “ العلمانية ” – وهي لفظة منسوبة إلى العلم على غير قياس – تعني في الغرب “ اللادينية ” بناء على هذا الأساس » . وفي عنوان كتابه الثاني ، بيّنات الحلّ الإسلاميّ ، نقرأ كلمة “ العِلمانِيّين ” .

ولكنّ أغلبيّة المؤلّفين يجعلون “ العَلمانيّة ” اشتقاقًا من كلمة “ عالَم ” monde ، مؤكّدين أنّ هذا الاشتقاق هو “ على غير قياس ” ، أي أنّه لا يتطابق مع أيٍّ من أوزان الاشتقاق الأصليّة . فمحمّد البهي ، ص 19 من مشكلات الأسرة ، يكتب : « ]الاتجاه العلماني[ لعله منسوبًا على غير قياس الى “ العالم ” » . كذلك ينبّه محمّد مهدي شمس الدين ، ص 85 ، إلى « خطأ النطق “ عِلمانية ” نسبة الى علم – على غير قياس – بينما هي “ عَلمانية ” نسبة الى عالم – على غير قياس » . ويكتب المؤلّف نفسه ، ص 125 : « “ علمانية ” هذا المصطلح نسبة الى “ عالم – العالم ” على غير قياس » . وأنور الجندي أيضًا ، ص 42 ، يكتب : « الحق أن اشتقاق العلمانية من العلم خطأ محض » . فحريّ بهذا الاشتقاق أن يجعل كلمة “ عَلمانيّة ” تعريبًا لكلمة mondanéisme أو mondanéité ، بدل كلمة sécularisme أو sécularité .

إلى جانب الصيغة الإسميّة “ علمانيّة ” نقرأ كلمة “ علمانيّون ” وصيغة الصفة “ علمانيّ ” للمذكّر و “ علمانيّة ” للمؤنّث . ونجد أيضًا العبارات التالية : نزعة علمانيّة وفكرة علمانيّة غربيّة ومعاهد علمانيّة واتّجاه علمانيّ واتّجاه علمانيّ سكسونيّ واتّجاه علمانيّ لاتينيّ .
هذا “ العالم ” الذي هو في أصل “ العَلمانيّة ” يراد به العالم الأرضيّ أو الزمنيّ ، تعارضًا مع الدين أو الكون الدينيّ . فمحمّد مهدي شمس الدين يكتب ، ص 125 : « المعنيّ به ]هذا المصطلح[ ما يقابل “ روحية – اكليريكية – كهنوتية ” او ما يقابل “ دينية ” بوجه عام » . وأيضًا ، ص 126 : « في مقابل هذا المصطلح يمكن ان يوضع مصطلح “ دينية ” ثيوقراطية » . ويكتب أنور الجندي ، ص 7 : « ان لفظ “ علمانية ” هو ترجمة للكلمة اللاتينية Secular ومعناها في اللغات الاوروبية “ لاديني ” » . كذلك يكتب محمّد البهي في مشكلات الأسرة ، ص 19 : « عُرف … الاتجاه الأرضي ، او الدنيوي ، او الزمني … باسم الاتجاه العلماني » . ولا بدّ من الإضافة أنّ العَلمانيّة أو العِلمانيّة ، في نظر محمّد البهي (مشكلات الأسرة ، ص 36 و 53 و70 وغيرها) ويوسف القرضاوي (الحلول المستوردة ، ص 26 و50 و52 و53 وغيرها) ، تسِم أوّل ما تسِم النظام الليبراليّ الديمقراطيّ الرأسماليّ . وبعكس ذلك يميّز محمّد مهدي شمس الدين (ص 151 و153 و156) العَلمانيّة المعتدلة في الليبراليّة من العَلمانيّة المتطرّفة في الشيوعيّة . كذلك يتحدّث يوسف القرضاوي (بيّنات الحلّ الإسلاميّ ، ص 11) عن العلمانيّة الليبراليّة والعلمانيّة الماركسيّة .

2 ـ مقوّمات العلمانيّة .

يقودنا ذلك إلى المقاربة الثانية ، وهي تحليل العلمانيّة . فيكشف أنور الجندي ، ص 20-21 ، عن مقاصد العلمانيّة الجوهريّة ، وهي : « أولاً : عزل الدين عزلاً تاماً عن المجتمع ، وإتاحة الفرصة لقيام تربية لادينية ، وقيام نظام سياسي لا يستهدي بالشريعة ، وتأسيس الاقتصاد على أساس الربا . ثانياً : ابعاد قطاع أصيل من الفكر الانساني ، هو جانب الروح والوحي ، وعالم الغيب ، وكل ما يتصل بالدين من اخلاق وعقائد وايمان بالله ، وعزله عزلاً تاماً عن الفكر والحياة . ثالثاً : إعلاء كلمة العقل والمادية ، والإلحاد ، وإقامة منهج علماني يقايس المسائل المختلفة ، سواء ما يتصل بالانسان والمجتمع او الحياة بمقاييس الحس والعقل والتجربة وحدها » . ويقدّم محمّد مهدي شمس الدين ، من جهته ، ص 7 ، تحديدًا للعلمانيّة ، فيقول إنّها « النهج الحياتي الذي يستبعد أي تأثير أو توجيه ديني على تنظيم المجتمع ، والعلاقات الانسانية داخل المجتمع ، والقيم التي تحتويها هذه العلاقات وترتكز عليها . ومن ثم فهي نهج حياتي مادي تكوّن نتيجة لنمو الفلسفات المادية اللادينية . وهذا النهج هو الروح المحركة والموجهة في الحضارة الحديثة بجناحيها الرأسمالي والماركسي » . ويقول ، ص 155 ، إنّ العلمانية « هي رؤية فلسفية للسلطة السياسية في المجتمع السياسي ، تنبع من رؤية فلسفية للوضعية الانسانية في الطبيعة والمجتمع » .

وعليه تتضمّن العلمانيّة ، في نظر الإسلاميّين ، أربعة عناصر أساسيّة :
1 – الفصل بين الدين والدولة أو المجتمع أو الحياة .
2 – العلم في شكله الوضعيّ الاختباريّ الحديث .
3 – الفلسفة الوضعيّة أو التجريبيّة ، أي المادّيّة .
4 – اللادين والإلحاد .

1 ـ 1 ـ الفصل بين الدين والدولة .

