‎تحت ضوء الحكي – بقلم شيماء صقر- العراق

1
‎قرية “الشخّاطة”.
‎أشلاء مواشي في الدروب. دماء منتثرة في الأزقّة. جلود ممزّقة وعظام عند عتبات البيوت.
‎ولا أثر لأيّ فاعل!

‎ردّ الفعل الانعكاسي كان صيحات الأهواريّين، دويّ ماطورات الطرّادات، مجاذيف القوارب، وتطاير الطلقات في الطواف الغاضب. فالطريقة الصامتة التي حدثت بها المذبحة، دفعتهم إلى هستيريا مكتوفة الأيدي:
هذا عمل من أعمال الجان!!

‎استغاث يأسهم واجتمعوا في مضيف آل “المنتفج”. أمر الشيخ بتشكيل حراسات فتجمّع الشباب. قرقعوا بالسلاح وهوّسوا باليشاميغ في قلب القرية، ثمّ انحدروا إلى الطرقات. أحكموا السيطرة على مشارف القرية كقطعان الذئاب. ولكي لا تفوت شاردة أو واردة قتلوا كل ما تحرّك بين القصب: أسماكا كانت أو سلحفاة. خنزيرا بريّا أو بجعا أو شقراق. وفي المسالك المائية المفضية للقرية، تموضعوا، محشورين في طرّادات تشبه الهمرات، مدجّجين بالكلاشينكوفات والقنابل اليدوية والحمير المفخّخة، بانتظار الخصوم الغامضين. بينما كانت العائلات الأهواريّة تلتمّ على بعضها في صرائف ترتجف في أيديها السراجات والأسلحة البدائيّة كالطحين والثوم المجرّبة ضد الجان. أما الخصوم الصامتون فكانت ضفاف الأهوار خطوطهم الخلفيّة، منها يهجمون ثم ينسحبون دون خسائر.
‎ كرّهم وفرّهم من صوب الجبايش!

‎قال إمام الجمعة وهو “يتمضمض” في مضيف آل “المنتفج”. فانشمرت على بساطه قصص وأقاويل أكّدت “حقيقة” أنّ قرية الشخّاطة لم تكن الهدف الوحيد للمذبحة الصامتة. فالكثير من قرى الأهوار تعرّضت لمذابح مشابهة. الأمر الذي دفع الأقاويل إلى التحرّك النشيط في ساحة التأويلات. وبعد أن تفرّقت وتجمّعت قصص المختار وإمام الجمعة و “الگهوة أمّ الهيل” وفتّاح الفأل تحت خيمة شيخ المضيف انبثقت نظريّة “مَخْلَصها” أنّ “قبيلة من الجان نهضت من رمال الصحراء، تلبّست قطعان الذئاب، وغارت على الأهوار!”
‎ورغم تهلهل تلك النظريّة، التزم الجميع بقرار الشيخ سلطان البهيّان القاضي بإعلان “الحرب على الذئاب!”
‎فأطلقوا العنان ليلا للنيران ونهارا لدخان الروث المحترق. امتشقوا الكلاشينكوفات والقنابل اليدويّة والعبوّات البدائية وتسلّقوا ماسورات الهاونات.

‎لكن “ذئاب الجان” لم تتردّد أبدا! فقد هجمت، واجتاحت القريّة، وتركت أزقتها ملطّخة بدماء المواشي وأشلاء الأطفال.
‎الأسوأ من ذلك هو توارد الأخبار عن السندباد. فقد تعرّض مضيف جنابه لهجوم الخصوم الصامتين فعاجل واحدا بقنبلة يدوية شقّت رأسه ثم أمر ملاّحيه أن يرموا “الفطيسة” في الهور “طعما للأسماك”. بيد أن الخصم، اندلع كموج بحر هائج من أعماق القصب فحطّم المضيف والتهم السندباد قبل أن يفارق الحياة ويذوب!

‎ذلك الحدث اللا معقول كان حاسما في تفنيد نظريّة “ذئاب الجان” التي عاشت أسابيعا تحت ضوء الأهوار.
‎“بل هي عماليق، من أكلة لحوم البشر!” طرطقت الكلمات تحت أسنان الأهواريّين وابتلعهم الصمت. دفنوا ما تبقّى من عظام السندباد المتخثرة الدماء فطوّق الصخب والّلف والدوران سجاجيد المأتم والعشاء حتّى اختلط تشخيص البيطري الذي رأى بتصريحات فتّاح الفأل، وتحليل المهندس مع أضغاث الأحلام، والشاعر الذي نأى عن المدينة بنصّاب يحمل كتاب الأنساب. بل وحتّى تعاليم شيخ آل “المنتفج” مع ضوضاء عبيده. تساقطت فناجين گهوة فوق الزوالي فتلكّعت. دردموا بعد صلاة الغائب وتعالت أصواتهم بطريقة لا يسمع فيها أحدٌ أحدْ. كمثل ربّة بيت وضعت كل ما في المطبخ من بهارات وخضروات ولحوم وسوائل في قدر واحد تركته يغلي وذهبت إلى الجيران:
‎ إنه كائن قادم من كوكب آخر!! تلاسن البعض عند مرسى الطرّادة.

