التقمّص

التقمّص

اعداد: مشعل الجردي 
صوت الشباب – 2011

الانترناشيونال كوليج , بيروت

www.sawtelshabab.blogspot.com

اذا كنت تؤمن بالعدل الإلهي فلا بد لك أن تؤمن بالتّقمّص.

أو على ألاقل تقف عنده مليّاً تبحث فيه من منطلق العقل و المنطق و حتماً ستقول ربما يكون التّقمصّ صحيحاً حتّى كلمة ربماستريح القلب باحتمال وجود فرضيات وتفسيرات أخرى.

التّقمّص في اللّغة العربيّة هو مصدر تقمّص اي لبس القميص. استعار الموحّدون هذه اللّفظه لتحديد نوع من أنواع التّناسخ يؤمنون به، و يؤمن به الملايين من الناس حول العالم. و هي تعني انتقال روح الإنسان بعد الموت الى مولود بشري آخر، و عنهم إنتشرت هذه التّسميه كي لا تلتبس مع أشكال التناسخ الاخرى الّتي تؤمن بها بعض الجماعات و الديانات في العالم. فالتناسخ اربعة انواع: نسخ و مسخ و فسخ و رسخ. فالنّسخ هو انتقال روح الانسان الى جسد انسان فلا تعود القهقرى، و المسخ هو انتقالها من الانسان الى الحيوان، والفسخ هي انتقالها الى النّبات، و الرّسخ الى الجماد فترسخ فيه.

إنّ الارواح خلقت لكي تعمّر هذا العالم، فكانت متساوية و على درجة واحدة من الخير و الشر، و فيها عقل يرشدها، و لها حريّة الاختيار و فُرض عليها ان تندرج قِدماً في الاختبار والتجربة لتتخلّص من الضّديّة، فتتداول الجسوم من حياة الى حياة تمارس فيها الفضائل و تكسب فيها المعرغة و تترقّى، و الّا مالت الى الضّديّة و الجهل.

هذه هي بإيجاز نظريّة التّقمّص، العريقة في القدم، الّتي اعلنها فيثاغورسالحكيم و علّمها بعده افلاطونو لفيفٌ من كبار الفلاسفة و قالت بها عدّة مذاهب دينيّة و فلسفيّة و يؤمن بها العديد حول العالم.

هناك أسئلة عديدة يجب أن يطرحها الإنسان على نفسه قبل أن يجزم بنفي نظريّة التّقمّص ومنها :انّ النفس اذا كانت خالدة (و هذا لا يختلف عليه احد) اين كانت قبل الولادة؟ و اين تذهب بعد الموت؟ والّذين يولدون مكفوفي النّظر او مشوّهين فما ذنبهم؟ و هل يتّفق هذا مع العدالة الإلهيّة؟

و أين الحكمة في توالي النّكبات و المصائب على أشخاص معروفين بحسن السيرة في حين أنّ الخيرات و النّعم تنزل على من لا يستحقّ ذلك؟ و حاشا اللّه الّا يكون كلّي العدالة. و ما سبب التّفاوت في الاخلاق و الأفعال و الذّكاء بين أخوين من أبٍ واحد و أمٍ واحدة و قد ربّيا في بيتٍ واحدٍ و محيطٍ واحد ؟

و الغِنى للبعض والفقر للبعض الآخر أيضاً ، فكيف يستطيع رجلٍ فقير يعيش لمرّةٍ واحدة في الذّلٍّ و الحرمان أن يرى العدل بينه و بين غني يعيش في هناء و راحة بال

و عند الحساب سيقول الغني لربّه:” يا ربّي انت اعطيتني المال فأغرتني الدّنيا و ألهتني عن عبادتك، يا ليتك جعلتني فقيراً لكنت زهدت بالدّنيا و التجأت إليك“! و يقول الفقير:” يا ربّي سامحني إنّك عالمٌ بحالي، نهاري شقاء و ليلي عناء فأين لي الوقت لعبادتك؟ لو أعطيتني المال لتفرّغت لطاعتك“! و السّؤال هنا: كيف تقوم الحجّة إذاً على هذا الفقير ؟