تتحدّد العلمانيّة أوّلاً بالفصل بين الدين والدولة ، أو بين الدين والمجتمع أو الحياة . ويراد بالفصل تنحية الدين ، بحيث يُقصى إلى أماكن العبادة ، أو حتّى يُعتبَر الشيء الذي ينبغي إلغاؤه من الحياة الاجتماعية وممّا يُدعى الضمير : في الحالة الأولى يُقصَد الموقف الرأسماليّ ، وفي الحالة الثانية يُقصَد الموقف الشيوعيّ الماركسيّ اللينينيّ . وفي كلتا الحالتين لم يعد للدين أن يتدخّل في أيّ من مجالات الحياة الجماعيّة ، كالتربية والأخلاق والاقتصاد والسياسة والثقافة ومنهج الحياة والعلاقات الاجتماعيّة .

يكتب محمّد البهي في مشكلات الحكم ، ص 481 : « اتجاه العلمانية … كفيل بإبعاد الإسلام أولا من مجال التوجيه والحياة العامة … وهو كما يُعبر عنه Secularism : … هو الإيمان بوجوب تنحية الدين وإبعاده من الدخول في أي شأن من شؤون الدولة ، وعلى وجه أخص في التربية العامة » . ويكتب ، ص 491-492 : « دعوة الاتجاه العلماني … إبعاد الإسلام كدين في المجتمعات الإسلامية … إخلاء حياة هذه المجتمعات من الإسلام ، في سياسة الحكم ، والتوجيه معًا » . ويكتب ، ص 473-474 : « اقتحم الاتجاه العلماني مجال التعليم في المجتمع الإسلامي … ونزل مجال التشريع والقضاء ، واستطاع أن يرد فقه الإسلام عن الحياة السياسية والمدنية ، إلى علاقات الأسرة المسلمة وحدها ، في العلاقات الزوجية والأحوال الشخصية » . ويرى أنور الجندي ، ص 24 ، « أن العلمانية ليست قاصرة على فصل الدين عن الدولة . بل انها مخطط كامل يستهدف إقصاء الدين عن كل ميادين الفكر والحياة » .

ويعدّد عماد الدين خليل ، من جهته ، ص 57-61 ، عشرة انحرافات تمارسها النظم العلمانية ، ومنها تلك التي تتّصل بالفصل : – فهي « تضع الحواجز المقفلة بين عالمي الروح والمادة » ، – وهي « لا تشرك القيم الروحية في التخطيطات والنشاطات ذات الطابع الجماعي » ، – وهي « تنظم العلاقات الاجتماعية مجردة عن القيم الروحية » ، – تعتقد « أن الدين أبعد ما يكون عن السياسة ، وأنهما ضدّان لا يجتمعان » . وعن هذا الفصل يتحدّث الكاتب نفسه من جديد ، ص 72 و74 و80 و81 .

ويذكر يوسف القرضاوي ، أوّل ما يذكر ، في الحلول المسستوردة ، ص 52 ، من بين مقوّمات الليبراليّة الديمقراطيّة الرأسماليّة ، وهي في نظره اتّجاه علمانيّ وطنيّ أو قوميّ ، «العلمانية ، بمعنى فصل الدين عن الدولة … وإعلان أن الأمة مصدر السلطات » . ويوضح ، ص 53 : « عزل الإسلام عن الدولة ، وعن توجيه الحياة العامة ، وعن قيادة المجتمع » . ويتحدّث ، ص 55 ، عن « العلمانية ، تشريعا وتوجيها وتثقيفا » ، وعن « علمنة الأفكار والمشاعر والأوضاع ، بحيث حصر الدين في المساجد ، وبعض زوايا الحياة التافهة » ، بحجّة أنّ « الدين لله والوطن للجميع » . ويكتب المؤلّف نفسه ، في بيّنات الحلّ الإسلاميّ ، ص 73-74 : « في مقدّمة … شبهات ]العلمانيين[ … أن الشريعة الإسلامية شريعة جامدة لا تقبل التطور … وبهذا يبررون التشريعات الوضعية والتوجهات اللادينية في الاجتماع والسياسة والاقتصاد والثقافة والإعلام والتعليم ، وشؤون الحياة العامة جمعاء » . ويحلّل المؤلّف ، في الكتاب نفسه ، ص 99-101 ، « مفهوم التطوّر » عند « دارون ووالاس في علم الأحياء » ، و « عند “ سبنسر ” ومن وافقه من دعاة التطور في “ فلسفة الأخلاق ” » ، وفي « المدرسة الماركسية » التي « تتبنى “ التطور المطلق ” لكل جوانب الحياة ، وتربطه بفلسفتها “ المادية الجدلية ” » .

أمّا في نظر محمّد مهدي شمس الدين ، فإنّ « العَلْمانية ليست إلا وليدة … الحضارة » المادّيّة الحديثة (ص 14) . ومن أثرها أنّه « لم يبق للشريعة الاسلامية إلا نفوذ ضئيل في شؤون الأحوال الشخصية للانسان المسلم … كما لم يبق للاسلام … إلا مجال ضيق فيما يسمى : الاعلام الديني الرسمي » ، وذلك « ان مادية الحضارة الحديثة … تطمح إلى إلغاء الاسلام من جميع مواقعه الباقية في الحياة العامة وإحلال العلمانية المطلقة محله على كل صعيد » (ص 71) . ويكتب المؤلّف نفسه ، ص 85 : « المفهوم الغربي-المادي للدين … يعتبر الدين شأناً شخصياً جداً من شؤون الانسان الروحية والنفسية والعقلية لا علاقة له بالحياة ونظمها والمجتمع وعلاقاته . فأدخلوا في أسس الثقافة الجديدة للمسلمين مفهوم “ دين ودنيا ” . واذا كان الدين – حسب مفهومه الغربي المادي – شأناً شخصياً ذاتياً محضاً لا شأن له بالحياة والمجتمع ، فإن “ الدنيا ” تنظم خارج إطار الدين ونظمه وتعليماته ، تُنَظَّم بالعلمانية » . ويكتب ، ص 87 : « غزت النظرة المادية العلمانية مؤسسات التعليم والثقافة … وتسللت إلى مؤسسات التشريع والقضاء » . ويوضح المؤلّف ، ص 125 : « المقصود به ]مصطلح العلمانية[ ان يتولى قيادة الدولة : الحكم واجهزته ومؤسساته وخدماته ، رجال زمنيون لا يستمدون خططهم واساليبهم في الحكم والادارة والتشريع من الدين ، وانما يستمدون ذلك من خبرتهم البشرية في الادارة والقانون واساليب العيش ، وتكون الروح العامة التي توجه الدولة والمجتمع في جميع مؤسساته الثقافية والسياسية والتشريعية روحاً غير دينية » . ويكتب ، ص 126 : « “ العلمانية ” تعني … ان تقوم الحياة في المجتمع والدولة على ضوء المعطيات التي يوفرها سير الحياة الطبيعية في العالم ، وانطلاقاً من المشكلات التي تثيرها حياة الانسان في العالم “ في الزمان ” » . ويكتب ، ص 128-130 : « العلمانية … تعني شيئاً آخر … وهو عبارة عن امرين متكاملين لا تكون الدولة علمانية بدونهما هما : الاول – مصدر الشرعية في السلطة السياسية . والثاني – التشريع الدستوري والقانوني في الدولة . بالنسبة الى الامر الاول تعني العلمانية ان الشرعية التي تخول السلطة السياسية ان تحكم المجتمع وتسيّره وفقًا لمفاهيمها وخططها ليست مستمدة من الدين … وبالنسبة الى الامر الثاني تعني العلمانية … ان يقوم التشريع القانوني والدستوري في المجتمع والدولة على اساس غير ديني … ان الدولة العلمانية هي التي يكون مصدر شرعية السلطة فيها هو الشعب … ان الدولة العلمانية هي التي لا يقوم تشريعها الدستوري والقانوني على اساس ديني » .