‎ـ لا يوجد كائن خارج الأرض سوى وجه ربّك ذو الجلال والإكرام. أمّا هذه ال.. ال.. فليست سوى بعيوات فاسقة تغتصب الأغنام
‎ والبشر.
‎ـ تاخذها بعين الزغيرة؟ لقد رأيتها بعيني! ضباع عملاقة تضيق بها الأرض!
‎وفي المقهى داست أقدام صيّاد رماد جگاره فوق البساط وحكى. فأجابه عابر سبيل، واحتار الگهوچي من أمره:
‎ـ أبي يقول أنها سعالي هاجمت الأجداد في الرحلات إلى مكّة، فلحست باطن أقدامهم حتّى رقّت وعجزوا عن الفرار فاغتصبتهم فقتلتهم….
‎ـ سعالى لحست أقدام أجدادك. وم ن أين ولدت جنابك؟ من صلب جدّ مأكول؟
‎ من يدري!! منظر النعاج مشقوقة المؤخرات وممزّقة الأرحام يدلّ على فاعل يكره كل أنثى!
‎ـ يا جماعة! إذا أردتم رأيي فهي رؤى للضباع. ورؤية الضبع في المنام تدلّ على كشف الأسرار، ومن ركب ضبعا في المنام نال سلطاناً!!

‎أما في المدرسة فقد صرّح واحد من الطلاّب أنّها “أفيال حبشية تعلن قيام الساعة وحجر السجيّل!!!” فصاح معلم الدين وهو في دورة المياه ردّا على الهرطقة:

‎ـ ابنائي، اتركوا هذه السفاسف! إن هي إلاّ ضواري قررت أن تأكلنا لأننا تفوّقنا عليها بدمويّتنا!!
‎وتحت سقف مضيف آل المنتفج كانت الأحاديث أثقل!! فإذ كان أحدهم يطرد ذبابا تجمّع حول سيفونة كوكا كولا صرّح بأنّه “كائن إلهي ناتج عن طوفان صحراوي قلب الدبابات الأمريكيّة على قفاها فتطاير الجنود المثقلين بالعتاد والاسلحة كما يتطاير الريش الخفيف. وانزاحت طبقات الأرض واندلعت بيوض ميّتة عملاقة فقّست حين لامستها الشمس.”

‎أمّا الآخر فسحب خاشوگه مختفية بين ثنايا البسط ولوّح بها للعبد معلنا أنّ “الحقيقة هي أنهم معتقلون معارضون هربوا من إيران إثر تعرّضهم لتجربة نووية نجاديّة!” ورمى الخاشوگه مضيفا أنّه رآها بعينيه عندما كان سجينا “وهي ضباع اعتادت أكل البقايا الآدميّة المتفسّخة في محيط نگرة السلمان وارتبطت بصداقة جلاّدين سمحوا لها أن ترتاد الزنازين. لكنها لم تقترب منّا لأنّنا أخفينا ما يشير إلى أنّنا فطائس عبر لعق دماء بعضنا بعد كلّ وجبة تعذيب. فنسي الجلاّدون تقديم الطعام للضباع زمنا حتّى استبدلت عادة أكل الجيف باللحم الحي.”

‎وعندما عجز خيال الأهواريّين عن فهم تلك النظرياّت ضرب القنوط صحراء رؤوسهم. ومن رمال اليأس شبّت رائحة الدفاع عن النفس، وهي رائحة بدائيّة يلجأ لها البشر عندما ترفض الحقيقة أن تلوي عنقها للتأويل. استجار أهل القرية بفتّاح الفأل “العارفه”. فحمل هذا هدهدا وجرّ أقدامه إلى المقبرة. وعند قبر السندباد امتدّت البسط واصطفّت الجموع:

‎ـ انه سليمان ملك الجان من يقول هذا وليس أنا.
‎ردّد فأعاد أهل القرية ما ردّد مثل رجع الصدى. وقف بين قبر السندباد وقبر جدّه السابع ورتّل:
‎ـ انه سليمان ملك الجان من يقول هذا وليس أنا.

