‎الخفافيش التي تظهر وتختفي بقلم ‎علي بختاوي – البرازيل

‎الجو مستوفز . الأمر صعب . و هواء هذا البلد حار . شيء ما يدب كالنمل في أعماقه . يحاول أن يكشطه . يبعده . يحمي ماتبقى من ذلك الخدر الذي بدأ يستعذبه . إن مال لينام على جانبه الأيمن تعذر عليه سماع مايجري في الخلاء . وإن تمدد على شماله توجعه الثآليل التي حيّرت أكثر من طبيب . جاهد على مرات متلاحقة كي يغفو ولو ساعة . ساعتان . ثلاثة . لكن هيهات . ربما يحدث ذلك في الغد . أما الآن . فقطعا لا . سوّى من عمامته . بعدما اقتعد مرتكزا على يديه . مع أن الجو بدأ يميل الى البرودة نأى بالبطانية من صدره الى ركبتيه . هذه الليلة لا تشبه الليالي التي كرت . قاتلة . متعبة . قاتمة وغامضة بزمنها البطيء . نادى على خيرة . تباطأت في المجيء . هل كانت تضع العشاء للإبن معمر . ؟ . ربما . لكن وضعها هذه الأيام لا يعجبه . بعض النساء حين يطبعن علامة استفهام على القلب يشعر الواحد معهن أنه غريب . مشوش . مكهرب . ألا من صاحب .؟ من حكمة ترشده .؟ من لسان عذب الحديث .؟ من شيء يرفعه بعيدا عن هذه الأفكار والتباريح .؟. لقد مر الكثير من عمره . الحياة غفلة . غفوة في قطار الزمن .

كل عجلات قطاره لاحقها الصدأ . ماذا ينتظر أكثر مما فات . يهمس في مسمعها قبيل أن يضع علبة الشمة تحت وسادته وينزع الصدرية ليتمدد وينام . ( الله يستر . الوقت شيان ياخيرة ) . تترك كلماته تدلف الى مسمعها دون محاولة منها لإدراك السبب الذي دفعه كي يأتي بمثل هذا الكلام . عادتها معه . لا تريد أن تقلب رأسه بالتفاصيل . بينهما الملح . العشرة . الثقة . الليالي التي تسهر فيها هي أو هو حتى الصباح حين تمتد يد البلية فتمتحن واحدا منهما . تزوجها وهي في سن الرابعة عشر . ذاقا معا الحلو والمر . إذا غاب في مهمة خارج الضيعة . يرجع اليها الأمر كله . حتى أن يوما قصدها الماحي سائق المير كي يأخذ العجل من إصطبلها ليلقح البقرات الثلاث فما ردته . بل قالت له يوم يكرمك الله بعجل حاول أن تخبرنا كي نضع له الحنة في ناصيته . يقصدها كل الجيران . تقضي لهم مايسألون . من قطع السرّة الى غزل الصوف الى فتل الكسكس في الأعياد والمناسبات . مرة واحدة كانت خشنة . ركبت رأسها . نظرت الى الدنيا بالمقلوب . ولو لم يكن زوجها حاضرا في ذلك اليوم وهو يغسل حصانه الأسود الفاقع اللون لكانت الضيعة مشتعلة من أول بيت طيني الى آخره . فبينما كانت سرحت غنمها كي ترعى بالقرب من بيتها فإذا بأحد الجيران أطلق جنون السرعة لجرّاره فاصطدم بشاة قَرُب وضع حملها . فقدت رزانتها . لاحقته بعمودها الذي كانت تهش به على غنمها . صاحب الجرار لم يهرب . يستسمحها كان .