كما نتساءل من جهة أخرى : هل الأرواح ما زالت تحوم منذ بدء الكون، سواء في الفضاء، أو فوق القبور، أو في أيِّ مكانٍ آخر؟ و هل تبقى على حالها هذه حتّى يوم البعث و النّشور؟

و هل تعود إلى الأجساد نفسها الّتي كانت فيها، و الّتي فارقتها منذ ملايين السّنين؟ و إذا كان عدد السّكان بالمليارات، فهل يمكن أن نتصوّر عدد الأرواح الّتي فارقت أبدانها منذ أن خلق الله آدم حتّى يوم القيامه، و لا نقول عصرنا الحاضر؟

و كيف يتساوى من مات في العصور الهمجيّة الأولى، في المغاور و الكهوف و في الغابات والبراري، ومن عاش في عصر النّور والعلم و نعمة الأديان السّماويّة؟ و هل يقضي العدل الإلهي أن يحاسب من عاش في عصر العلم والمعرفة، و من عاش في عصر الجهل والإنحطاط نفسَ الحساب؟

يمثِّل التّقمّص حلّاً مقنعاً للكثير من التّساؤلات، وهو أيضاً يغيث الملهوف الّذي يبحث عن أجوبة عن العدل الإلهي.

و قد أمدّ عقولاً كبيرة بتلك الأجوبة اليقينيّة، أمثال مفكّرين غربيّين كبار: ” الفرنسي فولتير، والألماني شوبنهور، و رجل الدّولة الأميركي بنجامن فرانكلنو الشّاعر الألماني غوتةو الروائي بلزاكو إمرسون، ولونغ فلو، وسلفادور داليو غيرهم من المفكّرين العظام.

أمّا في لبنان فقد جاهر بهذا المعتقد المفكِّر و الكاتب الكبير جبران خليل جبرانو أقّر به ميخائيل نعيمةو بدا واضحاً في كتابات مارون عبّودو غيره من الأدباء والمفكرين. ليست قضيّة خلود الرّوح موضوع خلاف بين العقائد الدّينيّة القديمة و الحديثة على السّواء، وقد قامت الأدلّة الّتي يقول بها كل فريق لتؤكد أنّ الرّوح لا تتلاشى بعد الموت، إلّا أن الخلاف قام حول معرفة المكان الّذي تذهب إليه بعد إنفصالها عن الجسد المادي. بدأت فكرة التّناسخ مع المصريّين الذين كانوا يعلّمونها في هياكل آمونمنذ أقدم العصور، لكن الأرجح أنّها تحدّرت من الفكر الهندي أو من بلاد فارس. جاء فيثاغورسبعدئذٍ فتولّى إصلاح المذهب الأورفي و تنقيحه و نشره، و تولّاه بعده أفلاطونفانتشر التّناسخ بانتشار الفلسفه على اختلاف مدارسها، ما بين شاجب و مؤيّد، ومتأرجح بين الإثنين

إنّ تقمّص الإنسان في جسم حيوان يتنافى و شريعة التّرقّي العامّة و يتنافى و شكل الجسد الفسيولوجي، و يتنافى مع وظائفه. و نحسب أنّ القول بتقمّص روح الشّخص الشّرير في جسم حيوان ما هو إلّا من قبيل التّخويف والترهيب، والتّشبيه والتّمثيل.

إنّ حريّة المعتقد و التّعبير أمران مُصانان لدى جميع الشّعوب الحرّة، و مقدّسان لديها. و مهما إختلفت الآراء و الإجتهادات، فإنّها تلتقي في منتصف الطّريق، على هدفٍ واحد، هو جوهر الأديان جميعها، ألا و هو اللّه سبحانه و تعالى.

كتب جبران خليل جبران: “ليست الحياة البشريّة إلّا تصفية حسابات. نموت و نترك ديوناً لنا وديوناً علينا، من خيرٍ أو شر، من صداقة أو عداوة، من محبّة أو بغض.. فنعود لنستوفي ونوفي. و سنظل نعودو نعودنستوفي و نوفي،إلى أن لا يبقى لنا رصيد إلّا الله

المراجع :

التّقمّص و أسرار الحياة و الموت محمّد خليل باشا.

الحياة بعد الموت نايف زهر الدّين.