مخارق

مخـارق
تو. 845 م

هو أبو المهنا مخارق بن يحيى. وُلِد في المدينة المنورة. تعلّم الغناء في بادئ الأمر من المُغنية المشهورة عاتكة بنت شذا، وكان رفيقا لها، ثم تعلم الغناء من إبراهيم الموصلي بعد أن اشتراه الخليفة العباسي هارون الرشيد وأعتقه.

كان من المُغنّين المشهورين البارعين، إلاّ أنّه لم يتعلم العزف على أية آلةٍ كانت. اتّصل بالخليفة الأمين فقرّبه ثم اتّصل بالخلفاء المأمون والمعتصم والواثق، وكان صديقًا للشّاعر المشهور “أبو العتاهية“.

وجاء في “الأغاني” للأصفهاني: هو مخارق بن يحيى بن ناووس الجزار مولى الرشيد بل ناووس لقب أبيه يحيى ويكنى أبا المهنأ كناه الرشيد بذلك.

وكان قبله لعاتكة بنت شهدة وهي من المغنيات المحسنات المتقدمات في الضرب ذكر ذلك مخارقٌ واعترف به. ونشأ بالمدينة وقيل: بل كان منشؤه بالكوفة.

بان طيب صوته فعلمته مولاته الغناء

وكان أبوه جزاراً مملوكاً وكان مخارق وهو صبي ينادي على ما يبيعه أبوه من اللحم فلما بان طيب صوته علمته مولاته من الغناء ثم أرادت بيعه فاشتراه إبراهيم الموصلي منها وأهداه للفضل بن يحيى فأخذه الرشيد منه ثم أعتقه.

اشتراه إبراهيم الموصلي ثم وهبه الفضل ابن يحيى ثم صار إلى الرشيد

أخبرني الحسين بن يحيى قال: قال حماد: حدثني زكريا مولاهم وأخبرني محمد بن يحيى الصولي قال: حدثني عبيد الله بن محمد بن عبد الملك قال: حدثنا حماد بن إسحاق عن زكريا مولاهم قال: قدمت مولاة مخارق به من الكوفة فنزلت المخرم وصار إبراهيم إلى جدي الأصبغ بن سنان المقين وسيرين بن طرخان النخاس فقالا له: إن ها هنا امرأةً من أهل الكوفة قد قدمت ومعها غلام يتغنى فأحب أن تنفعها فيه قال: فوجهني مع مولاته لأحمله فوجدته متمرغاً في رمل الجزيرة التي بإزاء المخرم وهو يلعب فحملته خلفي وأتيت به إبراهيم فتغنى بين يديه فقال لها: كم أمللك فيه قالت: عشرة آلاف درهم قال: قد أخذته بها وهو خيرٌ منها. فقالت: والله ما تطيب نفسي أن أمتنع من عشرين ألف درهم بكبدٍ رطبة فهل لك في خصلة تعطيني به ثلاثين ألف درهم ولا أستقيلك بعدها فقال: قد فعلت وهو خير منها فصفقت على يده وبايعته وأمر بالمال فأحضر وأمر بثلاثة آلاف درهم فزيدت عليه وقال: تكون هذه لهدية تهدينها أو كسوة تكتسينها ولا تثلمين المال.

وراح إلى الفضل بن يحيى فقال له: ما خبر غلامٍ بلغني أنك اشتريت قال: هو ما بلغك قال: فأرنيه فأحضره فلما تغنى بين يدي الفضل قال له: ما أرى فيه الذي رأيت قال: أنت تريد أن يكون في الغناء مثلي في ساعة واحدة ولم يكن مثله في الدنيا ولا يكون أبداً. فقال: بكم تبيعه فقال: اشتريته بثلاثة وثلاثين ألف درهم وهو حر لوجه الله تعالى إن بعته إلا بثلاثة وثلاثين ألف دينار فغضب الفضل وقال: إنما أردت أن تمنعنيه أو تجعله سبباً لأن تأخذ مني ثلاثةً وثلاثين ألف دينار فقال له: أنا أصنع بك خصلة أبيعك نصفه بنصف هذا المال وأكون شريكك في نصفه وأعلمه فإن أعجبك إذا علمته أتممت لي باقي المال. وإلا بعته بعد ذلك وكان الربح بيني وبينك. فقال له الفضل: إنما أردت أن تأخذ مني المال الذي قدمت ذكره فلما لم تقدر على ذلك أردت أن تأخذ نصفه.

وغضب فقال له إبراهيم: فأنا أهبه لك على أنه يساوي ثلاثةً وثلاثين آلف دينار قال: قد قبلته قال: قد وهبته لك وغدا إبراهيم على الرشيد فقال له: يا إبراهيم ما غلامٌ بلغني أنك وهبته للفضل قال: فقلت: غلام يا أمير المؤمنين لم تملك العرب ولا العجم مثله ولا يكون مثله أبداً قال: فوجه إلى الفضل فأمره بإحضاره فوجه به إليه فتغنى بين يديه فقال لي: كم يساوي قال: قلت: يساوي خراج مصر وضياعها.

