النزاع التاريخي

1 ـ النزاع التاريخيّ

يمكن النظر في مظاهر العداوة والمنافسة وإرادة السيطرة ، كصراع مسلّح ، وكصراع إيديولوجيّ .

 

1 ـ الصراع المسلّح .

يُنظر هنا في هذا الصراع في وجهيه : الصراع المسلّح بالمعنى الحصريّ للكلمة ، وما يستتبعه من صدام مسلّح ومن ظفر وهزيمة . ومن ثمّ ، كبديل للصدام المسلّح ، الصراع الدبلوماسيّ ، وهو يستتبعه أيضًا ظفر وهزيمة أو ضغط وتنازل .

في الصراع ، أيّ صراع ، ليس لأحد أن يعتبر نفسه بريئًا وأنّه المُعتدى عليه ظلمًا ، إذ إنّه بإمكان أيّ فريق الادّعاء بأنّ ما قام به من فعل إنّما هو ردّة فعل . فمن غير المجدي إذن أن نضطلع بدور الحكَم . يكفي التحقّق من الوقائع ، وذلك انطلاقًا من فترة في التاريخ ، دون الرجوع إلى بدايات الزمن . وعليه ، لإبانة وضع الصراع المسلّح والدبلوماسيّ هذا ، أكتفي بالتذكير بالحقبات الرئيسة في حركة الكرّ والفرّ التي تجعل مصير العالم الإسلاميّ ومصير العالم الغربيّ مصيرَين مرتبطين .

توخّيًا لهذا الغرض أعود إلى تاريخ الأحداث الذي وضعتُه في أحد مؤلّفاتي في الفكر العربيّ الحاليّ (P.Khoury 1983, p. 346-368, 384-405)،  ارتكازًا على المؤلّفات أو الدوريّات التالية :

AAN 1962. — Antonius 1969. — Cambridge HI 1977 I. — Daniel 1966. — EI2 1954-60-. — Hajjar 1970. — HGC III-VII. — Hourani 1970. — LIW 1974. — MENA 1978. — Miquel 1977. — MMMA 1964-. — Pareja 1964. — Planhol 1968. — PLNO 1979. — Ronart 1972. — Sourdel 1968. — Weinstock 1970.
يضاف إليها مؤلّفات كثيرة غيرها ، منها :

Bréhier 1947. — Diehl 1920. — Grousset 1934-1936. — Grousset 1955. — Hajjar 1971. — Heyd 1885-1886. — Hist. de l’ةgl. . — Musset 1948-1949…
كما يضاف أيضًا :

ASG 1966. — Bosschère1973. — Delorme 1969. — EDMA-Arabes 1975. — Hartmann-Himelfarb 1964. — IL 1991. — Sauvaget 1950. — Sauvaget-Cahen 1961…

إذا تأمّلنا جملة حركة الأحداث في كرّها وفرّها بين القطبَين ، الإسلاميّ والغربيّ ، عاينّا بروز اثنتي عشرة حقبة ، هي بمثابة مفاصل تبيّن الأفعال وردّات الفعل ، من كلا الطرفَين ، التي تجعل صلات هذين العالمين نسيجًا واحدًا ما زال نسجُه متواصلاً .

1) المبادرة هي للإسلام . تدفّق العرب من جزيرتهم وباندفاع لا يُقاوَم احتلّوا ، خلال عشر سنوات (633-644) ، بلاد الشام والعراق وبلاد ما بين النهرين العليا وأرمينيا وبلاد فارس ومصر ومنطقة قيرينة Cyrénaïque. ومن ثمّ إفريقيا الشماليّة : الغارات الأولى (647) ، تأسيس القيروان (670) ، فتح بلاد البربر (680-700) ، احتلال قرطاجة (698) ، تأسيس فاس (789) . وفي غضون ذلك ، عبَر طارق بن زياد إلى إسبانيا (711) ، فدُمّرت مملكة الغوط الغربيّين وأصبحت الأندلس عربيّة حتّى سنة 1492 (سقوط غرناطة) . تلا ذلك اجتياح مملكة الفرنجة : احتلال نربون Narbonne (720) ، وصار العرب على أبواب أوتون Autun (725) . قام شارلماني Charlemagne بحملة فاشلة ضدّ “ سراقنة ” إسبانيا ، كان ثمنها موت أورلاند Roland (778) . وقد احتلّ العرب مقاطعة البروفانس Provence (900-972) ، وكانوا قد أوقِفوا عند بواتيه Poitiers (732) ، ومن قبل قد احتلّوا كورسيكا (806) وسردينيا وصقلّية (827) ، واستولوا على بلرمو Palermo (830-831) وباري Bari (840) ، ونهبوا روما (846) .

بقي إذن القليل من الإمبراطوريّة البيزنطيّة ، وراحت الممالك الأوروبيّة تشعر بوعيد منافس للإمبراطوريّة الرومانيّة ، إمبراطوريّة جديدة ، عربيّة ثمّ عثمانيّة ، اتّضح ، على الرغم من خصوماتها وانقساماتها الداخليّة ، أنّها إمبراطوريّة إسلاميّة . ذلك أنّ الدافع المُعلَن للفتوحات ولإقامة الإمبراطوريّة الإسلاميّة كان نشر الإسلام ، بالدعوة إلى اعتناق هذه الديانة المنزلة والنهائيّة ، وبالجهاد إن لزم الأمر . فعلى الجميع ، أفرادًا وشعوبًا ، أن يخضعوا لشريعة الله . وكان لا بدّ من سلطة الدولة لدعم الدين وصيانته . وكان أنّ الفاتحين الذين حرّكهم هذا الشعور الدينيّ ، عوّضت من جهودهم الغنيمةُ الضخمة التي غنموها بفضل انتصارهم في الحرب . وكان أيضًا أن سيطرت الدولة أو الإمبراطوريّة الجديدة على طرق تجارة الغرب ، البرّيّة والبحريّة ، مع الشرقَين ، الأدنى والأقصى . فبرزت طريق الهند كإحدى ثوابت هذا الصراع المسلّح والنزاع التاريخيّ الذي تواجه فيه الإسلام والغرب .

2) ردّة الفعل الغربيّة ، المتوقّعة ، اتّخذت ثلاثة أشكال متتالية : الصمود أمام الهجوم ، استرجاع ما أُخذ من الغرب ، الذهاب إلى قلب الإمبراطوريّة العربيّة الإسلاميّة .

ظهر صمود بيزنطية في احتفاظها بالأناضول ، وفي صدّها لحصارَين ضُربا حول القسطنطينيّة (673-677 و 717-718) . كذلك صمدت مملكة الفرنجة . فأوقف شارل مارتيل تقدّم الفاتحين في بواتيه (732) .

واستعيدت الأراضي الأوروبيّة المحتلّة بإبعاد العرب من البروفانس (972) ، وباسترجاع صقلّية على يد النورمَنديّين (1060) ، وباسترداد إسبانيا بفعل الحركة المسمّاة ريكنكويستا Reconquista، ابتداءً من القرن الحادي عشر . في هذا الصدد ، تجدر الإشارة إلى تاريخَين فاصلين : احتلال طليطلة (1085) ، وسقوط غرناطة (1492) .

لكنّ ملوك أوروبا المسيحيّين وفرسانهم لم يكتفوا بهذا . فكان من الضروريّ احتلال قلب الإمبراطوريّة المعادية : الفتح يقابله الفتح ، والجهاد تقابله الحملة الصليبيّة . فتمّ الاستيلاء على القدس سنة 1095 ، وتأسّست مملكة أورشليم اللاتينيّة . وكان لا بدّ من الإشراف على طرق الحجّ إلى الأرض المقدّسة وضمانة سلامة الحُجّاج . وكان لا بدّ من احتلال الأرض المقدّسة لما للمسيحيّين من حقّ عليها ، وإعادة تكوين الشعب والعالم المسيحيّ في تلك البقعة من الشرق الأدنى ، أو مساعدة الشعوب المسيحيّة على البقاء فيها ، تلك الشعوب التي استطاعت الاستمرار تحت السيطرة الإسلاميّة . وكان لا بدّ أيضًا من التحكّم بهذا الإقليم الذي يشكّل ملتقى الطرق البرّيّة والبحريّة للتجارة والمواصلات بين أوروبا والشرق الأقصى .

3) هذا التحدّي كان لا بدّ من مواجهته . فسقطت الرُها (1144) . ومنذئذٍ راح كلّ تحرّك إسلاميّ يثير حملة صليبيّة ، غالبًا ما كانت فاشلة . لم يستطع الصليبيّون أن يسترجعوا الرُها ، وأخفقوا أيضًا في الاستيلاء على دمشق (1148) . واستولى صلاح الدين الأيّوبيّ ، بعد معركة حِطّين (1187) ، على بيت المقدس وكلّ المملكة اللاتينيّة ، باستثناء مدينة صور . لم يستطع ريكاردوس قلب الأسد استعادة المدينة المقدّسة ، فعقد صلحًا مع صلاح الدين (1192) . فأتاحت هدنة السنوات الثلاث للصليبيّين الإمساك بالساحل من صور إلى يافا ، ووفّرت لهم حرّيّة الحجّ إلى القدس ، مقابل تسهيلات للحُجّاج إلى مكّة . فارتدّ الصليبيّون إلى القسطنطينيّة ، واستولوا عليها (1204) وأسّسوا إمبراطوريّة لاتينيّة . لكنّ البيزنطيّين استعادوا مدينتهم (1261) . استولى الصليبيّون على دمياط (1219) ، وأرجعوها (1221) إثر اندحار زحفهم على القاهرة . لجأ السلطان إلى الدبلوماسيّة . فتنازل عن القدس وبيت لحم والناصرة ، وعقد هدنة لعشر سنين (1229) . استرجع المسلمون القدس (1244) ، واحتلّ الصليبيّون دمياط (1249) وانهزموا في المنصورة . اعتُقل القدّيس لويس (1250) ، وأُعتق مقابل إعادة دمياط . وقاد الملك القدّيس نفسه الحملة ضدّ تونس ، حيث توفّي (1270) . في فلسطين ، حصل الصليبيّون من السلطان على وقف الأعمال الحربيّة (1272) . لكنّ النهاية باتت وشيكة ، إذ سقطت طرابلس (1289) ، ثمّ عكّا وصور (1291) . وطُرد الصليبيّون من بلاد الشام . إنّها نهاية المغامرة . أمّا بعض الغزوات المسمّاة أيضًا حملات صليبيّة ، فليست إلاّ فولكلورًا . الزمن الآن زمن العثمانيّين .

4) عقبت الإمبراطوريّةَ العربيّة الإمبراطوريّةُ العثمانيّة ، الإسلاميّة هي أيضًا مع أنّها ليست بعربيّة ، وتأسّست على منهج خاصّ ، مصارعةً ، في آن ، القوى الأوروبيّة وأقاليم الإمبراطوريّة العربيّة الإسلاميّة نفسها الحريصة على استقلالها النسبيّ . في الواقع بدا الأمر كأنّ العثمانيّين ، من جهة ، والقوى الأوروبيّة ، من جهة ثانية ، يتنازعون أشلاء الإمبراطوريّة العربيّة الإسلاميّة . وتبيّن أنّ النصر كان حليف العثمانيّين في هذا النزاع . إلاّ أنّ خسارة القوى الأوروبيّة لم تكن كلّيّة . هذه الفقرة تعرض انتصارات العثمانيّين . أمّا الفقرة التالية فتعرض ما حصل عليه الأوروبيّون من مكاسب .

قصد العثمانيّون العاصمة البيزنطيّة . فراحوا يعزلونها شيئًا فشيئًا عن المناطق المحيطة بها ، في الأناضول من جهة ، وفي البلقان من جهة ثانية . فدخلوا بورصهBrousse (1326) ، وكاليبوليس (غاليبولي) (1354-1356) ، وأدريانوبوليس (أدِرنه) Andrinople (1361-1362) . وأخضعوا بانتصارهم في كوسوفو Kosovo الأراضي الصربيّة . فانحصرت الإمبراطوريّة البيزنطيّة في حدود عاصمتها القسطنطينيّة .

وكان لا بدّ من انتظار نهاية الفاصل الزمنيّ – احتلال تيمورلنك بلاد ما وراء النهر (آمودريا) Transoxiane (1363) وبلاد الشام (1400-1402) – لكي يستولي العثمانيّون على المدينة (1453) . فجعلوها عاصمتهم باسم إستانبول (إسطنبول) حتّى سنة 1922 : بذلك يكون العثمانيّون قد ورثوا إمبراطوريّة الشرق الرومانيّة أكثر ممّا ورثوا الإمبراطوريّة العربيّة .