1 ـ 2 ـ العلم الحديث .

إنّ أحد أسباب فصل الدين عن الحياة الجماعيّة هو ، على ما يبدو ، إنشاء العلم الحديث بشكله الوضعيّ الاختباريّ ، والصراع بين رجال الدين ورجال العلم ، وهو صراع ولّد الصراع بين الدين والعلم . فالعلم الحديث ، بعد أن استقلّ ، بات ينكر على الدين ادّعاءه قول حقيقة عالم الأشياء وعالم البشر ، ويميل إلى اعتبار التصوّرات الدينيّة تصوّرات أسطوريّة . وهو يتّخذ له المحسوس موضوعًا حصريًّا ، وينزع بذلك إلى اعتبار أيّ شيء شيئًا محسوسًا ونبذ ما يُطرَح كفائق للمحسوس على أنّه غير موجود . وهو يأخذ بمبدأ النسبيّة ، فينبذ كلّ المطلقات ، قيَمًا وكائنات ، بما فيه الإنسان نفسه إذا طرح ذاته كمطلق ، وكذلك القيَم الدينيّة والأخلاقيّة إذا طُرحت كمتعالية وسامية . والعلم الحديث ، إذا امتدّ في التقنية ، لا يعرف حدودًا ، فالطبيعة والمجتمع والإنسان ، هذا كلّه يؤلّف مجالاً مشرَعًا للبحث والاختبار والمعالجة .

يرى أنور الجندي ، ص 10 ، « ان العلمانية لم تكن قاصرة على أنها دعوة الى فصل الدين عن الدولة ، وإنما ذلك في تقدير أصحاب الدعوة هي المرحلة الأولى ، التي تهيىء الفكر والمجتمع جميعاً لخطوة حاسمة هي : “ علمنة الذات العربية نفسها ” على أساس … أن تعتنق المنهج العلمي … وهو المنهج الذي يقوم على أساس قياس النظر الى المجتمع والنفس والأخلاق والإنسان جميعاً على النحو الذي تقاس به العلوم الطبيعية على أساس الملاحظة والتجربة » .

هنا تجدر الإشارة إلى أنّ الإسلاميّين يقفون تجاه مثل هذا العلم موقف التمييز . فمن أفكارهم الأساسيّة أنّ الإسلام ، وهو في ذلك أمين للنصّ القرآنيّ ، يؤيّد العلم ويشجّع العلماء على البحث والمعرفة . فيميّزون بالتالي العلم التجريبـيّ المقتصر على دراسة المحسوس من الفلسفة الحسّيّة الوضعيّة ، أي العِلمويّة ، التي تبدو كأنّها ظاهراتيّة phénoménalisme ، ونسبويّة ، وتطوّريّة ، ومحسوسيّة sensualisme ، وبالمختصر مادّيّة .

يقول محمّد البهي ، في مشكلات الحكم ، ص 458 ، إنّ « العلم هو الذي يتطور » . ويؤكّد ، ص 462 ، نسبيّة العلم . ويكتب المؤلّف نفسه ، في مشكلات الأسرة ، ص 35 : « يرى الالحاد الايديولوجي : أن منزلة العلم أحق بالإيمان من أي شيء آخر في الوجود ، كما يرى أنه : في دائرة العلم جملة ، يملك علم الطبيعة الإنسانية في أحاسيسها وعلاقاتها قمة فروعه ، ويصبح ما عدا علم الإجتماع آنئذ في خدمته ومقدمات ، تنتهي اليه (علم الاجتماع) » .

ويصف أنور الجندي ، ص 46-47 ، العلم في مدلوله الحديث : « العلم في تعريف أساطين العلم هو مجموعة فروض ، تحولت بالتجربة الى قوانين قابلة للتغيير الدائم فليس في العلم شيء ثابت ، وهو في مجموعه محاولة لتعليل الظواهر بعلل مادية غير إرادة الله … وقد أجمع العلماء على أن مهمة العلم ما تزال قاصرة على وصف ظواهر الاشياء ، وتقريرها لا تعليلها … ومن هنا ترك العلم للفلسفة مهمة بحث العلل النهائية للوجود … العلم يعترف بأن العقل البشري لا يستطيع أن يدرك شيئاً إلا عن طريق الحواس … حقائقه … نسبية » .

ويرى عماد الدين خليل ، ص 23 ، « ان العلم … رغم أنه أعطى ]الناس[ مناهج للبحث والابتكار ، إلا أنه لم يزدهم إلا اقترابًا من الحس والتجسيد » . ويكتب ، ص 24 : « النزعة الشيئية التي أوجدها العلم بمنجزاته الحضارية … من الضروري التفريق … بين العلم بما أنه وسيلة تكنيكية للتحضر ، وبين فلسفة العلم بما أنها … قصر لليقين على الملموس الملاصق » . ويكتب ، ص 26 : « ان العلم ليس إلا حصيلة تعامل قدرات عقلية وحسية ، يمتلكها الانسان ، مع الطبيعة والاشياء ». ويكتب ، ص 27 : « ان العلم … هو حصيلة العقل والتجريب » .

ويشير يوسف القرضاوي ، في بيّنات الحلّ الإسلاميّ ، ص 26 ، إلى أنّ العلماء « يعترفون … بأن دائرة أبحاثهم ، إنما هي المادة ، وإنما هي المحسّ » . ويكتب ، ص 28 : « إنها ]العلوم[ كلها تبحث عن الكائنات وليس شيء منها يبحث عن مبدئها الأول وغايتها القصوى ». ويكتب ، ص 36 : « إن المعرفة العلمية الواقعية القائمة على تتبع الجزئيات وتسجيل الظواهر والعلاقات بينها … المعرفة العلمية التجريبية».