فقال لي: ويلك أتدري ما تقول! مبلغ هذا المال كذا وكذا فقلت: وما مقدار هذا المال في شيء لم يملك أحدٌ مثله قط! قال: فالتفت إلى مسرور الكبير وقال: قد عرفت يميني ألا أسأل أحداً من البرامكة شيئاً بعد فنفنة فقال مسرور فأنا أمضي إلى الفضل فأستوهبه منه فإذا وهبه لي وكان عبدي فهو عبدك فقال له: شأنك. فمضى مسرور إلى الفضل فقال له: قد عرفتم ما وقعتم فيه من أمر فنفنة وإن منعتموه هذا الغلام قامت القيامة واستوهبه منه فوهبه له فبلغ ما رأيت. فكان علوية إذا غضب على مخارق يقول له – حيث يقول: أنا مولى أمير المؤمنين – متى كنت كذلك إنما أنت عبد الفضل بن يحيى أو مولى مسرور.

سبب تلقيب أبيه بناووس

أخبرني ابن أبي الأزهر قال: حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال: كان مخارق بن ناووس الجزار وإنما لقب بناووس لأنه بايع رجلاً أنه يمضي إلى ناووس الكوفة فيطبخ فيه قدراً بالليل حتى تنضج فطرح رهنه بذلك فدس الرجل الذي راهنه رجلاً فألقى في نفسه في الناووس بين الموتى فلما فرغ من الطبيخ مد الرجل يده من بين الموتى وقال له: أطعمني فغرف ملء المغرفة من المرقة فصبها في يد الرجل فأحرقها وضربها بالمغرفة وقال له:

اصبر حتى نطعم الأحياء أولاً ثم نتفرغ للموتى فلقب بناووس لذلك فنشأ ابنه مخارق وكان ينادي عليه إذا باع الجزور فخرج له صوتٌ عجيب فاشتراه أبي وأهداه للرشيد فأمره بتعليمهغنى لرشيد بعد ابن جامع ففاقه

وكان يقف بين يدي الرشيد مع الغلمان لا يجلس ويغني وهو واقف فغنى ابن جامع ذات يوم بين يدي الرشيد:  

             كأن نيراننا في جنب قلعتهم مصبغاتٌ على أرسان قصـار

             هوت هرقلة لما أن رأت عجباً حوائماً ترتمي بالنفط والنار

فطرب الرشيد واستعاده عدة مرات وهو شعر مدح به الرشيد في فتح هرقلة وأقبل يومئذ على ابن جامع دون غيره فغمز مخارقٌ إبراهيم بعينه وتقدمه إلى الخلاء فلما جاءه قال له: ما لي أراك منكسراً قال: أما ترى إقبال أمير المؤمنين على ابن جامع بسبب هذا الصوت فقال:  قد والله أخذته فقال له: ويحك إنه الرشيد وابن جامع من تعلم ولا يمكن معارضته إلا بما يزيد على غنائه وإلا فهو الموت وقال: دعني وخلاك ذم وعرفه أني أغني به فإن أحسنت فإليك ينسب وإن أسأت فإلي يعود. فقال للرشيد: يا أمير المؤمنين أراك متعجباً من هذا الصوت بغير ما يستحقه وأكثر مما يستوجبه فقال: لقد أحسن ابن جامع ما شاء قال: أو لابن جامع هو قال: نعم كذا ذكر قال له: فإن عبدك مخارقاً يغنيه فنظر إلى مخارق فقال: نعم يا أمير المؤمنين فقال: هاته فغناه وتحفظ فيه فأتى بالعجائب فطرب الرشيد حتى كاد يطير فرحاً وشرب ثم أقبل على ابن جامع فقال له: ويلك ما هذا! فابتدأ يحلف له بالطلاق وكل محرجةٍ أنه لم يسمع ذلك الصوت قط إلا منه ولا صنعه غيره وأنها حيلةٌ جرت عليه فأقبل على إبراهيم وقال: أصدقني بحياتي فصدقه عن قصة مخارق فقال له: أكذلك هو يا مخارق قال: نعم يا مولاي فقال: اجلس إذن مع أصحابك فقد تجاوزت مرتبة من يقوم وأعتقه ووصله بثلاثة آلاف دينار وأقطعه ضيعةً ومنزلاً.