لقد ورثوا في الواقع كلتا الإمبراطوريّتين ، وانطلاقًا من هذه النواة الأولى وسّعوا هيمنتهم باتّجاه أوروبا ، والشرق ، وساحل المتوسّط الجنوبيّ . استولوا على طرابزون Trébizonde (1462) ، وعلى كرمانيا Karamanie (1464) (منطقة قونية) ، وعلى القرم Crimée (1475) . وهزموا الصفويّين (1514) ، ووصلوا بلاد الشام ومصر (1516-1517) ، واستولوا على الحجاز وصولاً إلى مكّة (1517) . وتمكّنوا من بلغراد (1521) ورودس (1522) ، وأخضعوا هنغاريا بانتصارهم في موهاكس (1526) . واستولوا على بغداد (1534) . كما أنّهم استولوا على ممتلكات البندقيّة في بحر إيجه (1537) ، وهاجموا كركيرا (كورفو) Kérkyra (Corfou) وسيطروا على عدن (1538) ، وجرّدوا حملة ضدّ المؤسّسة البرتغاليّة في ديو Diu (1539) . واستولوا على بودا Buda ، واصبحت هنغاريا ولاية عثمانيّة (1541) . ثمّ استولوا على مدينة الجزائر (1541) ، وضربوا حصارًا على مدينة نيقية (نيس) Nice (1543) . وسيطروا على اليمن (1546) . وبعد فشل سينان باشا في الاستيلاء على مالطة ، استولى على طرابلس الغرب في ليبيا (1551) . ثمّ عاد العثمانيّون وحاصروا مالطة (1565) ، وسيطروا على قبرص (1573) ، واحتلّوا نهائيًّا تونس (1574) ، وطردوا البرتغاليّين من المغرب (1578) ، كما سيطروا على هيراكليون (قندية) Héraclion (Candie) (1669) .

وأخيرًا ، قبل أن يحمل بونابرت إلى مصر حداثة الثورة الفرنسيّة ، أفاد السلطان سليم الثالث من علاقات أمبراطوريّته بالدول الأوروبيّة ، محاولاً تحديث الإمبراطوريّة العثمانيّة (1789) .

5) خلال هذا الوقت كلّه ، لم يقبع الأوروبيّون مكتوفي الأيدي . بل احتلّوا مراكز على طريق الهند وعلى طول الساحل الإفريقيّ الشماليّ . وسعوا إلى اكتشاف طرُق جديدة للمواصلات . وصمدوا في وجه المدّ العثمانيّ . وحصلوا على امتيازات . واستعادوا أقاليم كان العثمانيّون قد استولوا عليها . وانقادوا إلى منافسات دون رحمة في ما بينهم ، حتى إنّ بعضهم ذهب إلى التحالف مع العثمانيّين ضدّ منافسيهم الأوروبيّين . في ما يلي بعض المواقع المعْلَميّة في حركة الأخذ والردّ هذه بين أوروبا والإمبراطوريّة العثمانيّة .

منذ سنة 1415 كان البرتغاليّون في سبتة Ceuta . وفي السنة نفسها التي سقطت فيها غرناطة ، اكتشف كريستوف كولومبوس أميركا (1492) . وقاد البحّار العربيّ ابن ماجد فاسكو دي غاما Vasco de Gama من الساحل الإفريقيّ إلى كاليكوت Calicut (1498) . وطُرد العرب المسلمون غير المرتدّين إلى المسيحيّة Maures من إسبانيا (1502) . ووصل البرتغاليّون إلى سوقُطرة (1506) ، وإلى هرمز (1507) ، وإلى الجديدة (مازاجان) وأزمّور (1513) ، وإلى كنتون Canton (1517) . واستولى الإسبان على مدن في إفريقيا الشماليّة (1505-1516) . وأبحر الرحّالة ماجلاّن Magellan سنة 1519 . وحصلت فرنسا على امتيازات من العثمانيّين (1535-1536) . وسُحق المسلمون المرتدّون عنوةً إلى المسيحيّة Morisques في إسبانيا (1571) . وحصلت إنكلترا على امتيازات (1580) . وتأسّست شركة المشرق الإنكليزيّة (1581) . وأصبحت فرنسا حامية الأماكن المقدّسة (1604) . وحصل الهولنديّون على امتيازات (1612) . وصمدت فيينّا في وجه حصارَين (1529، 1683) . واستعيدت بودا Buda (1686) . وكانت معاهدات كارلوفيتز Karlowitz (1699) ، وباساروفيتز Passarowitz (1718) ، وكوتشوك كاينارجي Kutchuk- Kaïnardji (1774) . واستعاد الروس القرم Crimée (1783) .

وفي ما يلي معالم أخرى : سيطر البرتغاليّون على سواحل الجزيرة العربيّة الشرقيّة (1507-1650) ، تبعهم في ذلك الهولنديّون والفرنسيّون والإنكليز ، وانتهى الإنكليز إلى إبعاد مزاحميهم من المنطقة في القرن التاسع عشر . ووقع البحرين تحت السيطرة البرتغاليّة (1521-1602) . وارتفعت القلاع البرتغاليّة في عُمان وفي مراني Merani وجلالي Jalali (1587-1588) . وقام الأميرال بلاك Blake بقصف طرابلس الغرب في ليبيا انتقامًا للقرصنة (1672) ، وحذا حذوه في ذلك الهولنديّ دي رويتر De Ruyter (1669، 1672) . ومن منتصف القرن السابع عشر حتى منتصف القرن الثامن عشر ، تمكّن أئمّة يعربة في عُمان من دفع البرتغاليّين نحو إفريقيا الشرقيّة ، مستفيدين من الصراع القائم بين البرتغاليّين والبريطانيّين حول سيادة المحيط الهنديّ . وبين القرن السابع عشر والقرن التاسع عشر ، فرض العرب والأوروبيّون المتمركزون على ساحل القراصنة ضرائب على بواخر التجارة البحريّة السالكة طريق الهند . وفي نهاية القرن التاسع عشر أصبحت رأس الخيمة مركز المنطقة ومحور نشاطاتها . واستولت عُمان على المنشآت البرتغاليّة على ساحل إفريقيا الشرقيّة ، بما فيه مقديشو ومومبسّه وزنجبار (1730) . وفي سنة 1766 انتهت السيطرة الهولنديّة على ساحل الخليج الفارسيّ . وقام صراع في إيران بين أسرة القاجار المالكة والاستعمار الأوروبيّ الروسيّ والبريطانيّ (1786-1925) .

6) من الواضح إذن أنّ الإمبراطوريّة العثمانيّة شارفت على الزوال . لكن يمكن تحديد بدء النهاية مع قيام الحملة الفرنسيّة على مصر بقيادة بونابرت (1798-1801) . وقد استغرق هذا التفكّك مدّة تخطّت القرن بقليل . وقد أحدثته عيوب النظام العثمانيّ الداخليّة . وخطّطت له ، على ما يبدو ، الدول الأجنبيّة . وقد شهد القرن التاسع عشر اكتمال تكوين الإمبراطوريّة الأوروبيّة ، وعلى وجه الخصوص الإمبراطوريّة الفرنسيّة ، وعلى الأخصّ الإمبراطوريّة البريطانيّة التي تخطّت بكثير سعةُ أراضيها مساحاتِ إمبراطوريّات الإسكندر وروما والعرب والعثمانيّين وغيرهم مجتمعةً . وكان من المتوقّع قيام هذه الإمبراطوريّة ، كي تتوفّر أفضل الخدمات للمصالح البريطانيّة . فاقتضى تسهيلُ الاتّصال والتبادل الإشرافَ على طرُق المواصلات ، وبالتالي احتلالَ جميع مراحلها . وتهيّأ لهذه الإمبراطوريّة أن تنتشر في أرجاء المعمورة جميعًا . فالوسائل التقنيّة باتت متوفّرة ومتطوّرة للسيطرة على بلاد في حجم الهند أو الكونغو أو البرازيل ، حتّى على قارّات بأكملها ، ولاستثمارها ، وفي موجز القول للسيطرة على البحار والأراضي التي يتكوّن منها كوكبنا . المشكلة الوحيدة هي كثرة الطامعين وتنافسهم . فكان الحلّ الوحيد التقاسم بحسب نسبة القوّة التي تحدّدها درجة التطوّر الصناعيّ . لذلك كانت بريطانيا في المقدّمة ، تليها فرنسا .

وتسنّى فعلاً لكلٍّ من هذين البلدين أن يضمّ إلى إمبراطوريّته المقاطعات العربيّة الإسلاميّة الممتدّة من إفريقيا الشماليّة حتّى حدود الإمبراطوريّة العثمانيّة الشرقيّة ، من جهة ، والبلدان الإسلاميّة الواقعة شرق هذه الحدود الشرقيّة نفسها ، من جهة أخرى . وقد تُركت حصّةٌ لكلٍّ من الدول الأوروبيّة الأخرى ، وعلى وجه الخصوص لهولندا وإيطاليا . في ما يلي التواريخ التي طبعت الحركة الأوروبيّة في تطويق الإمبراطوريّة العثمانيّة ، والتدخّل في شؤونها ، والتملّك التدريجيّ للأراضي التابعة لها .

التطويق . – معاهدة صداقة بين سعيد بن سلطان إمام عُمان وبريطانيا العظمى (1798-1800) . احتلال البريطانيّين والفرنسيّين والإيطاليّين للصومال (القرن التاسع عشر) . تبادل علاقات قنصليّة بين سعيد بن سلطان وبريطانيا العظمى (1839) ، وفرنسا (1844) ، وهولندا (1877) . حملة بريطانيّة على ساحل القراصنة ، وأخيرًا تدمير مركز القيادة ، رأس الخيمة ، على يد البحريّة البريطانيّة (1806-1818) . أعاد الأوروبيّون السينيغال وموريتانيا إلى فرنسا ، ومعاهدة فيينّا (1816) . معاهدة سلام بين بريطانيا العظمى وشيوخ ساحل القراصنة وشيوخ البحرين ، مع وقف عمليّات القرصنة وتجارة الرقيق (1820-1853) . معاهدة سلام بحريّ دائم بين ساحل القراصنة وبريطانيا العظمى ، مقابل الحماية البريطانيّة (1853) . في اليمن الجنوبيّ ، احتلّت الشركة البريطانيّة للهند الشرقيّة جزيرة سوقطرة (1834) . احتلال عدن ، ومعاهدة سلام ، ومَنْح السلطان ستّة آلاف دولار سنويًّا ، عدن تحكمها حكومة بومباي (1839) ، سلام دائم مع بريطانيا العظمى (1857) . في قَطر ، نصّبت بريطانيا العظمى في الحكم أسرة آل ثاني (1860) . انحطاط عُمان وانعزالها : تصاعد القوّة البريطانيّة في المحيط الهنديّ ، وظهور السفن البخاريّة الأوروبيّة ، ونموّ التجارة الأوروبيّة ، وحظر الرقّ ، وعمل بريطانيا العظمى على الفصل بين سلطنة مسقط وعُمان وسلطنة زنجبار ، وتبعيّة سياسيّة واقتصاديّة لبريطانيا العظمى (بعد 1860) . اتّفاق بين البحرين وبريطانيا العظمى ، أقصي بموجبه أيّ اتّفاق مع بلدان أخرى (1880 و 1892) . ادّعت إسبانيا الحماية على القسم الجنوبيّ من المغرب الذي أصبح الصحراء الإسبانيّة (1884) ، واتّفاق بين فرنسا وإسبانيا حول حدود هذه المحميّة (1900) . معاهدة صداقة وتجارة وملاحة بين عُمان وبريطانيا العظمى ، مقابل مساعدة عسكريّة بريطانيّة (1891) ، جُدّدت سنة 1939 و سنة 1951 . اتّفاق بين ساحل القراصنة وبريطانيا العظمى ، أقصي بموجبه أيّ اتّفاق مع بلدان أخرى (1892) . سيادة مشتركة إنكليزيّة مصريّة على السودان ، ففي سنة 1896 دخلت الفِرَق المصريّة البريطانيّة بقيادة اللورد كيتشنر Lord Kitchener ساحة المعركة ، وهزمت المهديّين في أمّ دُرمان (1898) ، لكن في الواقع أصبح السودان مستعمرة بريطانيّة : زراعة القطن دون غيرها ، وإدارة أثارت النزاعات الاجتماعيّة ، والفصل بين الشمال والجنوب على أساس الاختلاف الإثنيّ والثقافيّ والدينيّ (1899-1955) . توافق بين فرنسا وإسبانيا تُمنَح إسبانيا بموجبه منطقتَي نفوذ في شمال المغرب وجنوبه (1904) . في مؤتمر الجزيرة Algésiras في إسبانيا ، ضمن الألمان توافق القوى الكبرى على تدويل اقتصاديّات المغرب (1906) . أرسل الألمان سفينة حربيّة إلى أغادير Agadir ، واعترفوا بالنفوذ الفرنسيّ في المغرب ، مقابل امتيازات إقليميّة لهم في الكونغو (1911) . صار المغرب محميّة فرنسيّة ، وكان ليوتي Lyautey المندوب السامي فيه (1912-1925) ، وتمّ إحلال السلام في المغرب بكامله ، وجُعلت طنجة Tanger منطقة دوليّة ، وبات المغرب محميّة إسبانيّة في الشمال ومحميّة فرنسيّة في الجنوب ، مع سيادة شكليّة للسلطان (1934) .