واستنادًا إلى تصريح محمّد مهدي شمس الدين بأنّ العلمانيّة وليدة الحضارة الحديثة ، كما رأينا سابقًا ، قد يستنتج القارئ أنّ العلمانيّة ، في نظر المؤلّف ، ينبغي أن تتّصف بأوصاف هذه الحضارة ، وأوّلها « العلم التجريبي والبحث المستمر لأجل تكييف الطبيعة والتغلب على مصاعبها » (ص 15) . ويشير المؤلّف من جديد ، ص 24 و26 ، إلى هذه الميزة . ويفصل الكاتب كذلك ، ص 44 ، بين عنصرين في الحضارة الحديثة ، الأوّل منهما هو « العنصر المادي الذي يتمثل في إنجازات العلم التجريبـي في مجالات الطبيعة ، وإنجازات التنظيم في حقل المجتمع من حيث هو منتج مستهلك » . ويكتب ، ص 75 : « الجانب المادي من الحضارة الحديثة ، إنجازاتها الرائعة في مجال الطبيعة ، وما تمتاز به هذه الحضارة من خصوصية التنظيم – هذا الجانب هو نتاج العلم » .

1 ـ 3 ـ الفلسفة المادّيّة .

لكنّ فكر محمّد مهدي شمس الدين يختلف كلّ الاختلاف ، فهو يربط العلمانيّة بالفلسفة المادّيّة . ويميّز هذا المؤلّف ، ص 80-81 ، العلم من العلمانيّة ، فيكتب : « هذه الفلسفة ]المادية[ ترجمت نفسها في مرحلة التطبيق السياسي والمجتمعي إلى ما يسمى “ العلمانية ” . فإذا كان الجانب المادي للحضارة الحديثة وما تمتاز به هذه الحضارة من خصوصية التنظيم هو نتاج العلم ، فإن “ العلمانية ” هي نتاج الفلسفة ، هذه الفلسفة المادية الخالصة … هذه العلمانية هي الصيغة التنظيمية للمجتمع السياسي الحديث في بُناه السياسية ، والتشريعية والاجتماعية . وهذه الصيغة التنظيمية العلمانية للمجتمع السياسي الحديث هي غير ما يقتضيه العلم التجريبـي من خصوصية التنظيم . فما يقتضيه العلم من تنظيم يتناول جوانب الإنتاج والعمل والاستهلاك وما إليها مما يتصل بكون المجتمع صناعياً . وأما العلمانية باعتبارها صيغة تنظيمية فهي تتناول المجتمع باعتباره مظهرًا لشبكة العلاقات الإنسانية والقيم ، وباعتبار هذه القيم والعلاقات محتوى للمجتمع السياسي » . ويكتب ، ص 127-128 : « لا معنى لتسمية دولة بانها علمانية لمجرد انها تستخدم منجزات العلم في حياة مجتمعها … من السخف وصف دولة او مؤسسة بـ “ العلمانية ” لمجرد انها تتبع اساليب علمية في الادارة وغيرها من شؤون التنظيم » .

الواقع أنّ هذا الكاتب ليس هو الوحيد الذي يربط العلمانيّة بالفلسفة المادّيّة . فالعلم الحديث لا يكون علمًا إذا تحوّل إلى عِلمويّة ، أي إلى فلسفة مادّيّة قامت عليها العلمانيّة . يكتب أنور الجندي ، ص 63 : « العلمانية ليست من نتاج العلم ، ولكنها من نتاج الفلسفة » . ويضيف ، ص 64 : « الفلسفة الغربية في مجموعها هي محاولة لتفسير العالم والحياة والمجتمع عن طريق العقل مع التجاوز التام عن منهج الدين ، وإنكار العالم الآخر ، وكل ما يتصل بما وراء الطبيعة ، او ما وراء المادة » . ويكتب المؤلّف نفسه ، ص 67-68 : « يقرر اتباع الفكرة العلمانية ، أن عقيدتهم العلمانية ترفض اعتبار الدين أساساً لحياة الجماعات البشرية ، او أساساً من أسس القومية وأنها تدعو الى الاعتماد على الواقع الذي تدركه الحواس … وأن العلمنة هي دراسة الانسان والمجتمع ، كما تدرس الاشياء بشكل موضوعي … وأن هذا المبدأ “ الحسي الزماني الدنيوي العلماني ” هو الذي يسود العقل الحديث . ومن خلاصة هذه المفاهيم يتبين أن العلمانية تعتمد منهجاً خاصاً لتفسير الحياة والمجتمع يقوم على أساس النظرية المادية ، والمنهج التجريبـي والعقل الخالص ، هذا المنهج هو ما أطلق عليه بعض العلمانيين “ النظرة العلمية ، او وجهة النظر العلمية ” » . ويكتب أيضًا ، ص 72 : « تريد العلمانية أن تحاكم المفاهيم الانسانية في مجال النفس والاخلاق والاجتماع الى المنهج العلمي … في حدود العلم والعقل والمادة وحدها » .

ويكتب محمّد البهي ، في مشكلات الحكم ، ص 468 : « لأن العلم أبى إلا أن يكون الانسان مادة ، تتبعها ظواهرها فيه ، كما تتبعها في أية طبيعة أخرى . وأبى أن يكون للقيم العليا وجود أصيل ، تتبعه آثاره سواء : في تكوين الضمير ، أو في السلوك » .

1 ـ 4 ـ اللادين والإلحاد .

لا يمكن وصف العلمانيّة ، المبنيّة على الفلسفة المادّيّة ، إلاّ باللادين ، لا بل بالإلحاد .

فهي لادين ، عندما يُراد ، في النظام الرأسماليّ ، فصل الدين عن الحياة الجماعيّة ، وبالتالي تجريده من وسائل لأداء ما يتّخذه لنفسه من دور في تنشئة الناس وجعْلهم مؤمنين . ويرتكز مثل هذا الفصل على نظرة إلى العالم يمكن وصفها بالتجزيئيّة . فإنّ مختلف قطاعات الحياة الجماعيّة لا تؤلّف من بعد كلاًّ متماسكًا ، يحكمه مبدأ واحد منظِّم ومتعالٍ ، بل هي بالحريّ مستقلّة بعضها عن بعض ، وبالتالي متجاورة وحسب . وهكذا ينحصر القطاع الدينيّ بالروابط الشخصيّة المحضة بين الشخص ومعتقداته ، ويدلّ ما يسمّى بالمجتمع الدينيّ ، أو الكنيسة ، على تنظيم المؤمنين داخل هذا العالم المغلق ، عالم المعتقدات والعبادات المشتركة بينهم . ومعلوم أنّ اللادين هو أحد بنود العقيدة الشيوعيّة : الدين هو الشيء الذي يجب القضاء عليه .

