مقدمة الحكواتي: مقامات الهمذاني

مقامات بديع الزمان الهمذاني
لأبي الفضل أحمد بن الحسين الملقب باسم بديع الزمان الهمذاني
المولود في همذان والمتوفي في مدينة هراة عام  398 هـ
اسمه احمد بن الحسين. وكنيته أبو الفضل، ولقبه بديع الزمان.. وقد ولد في همذان ،واستقر في خراسان ، ومات في مدينة هراة.

أما لقب بديع الزمان فلا ندري إن كان من صنعه أم من صنع الثعالبي صاحب يتيمة الدهر الذي قال:‏ هو بديع الزمان ، ومعجزة همذانا‏ 

معلمه الأول أبو الحسن احمد بن فارس وقد غادر بلده في الثانية عشرة من عمره .‏ ولما بلغ الري اتصل بالصاحب ابن عباد ولزم دار كتبه فتأثر بتلك المدرسة وبأساليبها .. ولأنه صاحب ذاكرة قوية وحافظة نادرة فقد استفاد كثيرا مما قرأ.. وقد بالغ معاصروه في وصف مقدرته على الحفظ مبالغة كبيرة لايمكن أن يقبلها العقل.‏ 

بعد ذلك غادر حضرة الصاحب، وقصد جرجان وهناك خالط علماءها من الإسماعيلية فعاش بينهم، واقتبس الكثير من علومهم، وفلسفتهم الباطنية ومن عندهم انصرف إلى نيسابور فكانت له معركة أدبية فاصلة مع أبي بكر الخوارزمي.. وفي نيسابور أيضا كتب مقاماته المشهورة.‏ وبعد أن تغلب بديع الزمان على أبي بكر الخوارزمي طابت له الأسفار خصوصا بعد أن مات الأخير فراح ينتقل من مكان إلى آخر، فجاب خراسان ، وباكستان وغزنة, وكرمان متكسبا بأدبه من شعر ونثر


لم يكن عصر بديع الزمان الهمذاني صاحب المقامات المعروفة‘ والمجد الأدبي الكبير عصرا فقيرا من الناحية الأدبية والعلمية ، بل كان كما سمي زبدة الحقب إذ ظهر فيه فطاحل الأدب والعلم والشعر أمثال المتنبي‏ والخوارزمي والتوحيدي، وابن دريد، والشريف الرضي ر والثعالبي ،والمعري ، وابن سينا , والقالي , والجرجاني, والطبري , وابن النديم… الخ..‏ 

والمقامة حكاية قصيرة يتنوع موضوعها، وتقوم على التفنن في الإنشاء، وإيراد الحكم والأمثال وتصوير شخصية بطلها، في أسلوب بارع متأنق، وروح خفيفة، وصنعته البديعية لا يمجُّها الذوق الأدبي، لما فيها من الطبع وحسن التأليف، وجمال الفن: كالمقامة البغدادية والمضيرية والقريضية.
.‏ 
اتصل بالصاحب ابن عباد ولزم دار كتبه فتأثر بتلك المدرسة وبأساليبها .. ولأنه صاحب ذاكرة قوية وحافظة نادرة فقد استفاد كثيرا مما قرأ.. وقد بالغ معاصروه في وصف مقدرته على الحفظ مبالغة كبيرة لايمكن أن يقبلها العقل.‏ 

وقد فاز بهدايا وأعطيات الملوك والوزراء والأمراء .. وكانت هراة مركز سعده وغناه المادي فألقى فيها عصا ترحاله بعد أن صاهر أحد أشرافها،‏ واقتنى الضياع ومن فيها حتى أنه كتب إلى والده كي يأتي إليه ويعيش معه في هراة إلا أن الأب رفض الفكرة.

‏ وحكي أن بديع الزمان مات مسموما، وقيل إنه مات بداء السكتة ودفن حيا، وموته بالسم أقرب إلى الصحة لأن الكثير من جوانب شخصيته وأخلاقه قد تقوده إلى هذا المصير.‏ وقد ذكر في أكثر من مرة أنه قضى في هراة أطيب أيام حياته ، وهراه كما يبدو من وصف ياقوت الحموي لها في معجم البلدان مدينة جميلة ورائعة.‏ أما خلقه وشكله فقد وصفهما أبو سعيد عبد الرحمن بن دوست جامع رسائل الهمذاني قائلا : وكان أبو الفضل وضيّ الطلعة وضيّ العشرة ، فنان المشاهدة، سحار المفاتحة، غاية في الظرف ، آية في اللطف معشوق الشيمة مرزوقا فضل القيمة.

و عرف بديع الزمان الهمذاني بالبخل وهي صفة مكروهة بالإنسان إذ لم يجُد على أبيه رغم غناه وثرائه إلا بمائة دينار، واشترط عليه ان يدفعها له حينما ينتقل للعيش في هراة إلا أن الأب كما ذكرنا سابقا رفض الفكرة من أساسها لأنه لايمكن أن يعيش بعيدا عن وطنه وهذه الطريقة التي استخدمها الابن لاستقدام أبيه إلى هراة ماهي إلا طريقة تعجيزية كي يعطيه شيئا من ثروته.‏ وعندما يئس الأب من ان ينال شيئا من ابنه استكتب أمه رسالة في هذا الموضع إلا أن قلب بديع الزمان من صخر لايلين فما رد عليها بل قال فيها هذه الأبيات:‏
وعجوز كأنها قوس لام فلقوها من نبعة شرفلق‏ 
كاتبتني شوقا إليَّ وقالت : أخذ الله يا بني , بحقي‏ 
قلت لا أستطيع ترك بلاد قد وفى الله في ثراها برزقي‏ 

أما آثاره فهي محصورة في رسائله ومقاماته وديوانه،وكلها لو جمعت في كتاب لما بلغ حجم ديوان البحتري.‏ 

أما مقاماته فهي من صنع بديع الزمان نفسه دون أن يتأثر بأحد ، وهو الذي ألبسها ثوبها الموشى… أما موادها فهي مأخوذة ومستوحاة من المجتمع الذي عاشه وعايشه الهمذاني أو من القصص التي وصلت إلى مسامعه.‏ ولو عاينا شعره لوجدناه أقل شأنا بكثير من رسائله ومقاماته ، وقد غلب عليه السجع والزخرف.‏

بقي أن نقول رغم كل المآخذ التي أخذت على صاحب المقامات بديع الزمان الهمذاني والتي لها مساس مباشر بأخلاقه وطباعه والتي لا تليق بأديب كبير مثله استطاع أن يحقق المجد لنفسه وأن يعتلي مكانة أدبية كبيرة، وأن يكون مادة دسمة لجميع الدارسين وعشاق هذا النوع من النثر الفني .