التدخّل العسكريّ والدبلوماسيّ حتّى الإيديولوجيّ . – الحملة الفرنسيّة على مصر بقيادة بونابرت (1798-1801) . المندوب السامي البريطانيّ ببغداد في العراق (1800) . قنصليّة بريطانيّة في بغداد (1802) . في العراق نفوذ أوروبيّ وسفن بخاريّة في الأنهار (1836) . حقبة التنظيمات في الإمبراطوريّة العثمانيّة ، وهي كناية عن إصلاح قضى باستيعاب عناصر من الحضارة الغربيّة من دون التخلّي عن جوهر التراث (1839-1876) . ثورة في سوريا ، فأجبر التدخّل الأوروبيّ محمّد علي على العزوف عن السيطرة على سوريا (1840) . وجرّ العداء بين الموارنة والدروز في لبنان إلى حرب أهليّة أثارها جزئيًّا التدخّل الأوروبيّ (1841-1845 و 1860) ، فصار جبل لبنان مقاطعة مستقلّة تحميها فرنسا (1861-1918) . وقفت بريطانيا العظمى وفرنسا إلى جانب العثمانيّين في مواجهة العدوان الروسيّ (1854) . شُقّت قناة السويس في مصر (1854-1869) ، فاستعادت عدن أهمّيّتها . في تونس وُضع الدستور الأوّل ، وكان ليبراليًّا ، نتيجة الضغط الأوروبيّ (1857) ، ثمّ جُدّد (1861) . في لبنان : رسم الحدود ، ونظام طائفيّ نسبيّ ، وحاكم مسيحيّ عثمانيّ غير لبنانيّ يعيّنه السلطان بالتوافق مع الدول الأوروبيّة الكبرى (1861 و 1864) . في مصر خضع الخديوي إسماعيل للإشراف الدوليّ (1863-1881) . افتتاح قناة السويس (1869) . ألّفت فرنسا وبريطانيا العظمى وإيطاليا لجنة لإصلاح الشؤون الماليّة التونسيّة (1879) . اتّفاق بين الكويت وبريطانيا العظمى وإقصاء أيّ علاقة مع بلدان أخرى ، مقابل حماية بريطانيّة ، فتوقّف المشروع الألمانيّ الرامي إلى مدّ السكّة الحديديّة من بغداد إلى الكويت (1899) . ديكتاتوريّة جمعيّة تركيا الفتاة العسكريّة ، ونفوذ متزايد لألمانيا ، أدّى إلى التقارب بين روسيا والدول الغربيّة (1908) .

تملّك أراضٍ عثمانيّة . – احتلّ البريطانيّون جزيرة بريم على مدخل البحر الأحمر ، وشكّلت عدن موقعًا استراتيجيًّا لبريطانيا العظمى (1799) . باشرت الشركة البريطانيّة للهند الشرقيّة العمل على دمج الكويت في نظام السيطرة البريطانيّة على الخليج (أواخر القرن الثامن عشر) . استولى الفرنسيّون على مدينة الجزائر ، وأصبحت الجزائر من ثمّ مستعمرة فرنسيّة (1830-1962) ، وانهزم عبد القادر أمام بيجو Bugeaud (1847) ، وأُخضعت منطقة القبيليّين Kabylie (1857) . استعمر الفرنسيّون تونس (1881-1956) ، وحوّلوها إلى محميّة (معاهدة 1883) ، ولكنّهم في الواقع حوّلوها إلى مستعمرة استيطانيّة . أصبحت عدن مستعمرة بريطانيّة ، وتحوّل اليمن إلى محميّة بريطانيّة (1882-1956) . هيمن المفوّض والقنصل البريطانيّ على الحكومة المصريّة (1883-1907) ، واشتهر اللورد كرومر Lord Cromer (1891) . اعترفت بريطانيا العظمى بالمصالح الفرنسيّة في المغرب ، مقابل الاعتراف بالمصالح البريطانيّة في مصر (1904) . إنزال إيطاليّ في طرابلس الغرب في ليبيا (1911) ، وبموجب معاهدة أوشي Ouchy، تخلّى الأتراك عن ليبيا لصالح إيطاليا (1912) .

بقي أن نسجّل بعض مظاهر الرفض للسيطرة الأوروبيّة : ثورة عُرابي في مصر (1881-1882) . في تونس برز الوعي الوطنيّ وحركة التحرير ، ردًّا على تدمير الاستعمار للبنى الاجتماعيّة ولأنماط الإنتاج التقليديّة . فكانت المكننة ، والبطالة ، والنزوح إلى المدن ، والفقر في الضواحي ، وتحويل الشعب إلى بروليتاريا (1897) . قامت حركة الدستور التونسيّة تهدف إلى إعادة السلطة للداي Dey وإلى الإصلاح الديمقراطيّ ، وكان الثعالبي أحد مؤسّسي الحركة (1908) . رئيس الجماعة السنوسيّة أحمد الشريف قاتل الإيطاليّين ، ثمّ منذ سنة 1916 أخذ يقاتل الإنكليز الذين احتلّوا مصر ، وفي سنة 1916 التجأ إلى تركيا ، تاركًا القيادة لابن عمّه إدريس .

7) مع الحرب العالميّة الأولى (1914-1918) كانت نهاية الإمبراطوريّة العثمانيّة ، فأخذت الدول الأوروبيّة تتقاسم أشلاءها . علاوة على الأعمال الحربيّة ، كان لهذه الحقبة الممتدّة حتّى الحرب العالميّة الثانية ثلاثة وجوه : انحسار الإمبراطوريّة العثمانيّة إلى حدود تركيا الحاليّة ، وتحويل مناطق الإمبراطوريّة إلى مستعمرات أو محميّات أو بلدان واقعة تحت الانتداب ، ونضال قوميّ ووطنيّ قامت به هذه المناطق في سبيل استقلالها . في الفقرة التالية عرض لهذا النضال .

الأعمال الحربيّة . – في أكتوبر 1914 دخلت الإمبراطوريّة العثمانيّة الحرب ضدّ بريطانيا العظمى (1914) . احتلّ الجيش البريطانيّ منطقة شطّ العرب وحوّل البصرة إلى مرفأ حربيّ . إنزال فرنسيّ إنكليزيّ فاشل في الدردنيل (1915) . انتصر الإنكليز على الأتراك في فلسطين (30 سبتمبر 1918) . هُزمت تركيا وتقسّمت الإمبراطوريّة ، ووُقّعت الهدنة في مدروس Mudros (30 أكتوبر 1918) . ثورة مصطفى كمال الوطنيّة ضدّ معاهدة سيفر Sèvres : مجلس وطنيّ في أنقرة (1920) . بتحريض من الإنكليز هاجم اليونانيّون تركيا ، فانتصروا وهدّدوا أنقرة (1920-1921) . إلاّ أنّ الانتصار الحاسم كان للأتراك (1922) . فوُقّعت الهدنة في مُدانيا Mudanya (11 أكتوبر 1922) .

مصير تركيا . – انسحب الفرنسيّون والإيطاليّون من مواقعهم في الأناضول (1920) ، وكان السوفيات قد انسحبوا من قبل . بعد انتصار الأتراك على اليونانيّين اعترفت حكومات الحلفاء بالسيادة التركيّة على تراقيا Thrace الشرقيّة (1922) . عُزل السلطان (1922) . بموجب معاهدة لوزان Lausanne حُصرت تركيا بالأناضول وتراقيا . كانت أهداف تركيا : بناء الدولة القوميّة على النسق الأوروبيّ ، وإحداث تغيير في المجتمع التركيّ على الصعد الاجتماعيّة والإيديولوجيّة والثقافيّة (24 يوليو 1923) . إلغاء الخلافة (1924) . وضع الدستور (20 أبريل) . اعتماد ستة مبادئ : قوميّة أو وطنيّة (دولة قوميّة أو وطنيّة من دون عثمانيّة ولا عثمنة شاملة) ، علمانيّة ، نظام جمهوريّ (لا سلطنة ولا خلافة) ، نظام شعبيّ (إقامة العدالة) ، نظام دولتيّ (تأكيد دور الدولة في الإنماء الاقتصاديّ) ، إصلاح (استمرار عمليّة تطوّر الدولة والمجتمع) . اتّخاذ إجراءات ، منها اعتماد التقويم الدوليّ . اعتماد التشريع الأوروبيّ (تشريع مستوحًى من القانون المدنيّ السويسريّ ومن القانون الجزائيّ الفرنسيّ والإيطاليّ) ، حقّ الانتخاب للمرأة ، إلغاء تعدّد الزوجات ، عدم الاعتراف بالإسلام دينًا للدولة ، اعتماد الحرف اللاتينيّ ، إلغاء الطربوش (1926-1928) . فرنسا تمنح تركيا سنجق إسكندرون (يونيو 1939) .

اقتسام المغانم . – اتّفاق لضمّ قَطر إلى الإمبراطوريّة البريطانيّة ومنع أيّ علاقة مع غيرها من البلدان . اتّفاق سايكس بيكو Sykes-Picot على تقاسم الأراضي العثمانيّة بين فرنسا وبريطانيا العظمى . اعتُبرت سوريا داخل منطقة النفوذ الفرنسيّ (1916) . العراق تحت الانتداب البريطانيّ (1917-1932) . فلسطين تحت الانتداب الفعليّ البريطانيّ . الأردنّ تحت الانتداب البريطانيّ . لبنان تحت الانتداب الفرنسيّ (1918) . استولى البريطانيّون على كركوك في العراق ، وحَكم العراقَ من البصرة حتّى الموصل مفوّضٌ بريطانيّ قائد الجيش ، جهاز إداريّ عصريّ (1918-1920) . اعتبار موريتانيا وحدة إداريّة ، عاصمتها سان لوي Saint-Louis في السنغال ، وضمن اتّحاد الولايات الثماني في إفريقيا الغربيّة الفرنسيّة ، وفي البحرين ممثّل بريطانيّ كمفوّض سياسيّ (1920) . مؤتمر سان ريمو San Remo (24 أبريل 1920) : انتداب بريطانيّ على فلسطين ، انتداب فرنسيّ على سوريا ، الجيش الفرنسيّ يحتلّ دمشق ، قُسم ما كانوا يسمّونه سوريا أربع مناطق ، هي لبنان (يضمّ بيروت وطرابلس) ، والجمهوريّة السوريّة ، واللاذقيّة ، وجبل الدروز (1920) . معاهدة سيفر Sèvres (10 أغسطس 1920) : انتداب بريطانيّ وفرنسيّ على الأقاليم العربيّة . توسيع لبنان وجعله لبنان الكبير (سبتمبر 1920) . وافقت تركيا على جعل سنجق الإسكندرون تحت الانتداب الفرنسيّ ، شرط أن يتمتّع بنظام مميّز (1921) . نصّب البريطانيّون على الأردنّ الأمير عبد الله بن الحسين شريف مكّة (1921) . انتداب بريطانيّ شرعيّ على فلسطين (1922) . أعلنت بريطانيا العظمى استقلال مصر (22 فبراير 1922) ، استقلال شكليّ . معاهدة إنكليزيّة عراقيّة : انتداب (10 أكتوبر 1922) . أعلنت إيطاليا الفاشيّة حربًا ثانية على ليبيا (1922) ، إعدام عمر المختار (1931) ، انتصار إيطاليا (1932) ، دوافع الحرب كما أعلنها موسوليني Mussolini (1934) : نشر الحضارة الغربيّة على وجه العموم ، والحضارة الفاشيّة على وجه الخصوص . إعترف البريطانيّون بالأردنّ دولة شبه مستقلّة تحت الانتداب البريطانيّ ، مع تقديم إعانات ماليّة من قبَل بريطانيا العظمى ، جعل حفظ الأمن الخارجيّ من مسؤوليّة الفرقة العربيّة Légion arabe التي أسّسها البريطانيّون (1923) . باشر البريطانيّون ممارسة الانتداب على فلسطين (23 سبتمبر 1923) ، في فلسطين شكّل العرب % 92 من السكّان ولهم % 98 من الأرض . في السودان ، تعزيز نفوذ الإقطاعيّين على حساب النخبة القوميّة والوطنيّة المثقّفة التي تألّفت في هيئة مؤتمر حاملي الشهادات الأكاديميّة ، والتي طلبت من البريطانيّين من دون جدوى حقوقًا أكثر في التربية والإدارة المشتركة ، البريطانيّون يعلنون إغلاق المنطقة الجنوبيّة : ترحيل العرب ، وحظر على اللغة العربيّة وعلى الإسلام ، وتقسيم المنطقة الشماليّة الإسلاميّة منطقتين ، الأولى للختميّة والثانية للمهديّين المحدَثين (1924) . في تونس ألغي الدستور (1925) . بغية إخماد الثورة في سوريا ، قصف الفرنسيّون دمشق (أكتوبر 1925 ومايو 1926) . في لبنان ، وضْع الدستور ، نظام جمهوريّ ، نظام طائفيّ نسبيّ (1926) . في المغرب ، هيمن المفوّض السامي على السلطان سيدي محمّد بن يوسف لكونه قاصرًا (1927) . في سوريا (1928) ، انتخابات (أبريل) لتكوين مجلس تأسيسيّ ، وضْع الدستور (أغسطس) ، رفْض الدستور من قبَل المفوّض السامي . في سوريا أيضًا (1930) ، حلّ المفوّض السامي مجلس النوّاب ، وفرض دستورًا جديدًا بقي ساري المفعول حتى سنة 1950 : رئيس الدولة ينتخبه مجلس النوّاب ، لكنّه غير مسؤول أمام المجلس ، مجلس الوزراء يعيّنه رئيس الدولة ، لكنّه مسؤول أمام مجلس النوّاب . معاهدة إنكليزيّة عراقيّة (1930) . في سوريا (1932) ، انتخابات جديدة ، ومفاوضات لعقد معاهدة فرنسيّة سوريّة على مثال معاهدة 1930 الإنكليزيّة العراقيّة . في عُمان ، سعيد بن تيمور ، مطلق السلطة ، خاضع للبريطانيّين (1932-1970) . في سوريا ، حلّ المفوّض السامي مجلس النوّاب (1934) . معاهدة فرنسيّة سوريّة (سبتمبر 1936) : الاستقلال في مهلة ثلاث سنوات ، ضمّ جبل الدروز واللاذقيّة إلى سوريا . في عدن ، حكم ذاتيّ (أبريل 1937) . في العراق ، تدهور العلاقات مع بريطانيا العظمى بسبب معاداة العراق للصهيونيّة ، وتزايد نفوذ ألمانيا حتى 1941 : انقلاب عسكريّ ، العراق لا يدخل الحرب (1937-1941) . رفضت باريس الإقرار بمعاهدة 1936 الفرنسيّة السوريّة (1938) . في نهاية الثلاثينات بدأ الاستعمار السكّانيّ في ليبيا : مئة ألف إيطاليّ ، وتدمير البنى التقليديّة ، ومنها خصوصًا الجماعات ، والعودة إلى البداوة ، لا تربية ولا حقوق مدنيّة .