صرح بعينين اقرب الى البكاء أنه على عجل . فإمرأته على الفراش مريضة منذ يومين ولابد أن يرى الأمر بنفسه بدل ولده الذي أخبره بكلام متداخل . لم تعطف . لم تلن . خشنة وعنيدة كحجر الصّوان الذي وضعت عددا منه بجانب الباب لتسن عليه الخنجر او تجلس عليه في المساءات العذبة الجميلة . حين فشل في إقناعها كان زوجها وراء ظهرها . لطم خدها بصفعة حتى دارت الى الجهة الأخرى . ( عندما أكون هنا فالأمر يعود من أساسه إلي ) . ليلتها بكت . شكت زوجها في نفسها الى الولي الصالح سي حمد . لم تنم حذاءه . نأت قدر مترين ونامت . في الحقيقة لم تنم . انتظرت تحلم لو أنه يباغتها بتمسيدة أو همسة أو أي شيء يصب من لدنه . أليس زوجها.؟. ألم يسبح كل منهما في الحلو والمر .؟. وضعت راحتها تحت رأسها وغطت جميع أعضاء جسدها إلا مفرق شعرها الذي تركته سافرا تلك الليلة . يجننه شعرها الأسود الفاحم خاصة اذا كان مرميا على الكتفين كجناحي غراب . ” لن أدنو . سأتركها تحاور نفسها . المرأة حين لا تبالي بها ترجع هي تبالي بك أكثر مما سبق . اذا سبقت ظلك سيبقى على الدرب خلف ظهرك وخيرة مثل ظلي على الأقل في هذه اللحظات . ” . يمينا . شمالا . تحركت . طرطقت عظام رجليها حتى تنبهه على أنها مستيقظة . متوددة . متسامحة و لو بدلال خفي . لم يستجب . لقد خرج قبل قليل ودلق قطرات باردة من الماء على عضوه . كان يزبد . يرتفع وينخفض . لم يجد وسيلة لتهدئته سوى الماء . عندما لم تفلح جميع طرقها وحيلها نامت . هو كذلك رمى بقبضة من أصبعيه مقدارا معتبرامن الشمة تحت لسانه وترك الوسن يراود جفنيه . تلك لحيظات ولت . مرّت . أتلفها النسيان الى جهة ما. لكنها الآن تأخرت . ماباله ينظر الى جانبيه . الشمة تحت وسادته . المصباح ببطاريته الذي اعتاد ان يموضعه بجانبه في مكانه . عصا الزبوج مسافة شبرين من يده . خنجره الذي اورثه عن جده بومدين في غمده .داخل الصدرية التي نزعها وثناها ووضعها على كرسي الخشب . اذن هناك شيء ما يريده . ربما نسيه . على غير عادته هذه الأيام .

‎- خيرة . ياخيرة . وينك ..؟
‎- ماذا هناك ..؟
‎- تأخرت
‎- الصحون اخرتني . طبيعتي لا تسمح ان أتركها حتى الصباح
‎- هل أغلقت الباب الخارجي للحوش ..؟
‎- أغلقته
‎- ومعمر .؟
‎- لم يأت بعد
‎- وددت النهوض لكني تقاعست .

‎قبل أن يكمل الكلمتين الأخيرتين كانت غادرت . مز شفتيه . همهم بكلمات غامضة . تمدد . واضعا يديه تحت رأسه .. الكلاب في سلاسلها خارج البيت يزداد نباحها حينا بعد حين . الظلام إزدادت قتامته . الصقيع بدأ يشنق رؤوس الزهر والأعشاب الحديثة النمو . الأشجار كذلك تجاوبت مع الريح فأعطت صوتا حزينا . خيرة في المطبخ . تلقي نظرة أخيرة على الأواني . “لم أنس ماعونا . غسلت كل شيء . آه . استغفر الله . ” . شعرت بتعب يهدها . أوصالها إرتخت . لماذا لا يتزوج معمر . على الأقل كنتها تريحها من حكاية المطبخ هذه . ” سألقي هذا الكلام في أذن سليمان . أكيد لا يمانع . سيفرح . لكن هل يرضى معمر بالزواج . . ؟.