‎وعاد، كما لو كان صقرا، إلى الخلف. ملص رقبة الهدهد. وضع حطبا و “جدر فافون” على قبر الجدّ السابع وسلق الطائر حتّى تهرأ. أخذ عظمتين من صدر الهدهد وقطعة ذهب ومرجان وخمسة أصابع ثوم وكافور وشعير، نفّطها ووضعها في منخل وأشعل فيها النار. غطّسها في الماء حتّى طفا فوق صفحة الماء أحد العظمين:
‎ ذلك الذي طفا هو الرايّة التي نبتع!
‎أخرج العظم من المنخل.
‎دهنه بسمن خنزير برّي ووضعه على قبر السندباد، فكبّر الناس:
‎ هو الرايّة التي نبتع!
‎وعادوا إلى بيوتهم وانتظروا.

2
‎بعد أسبوع، وحين لم تحدث أيّ معجزة “تكركمت” البيوت على نفسها كعجائز بلغت من العمر عتيّا. انقفلت أبوابها على أهلها تدريجيا. انغلقت مداخل الشوارع بالروث المحترق والحراسات الشارعيّة. ولكي يتمّ التميّيز بين أبناء الشوارع الغائمة الحدود نهضت جدران من القصب عبّدت بالقير ثم بالإسمنت.

‎بيد أنّ استمرار هجوم الكائنات دفع الأهواريّين للتشكيك حتّى ببعضهم بعضا. فاتّهم الجار جاره بأنه هو الشيطان الذي يأكل لحم البشر. وأحكموا بناء بيوتهم وزجّجوا شبابيكها وكبّلوا أبواب الفخار بأقفال الحديد ولغّموا الأسيجة وصلّوا مستغفرين لربّهم. وعندما جاعوا هجموا سرّا على أغنام بعضهم إسوة بما تفعله الكائنات حتّى “ضاعت الوشيعة” ولم يعد يعرف أحد فيما لو كان الأهواريّون هم من تركوا البقايا المدميّة في الشوارع أم تلك الكائنات الغامضة!

3
‎في يديو كليپ على “اليوتيوب” صوّره موبايل السندباد انتشرت رويدا رويدا صورة “الكائن” جريحا. وكان عبارة عن شيء يشبه صهريج لحم نالت رأسه ضربة قاصمة. فمه مفلوع، وعيناه ذائبتان.

‎وظهرت في الفيلم أيضا حركة المصوّر، الشيخ السندباد، وهو يتقدّم من الكائن ثم توقّفه المرتبك وصرخاته المفاجئة وارتجاج حركة الكاميرا وتقلّبها بفوضى ثمّ صورة جسده مهشّم الرأس وصورة الكائن الجريح راكضا يختفي في العدم.
‎وكان التعليق المصحوب بالموسيقى للكليپ يعنى بالتوصيف التالي: تحت ضوء القمر ظهر “شيء” مشيته عرجاء. أطرافه الأماميّة أقصر من أطرافه الخلفيّة. له أربعة أصابع فقط. محدودب الظهر.

‎ ذو ذنب بخصال شعر خشن داكن. طوله خمسة أمتار وأذناه المدبّبتان مكسوّتان بشعر خفيف. له ثلاثة قرون وفكّين فولاذيين. أنيابه وأضراسه من مرمر. وفي عينه حور وبريق. خلفيّة رأسه طوق عظام حديديّ مكسوّ بجلد يشبه لحاء الشجر. . سرعته 240 كيلومتر في الساعة، وصوته يشبه الضحك الهستيري، ورائحة فمه كريهة، ومن بوزه يسيل زبد أو ينتثر على بقايا الطرائد التي تتركها الحيوانات الأخرى كالعظام والجيف والجلود وغيرها…”.

‎أما ادّعاءات الإحتلال بأنها كائنات انحرفت جيناتها في مختبرات ازالة الالغام فهي كذبة يراد بها استصغارنا. كيف يعقل أنّ فئرانا مختصّة بنزع الألغام تضخّمت وصارت ماردا ضروسا؟ هل حقنوها بهورمونات ديناصورية فأصبحت بمثل هذه الهيئة “الوحشية المطلقة” التي عرفت عن البشر ولم تعهد في الحيوان؟!! هل تفاعل كبريت الألغام مع لعاب الفئران فخرجت ذريّة فئرانيّة من العماليق؟ هل تعرضّت لاشعاعات معيّنة؟ هل.. وهل.. وهل؟

‎وهاجت في رؤوس الأهواريّين مرة أخرى حمّى القصص، فخرجوا من بيوتهم. حطّموا الجدران والتقوا مجدّدا في المضايف تحت ضوء الحكي. وقد ضحكوا كثيرا من فكرة الجرذ العملاق.