8) الردّ الطبيعيّ على الاستعمار ، ولو سمّي حماية او انتدابًا ، هو النضال في سبيل التحرّر القوميّ والوطنيّ . ومن دوافع اشتداد هذا النضال كان مكر الدول المتحالفة : الاستقلال الموعود به في وقت الحرب تحوّل استعمارًا بعد الحرب ، فانفقدت بذلك الصدقيّة وانقطع الاتّصال وبات النضال أمرًا محتّمًا .

بدأ ذلك سنة 1914 : وعدت بريطانيا سوريا بالاستقلال ولم تفِ بوعدها . في السنة عينها منع الليبيّون بقيادة الأمير إدريس الإيطاليّين من احتلال داخل البلاد ، حيث اعتُرف بالسيادة الفعليّة للجماعة السنوسيّة . في سنة 1915 اعترفت بريطانيا العظمى باستقلال المملكة السعوديّة . بين يوليو 1915 ونوفمبر 1916 تراسل الحسين شريف مكّة ومكماهون McMahon ، شجّع مكماهون القوميّين العرب وأوهمهم بقيام مملكة عربيّة كبيرة بعد الحرب ، خيّبت الآمالَ اتّفاقاتُ سايكس بيكو Sykes-Picot (1916) ، تمّ التفاوض حولها سرًّا بين فرنسا وبريطانيا العظمى وروسيا . بدء الحركة القوميّة الجزائريّة (1918) . ثورة في مصر (1919) . سنة 1920 طالبت حركة الدستور التونسيّة ، وهم أرستقراطيّون من أصل تركيّ ، بالمشاركة في الحياة الاجتماعيّة ، وتحوّلت الحركة إلى حركة مثقّفين ليبراليّة تهيمن عليها البورجوازيّة الكبيرة ، وعلى أساس البنود الأربعة عشر التي أعلنها الرئيس الأميركيّ ويلسون Wilson طالبت الحركة بدستور يضمن مبدأ تقاسم السلطة والمساواة في الحقوق بين التونسيّين والفرنسيّين ، وبموازاة حركة الدستور هذه التي أنشأها الشيخ الثعالبي ، تكوّنت حركة نقابيّة ضمّت عمّال مرافئ ونقليّات ومزارعين . في العشرينات في المغرب قامت حركة قوميّة كما في المشرق العربيّ ، ارتبطت بالسلفيّة المصريّة ، وعارضت المرابطيّة والأخويّات الدينيّة غير الخاضعة للمخزن العلويّ . في مارس سنة 1920 أعلن القوميّون السوريّون مملكة سوريا الكبرى المستقلّة ، وقد تضمّنت لبنان وفلسطين . في سبتمبر 1920 ، عندما تحوّل لبنان إلى لبنان الكبير ، أعرب السنّة والروم الأرثوذكس عن استيائهم لكونهم فُصلوا عن سوريا دون أن يُستشاروا وأُخضعوا للسيطرة المارونيّة والفرنسيّة . في العراق (1920) تألّفت الحكومة الأولى للإعداد لتنصيب فيصل بن الحسين ، وقام نظام ملكيّ (1920-1958) . في 23 أغسطس 1921 نُصّب فيصل بن الحسين ملكًا على العراق في بغداد . في السودان (1924) تألّفت النخبة القوميّة المثقّفة في شكل مؤتمر حاملي الشهادات ، وطلبت دون جدوى من البريطانيّين مزيدًا من الحقوق في التربية والمشاركة في الإدارة . في سنة 1924 أسّس الطالب مصلّي حاجّ في باريس أوّل جريدة قوميّة جزائريّة بالتعاون مع الحزب الشيوعيّ الفرنسيّ . ثورة في سوريا : قصف الفرنسيّون دمشق في أكتوبر 1923 ومايو 1926 . أكّد الدستور السوريّ (أبريل 1928) سوريا الكبرى ، ورفض المفوّض السامي هذا البند . في الثلاثينات في تونس حُظّر حزب الدستور الجديد (شبّان مثقّفون من البورجوازيّة الصغيرة ، على رأسهم الحبيب بورقيبة) حتّى سنة 1954 . في العراق (1932) انتهى الانتداب البريطانيّ (3 أكتوبر) ، استقلال شكليّ . في تونس (1934) أسّس أعضاء حزب الدستور الشباب ، بقيادة الحبيب بورقيبة ، حزب الدستور الجديد ، فحدثت اضطرابات ونُفي بورقيبة . نشوء القوميّة المغربيّة (1934) . معاهدة فرنسيّة سوريّة (سبتمبر 1936) : الاستقلال خلال ثلاث سنوات ، ضمّ جبل الدروز واللاذقيّة إلى سوريا . في لبنان (1936) : اضطرابات ، تأسيس تنظيمات شبابيّة شبه عسكريّة (الكتائب المارونيّة) . اتّفاق إنكليزيّ مصريّ : الجيش الإنكليزيّ ينسحب إلى منطقة قناة السويس (1936) . عودة بورقيبة من المنفى (1936) . في الجزائر (1936) أسّس مصلّي حاجّ ، بعد أن أخلي سبيله ، حزب الشعب الجزائريّ . في لبنان (1937) ، تأسّس حزب النجّادة السنّيّ ، وفقد أهمّيّته في السبعينات .

9) فتحت الحرب العالميّة الثانية للبلدان العربيّة الإسلاميّة عهد الاستقلال ، لكنّها وضعتها أمام مشكلات ثلاث هي في العمق تهدّد وجودها ، وهي : التبعيّة للمستعمرين القدامى والمستعمرين الجدد ، والنفط ، ودولة إسرائيل الصهيونيّة . في هذه الفقرة عرض لتتابع الاستقلالات التي حصلت عليها البلدان العربيّة الإسلاميّة بعد تلك الحرب التي شارك فيها الكثير من البلدان العربيّة الإسلاميّة . تجدر الإشارة أوّلاً إلى أنّ هذه الاستقلالات غالبًا ما كانت شكليّة ، ثمّ إلى أنّ هذه البلدان المستقلّة حافظت على التقسيم والشكل الجغرافيّ الذي فرضه عليها الاستعمار ، وأخيرًا إلى أنّ البلدان العربيّة الإسلاميّة استحدثت الوسائل التي مكّنتها من تحويل الاستقلال الشكليّ إلى استقلال فعليّ ، وهي جامعة الدول العربيّة ، والمؤتمر الإسلاميّ ، والانضمام إلى البلدان غير المنحازة .

في ما يلي أوّلاً بعض الأحداث المتعلّقة بمجرى الحرب . لم يشارك العراق في الحرب . توقّفت موقّتًا النشاطات القوميّة الجزائريّة . شارك المغرب في الحرب إلى جانب فرنسا . في ليبيا أنهت جيوش الحلفاء ، يدعمهم جيش التحرير السنوسيّ الذي تأسّس في القاهرة سنة 1940 ، الاستعمار الإيطاليّ في منطقة قيرينة Cyrénaïque ، وبقي في منطقة طرابلس Tripolitaine أربعون ألف إيطاليّ حتّى سنة 1970 ، فاحتلّ الإنكليز الشمال ، وأقيمت قواعد أميركيّة في منطقة طرابلس ، واحتلّ الفرنسيّون منطقة الفزّان . في مايو 1941 احتلّ الحلفاء البصرة وبغداد . في يونيو 1941 احتلّ الحلفاء سوريا ، ووعدت فرنسا بلسان الجنرال كاترو Catroux سوريا بالاستقلال . في 1942 وقف المغرب إلى جانب القوى الفرنسيّة الحرّة ، وفي ليبيا احتلّ البريطانيّون منطقتَي قيرينة وطرابلس ، واحتلّ الفرنسيّون منطقة الفزّان . في 1943 انتصر الحلفاء في تونس على جيوش المحور .

في باب الاستقلال تجدر الإشارة إلى أنّ بلدَين عربيَّين لم يفقدا البتّة استقلالهما ، هما البلد العربيّ الذي أنشأه ابن سعود والذي سمّي في 1932 المملكة العربيّة السعوديّة ، واليمن الشماليّ الذي تحوّل في 27 سبتمبر 1962 إلى جمهوريّة اليمن العربيّة . أمّا البلدان العربيّة الأخرى فقد نالت استقلالها أو انتزعته بسهولة أو ببعض الصعوبة ، وغالبًا ما فصلت مدّة من الوقت بين إعلان الاستقلال وجلاء الجيوش الأجنبيّة . – مصر : اعتُرف باستقلالها في 22 فبراير 1922 ، وصارت مملكة مستقلّة في الأوّل من مارس من السنة عينها ، ثمّ كانت ثورة 23 يوليو 1952 ، فأُعلنت الجمهوريّة سنة 1953 ، وفي 13 يونيو تمّ جلاء آخر فرقة بريطانيّة . – لبنان : اتّفاق سنة 1943 على إنهاء الانتداب الفرنسيّ ، وميثاق وطنيّ غير مدوّن . انتهى الانتداب في 23 ديسمبر 1945 ، وبجلاء الجيوش الفرنسيّة والإنكليزيّة تمّ الاستقلال الفعليّ سنة 1946 . – الأردنّ : استقلال في 5 مارس 1946 ، إلغاء المعاهدة الإنكليزيّة الأردنيّة في 24 أكتوبر 1956 ، جلاء الجيش البريطانيّ سنة 1958 (20-29 أكتوبر) . – سوريا : استقلال في أبريل 1946 . في سنة 1945 أجبر التدخّل البريطانيّ الفرنسيّين على الجلاء ، وقد كانوا يحاولون ربط جلائهم بمعاهدة عسكريّة واقتصاديّة . – ليبيا : أعلن الاستقلال في بنغازي في 24 ديسمبر 1951 ، في الفاتح من سبتمبر 1969 ثورة القذّافي . انسحاب بريطانيّ في مايو 1970 . انسحاب أميركيّ من قاعدة هويلس فيلد Wheelus Field في يونيو 1970 . – السودان : استقلال في الأوّل من يناير 1956 ، وفي 25 مايو 1969 وصل إلى السلطة الضبّاط الأحرار وعلى رأسهم جعفر النميري . – المغرب : استقلال في 2 مارس 1956 . في أبريل استعادة المحميّة الإسبانيّة ما عدا سبتة Ceuta ومليلة Melilla . في أكتوبر استعادة طنجة . – تونس : استقلال في 20 مارس 1956 ، في 15 أكتوبر 1963 جلاء الجيش الفرنسيّ عن بنزرت . – الصومال : استقلال في 26 يونيو 1960 . انضمّ الصومال الإيطاليّ إلى المحميّة البريطانيّة ، فنشأت جمهوريّة الصومال (الأوّل من سبتمبر 1960) . – موريتانيا : استقلال في 28 أكتوبر 1960 . – الكويت : استقلال في 19 يونيو 1961 . في 18 أغسطس جلاء الجيش البريطانيّ . – الجزائر: استقلال في 3 يوليو 1962 . في 31 يناير 1968 جلاء الفرنسيّين عن المرسى الكبير ، وكانت الثورة قد اندلعت في الأوّل من نوفمبر 1954 . – اليمن الجنوبيّ : استقلال ، وانسحاب الجيش البريطانيّ من عدن ومن محميّة جنوب الجزيرة العربيّة ، في 30 نوفمبر 1967 . – البحرين : استقلال في 14 أغسطس 1971 . معاهدة صداقة مع بريطانيا العظمى (أغسطس 1971) ، ثمّ مع الولايات المتّحدة الأميركيّة (ديسمبر) . – عُمان : في 23 يوليو انقلاب عسكريّ واستقلال ، وانسحاب القوّات البريطانيّة سنة 1977 . – قطر : استقلال في الأوّل من سبتمبر 1971 . – الإمارات العربيّة المتّحدة : استقلال في 2 ديسمبر 1971 . – الصحراء الغربيّة : سلّمتها إسبانيا للمغرب ولموريتانيا سنة 1974 . اعتراض البوليساريو (جبهة تحرير الشعب الصحراويّ) والجزائر . – جيبوتي : استقلال في 27 يونيو ، ونشوء جمهوريّة جيبوتي .

من بين المحاولات من أجل وحدة البلدان العربيّة ، للتمكّن من مواجهة المشكلات الراهنة التي يتجاوز حلّها طاقة كلّ بلد على حدة ، هناك أوّلاً جامعة الدول العربيّة . تكوّنت الجامعة في القاهرة في 22 مارس 1945 من المملكة العربيّة السعوديّة ومصر والعراق ولبنان وسوريا والأردنّ واليمن . ثمّ أخذت البلدان العربيّة الأخرى تنضمّ إلى الجامعة على التوالي : ليبيا 1953 ، السودان 1956 ، المغرب 1958 ، تونس 1958 ، الكويت 1961 ، الجزائر 1962 ، اليمن الجنوبيّ 1967 ، البحرين 1971 ، الإمارات العربيّة المتّحدة 1971 ، عُمان 1971 ، قطر 1971 ، موريتانيا 1973 ، الصومال 1974 ، جيبوتي 1977 . انضمّت منظّمة التحرير الفلسطينيّة إلى الجامعة سنة 1965 بوصفها مراقبًا ، ثمّ في سبتمبر 1965 باعتبارها تمثّل فلسطين . في ما يلي بعض إنجازات الجامعة : معاهدة دفاع مشترك وتعاون اقتصاديّ (1950) ، السوق المشتركة العربيّة (يناير 1965) ، الصندوق العربيّ للإنماء الاقتصاديّ والاجتماعيّ (1968 ، أخذ يعمل ابتداءً من 1973) ، منظّمة البلدان المصدّرة للنفط (1968) ، الصندوق الماليّ العربيّ (18-20 أبريل 1977) .