‎” طق . طق . طق ..طق ..؟ “.. يالطيف ماذا هناك ” . ألقت كلماتها في الهواء و ارتعدت . شعرت بخوف وضعف وأشياء مجهولة ركبت كيانها . ودّت قبل قليل إغلاق باب المطبخ فتراجعت . مدّت رأسها الى الأمام . رمت نظرها في الغسق فرجع محسورا وهو كظيم . اصغت . لعل وعسى . ” سأذهب الى سليمان . أتحرى الأمر من هناك . هل يكون قد خرج .؟ ” . دنت خطوتين ثم تراجعت حين إشتدت الضربات على الباب الخشبي للحوش . ” معمر لم يتعود طرق الباب بهذا الشكل . اذن . من على الباب .؟

‎تسمرت قليلا في عرصة المطبخ . بعد قليل اذا سمح الله ولم يحدث شيء ستشرح ماجرى لسليمان . . ضربة قوية وينقسم الباب الخشبي . ارتجت . تعثر رجلها بكيس بلاستيكي فسقطت ” ياسي حمد وين راك . يالصلاّح وينكم ..؟. بعباءة متهدلة على قوامها ارتمت وراء زوجها . طبعا سليمان كان كذلك يصطفق . يرتجف . وربما تساءل و نادى سي حمد مرات متتالية . لكنه كان يقف على ركبتيه . اللعنة على الثآليل . ” لولا المرض كنت قفزت ناهضا ” .

‎- أنا خائفة ياسليمان
‎- هذه ليلتهم . أعرف ذلك . اسمعي .
‎- نعم . ” قول برك “
‎- التزمي الصمت ودعيني أتصرف . هل فهمت .؟
‎- فهمت . فهمت . ياسي سليمان

‎بصعوبة . وعلى يدين مرتجفتين مرتكزتين على ركبتيه نهض في إنحناءة المريض . عيناه تبحلقان في الموضع الذي سمع منه الطَرقات والضربة القوية الأخيرة . ماإن ترك مسمعه يجذب أمرا ما من خارج الغرفة حتى وجد نفسه أمام خمسة ملثمين . رقصت ردفاه . مع أن ألم الثآليل لازمه وقتا طويلا لم يشعر بشيء .

‎- أنت سليمان .؟
‎- أنا سليمان .
‎- هذه زوجتك.؟
‎- هذه زوجتي .
‎- أين معمر .؟
‎- لا أدري . خرج منذ مدة ولم يعد
‎- كذاب
‎- وأنتِ . لا تدرين أين معمر .؟
‎- لا . لا أدري .

‎في مشية امبراطورية . ماعدا دليلهم الذي يقفز هنا وهناك . يشمشم عن شيء ما . قلب خزانة الملابس . بعثر محتواها . توقفت عيناه عند حافظة نقود جلدية تآكلت حواشيها . سأل :

‎- ألا يوجد لديكم بعض المال.؟

‎قفزت نظرة من خيرة الى عيني سليمان . غمزها هذا الأخير بطرف عينه اليسرى . جاءت اللكمة الأولى على قفاه . سقط متعثرا في عباءة النوم . لعنه في خلده . فكر أن يهجم عليه فوقف ظل معمر في الوسط .” لو حدث وضربته سأفتقد معمر ” . جاش في عمق خيرة الإقدام
‎ عليه بغرز أظافرها في وجهه .تصالب رأيها برأي سليمان في الغيب . مع ذلك سرقت نظرة الى العصا التي حذاء رجلها . تراجعت الى الوراء قليلا . لامست العصا بكعبها . خشنة وباردة كانت .
‎- هل تصلي..؟ ” سأله وهو يميط اللثام عن لحية كثة نتنة “

‎- نعم أصلي
‎- هل إنتخبت على الجبهة .؟
‎- اي جبهة ؟

‎دار وجهه جهة زوجته إثر صفعة حارة قوية تلقاها بغتة .