يكتب أنور الجندي ، ص 95 : « إن أخطر ما تعارضه العلمانية : هو الدين ، وإن ما وصلت إليه من إقرار نظرة علمية فلسفية تختلف عن منهج العلوم التجريبية ، ويتميز بالتحرر من العقائد الغيبية ، والعواطف تحت إسم العلمانية ، إنما هو في تقدير أصحابه بديل عن الدين ، وان هذا المنهج يستهدف تفسير الحياة والمجتمع : تفسيراً حسياً ، زمانياً ، دنيويًا ، ليحرر البشرية من الاديان التي تتسم بأشياء ثلاثة خطيرة : الغيبيات – والاساطير – الغائية والحياة الآخرة » . ويكتب ، ص 97 : « العلمانية … تصف الدين بأنه مجموعة من الغيبيات والأساطير ، والخرافات ، والأوهام » . ويكتب ، ص 119 : « إن أكبر تجاوزات العلمانية قولها : إن الانسانية قد أصبحت راشدة ، وهي ليست في حاجة الى وصاية الدين » . ويكتب ، ص 129 : « ولقد جرت محاولات “ العلمانية ” عن طريق الفلسفة المادية الى إحلال “ المعرفة ” مكان “ الايمان ” وجاءت مذاهب كثيرة لتجعل الاخلاق واجباً ، ولتحل الايديولوجيات مكان الأديان » . ويكتب ، ص 167 : « من هنا كانت محاولة العلمانية هدم منطق رسالات السماء لتصل الى هدم الثوابت ، وإلغاء قاعدة الثبات » .

ويكتب محمّد البهي ، في مشكلات الحكم ، ص 140-141 : « اتجاه “ العلمانية ” Secularism يرفض أي صورة للإيمان الديني أو العبادة الدينية ، ويعتقد أن الدين والشؤون الاكليريكية Ecclesiastic يجب أن لا تدخل في وظيفة الدولة وبالأخص في مجال التربية العامة! … المجتمع الحديث – وهو صاحب الاتجاه العلماني – يرفض نظرياً رفضاً تاماً أية سلطة للكنيسة ولرجال الدين ، ويسعى إلى التحرر ما أمكن من توجيهه » . ويكتب ، ص 197 : « دين الماركسية هو دين المجتمع والجماهير أو دين الإنسانية … يجب القضاء على “ دين الله ” كي يسود “ دين المجتمع ” » . ويستشهد ، ص 220 ، بكلمة لينين : « الدين هو أفيون الشعب » . ويكتب ، ص 255 : « الدين هو العدو اللدود للاشتراكية الماركسية . هو في نظرها مصدر الرجعية والمقاييس الخلقية للطبقة البورجوازية » . ويكتب ، ص 474 : « نفذ ]الاتجاه العلماني[ إلى التوجيه في المجتمعات والحياة العامة ، وعارض بنزعته اللادينية في صلابة وجرأة ، رأي الاسلام في حلول المشاكل ، أو في قيامها . واستولى على نظام الحكم بفلسفته الانسانية ، التي تسقط الدين واعتباره ، وتولي العناية بالانسان كصاحب “ خالقية ” واستقلال ، دون حاجة إلى ما يسمى : بهداية السماء ، وكتاب الله » . ويكتب المؤلّف نفسه ، في مشكلات الأسرة ، ص 53 : « تحرك المجتمع الأوربي لاستعمار القارتين الافريقية والآسيوية … كان في أشد الأوضاع حرصاً على اتجاه “ العلمانية ” كمثال للإنسانية . فاستصحب الاستعمار معه هذا الاتجاه بما يستتبعه في الحكم ، والتوجيه ، والتشريع … وما يستتبعه في الحكم هو : النظام الديمقراطي ، والحزبية السياسية ، والقومية اللادينية . وما يستتبعه في التوجيه والتشريع هو البعد عن الدين ، وعن معايير السلوك : “ وهذه المعايير في المجتمع الاسلامي هي ما يمثله الفقه من الأحكام الشرعية ” » . ويكتب ، ص 72 : « أضافت الماركسية الى العلمانية قوة في مطاردة الاسلام من المجتمعات الاسلامية التي تسربت اليها ، بجانب العلمانية ، بينما في الوقت نفسه ، خلقت صراعاً آخر بينها وبين العلمانية نفسها » . ويكتب ، ص 80 : « تعرض المجتمع للضغط الايديولوجي الخارجي لايثار أيديولوجية معينة على حساب الأخرى : اما العلمانية اللادينية ، أو الماركسية الالحادية » . ويكتب ، ص 82 : « كلتا المجموعتين : الغربية والشرقية ، تعملان في التقاء تام جاهدتين بطريق غير مباشر على أن لا يكون للاسلام شأن في المجتمعات الاسلامية » . ويكتب ، ص 346 : « لكنه اتجاه العلمانية أو اتجاه الالحادية المادية الذي يخضع كل ما في الحياة لغرور الانسان وتخطيطه ، ويبعد الايمان بالله وبما جاءت به رسالته عن أن يكون ذا موضوع أو يعتبره مخدرًا يخدر أفراد المجتمع » .

ويكتب عماد الدين خليل ، ص 37 : « ان هذا الاصطلاح ]العلمانية[ لا يصح إلا بمقدار اعتباره دعوة للاعتماد على مصدر واحد للمعرفة هو “ العقل ” ، ورفض تام لسائر المصادر الأخرى وعلى رأسها “ الوحي ” الذي جاءت الأديان السماوية جميعًا وفق طرائقه الخاصة » .

وفي نظر يوسف القرضاوي ، في الحلول المستوردة ، ص 112 ، « إن أكبر عيوب الليبرالية الديمقراطية العلمانية هو : خلوها من العنصر الروحي ، بل إغفالها له إغفالا مقصودا ، بإعراضها عن الله ، ورفضها الاهتداء بهداه » . ويعرض الكاتب نفسه ، في بيّنات الحلّ الإسلاميّ ، ص 7-8 ، اعتراضات العلمانيّين ، وأوّلها : « كيف تدعوننا إلى حل يعتمد على الدين في عصر العلم والتكنولوجيا ، وقد انتهى عصر الدين … ولم يتقدم الغرب إلا بعد أن طلق الدين … واتجه إلى العلم والعقل ؟ »

وفي نظر محمّد مهدي شمس الدين ، ص 21، أنّ العلمانيّة ترى أنّ « الوحي … ليس “ علمياً ” ولذا فمقاييس الأديان “ رجعية وبدائية ” » . ويكتب ، ص 130 : « ان الدولة العلمانية هي التي لا يقوم تشريعها الدستوري والقانوني على اساس ديني . انها دولة لادينية من حيث مظهرها التشريعي … ان القيم والاخلاق الدينية لا تعود موضع اعتبار واحترام من وجهة النظر الحقيقية للدولة » . ويكتب ، ص 156 : « العلمانية المتطرفة او الملحدة … تقف الدولة من الدين موقفا سلبيا من جميع الجهات فتلغي وجوده الغاء تاما » .