شكل آخر من الوحدة هو المؤتمر الإسلاميّ : انعقد المؤتمر الإسلاميّ الأوّل في الرباط في سبتمبر 1969 وبحث في موضوع القدس . وكان المسجد الأقصى قد أُحرق في أغسطس . في مايو 1971 تمّ التأسيس الرسميّ للمؤتمر الإسلاميّ .

من جهة أخرى لا يمكن تجاهل مشاركة جمال عبد الناصر في مؤتمر باندونغ Bandoeng في 18 أبريل 1955 ، حيث تأكّد الالتزام بسياسة عدم الانحياز ، وبالتالي إرادة الاستقلال عن كتلتَي الولايات المتّحدة الأميركيّة والاتّحاد السوفياتيّ ، باعتبار هاتين الدولتين أصبحتا تسودان العالم منذ نهاية الحرب العالميّة الثانية .

غير أنّه قامت محاولات لوحدة محدودة بين بلدين أو ثلاثة بلدان عربيّة . وكانت إحدى هذه التجارب إنشاء الجمهوريّة العربيّة المتّحدة التي ضمّت مصر وسوريا (الأوّل من فبراير 1958) ، لكنّ سوريا ألغت هذه الوحدة في 28 سبتمبر 1961 . في 17 أبريل 1963 وُقّع اتّفاق في القاهرة يهدف إلى اتّحاد فيديراليّ بين مصر وسوريا والعراق . أُنشئت الإمارات العربيّة المتّحدة (30 مارس 1968 ، 2 ديسمبر 1971) ، وهي تضمّ أبو ظبي ، ودُبَي ، والشارقة ، وعَجمان ، والفُجَيرة ، ورأس الخيمة ، وأمّ القَيوَين . وانسحب من الاتّحاد كلٌّ من البحرين وقطر سنة 1971 . ليبيا 1973 : مسيرة سلميّة نحو القاهرة لإجبار السادات على الوحدة مع ليبيا التي قرّرتها ليبيا ، لكنّ مصر أوقفت المسيرة . في 12 يونيو 1974 أُعلن عن مشروع وحدة بين ليبيا وتونس ، لكنّ المشروع تأجّل إلى موعد غير محدّد .

10) لم يعنِ الاستقلال لأيّ بلد عربيّ القطيعة الكاملة مع المستعمِر أو الحامي أو المنتدَب . ثمّ إنّ أيّ بلد عربيّ لم يستطع التحرّر من جاذبيّة أو تأثير الدولتين العظميين ، الولايات المتّحدة الأميركيّة والاتّحاد السوفياتيّ ، اللتين تقاسمتا العالم بعد الحرب العالميّة الثانية . ومردّ ذلك إلى سببين ، هما العادات المكتسبة في زمن السيطرة الأجنبيّة ، والحاجة إلى المساعدة للانطلاق الاقتصاديّ وهو شرط الاستقلال الفعليّ . وقد توهّم بعض البلدان العربيّة أنّه حصل على استقلاله لمجرّد انتهاجه الانتقال في انتمائه من إحدى الدولتين العظميين إلى الثانية .

في أغلب الأحيان كانت البلدان التي حصلت حديثًا على استقلالها تقوم بالتوقيع على معاهدات مساعدة أو تعاون متبادل ثقافيّ واقتصاديّ وعسكريّ مع الدول التي كانت تسيطر عليها . وكانت تحافظ مدّة قصيرة أو طويلة على البنى السياسيّة والاقتصاديّة والعادات الإداريّة نفسها . وقد ظهرت أحلاف مريبة ، كحلف بغداد (24 فبراير 1955) ، الذي حلّ محلّه السنتو CENTO Central Treaty) (Organization في مارس 1959 . وظهرت أيضًا تجمّعات ذات طابع اجتماعيّ أو ثقافيّ : الكومونويلث Commonwealth (وقد اتّخذ صبغة جديدة منذ 1945) ، والفرانكوفونيّة Francophonie (استُحدثت اللفظة سنة 1962) . يضاف إلى ذلك مراكز الملحَقين ، الثقافيّ والتجاريّ والعسكريّ وغيرهم ، التابعة للسفارات الأوروبيّة القائمة في البلدان العربيّة .

لكنّ هذا كلّه بقي ذا فعّاليّة ضئيلة ، منذ أن اضطَرّ كلٌّ من الولايات المتّحدة الأميركيّة والاتّحاد السوفياتيّ البلدانَ العربيّة ، وسائرَ بلدان العالم ، إلى الانتماء إلى أحد المعسكرين . هكذا نرى عبد الناصر يوقّع اتّفاقًا مع الاتّحاد السوفياتيّ (أغسطس 1955 ، وأُعلن عنه في سبتمبر) كي يحصل بموجبه على أسلحة تشيكوسلوفاكيّة . وسنة 1958 وافق الاتّحاد السوفياتيّ على تمويل بناء السدّ العالي في أسوان ، وقد بدأ العمل فيه في يناير 1960 وانتهى في يوليو 1970 . في أبريل 1966 طلب الجناح اليساريّ من حزب البعث الحاكم في سوريا المساعدة من الاتّحاد السوفياتيّ لبناء سدّ على الفرات ، فبدأ العمل فيه سنة 1968 . اليمن الجنوبيّ (1978) هو البلد العربيّ الوحيد الذي اعتمد الماركسيّة اللينينيّة أي الاشتراكيّة العلميّة . في 1966-1967 تسلّمت الجزائر أسلحة سوفياتيّة ، ممّا أقلق المغرب . وكان يحدث أحيانًا انقلاب في المواقف ، وانتقال إلى المعسكر الآخر : ففي سنة 1972 سرّح السادات الخبراء العسكريّين السوفيات (يوليو) ، لكنّ ذلك لعلّه كان ، على الأقلّ جزئيًّا ، لإعداد سيناريو حرب أكتوبر 1973 بالتعاون مع الولايات المتّحدة الأميركيّة . في سنة 1970 ابتعدت سوريا الأسد عن الاتّحاد السوفياتيّ ، لكن في أبريل 1977 زار الأسد موسكو وأصلح علاقاته بالاتّحاد السوفياتيّ .

11) في هذه العلاقات بين الضعفاء والأقوياء ، يُقْدم الضعفاء أحيانًا على اتّخاذ تدابير تجعل الأقوياء في موقع الضعف . فالبلدان العربيّة ، وفي الأقلّ بعضها ، علاوة على أهمّيّة موقعها الجغرافيّ الاستراتيجيّ ، تمتلك النفط . لذلك يمكنها ، من جهة ، قطع تحالفات ذات طابع عسكريّ . ويمكنها ، خصوصًا ، ضمن حدود معيّنة ، المجابهة باتّخاذ تدابير لتأميم النفط . كانت المبادرة في ذلك للعراق : ففي سنة 1961 تملّك 5،95 % من نفطه ، وفي يونيو 1972 أمّم مصالح شركة آي بي سي IPC . وفي 2 يونيو من السنة عينها ، أمّمت سوريا أنبوب النفط الذي كان لشركة آي بي سي IPC . وفي 1970 وضعت الدولة الليبيّة يدها على النفط ، وأمّمت الشركات النفطيّة الثلاث الرئيسة . في السنة عينها أمّمت الجزائر مصالح شركة شلّ Shell النفطيّة ومصالح غيرها من الشركات . لكن منذ 1957 ، في 26 يوليو ، كان عبد الناصر قد أعطى المثل بتأميمه قناة السويس ، ممّا أثار ردّة فعل عسكريّة إسرائيليّة بريطانيّة فرنسيّة مشتركة ، انتهت لصالح عبد الناصر ، وكان يدعمه في حينها الولايات المتّحدة الأميركيّة والاتّحاد السوفياتيّ معًا .

ومع ذلك كلّه يبدو أنّ هدف الدولتين الكبريين هو الحؤول دون تكوين دول كبرى غيرهما ، ومنها تكوين دولة كبيرة تجمع كلّ الدول العربيّة الحاليّة . لذا وجب الحؤول دون إنماء البلدان العربيّة الاقتصاديّ والاجتماعيّ ، وذلك بالحؤول دون إفادتها بطريقة رشيدة من مواردها . والسبيل إلى ذلك هو الاحتفاظ الحصريّ بتقنيات النفط (التنقيب عنه واستخراجه وتصنيعه) ، ونهب الموارد الطبيعيّة ، والمساعدة أو التشجيع على الهدر ، والعمل على أن تنقسم البلدان العربيّة بعضها على بعض أو أن ينقسم البلد الواحد على نفسه ، وضرب الأنظمة في استقرارها ، والتحكّم بالدولارات النفطيّة ، وإثارة الحروب بين إسرائيل والعرب ، ولهذا الغرض التشجيع على التجهيز العسكريّ المتزايد ، وتمويل هذه الحروب الإسرائيليّة بالأموال العربيّة . العرب يعرفون ذلك ، غير أنّهم حتّى الآن ليس بيدهم حيلة فيه .

12) كلّ العداء وكلّ القدرة على العدوان وكلّ الإرادة في الاستعمار الجديد من قبَل الغرب تجاه الإسلام أو العالم العربيّ الإسلاميّ ، هذا كلّه تجمّع في دولة إسرائيل الصهيونيّة ، كما يعاني العالم العربيّ الإسلاميّ من وجودها . هي دولة مصطنعة ، فُرضت على العرب وفرضت نفسها عليهم كجسم غريب ، في حين أنّه كان في استطاعتها أن تكون جزءًا لا يتجزّأ من عالم الشرق الأدنى وأن تعيش في صداقة وتعاون مع جيرانها . إلاّ أنّ مثل هذا التوافق كان من الممكن أن يكون نقطة الانطلاق لتكوين دولة كبرى ثالثة . فوجب إفساد العلاقات بين إسرائيل والبلدان العربيّة ، على حساب مصالح البلدان العربيّة وإسرائيل بالذات على المدى البعيد .

أخذت دولة إسرائيل الصهيونيّة تتكوّن ابتداءً من أواخر القرن التاسع عشر . الموجة الأولى للهجرة الصهيونيّة إلى فلسطين (1881-1882) : طبقة وسطى ليبراليّة بورجوازيّة آتية من روسيا . المؤتمر الصهيونيّ في بازل Basel (Bâle) بمبادرة من تيودور هرتسل Herzl (1897) : إيجاد ملجإ لليهود المضطهَدين في فلسطين (عارض السلطان هذا الحلّ) أو في أوغندا أو في أميركا اللاتينيّة ، لكن بالأحرى في فلسطين لكونها أرض الميعاد . الموجة الثانية للهجرة الصهيونيّة إلى فلسطين (1904-1914) : طبقة وسطى اشتراكيّة يساريّة وشعبيّة من أصل روسيّ . إعلان بالفور Balfour (2 نوفمبر 1917) لإيجاد مقرّ أو وطن قوميّ يهوديّ في فلسطين من غير مساس بالجماعات غير اليهوديّة في فلسطين . الموجة الثالثة للهجرة الصهيونيّة إلى فلسطين (1919-1923) : طبقة وسطى اشتراكيّة يساريّة من أصل روسيّ . خلال مؤتمر السلام في باريس (1919) عرضت المنظّمة الصهيونيّة العالميّة تصوّرها الجغرافيّ : كلّ أرض فلسطين ، ولبنان الجنوبيّ بما فيه صور وصيدا ، وينابيع نهر الأردنّ في جبل الشيخ (حرمون) ، والجزء الجنوبيّ من نهر الليطاني ، وأعالي الجولان ، ومدينة القنيطرة ، واليرموك ، والحمّة ، وكلّ وادي الأردنّ ، والبحر الميّت ، ومنطقة عمّان ، والمنطقة المحاذية للسكّة الحديديّة باتّجاه الحجاز حتّى خليج العقبة ، وما بين العريش وشرم الشيخ من سينا . الموجة الرابعة للهجرة الصهيونيّة إلى فلسطين (1924-1930) : طبقة وسطى وعمّاليّة ليبراليّة يمينيّة من أصل بولونيّ . الموجة الخامسة للهجرة الصهيونيّة إلى فلسطين (1932-1939) : طبقة وسطى ليبراليّة بورجوازيّة من أصل ألمانيّ وبولونيّ . مخطّط الأمم المتّحدة لتقسيم فلسطين : دولة يهوديّة ، ودولة عربيّة ، وتدويل القدس . في 15 مايو 1948 إعلان دولة إسرائيل العبريّة .