‎- ماتضربوش . أحشم على أصلك شوية

‎الأربعة الآخرون كانوا في قمصانهم الافغانية . أنفاسهم تغدو وتروح تحت رائحة العطر النفاذ . بإشارة من عينه . إرتموا عليها . اخذوها في زاوية من نفس الغرفة . تراجع دليلهم الى الوراء . أكمل :

‎- هناك جبهة واحدة . . واحدة لا غير . هل فهمت . أم أنك انتخبت على الأخرى ..؟
‎- لا . لا . لم أنتخب على الأخرى
‎- إذن ..؟

‎صمت . ود لو أنه شاب . بل حلم لو يرجع به العمر قليلا الى الوراء كي بضع هذا الخنزير تحته ويعلمه معنى الحياة والموت على السواء . دفعه بخنجر رشاشه الى الوراء فتشققت عباءته فوق القلب بقليل .

‎- لا تفكر في الهروب نحن حاصرنا المنطقة من مخرجها الى مدخلها . فكر معي . أين تظن نجد معمر.؟ .
‎- والله ياإبني لا أدري .؟ “
‎- دعنا من معمر .. نعرف أنك نائم على كيس أو كيسين من المال . بإختصا ر سوف نشرب من هذه القارورة ريثما ترجع لنا بماسمعت

‎حدجته خيرة بعين دامعة . هزت كتفيها علامة الرفض . أشار إليها بإلحاح أن تأتي ما في الصندوق . مشت متثاقلة . ودت لو يدفعها ذلك الدليل . لو يصفعها . لو يشتمها . أية كلمة تأتي منه ينفجر قلبها عن لبؤة . ” سأمضي بجانبه وألكزه قليلا . لابد ان يأخذ حقه ولو بعضة . بصفعة . بشتيمة . لماذا هدأ .؟ مالذي أخره الى الوراء .؟. الجبناء دائما هكذا . حين يتأكدون بثقة عمياء في حصولهم على المال يتمسكنون . ماذا لو رفضت . إيه . ماذا لو رفضت وأقفلت باب الحجرة على نفسي . ؟ . ياربي . موسم البذر على الأبواب . حق المازوت والأسمدة والبذور وو .. إذا أخذوا هذا ماذا سنأكل . التراب ..؟. أف . سوف أق…”

‎- ” . خيرة ..؟”

‎إستلها من عالمها . كان سليمان يريد أنهاء الزيارة في ظرف وجيز . بعينين جاحظتيين كعيني اللبؤة وبيدين تحاولان إيقاد شعلة ما وضعت الكيس بين يدي الدليل .

‎- جميل .. لكن نريد أن توصلنا الى رأس الطريق . عربة جرارك تليق بنا نحن الخمسة . هيا أسرع . لماذا تنظر إليّ هكذا . ؟
‎- لكن الجرار لا يشتغل بالمفتاح . نحن ندفعه بأيدينا حتى يتحرك
‎- ندفعه بأيدينا

‎” النذل . أظنه طمع في الجرار كذلك . ؟. لا . إلا الجرار . خبزة العائلة هو . عائلتي لن تستب . لن تستقر إذا حرموني منه . أموت ولا يأخذوه . يالقساوة الأيام . من كان يظن أن يسرق الواحد في ملكه و أمام عينيه وهو حي يرزق . من كان يظن ذلك . ثم من وراء هذه الفتنة كلها . هذا الخراب كله . من .من .؟؟ “

‎صفق الباب وراءه بعدما تأكد من خروجهم جميعا وأتجهوا جميعا يدفعون الجرار كي يتحرك ووقفت خيرة تشيّعهم من خلال ضلفة الباب بعدما فتحته دون أن تحدث صريرا ودموعها قد أخذت منحنايات شتى على خديها . وقلبها يردد مع شفتيها ” ليته يعود سالما . سليمان ولا الجرار..”