والعلمانية إلحاد ، عندما يُنكَر ، في النظام الاشتراكيّ ، الماركسيّ اللينينيّ ، أساس الدين نفسه : فإله الأديان وَهْم ليس إلاّ . أضف إلى ذلك أنّ اللادين يقود عمليًّا إلى الإلحاد ، بفعل المادّيّة التي قامت عليها العلمانيّة .

يكتب أنور الجندي ، ص 95-96 : « تقدم العلمانية في منهجها الخطير مجموعة فروض . الفرض الاول : أن الكون مستقل في ذاته تفسره القوى والقوانين التي تشكل منها وتسوده فلا يحتاج الى أية قوة خارجية يستعين بها في تفسير ما يحدث فيه » . ويتهجّم المؤلّف نفسه ، ص 96 ، على « الايديولوجية التلمودية » وهي « تعمل دائبة … عن طريق الفلسفة المادية » مستهدفة « معارضة وجود الله والاديان والرسل ، والكتب السماوية … وإقامة دين جديد يحل محل الدين الحق المنزل بالوحي من عند الله ، هو دين البشرية المتحرر بالإلحاد من الالوهية » . وللكاتب نفسه ، ص 113 : « ولقد تشك الفلسفة المادية بعالم الغيب ، وما يتصل به من ألوهية ونبوة ووحي وأديان ، وكتب وبعث ونشور وجزاء » .

ويؤكّد محمّد البهي ، في مشكلات الحكم ، ص 499 ، أنّ معاداة العلمانية للدين « كان التمهيد لإعلان المادية … في إنكار الألوهية » . ويكتب المؤلّف نفسه ، في مشكلات الأسرة ، ص 18 : « معنى أن يرفض المجتمع الحديث دعوة الكنيسة ، هو أن يشك على الأقل في وجود الله » .

ويكتب عماد الدين خليل ، ص 24 : « إن النزعة الشيئية التي أوجدها العلم بمنجزاته الحضارية الهائلة ، قد استعبدت الناس من دون الله وحجبت عنهم ببريقها وتناسقها وتجسيدها الواضح : نور التجريد والغيب ، وبالتالي حجبت عنهم الاتصال بالله » . ويكتب ، ص 27 : « إن العلمانية … ليست سوى محاولة من محاولات سوء التفاهم التي لا بد وأن يقع فيها الانسان الذي يختار بنفسه أن يندّ عن طريق الله ومنهجه في الحياة . ومن ثم يجد نفسه … مضطرًا الى ابتكار منهج من عند نفسه » .

ويكتب يوسف القرضاوي ، في الحلول المستوردة ، ص 112 : « إن أكبر عيوب الليبرالية الديمقراطية العلمانية هو : خلوها من العنصر الروحي ، بل إغفالها له إغفالاً مقصودا ، بإعراضها عن الله ، ورفضها الاهتداء بهداه » . ويكتب ، ص 121-122 : « كانت الدعوة إلى العلمانية بين المسلمين معناها الالحاد والمروق من الاسلام » . ويكتب المؤلّف نفسه ، في بيّنات الحلّ الإسلاميّ ، ص 59 : « إن جميع الأيديولوجيات تشترك في نقطة ضعف واحدة قد تودي بها جميعاً ، وذلك في منافستها للأديان العليا على اكتساب ولاء الجماهير . وهذا معناه العودة إلى عبادة الإنسان … عاد الإنسان إلى سجن المجتمع » .

3 ـ تكوين العلمانية .

أمّا المقاربة الثالثة لفكرة الإسلاميّين عن العلمانيّة فهي عرض للمسيرة التاريخيّة لتكوين العلمانيّة . تقدّم النصوص الإسلاميّة تصوّرًا واحدًا لهذه المسيرة . ففي نقطة الانطلاق كان تسلّط الكنيسة الكاثوليكيّة ، وهي تدّعي أنّها تجسيد المسيحيّة أو التعبير الحصريّ عنها . يضاف إلى ذلك لاأخلاقيّة رجال الدين واضطهادهم رجالَ العلم ، بحجّة أنّ علمهم يناقض تعليم الكتب المنزلة . وقد ولّدت ردّة الفعل الدينيّة ، في القرن السادس عشر ، الإصلاح البروتستانتيّ والنهضة في آن . وكانت النهضة عودة إلى النزعة الإنسانيّة اليونانيّة والرومانيّة القديمة ، واستقلالاً للعلوم والتقنيات وتعزيزًا لها . وتزيّت ردّة الفعل المدنيّة ، الاجتماعيّة السياسيّة والاجتماعيّة الثقافيّة ، في القرن الثامن عشر ، بِزيّ العلمانيّة . وقد عزّزتها الثورة الفرنسيّة ، كما عزّزتها ، في شكلها المتطرّف ، الثورة البروليتاريّة الشيوعيّة . والقيَم الجديدة التي حلّت محلّ القيَم الدينيّة كانت : الإنسان والعقل والعلم والتقنية ، وكلّها قائمة على المادّيّة . فالإنسان يستطيع ، بفضل عقله ، أن يأخذ نفسه على عاتقه ، وأن يضع لنفسه قواعد السلوك التي تسمح له ببناء مجتمعه ، وكذلك أساليب التعامل مع الطبيعة لتلبية حاجاته المادّيّة . لكنّ إنسان العلم والتقنية هذا يدرك أنّه أسير حتميّات العالم الطبيعيّ وعالمه الإنسانيّ الخاصّ .