كان هذا الإعلان نقطة الانطلاق لسلسلة من الحروب والعدوان لا تُعرف نهايتها . الحرب الأولى بين إسرائيل والعرب (1948) انتهت إلى هزيمة الجيوش العربيّة ، جيوش مصر والأردنّ وسوريا والعراق والمملكة العربيّة السعوديّة مجتمعة . فصارت منطقة غزّة إلى الإدارة المصريّة ، واحتلّ الجيش الأردنيّ القسم العربيّ من فلسطين . عند بدء الأعمال الحربيّة لجأ أربع مئة ألف عربيّ فلسطينيّ إلى البلدان العربيّة المجاورة . وعند نهاية الحرب لجأ إليها أيضًا أربع مئة ألف . وخلال السنة عينها لجأ ثلاث مئة ألف إلى الأردنّ . في سنة 1949 وقّع العرب وإسرائيل اتّفاقات الهدنة في جزيرة رودس . وهاجر يهود من العراق إلى إسرائيل (1951-1952) . وسنة 1952 وافقت ألمانيا الغربيّة على دفع مبلغ 216 مليون جنيه استرلينيّ لإسرائيل تعويضًا من جرائم النازيّين (النهاية المتوقّعة للدفع : 1966) . حرب السويس (1956) : اجتاحت إسرائيل سينا (29 أكتوبر) . تدخّلت بريطانيا العظمى وفرنسا في بور سعيد وقناة السويس (من 31 أكتوبر حتّى 6 نوفمبر) . خرّبت سوريا أنابيب النفط العراقيّة والسعوديّة وربطت إصلاحها بانسحاب الجيوش الإنكليزيّة والفرنسيّة من سينا . سنة 1957 انسحبت القوّات الإسرائيليّة من سينا (يناير) ومن غزّة (مارس) . وانسحبت القوّات الإنكليزيّة والفرنسيّة من بور سعيد (23 ديسمبر) . في القدس العربيّة (مايو ويونيو 1964) وافقت الجمعيّة الوطنيّة الفلسطينيّة على الميثاق الوطنيّ الفلسطينيّ ، وتقرّر تأسيس منظّمة تحرير فلسطين ، وتأسّست المنظّمة في الأردنّ ، وتزايد نفوذ حركة المقاومة الفلسطينيّة . سوريا (1962-1967) : مناوشات مع إسرائيل ، هجوم على مواقع إسرائيليّة ، شكوى إسرائيليّة أمام مجلس الأمن الدوليّ (أكتوبر 1966) ، مناقشات بين أسرائيل وسوريا من دون جدوى .

حرب (5 يونيو 1967) : جيوش مصر وسوريا والأردنّ ، مع فِرَق عراقيّة وسعوديّة وجزائريّة (بقيت مرابطة حتّى 1970) . منع دي غول de Gaulle تصدير الأسلحة (50 طائرة ميراج) لإسرائيل لكونها المعتدية . القرار رقم 242 الصادر عن مجلس الأمن للأمم المتّحدة (22 نوفمبر) ، لم تنفّذه إسرائيل ، بل أمعنت في سياسة الاستيطان ، واحتلّت سينا والجولان (بما فيه القنيطرة) وغزّة والضفّة . قطع العراق العلاقات الدبلوماسيّة بالولايات المتّحدة الأميركيّة وبريطانيا العظمى . وافقت سوريا على وقف إطلاق النار الذي اقترحته الأمم المتّحدة (10 يونيو) ، لكنّها رفضت أيّة فكرة تسوية مع إسرائيل ، كما رفضت القرار 242 ، وهي تريد فلسطين موحَّدة . قمّة عربيّة في الخرطوم (سبتمبر) : لا اعتراف بإسرائيل ولا مفاوضات معها . في 1969 : إحراق المسجد الأقصى في القدس العربيّة (أغسطس) . في المغرب ، المؤتمر الإسلاميّ الأوّل في الرباط (سبتمبر) حول موضوع القدس . في لبنان ، اتّفاقات القاهرة مع المقاومة الفلسطينيّة (2 نوفمبر) . في ليبيا (يوليو 1970) : حظر على ممتلكات اليهود والإيطاليّين . في 1971 سهّل الاتّحاد السوفياتيّ هجرة اليهود إلى إسرائيل ، ومنعت سوريا العمليّات الفلسطينيّة ضدّ إسرائيل انطلاقّا من الأراضي السوريّة .

حرب 1973 : هجوم مفاجئ من قبَل مصر وسوريا (6 أكتوبر) . وقف إطلاق النار (15 أكتوبر) . إعادة العلاقات الدبلوماسيّة بين مصر والولايات المتّحدة الأميركيّة (نوفمبر) . طلب البحرين من الولايات المتّحدة الأميركيّة إخلاء القاعدة البحريّة بسبب حرب أكتوبر . استعمل كلٌّ من المملكة العربيّة السعوديّة والكويت وقطر والإمارات العربيّة المتّحدة سلاح النفط . لم يشارك الأردنّ في الحرب ، لكنّه مع العراق حمى الجبهة السوريّة . أرسل المغرب فِرَقًا إلى مصر وسوريا . استعادت مصر قناة السويس ، واستعادت سوريا جزءًا كبيرًا من الجولان بما فيه القنيطرة . في لبنان مواجهات بين الجيش اللبنانيّ والمقاومة الفلسطينيّة (مايو) . اقتربت إيران من البلدان العربيّة استنادًا إلى الرباط الدينيّ مع الاحتفاظ بعلاقتها غير المعلنة بإسرائيل (31 مايو) . خطاب عرفات في الأمم المتّحدة (نوفمبر) . اتّفاق على فكّ الاشتباك بين مصر وإسرائيل (18 يناير) . قمّة عربيّة في الرباط (28 أكتوبر) : اعتراف بمنظّمة تحرير فلسطين كالممثّل الشرعيّ الوحيد للفلسطينيّين . في سنة 1975 حرب أهليّة في لبنان ، حفزها الوجود الفلسطينيّ المسلّح (أبريل) . اعترف الملك خالد في المملكة العربيّة السعوديّة بإسرائيل ضمن حدود ما قبل 1967 (مايو) . اتّفاق بين مصر وإسرائيل لحلّ الصراع بين إسرائيل والعرب بالوسائل السلميّة ، لم توافق عليه سوريا وكذلك الأردنّ والعراق ومنظّمة تحرير فلسطين . لبنان 1976 : تدخّلت سوريا لوقف إطلاق النار في لبنان ، وأرسلت قوّات سوريّة أوقفت القتال (يونيو) . طلبت مصر انضمام منظّمة تحرير فلسطين كعضو كامل الحقوق في جامعة الدول العربيّة (مايو) . مصر 1977 : خطاب السادات في الكنيست في القدس (20 نوفمبر) ، في إطار مبادرته من أجل السلام . دعم غير معلن من قبَل المملكة العربيّة السعوديّة خشية أن يفشل السادات ويتسلّم اليسار الحكم . لكنّ الدول العربيّة الأخرى لم توافق على مبادرة السادات . قامت الإمارات العربيّة المتّحدة بدور الوسيط . قاطع لقاءات جامعة الدول العربيّة في القاهرة كلٌّ من الجزائر والعراق وليبيا واليمن الجنوبيّ . في سنة 1978 ، اجتاحت إسرائيل جنوب لبنان حتّى الليطاني (14-21 مارس) ، وانسحبت ابتداءً من 11 أبريل وحتّى 13 يونيو . قوّات حفظ السلام الدوليّة على الحدود بين لبنان وإسرائيل . اتّفاقات كامب دافيد Camp David بين مصر وإسرائيل (17 سبتمبر) . في 6 يونيو 1982 اجتاحت إسرائيل لبنان حتّى مدينة بيروت . انسحب الفلسطينيّون والسوريّون من بيروت . في 25 أبريل انسحبت إسرائيل من الأراضي المصريّة .
يبدو إذن أنّ السياسة الإسرائيليّة هي سياسة العدوان والتوسّع والاستيطان وسياسة الأمر الواقع المبرمج بهدف تحقيق المطامع الجغرافيّة التي عرضتها المنظّمة الصهيونيّة العالميّة في مؤتمر باريس للسلام (1919) ، وذلك من دون التخلّي عن مطامع أخرى . وهذه السياسة تدعمها من دون قيد أو شرط حكومات الولايات المتّحدة الأميركيّة المتتالية : لقد صفّى الأميركيّون الهنود الحمر ، فلا حرج عليهم إن ساعدوا إسرائيل على تصفية الفلسطينيّين وغيرهم من العرب . ويسهم الأوروبيّون في تحقيق هذا المشروع ، أو يتركون الأمور تجري مجراها لعجز منهم أو عدم اكتراث . أمّا بلدان العالم الأخرى فليس بيدها حيلة . هذا ما يسمّونه حركة التاريخ .

2 ـ الصراع الإيديولوجيّ .

يمكن التعبير عن رهان هذا الجانب الإيديولوجيّ للنزاع بين الإسلام والغرب بلفظتَين مشتقّتين من طرفَي النزاع ، هما : الأسلمة ، والتغريب .

ولمّا كان الغرب مسيحيًّا وغير مسيحيّ على السواء ، كان التغريب إمّا تنصيرًا وإمّا تثاقفًا ، وكان التثاقف يرمي إلى أن يكون ، أو إلى أن يظهر ، علميًّا وموضوعيًّا ، في حين أنّه يسعى إلى أن يصوّر الشرق والإسلام وفقًا لمصالح الغرب ، وإلى أن يفرض هذه الصورة على الغربيّين كما على الشرقيّين ، بل على المسلمين أنفسهم : تلك كانت مهمّة شكل من أشكال الاستشراق . ويتصاحب هذا الاستشراق ومحاولة تصوير الغرب كأنّه باعث القيَم الإنسانيّة والتقدّم الحضاريّ : تلك كانت مهمّة الممدِّنين .

فبوجه هذا المشروع الغربيّ ، كانت الأسلمة ترمي إلى نزع الطابع الغربيّ عن المسلمين المتغرّبين ، وإلى تحصين المسلمين في مواجهة هذا المرض ، وإلى تعزيز الدفاع الإسلاميّ في وجه محاولات التنصير ، وإلى محاولة أسلمة المسيحيّين ، وإلى كشف ما تقوم به إحدى النزعات الاستشراقيّة من دسائس مشبوهة ، وإلى إظهار وجه الشرق والإسلام الصحيح ، وأخيرًا إلى التحرّر من الافتتان بالحضارة الغربيّة ، وذلك بكشف ما ينتج منها من أضرار تصيب الغربيّين أنفسهم والإنسانيّة بوجه عامّ .

إنّها لمهمّات شاقّة ، تلك التي يضطلع بها كلّ من الفريقين . غير أنّه لا شيء يبدو مستحيلاً للمرء عندما يكون أمام خيارَين : أن يكون ، أو لا يكون . لذلك واكب الصراعُ الإيديولوجيّ الصراعَ المسلّح منذ بداياته وفي كلّ تطوّراته . فقد كانت الأسلمة ، من جهة الإسلام ، ملازمة للفتوحات ، ثمّ امتدّت في مجادلات عقائديّة ذات طابع دفاعيّ أو هجوميّ ، وهي تتمّ حاليًّا بواسطة الدعوة الدينيّة والثقافيّة . أمّا من الجهة الغربيّة ، فقد كان أحد أهداف الحملات الصليبيّة ، ومن بعدها الفتوحات الاستعماريّة ، تحريرَ المسيحيّين من سيطرة المسلمين ، أو إعادةَ إنشاء الجماعات المسيحيّة المندثرة . ولازم ذلك تيّار جدليّ ذو طابع هجوميّ ودفاعيّ ، امتدّ في الإرساليّات التبشيريّة ، وفي المؤسّسات التعليميّة والمؤسّسات الاجتماعيّة والإنسانيّة ، وكذلك في العمل الاستشراقيّ الدؤوب ، وقد كان هذا العمل في الغالب حميدًا جدًّا ، وإن مُغرِضًا في كثير من الأحيان .

هنا لا بدّ من بعض الملاحظات لتوضيح هذين المشروعَين ، الأسلمة والتغريب . فالأسلمة ، في جوهرها ، مشروع دينيّ وسياسيّ في آن . أمّا التغريب فهو قد يحتمل ضمّ الدين والسياسة أو الفصل بينهما . وقد اندفع الإسلام إلى الاطّلاع على الغرب ، خصوصًا خلال فترتين من الزمن : حين أخذت السلطنة العثمانيّة تدرك التفاوت التقنيّ والحضاريّ بينها وبين الغرب ، وحين جاء بونابرت إلى مصر بما يمكن تسميته بالحداثة ، مطلقًا بذلك في الشرق حركة النهضة ، أي النقاش الذي ما برح قائمًا حول العلاقات بين التراث العربيّ الإسلاميّ والنظرة الجديدة إلى العالم والمجتمع . بالمقابل ، لم يكفّ الغرب ، منذ القرون الوسطى ، عن الاهتمام بمعرفة الشرق ، مُدخِلاً بذلك في حقله العُلوميّ مجموعة العلوم التي يتكوّن منها الاستشراق . وكان من الممكن أن يكون هذا الاستشراق ، بحدّ ذاته ، علميًّا ومحايدًا وموضوعيًّا ، كما أنّه كان من الممكن أيضًا أن يكون في خدمة أهداف غير علميّة ، كالتنصير وإرادة السيطرة السياسيّة .
وهكذا نحصل على أربعة أوجه للصراع الإيديولوجيّ بين الإسلام والغرب . الوجه الأوّل هو التبشير المسيحيّ والدعوة الإسلاميّة ، بهدف الهداية وتكوين جماعات من المؤمنين . يقابله الوجه الثاني ، هو الاستشراق العلميّ ، ولا نرى ما يماثله في الإسلام . وبين هذين النقيضين ، هناك موقف أوّل ، تقليديّ عدائيّ ، يظهر في نشاط كثيف من الجدال العقائديّ بين المتكلّمين المسلمين ، من جهة ، واللاهوتيّين اللاتين والبيزنطيّين ، وبخاصّة اللاهوتيّين العرب المسيحيّين ، من جهة ثانية . وهناك موقف ثانٍ ، حديث العهد ، موقف القبول بالآخر ، يظهر في ما يسمّى بالحوار الإسلاميّ المسيحيّ .

1) التبشير والدعوة .

في ما خصّ انتشار الإسلام في أثناء الفتوحات وعَقِبها ، أكتفي بالإحالة إلى أبحاث غودفروا ديمومبين Gaudefroy-Demombynes. أمّا في ما يتعلّق بالفترة المعاصرة ، فمعلوم أنّ جامعة الأزهر تحوي فرعًا مختصًّا في تنشئة الدعاة وتوجيههم صوب القارّة الإفريقيّة أكثر ممّا صوب أوروبا أو الأميركتين . ويبدو أنّ المملكة العربيّة السعوديّة هي التي تموّل الدعوة الإسلاميّة في الغرب ، وذلك في شكل إنشاء جوامع ومراكز إسلاميّة . وهي تؤتي ، في ما يظهر ، بعض ثمارها ، بدليل أن قد أسلم بعض المثقّفين الغربيّين من ذوي الشهرة .
لقد درس مونّريه دي فيلاّر Monneret de Villard بكثير من الإتقان الإرساليّات الدومينيكانيّة والفرنسيسكانيّة في القرون الوسطى ، وبخاصّة في القرنين الثاني عشر والثالث عشر . وفي ما خصّ معرفة الإسلام في أوروبا الوسيطيّة ، راجع أبحاث دانيال Daniel ودالفِرني d’Alverny . وقد درس هورنيس Hornus الإرساليّات البروتستانتيّة في الشرق العربيّ الإسلاميّ في القرن التاسع عشر . ودرس حجّار Hajjar (1970) ، بكثير من الإتقان ، من جملة ما درس ، الإرساليّات الكاثوليكيّة والبروتستانتيّة في القرن التاسع عشر أيضًا . وبالملاحظة الميدانيّة ، يمكن مشاهدة العديد من المؤسّسات الدينيّة والتعليميّة والجامعيّة والاجتماعيّة ، التابعة لرهبانيّات وجمعيّات رسوليّة غربيّة .
وتتشابه الطرق التي تستعملها حاليًّا الإرساليّات المسيحيّة والإرساليّات الإسلاميّة . فهذه وتلك تعتمد الحضور والشهادة وعَيش الإسلام أو المسيحيّة على حقيقتهما قدر الإمكان . ولاستعمال هذه الطرق صلة بالتخلّي عن الموقف العدائيّ القديم والوقوف موقف الحوار .

2) الاستشراق العلمانيّ .

أعني به الاستشراق الذي يسعى إلى أن يكون علميًّا . وسبب وصفه بالعلمانيّ هو كون كثير من المستشرقين يضعون نصب أعينهم الهدف العلميّ ، ويعتبرون أنفسهم في الوقت نفسه مؤمنين وشهودًا لإيمانهم المسيحيّ . وإنّنا لَنعرف المشاهير الذين تألّقوا في هذا المضمار منذ النهضة الأوروبيّة : فان إربه Van Erpe ، بوكوك Pococke ، دِربلو d’Herbelot، سيلفستر دي ساسي Silvestre de Sacy ، فرايتاغ Freytag ، لان Lane ، دوزي Dozy ، رينان Renan ، رايت Wright ، ديغوخه De Goeje ، نولْدِكه Nِldeke ، غولدتسيهر Goldziher ، سْنوك هورغرونخه Snouk Hurgronje، كايتاني Caetani ، نلّينو Nallino ، وغيرهم كثير ، منهم كوربان Corbin ، لاوُسْت Laoust ، واط Watt ، ميكال Miquel ، وغيرهم . ومن جهة ثانية ، فإنّ أبحاث أسين بالاثيوس Asيn Palacios ، وماكدونالد Macdonald ، ولامَنْس Lammens ، وماسّينيون Massignon ، وأرنالدِز Arnaldez ، وغارديه Gardet ، وقَنَواتي Anawati ، وغيرهم ، في كثير من مظاهرها ، ليس هدفها الأوّل هدفًا دينيًّا ، بل هو بالحريّ هدف علميّ .

إنّ الموضوعيّة العلميّة تجعل الاستشراق قيمة بحدّ ذاته . غير أنّها تجعله أيضًا أداة فعّالة للعمل الدينيّ أو للعمل السياسيّ . لذا قد وضع بعض المؤلّفين العرب لوائح بالمستشرقين ، صنّفوهم بها ، لا بحسب الطابع العلميّ لأبحاثهم ، بل بحسب طبيعة موقفهم من الإسلام ، أو بحسب الطريقة التي استخدِمت فيها أبحاثهم في مجال العلاقة بالإسلام .

في موضوع الاستشراق ، نعرف أبحاث فوك Fück وغيره . ولقد قام إدوارد سعيد Edward Said ، بنوع خاصّ ، بمقاضاة الاستشراق ودينونته .

أمّا النظير الإسلاميّ للاستشراق الغربيّ ، فإنّه يبدأ ، بشكل رئيسيّ ، في القرن التاسع عشر . غير أنّ المعرفة العربيّة الإسلاميّة للغرب هذه لم تتحوّل إلى مؤسّسات “ استغراب ” ، في مقابل الاستشراق الغربيّ .

3) المجادلة العقائديّة .

في معرض الحديث عن المجادلة بين الغرب والإسلام ، ينبغي حصر الكلام في المؤلّفين اللاتين والبيزنطيّين ومؤلَّفاتهم . لكنّ الكتّاب المسلمين لم يُجمِعوا على الفصل بين المسيحيّة الشرقيّة والمسيحيّة الغربيّة . وعلاوة على المجادلات مع مُجادلين مسيحيّين ، فقد تهجّم هؤلاء الكتّاب على العقائد المسيحيّة بوجه عامّ ، دون التوجّه إلى مُجادل معيّن . فلدينا إذن المجموعات التالية من المجادلات : من جهة أولى ، المؤلّفون اللاتين ، المؤلّفون البيزنطيّون ، المؤلّفون العرب المسيحيّون ، وأذكر ، في عرض هذه المجموعات الثلاث ، الأسئلة والأجوبة ، – ومن جهة ثانية ، المؤلّفون المسلمون الذين فنّدوا المسيحيّة عمومًا .

في ما خصّ مجموع هذه الكتابات الجدليّة ، يمكن الاكتفاء بالمراجع التالية ، أذكرها بحسب التسلسل الهجائيّ لأسماء مؤلّفيها : بوعَمارة Bouamara، ب. خوري P. Khoury، ع.ت. خوري A. Th. Khoury ، دانيال Daniel ، شْتاينْشْنايدِر Steinschneider ، الشرفي ، غْراف Graf ، فْريتش Fritsch ، قَنَواتي Anawati، مبارك Moubarac، هاغمن Hagemann. يُضاف إليها ثبَت مراجع الحوار الإسلاميّ المسيحيّ ، المنشور بإشراف كاسْبار Caspar في أعداد متتابعة من مجلّة إسلاموكْريسْتيانا Islamochristiana(دراسات إسلاميّة مسيحيّة) .

اللاتين . – في ما يلي أسماء بعض كبار المؤلّفين اللاتين : بطرس المكرَّم Pierre le Vénérable، ريمون مارتين Raymond Martin ، رامون لولّ Ramon Lull ، ريكولْدو دا مونْتيكْروتْشه Ricoldo da Montecroce ، نيقولاوس القوزانيّ Nicolaus Cusanus ، غِيّوم بوسْتِل Guillaume Postel، لودوفيكو مرّاكْتشي Lodovico Marracci . ومن الأحداث التي جرت خلال فترة الجدل هذه ، وقبل أن تسمح الظروف التاريخيّة بالانتقال إلى فترة الحوار ، نذكر الأحداث التالية : – إرسال راهب فرنسيّ رسالةً إلى المقتدر بالله ، وردّ الباجي عليه . – ردّ الخزرجي على كاهن من طليطلة . – مجادلة ابن رشيق مع مجموعة من الكهنة والرهبان في مُرسِية . – ردّ كلٍّ من محمّد بن أبي طالب وابن تيميّة على الرسالة القبرصيّة ، وقد أُرسِلت نسخة عنها إلى كلٍّ منهما ، وهذه الرسالة هي صِنْو الرسالة إلى المسلمين لبولص الراهب الأنطاكيّ ، أو تنسيق جديد لنصّها ، وليست مماثلة لها كما يظنّ الكثيرون . – وأخيرًا ردّ القرطبي على تثليث الوحدانيّة الذي ألّفه مسيحيّ وأرسله من طليطلة إلى قرطبة .

البيزنطيّون . – عرض للإسلام ليوحنّا الدمشقيّ ، يحمل الرقم 101 (أو 100) من كتابه حول البِدع . – مجادلة بين مسيحيّ ومسلم ، ليوحنّا الدمشقيّ وثيوذورس أبي قُرّة ويوحنّا ذياقونس . – ومن بين كتابات أبي قُرّة ، أسئلة العرب إلى مسيحيّ ، وردّ على الصراقنة القائلين بتألّم المسيح كإله . – لنيقيطاس البيزنطيّ ردّ على رسالتين للهاجَريّين ، وتفنيد القرآن . – رسالة لاون إمبراطور بيزنطية إلى عمر “ ملك المسلمين ” ، ورسالة عمر إلى لاون . – رسالة أريطاس القيصرانيّ إلى أمير دمشق . – كتاب ميخائيل بسِلّوس Psellos ضدّ الهاجَريّين . – ردّ يوحنّا السادس القنطاقوزانيّ على رسالة شمس الدين الإصفهانيّ إلى الراهب ملاطيوس . – الأحاديث الستّة والعشرون مع مسلم لمانوئيل باليولوغوس Manuel Paléologue . – رسالة بيوس الثاني إلى السلطان محمّد الثاني . – كتاب حول صحّة المسيحيّة أرسله جاورجيوس الطرابزونيّ إلى محمّد الثاني نفسه ، مع رسالتين ، يعرض في الثانية منهما مخطّطه لتحقيق وحدة العالم السياسيّة والدينيّة .

العرب المسيحيّون . – مجادلة طيموثاوس الأوّل النسطوريّ مع الخليفة المهدي . – مقالات أبي رائطة اليعقوبيّ إلى مسلمين ، ومنهم أحد المعتزلة . – ميمر أبي قُرّة الملكيّ وكتابه الكبير إلى المسلمين ، كما تُنسَب إليه مجادلة مع الخليفة المأمون أو بحضرته . – رسالة الهاشمي المسلم إلى الكندي النسطوريّ (أو اليعقوبيّ) ، وردّ الكندي عليه . – مجادلة أنبا أبراهام الملكيّ مع عبد الرحمن بن عبد الملك . – ردّ كلٍّ من حنين بن إسحق النسطوريّ وقسطا بن لوقا الملكيّ على يحيى بن علي بن المنجِّم . – ردّ ابن عَدي اليعقوبيّ على أبي عيسى الورّاق ، وردّه على اعتراضات الفيلسوف الكندي ، وجوابه عن أسئلة الجرّاح ، وردّه على أبي زكريّا بن يونس ، وعلى الجُهَيني ، وعلى ابن داود ، وعلى مسلمَين أو ثلاثة آخرين . – مناظرة شعريّة بين مسيحيّ مجهول يُفتَرض أنّه يمثّل الإمبراطور نيقيفورس ، من جهة ، والقفّال الشاشي وابن حزم ، من جهة ثانية . – ردّ ابن زُرْعة اليعقوبيّ على البَلْخي ، وعلى الإسكافي ، ورسالته إلى أحد أصدقائه من المسلمين . – مجالس إيليّا أسقف نِصّيبين النسطوريّ ، دوّن فيها أحاديثه مع الوزير أبي القاسم الحسين بن علي المغربيّ ذي المَيل المعتزليّ ، وكتابه إلى أحد القضاة ، وردّه بالسريانيّة على أحد المسلمين . – جواب عبد الله بن الفضل الملكيّ عن الأسئلة الثمانين لأحد المسلمين . – ردّ بطرس ساويروس الجُميِّل القبطيّ القائل بالطبيعة الواحدة في المسيح على جمال الدين بن أحمد المصريّ . – رسالة بولص الراهب أسقف صيدا الأنطاكيّ الملكيّ إلى أحد أصدقائه من المسلمين في صيدا ، عرض فيها ردّ العلماء البيزنطيّين والأوروبيّين على اعتراضات المسلمين ، ورسالته إلى أبي السرور التَنَسي الرقّام . – جواب كلٍّ من ابن تيميّة ومحمّد بن أبي طالب عن الرسالة القبرصيّة ، وقد تسلّم كلٌّ منهما نسخة عنها . ـ جواب القرافي عن رسالة بولص الأنطاكي . ـ رسالة الحسن بن أيّوب ، المسيحيّ المرتدّ إلى الإسلام ، إلى أخيه عليّ بن أيّوب . – مجادلة فخر الدين الرازي مع أحد المسيحيّين في خوارزم ، ضمّنها تفسيره للقرآن .