يكتب أنور الجندي ، ص 14 ، « كانت العلمانية خطوة طبيعية في الفكر الغربي نتيجة قصور المفاهيم الدينية التي كان يحملها رجاله عن مجاراة النهضة . فكان هذا القصور مع تلك الحملة الضخمة التي شنتها الكنيسة الغربية على العلم مصدراً من المصادر الهامة في زيادة التحدي الذي ردّ به رجال النهضة بإقصاء الدين كلية عن محيط الفكر والمجتمع في الغرب » . ويكتب ، ص 17 : « ان الدعوة العلمانية هي نتاج يهودي تلمودي أصيل كان له أبعد الأثر في الفكر الغربي ، فقد سادته عوامل أربعة هامة : (1) نظام الاقتصاد القائم على الربا . (2) القانون الوضعي المنفصل عن شرائع الله . (3) التعليم اللاديني المتحرر من نفوذ الكنيسة . (4) الديمقراطية التي تحل الايمان بالدولة محل الايمان بالعقيدة » . ويكتب ، ص 85-86 : « ولقد كان القول بالتطور المطلق سبيلاً الى نزع القداسة عن الأديان ، والشرائع ، والقيم ، والأخلاق ؛ والسخرية منها ، والدعوة الى التحلل والاباحية ، وإنكار مقومات المجتمعات ، والعقائد على النحو الذي كشفت عنه نظريات فرويد – ودركايم – وليفي بريل – وسارتر … وفي البروتوكولات نص صريح في هذا المجال يقول : إن دارون ليس يهودياً ، ولكننا عرفنا كيف ننشر آراءه على أوسع نطاق ونستغلها في تحطيم الدين » . ويكتب ، ص 137 : « لقد بدأت الحضارة الغربية على أسس الاخلاق المسيحية ، ومنجزات المنهج العلمي التجريبـي الاسلامي . ولكن حركة التنوير التي قادتها التلمودية من خلال محافل الماسونية ، استطاعت أن تدفعها دفعاً الى مجال الوثنية الاغريقية ، وغلبة المادية ، والقضاء على كل ما يتصل بالأديان والاخلاق » .

ويكتب محمّد البهي ، في مشكلات الحكم ، ص 134-139 : « إن تاريخ الفكر الأوربي مشحون بالمصادمات وبمظاهر الطغيان التي تكررت في قتل الرجال والنساء وتشويه الأطفال ، وإحراق الجثث البشرية والمدن وتخريبها ، واباحة النهب والسلب والاعتداء على الحرمات في المال والنفس ، وكل ذلك باسم الله ، وعلى يد رجال الدين ، وبتنظيم الكنيسة ، وأمر البابا » . يتكلّم المؤلّف على محاكم التفتيش ، ثمّ يتابع : « من هنا كانت الثورة على الدين ورجاله ، وكان إعلان الكفر بسلطة الدين والقائمين عليها . وكان رد الفعل في نفوس الأحرار : الإنسان وحده لا شريك له !! فقامت النهضة الاوروبية ، وهي في الواقع ثورة على الكنيسة ، ومن أجل حق الإنسان في التفكير والحياة ، وحريته في الرأي » . في هذا السياق يتكلّم المؤلّف على “ الوعي القومي ” ، ويذكر « طريقاً إنسانياً في التفكير والفلسفة » ، ويقول : « انعزل الدين “ المسيحي ” عن التوجيه الرئيسي في حياة الانسان » . ثمّ يشير إلى “ الثورة الفرنسية ” و “ رفع الوصاية عن الانسان ”. ويتابع : « اعتبرت الفلسفة “ الانسانية ” الألمانية في القرن الثامن عشر الانسان أصل الوجود … وكان شعارها : أنا أفكر ، فأنا موجود . فـ “ الوجود ” تابع للانسان … وليس سابقاً عليه ! كما اعتبر أن الإنسان بفكره له “ خالقيته ” : فهو صانع الدولة والمجتمع ، وهو صاحب القانون ، وهو واضع المعايير الأخلاقية ، وهو المنشئ لنظام الحكم والإدارة » . ويعرض ، ص 199-203 ، فلسفة هيجل ، ويقول إنّها كانت نقطة انطلاق كارل ماركس . ويتناول المؤلّف في هذا السياق ، ص 210-211 : فلسفة هيجل – وص 212-215 : فلسفة فويرباخ – وص 215-217 : كارل ماركس – وص 220-221 : لينين – وص 221-223 : ستالين – وص 224-231 : الثورة اللينينية – وص 394-405 : أوغست كونت وقوله بدين الانسانية … وعصر العلم والصناعة … وعلم الاجتماع – وص 398-404 : الماركسية اللينينية . ثمّ يختم المؤلّف بقوله ، ص 484 : « رأينا أن النظام الرأسمالي كان وليد بيئة معينة ، هي البيئة الغربية ، وكان نتيجة لخصومة مريرة ، هي الخصومة مع الكنيسة ونظام القرون الوسطى … وكانت الدعوة إلى النظام الاشتراكي كرد فعل ، ثم قيام النظام الماركسي … وطغى وتجبر ، كما طغى النظام الرأسمالي قبله » .

ويكتب المؤلّف نفسه ، في مشكلات الأسرة ، ص 22-23 : « قضية الدين والدولة تشير الى بدء الخروج عن سلطة الكنيسة … طلباً لسيادة الانسان على نفسه . والوعاء الزمني لذلك هو عصور النهضة الأوربية التي امتدت من القرن الرابع عشر الميلادي الى القرن السادس عشر منه . وقام مارتن لوثر … بحركة الاصلاح الديني … خصومة مذهبية بين … البروتستنتية والكثلكة … الكنيسة “ الانجيلية ” … الكنيسة الكاثوليكية … ويشبه الوضع بينهما ما بين اتجاه ابن تيمية واتجاه الشيعة الإثناعشرية في تصوير الاسلام ومبادئه … ويكاد يكون ما أنكره لوثر على الكثلكة هو نفس ما أنكره ابن تيمية على غلاة الشيعة » . ويكتب ، ص 23-25 : « وقد أفضت عهود النهضة الاوربية الى تكوين جيل من المفكرين الاوربيين ، مهد الى نشأة القضية الثانية في التفكير الغربي ، وهي قضية : العلم والدين ، أو قضية العلم والايمان . وكان أبرز هؤلاء المفكرين : بيكون Francis Bacon ، وكامبانيلا Thomas Campanella ، وهوبز Thomas Hobbes، وديكارت Renie [=René] Descartes … فأكد هؤلاء في تفكيرهم الفلسفي أهمية الجانب الانساني ، والطبيعي ، في مواجهة الجانب الميتافيزيقي … ثم جاء القرنان : الثامن عشر ، والتاسع عشر بعد ذلك ، وشُحن التفكير الفلسفي فيهما بتمجيد الإنسان … وانتقل الإنسان من عبادته لنفسه على عهد العلمانية ، الى عبادة العلم … وهنا ظهر الإلحاد الايديولوجي في المجتمع الاوربي بعد عهد العلمانية … وفي مقدمة الفلاسفة الذين مهدوا للالحاد الإيديولوجي أو صاغوه صياغة فلسفية : بيركللي Berkeley] =[ George Berkly، ومونتسكي Montesquieu، وهيوم David Hume، وكانت [= Immanuel] Kant Imenwel، وهكسلي Thomas Henry huxly [= Huxley] ، وهيجل George Vilhelm Friedrich hegel [= Georg Wilhelm Friedrich Hegel]، وكومت Auguste Conte [= Comte] وفيرباخ Ludwig Feuerbach ، وداروين Charles Darwin ، وميل John Stuart Mill ، وماركس » . ويكتب ، ص 95 : « ان المسيحية الإلهية حوّلها “ هيجل ” الى فلسسفة طبيعية ، وحوّل “ فيرباخ ” بعده الإله فيها إلى إنسان يعبد ويقدس ، ثم جاء كارل ماركس فحول الانسانية المؤلهة عند فيرباخ ، إلى “ الجماهيرية ” ، ونقل القداسة إلى “ البروليتاريا ” وحدها ، دون بقية الناس الآخرين في المجتمع » .