ردّ المسلمين على المسيحيّة . – الطبري ، وهو مسيحيّ ارتدّ إلى الإسلام . – الحسني الزيديّ . – الورّاق ، وقد ردّ عليه ابن عدي . – الجاحظ . – الفيلسوف الكندي ، وقد ردّ عليه ابن عدي . – البلخي ، وقد ردّ عليه ابن زُرعة . – الإسكافي ، وقد ردّ عليه ابن زُرعة . – فصل من كتاب التمهيد للباقلاّني . – فصل من المغني لعبد الجبّار . – فصل من التوحيد للماتريدي . – فصول من الفِصَل لابن حزم . – الشفاء للجويني . – الردّ الجميل للغزالي . – فصل من المِلل والنِحل للشهرستاني . – التخجيل للجعفري . ـ الإعلام للقرطبي ، ردًّا على التثليث لأحد مسيحيّي طليطلة .

من الواضح أنّ كلّ هذه الكتابات هي اعتراضات وتفنيدات وانتقادات ومجادلات وهجوم ودفاع . وهذا يعني أنّ جوّ العلاقات الإسلاميّة المسيحيّة على الصعيد العقائديّ لم يكن جوّ سماء الأفكار الهادئة ، بل جوّ ساحة قتال منظورة في الأرض . صحيح أنّ الأفق الفكريّ للمتواجهين في هذه الساحة يبدو لأوّل وهلة ذا طبيعة دينيّة : فما يبغيه كلٌّ من الفريقين ، على ما يظهر ، هو إحقاق الحقيقة الدينيّة ، أي الدين الحقّ ، أي الدين الموحى حقًّا ، وبالتالي الدين الأوحد المنزل من عند الله الأوحد . لكن لماذا ، والحالة هذه ، تسود هذه اللهجة الفظّة الجارحة المُهينة ، ولماذا تكاد تنعدم اللهجة الهادئة المسالمة ؟ ذلك أنّ الحقيقة الدينيّة كانت مقرونة بمكاسب بعيدة كلّ البعد عن أن تكون روحيّة ويجب تأمينها ولو كان ذلك تحت شعار الصراع في سبيل الإيمان الحقّ .

في جوّ الصراع هذا ، كان انتقاء المواضيع يتمّ بطريقة غريزيّة . فالهجوم على الخصم يجب أن يتركّز على النقاط الأكثر حساسيّة . وهذه النقاط الحسّاسة هي نفسها العقائد الأساسيّة التي يتميّز بها كلٌّ من الدينَين المتصارعين .

في الإسلام ، ما هو جوهريّ هو القرآن ، ومحمّد ، والشريعة . – فالقرآن هو التعبير الجديد النهائيّ ، غير المحرَّف وغير القابل للتحريف ، للوحي الحقيقيّ الأوحد ، الذي ينسخ أشكال الوحي الأخرى المحرَّفة كلّها ، اليهوديّة منها والمسيحيّة . – ومحمّد هو خاتم الأنبياء وآخر رسل الله المكلَّف نقْل كلام الله بأمانة إلى الناس جميعًا دونما تفرقة في العِرق أو الثقافة أو الوضع أو المنشإ . ويجعله هذا الفضل الإلهيّ في المرتبة الكيانيّة الأولى بين الكائنات البشريّة . – والشريعة التي يتضمّنها القرآن هي حتمًا غاية الكمال ، إذ إنّها ليست من صنع البشر ، وليست مبادئها بالتالي خاضعة لتحوّلات التاريخ وحوادثه الطارئة . وهي أيضًا كاملة لأنّها تشمل أبعاد الكائن البشريّ كلّها : المادّة والروح ، الدين والدنيا .

من هنا كان الهجوم المسيحيّ على الإسلام يتركّز على هذه النقاط الثلاث . – فالقرآن لا يمكن اعتباره كتابًا منزَلاً ، حيث كثُرت فيه التناقضات والخرافات والقصص المثيرة للسخريّة . – ومحمّد ليس نبيًّا ، بل هو مدّعي النبوّة ، توصّل إلى فرض ديانته المزعومة بالخداع والعنف . ثمّ إنّ النبيّ الحقيقيّ لا يسلك سلوك إنسان متعطّش لسفك الدماء وللتمتّع بالملذّات . فحياة محمّد المنحلّة لا تدعم مزاعمه في الرسالة والنبوّة . وهو ، أخيرًا ، لم يُعطَ موهبة اجتراح المعجزات ، وهي علامة لازمة لأيّ رسول أرسله الله . – أمّا الشريعة الإسلاميّة فهي على صورة صاحبها ، وصاحبها هو محمّد وليس الله . صحيح أنّها تحتوي على فرائض الوضوء والصلاة والزكاة . غير أنّها تحتوي أيضًا على السيف ، والجهاد أي الحرب المقدّسة ، والسماحة المزعومة ، والإباحيّة ، والتشجيع على الملذّات الجسديّة ، والوعد بجنّة المُتع المادّيّة . – فلا يمكن اعتبار أيّ من هذه المعالم الثلاثة ، القرآن ومحمّد والشريعة ، أنّه من عند الله .

أمّا في المسيحيّة فما هو جوهريّ هو تثليث الله الواحد ، وتجسّد المسيح ابن الله ، والكتب المنزلة ، والشريعة الجديدة . – فالله واحد ، غير أنّه قال في ذاته إنّه آب وابن وروح . هذا السرّ ، غير المُدرَك ، سرّ تثليث الله الواحد ، يجب الإيمان به على أساس الثقة بصحّة كلام المسيح . – هذا المسيح يسوع الذي قال في ذاته إنّه ابن الإنسان وابن الله ، هذا الكلمة المتجسِّد ، يجب الإيمان به على أساس الثقة بصحّة المعجزات التي اجترحها بسلطانه الخاصّ ، وعلى أساس الثقة بحياته المثاليّة ووصاياه ذات الطابع الروحيّ المحض والهادفة إلى تنمية الإحساس بالأخوّة والمحبّة بين البشر . ولقد صُلب ليخلّص الناس ويفتديهم ، ولكنّه قام من بين الأموات . وصليبه موضوع إكرام من حيث هو علامة الفداء . – وتقيم الكتب المسيحيّة عهدًا جديدًا بين الله والبشر ، وتمكّن من فهْم كتب العهد القديم اليهوديّة فهْمًا صحيحًا في ضوء المسيح . – أمّا شريعة المسيح الجديدة فهي على مثال حياته الإلهيّة . ويمكن إجمالها بوصيّة واحدة هي وصيّة محبّة الله ومحبّة القريب ، وهي وصيّة تحرّر الإنسان من سلطان هذا العالم .

من هنا كان الهجوم الإسلاميّ على المسيحيّة انتقادًا لهذه النقاط الحسّاسة فيها . – فما التثليث سوى الشرك بعينه ، وما محاولة التوفيق بين التوحيد والتثليث سوى هذيان . – والمسيح يسوع هو ابن مريم وليس ابن الله ، فالله “ أنّى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة ” . وإنّه لَمِن الشرك أن يقال في المسيح إنّه إله . ثمّ إنّ القرآن يؤكّد أنّ المسيح لم يُصلَب . والعبادة لا تكون إلاّ لله ولا تجوز للصليب . – والكتب المسيحيّة واليهوديّة ، التي هي اليوم لدى المسيحيّين واليهود ، هي ، علىالسواء ، كتب محرَّفة ، صحّحها القرآن وحلّ محلّها نهائيًّا . – أمّا شريعة المسيح فهي محض روحيّة ، ينقصها البُعد الإنسانيّ الآخر ، أي المادّيّة ، لتكون كاملة . فقد هذّب المسيح ما في داخل الإنسان ، غير أنّه لم يضع يومًا أسس المجتمع الإنسانيّ . فالشريعة الكاملة هي بالتالي شريعة القرآن .

تلك هي البنية الذهنيّة المشتركة للمسيحيّين والمسلمين في القرون الوسطى . يوصَف هذا الزمن عادةً بأنّه زمن الإيمان ، والأحرى أن يوصَف بأنّه زمن الدين ، بمعنى أنّه زمن تحويل القصْد الإيمانيّ أنظومةً دينيّة . الدين ، أو الإيمان متى تحوّل دينًا ، شأنه شأن أيّ أنظومة ، يدافع عن نفسه كأنّ مصير القصْد الإيمانيّ متوقّف على بقاء أنظومة الدين . وهكذا تتحوّل الأنظومة ، من وسيلة أو شيء نسبيّ ، إلى غاية أو شيء مطلق . ولا تنحصر هذه العمليّة في فترة من التاريخ تسمّى القرون الوسطى ، فالوسيطيّة هي بالأحرى موقف قد يوجد قبل فترة القرون الوسطى أو بعدها . والدليل على ذلك كون هذه العقليّة الوسيطيّة لا تزال منتشرة اليوم بشكل واسع ، ولعلّها منتشرة لدى المسلمين أكثر منها لدى المسيحيّين . ذلك أنّ المسيحيّين قد اضطرّتهم التجربة التاريخيّة ، تجربة الحداثة والعلمانيّة ، إلى محاولة الوقوف موقف الحوار .

4) الحوار الإسلاميّ المسيحيّ .

لم يعد المسيحيّون يعتبرون الإسلام دينًا معاديًا يجب عليهم أن يحاربوه . فلمّا كان الإسلام قريبًا من اليهوديّة والمسيحيّة ، صار من المستحسن أن يوضع ضمن التراث التوحيديّ ، انطلاقًا من إبراهيم والوعد الذي قطعه الله له بشأن ابنه إسماعيل . ولم يعد المسيحيّون يتّهمون محمّدًا بأنّه مدّعي النبوّة أو نبيّ كاذب ، بل بالعكس من ذلك ، منهم مَن يُقرّ بأنّه نبيّ على نحوٍ سلبيّ من النبوّة . ثمّ إنّ حياته التي كانت توصف بالانحلال لم تعد تعتبَر أكثر انحلالاً من حياة داود النبيّ مثلاً . والقرآن ، إذ يعتبره المسيحيّون مصدِّقًا للتوراة والإنجيل ، صار هو نفسه في سلالة هذا الوحي . صحيح أنّه يهاجم التثليث والتجسّد ، غير أنّه يكفي إظهار أنّ ما يهاجمه القرآن هو مغاير لمعنى هاتين العقيدتين كما يفهمه المسيحيّون . فليس هناك من تناقض أساسيّ . بل على العكس من ذلك ، سيتركّز الاهتمام على القيَم الدينيّة المشتركة : الإيمان بالله الواحد ، وبالوحي ، وبالنبوّة ، وبالكتب المقدّسة ، وبموقف الإنسان الدينيّ الأساسيّ من الله ، وهو الخضوع ، والتسليم ، والصلاة ، والصوم ، بل الرغبة الصوفيّة في الاتّحاد بالله . وسيكون التركيز على موقف الإسلام الإيجابيّ من يسوع ومريم ، ومن الإنجيل والرسل والرهبان والكهنة ، ومن المسيحيّين عامّة . وعلى صعيد آخر ، سيقوم الحوار على توحيد الجهود في سبيل القيَم الإنسانيّة الأساسيّة ، من عدل وسلام وأخوّة وتعاون .

ولا بدّ من القول إنّ المسلمين ، في حين يقبلون بسهولة بالحوار على هذا الصعيد الأخير ، غالبًا ما يُبدون تحفّظًا في ما خصّ القيَم الدينيّة ، وبخاصّة العقائد المسيحيّة . فهُم مقيَّدون بنصّ يؤكّدون تعاليه ، ولا يجيزون بالتالي لأنفسهم التلاعب به ، كوصفه بالتاريخيّة ، وبإخضاعه ، كما يتمنّى بعض المسلمين ، لمناهج العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة ، التي طوّرتها الحداثة الغربيّة وأخذت تُجريها على النصوص القديمة ، ومنها نصّ الكتاب المقدّس .

فلا غرابة إذن في أن يكون ، في مقابل العقّاد ، وكامل حسين ، ومحمّد أركون ، والطالبي ، وعلي مراد ، والشرْفي ، عدد كثير من المحاورين المسيحيّين ، من المذهب الكاثوليكيّ أو الأرثوذكسيّ أو البروتستانتيّ .

يذكر يواكيم مبارك 1977 Moubarac ، من بين الروم الأرثوذكسيّين ، أثيناغوراس Athénagoras ، وجورج خضر . ويذكر ، من بين البروتستانت ، فورْستر Ch. Forster ، غيردْنر W.T. Gairdner ، سْميث W.C. Smith، كراغّ K. Cragg ، واطّ W.M. Watt ، كْريمر H. Kraemer ، فان ليووِن Van Leeuwen ، بيلِفلْد Bijlefeld ، هورنس Hornus ، شون Schoen ، غابو Gabus، وغيرهم . أمّا الكاثوليك فهُم أكثر عددًا : أسين بالاثيوس Asيn Palacios ، لودي Ch. Ledit ، بازتّي ساني G. Basetti-Sani، ميشال حايك ، عادل ثيودور خوري ، دي إبالثا M. De Epalza ، كاسْبار R. Caspar ، بورمانس M. Borrmans، كورْبون J. Corbon ، لولون M. Lelong ، بولس نويّا ، ويجدر بالطبع إضافة اسم يواكيم مبارك نفسه على هذه الأسماء ، مع ذكر نشرتين لهما أهمّيّة كبرى في هذا المضمار ، هما متفرّقات المعهد الدومينيكانيّ للدراسات الشرقيّة بالقاهرة MIDEO Mélanges de l’Institut) (Dominicain d’ةtudes Orientales du Caire ، وإسلاموكْريستيانا (Islamochristiana) للمعهد البابويّ للدراسات العربيّة والعلوم الإسلاميّة (Pontificio Istituto di Studi Arabi e d’Islamologia) PISAI ، بعهدة الآباء البيض بروما.