ويكتب يوسف القرضاوي ، في بيّنات الحلّ الإسلاميّ ، ص 31 : « ان الكنيسة الغربية في العصور الوسطى … تبنّت نظريات وآراء معينة في الفلك والفيزياء والجغرافيا وغيرها من العلوم ، وأضفت على هذه الآراء لوناً من القداسة الدينية … فلما بزغ فجر النهضة العلمية في أوروبا، على أيدي جماعة من علمائهم ومفكريهم الأحرار الذين تأثروا بالمنهج العلمي الذي كان معروفاً في العالم الإسلامي ، اصطدمت أفكارهم ومكتشفاتهم اصطداماً مباشراً بتلك النظريات المقدسة ، وكان النزاع المرير المعروف في الغرب بين العلم والدين » . ويناقش ، ص 31-43 ، « نظريات أوجست كونت » . ويتكلّم ، ص 99-101 ، على « مفهوم التطور » عند دارون و« والاس في عالم الاحياء » ، و« عند سبنسر » في « ميدان الأخلاق والأفكار وعالم المعاني » ، وفي « المدرسة الماركسية » التي تبنّت « التطور المطلق » وربطته « بفلسفتها المادية الجدليّة » .

ويكتب محمّد مهدي شمس الدين ، ص 81-82 والحاشية 1 في ص 81 : « يرتبط تاريخ العلمانية في العصر الحديث (1) بنهاية عصر الاقطاع في أوروبا ونشوء الدول القومية في بداية العصر الحديث . – ]الحاشية :[ نقول هذا لأن العلمانية بلحاظ أساسيها : مصدر التشريع ، وشرعية السلطة ليست وليدة العصر الحديث ، بل ترجع إلى عهود ما قبل المسيحية في المجتمعات اليونانية ، ثم في الامبراطورية الرومانية الوثنية . والعلمانية الحديثة ما هي إلا صورة لعلمانية المجتمع الروماني الوثني ، اكتسبت عمقاً وابعاداً جديدة بما أتيح لها من تنظير فلسفي مادي ، وباخفاق تجربة الكنيسة في حكم الشعوب التي خضعت لها منذ إعلان قسطنطين إلى الثورة الفرنسية . – … وحين أطيح بالكنيسة تدريجاً كسلطة عليا واجهت المجتمعات السياسية في أوروبا فراغاً في هذه الناحية الهامة . إذ ذاك تقدمت العلمانية لملء الفراغ وفقاً لنظرتها المادية إلى الكون والحياة والإنسان . وتسارع نفوذ الإتجاه العلماني في التنظيم السياسي والاجتماعي بنشوب الثورة الفرنسية وما أدخلته على جميع أوروبا من تيارات فكرية ذات طابع مادي » . ويكتب ، ص 125-126 : « هذا المضمون لمصطلح “ علمانية ” يتصل … بالظروف التي نشأ فيها هذا المذهب السياسي وتطور في اوروبا في عصر النهضة الاوروبية ، وما ولّد من صراع بين الكنيسة من جهة والقوى الجديدة في حقول التجارة والعلم والفن والاجتماع والسياسة وغيرها من حقول الحياة في المجتمع السياسي » . ويكتب ، ص 133-136 : « من الاساس اعترفت المسيحية بوجود سلطتين : سلطة الله وسلطة قيصر … (انجيل متى : 22/21) . وقد غلب جانب الكنيسة منذ بدايات العصور الوسطى المسيحية على جميع جوانب الحياة السياسية والثقافية والاجتماعية . – شبكة العلاقات القائمة بين نظام الاقطاع … وبين الجهاز الكنسي . – متغيرات في حقول السياسة والعلم والمال والفن . – الحس القومي . – تقدم العلوم والفنون … مواجهة بين رواد البحث العلمي وبين الكنيسة . – واذا كان الدين هو الاساس والروح والمضمون الذي كان يقوم عليه المجتمع السياسي في اوروبا … وكان اللاهوت هو الترجمة التشريعية والشكل القانوني لمبررات نظام العلاقات السائد في المجتمع الاقطاعي ، وكانت الكنيسة تمثل السلطة ، فان القوى الجديدة استعانت ، في مقابل المسيحية ، بالفلسفة ، لتستنبط منها مبررات التغيير الجديد » . ويتكلّم ، ص 143-149 ، على « العلمانية في مواجهة المسيحية : – لقد تركز الاتجاه الفلسفي الجديد عند بدء تكونه على المبدأ القاضي بوجود سلطتين ، او مصدرين للسلطة : الكنيسة والدولة . – توماس هوبز . – جون لوك . – باروخ سبينوزا . – لورد سفتسبري . – جوتفريد ليبنتز . – ديفيد هيوم . – فرنسيس فولتير . ـ- جان جاك روسو . – الثورة الفرنسية . – ومن فرنسا انتشرت رياح العَلمانية الى كل اوروبا . – حلت مشكلة الصراع بين الدولة والكنيسة بالفصل بين السلطتين » . ويتكلّم ، ص 151-153 ، على « العلمانية المتطرفة – الملحدة . – الاتجاه المادي في الفكر الفلسفي الاوروبي . – الفلسفة “ الوضعية ” … سان سيمون … اوغست كونت … لودفيج فيرباخ … وهو تلميذ بارز لاوغست كونت . – المذهب الانساني الالحادي … على اثر فيرباخ جاء كارل ماركس … المادية الديالكتيكية وتطبيقها الاجتماعي-السياسي “ المادية التاريخية ” . – الثورة سنة 1918 بقيادة لينين » .

هذه هي ، في نهاية هذه المقاربات الثلاث ، العلمانية كما يتصوّرها الإسلاميّون ، تلك العلمانية التي هي سمة الحضارة الغربية ، والتي اجتاحت المجتمعات الإسلاميّة في ظلّ حركة الاستعمار . فليس بالأمر الصعب أن نرى لدى الإسلاميّين ، بعد أن تحرّروا من الافتتان بمنجزات الحضارة الغربية الحديثة ، ردّة الفعل الرافضة لعلمانيّة كهذه .