كان سبب عتقه لحناً غناه أمام الرشيد

أخبرني محمد بن خلف وكيع وحدثني محمد بن خلف بن المرزبان قال وكيع: حدثني هارون بن مخارق وقال ابن المرزبان: ذكر هارون بن مخارق قال: كان أبي إذا غنى هذا الصوت:  

             يا ربع سلمى لقد هيجت لي طرباً زدت الفؤاد على علاته وصبا

             ربعٌ تبدل ممن كان يسكنه عفر الظباء وظلماناً بـه عـصـبـا

يبكي ويقول: أنا مولى هذا الصوت فقلت له: وكيف ذاك يا أبت فقال: غنيته مولاي الرشيد فبكى وشرب عليه رطلاً ثم قال: أحسنت يا مخارق فسلني حاجتك فقلت: أن تعتقني يا أمير المؤمنين أعتقك الله من النار فقال: أنت حرٌ لوجه الله فأعد الصوت فأعدته فبكى وقال: سل حاجتك فقلت: يا أمير المؤمنين تأمر لي بمنزل وفرش وخادم قال: ذلك لك أعد الصوت فأعدته فبكى وقال: سل حاجتك فقبلت الأرض بين يديه وقلت: حاجتي أن يطيل الله بقاءك ويديم عزك ويجعلني من كل سوءٍ فداءك فأنا مولى هذا الصوت بعد مولاي.

كناه الرشيد أبا المهنأ لإحسانه في الغناء

أخبرني الحسن بن علي قال: حدثنا ابن أبي الدنيا عن إسحاق بن محمد النخعي عن الحسين بن الضحاك عن مخارق: أن الرشيد قال يوماً للمغنين وهو مصطبح من منكم يغني: يا ربع سلمى لقد هيجت لي طرباً فقمت فقلت: أنا يا أمير المؤمنين فقال: هاته فغنيته فطرب وشرب ثم قال: علي بهرثمة بن أعين فقلت في نفسي: ما يريد منه فجاءوا بهرثمة فأدخل إليه وهو يجر سيفه فقال له: يا هرثمة مخارق الشاري الذي قتلناه بناحية الموصل ما كانت كنيته فقال: أبو المهنأ فقال: انصرف فانصرف ثم أقبل علي وقال: قد كنيتك أبا المهنأ لإحسانك وأمر لي بمائة ألف درهم فانصرفت بها وبالكنية.

كان عبداً لعاتكة بنت شهدة الحاذقة بالغناء

أخبرني علي بن عبد العزيز الكاتب قال: حدثني ابن خرداذبه قال: كان مخارق بن يحيى بن ناووس الجزار وكان عبداً لعاتكة بنت شهدة وكانت عاتكة أحذق الناس بالغناء وكان ابن جامع يلوذ منها بالترجيع الكثير فتقول له: أين يذهب بك هلم إلى معظم الغناء ودعني من جنونك قال: فحدثني من حضرهما أن عاتكة أفرطت يوماً في الرد على ابن جامع بحضرة الرشيد فقال لها: أي أم العباس أنا – يشهد الله – أحب أن تحتك شعرتي بشعرتك فقالت له: اسكت قطع الله لسانك ولم تعاود بعد ذلك أذيته قال: وكانت شهدة أم عاتكة نائحة. هكذا ذكر ابن خرداذبه وليس الأمر في ذلك كما ذكره.

يستوقف الناس بحسن صوته في الأذان

قال هارون: وحدثت أنه خرج مرة إلى باب الكناسة بمدينة السلام والناس يرتحلون للخروج إلى مكة فنظر اليهم واجتماعهم وازدحامهم فقال لأصحابه الذين خرجوا معه: قد جاء في الخبر أن ابن سريج كان يتغنى في أيام الحج والناس بمنى فيستوقفهم بغنائه وسأستوقف لكم هؤلاء الناس وأستلهيهم جميعاً لتعلموا أنه لم يكن ليفضلني إلا بصنعته دون صوته ثم اندفع يؤذن فاستوقف أولئك الخلق واستلهاهم حتى جعلت المحامل يغشى بعضها بعضاً وهو كالأعمى عنها لما خامر قلبه من الطرب لحسن ما يسمع.

أبو العتاهية يعجب بغنائه إعجاباً شديداً

أخبرني أحمد بن جعفر جحظة قال: حدثني ابن أخت الحاركي وأبو سعيد الرامهرمزي وأخبرني علي بن سليمان الأخفش قال: حدثنا محمد بن يزيد الأزدي عن أحمد بن عيسى الجلودي عن محمد بن سعيد الترمذي – وكان إسحاق إذا ذكر محمداً وصفه بحسن الصوت ثم قال: قد أفلتنا منه فلو كان يغني لتقدمنا جميعاً بصوته – قالوا: جاء أبو العتاهية إلى باب مخارق فطرقه واستفتح فإذا مخارق قد خرج إليه فقال له أبو العتاهية: يا حسان هذا الإقليم يا حكيم أرض بابل اصبب في أذني شيئاً يفرح به قلبي وتنعم به نفسي فقال: انزلوا فنزلنا فغنانا قال محمد بن سعيد: فكدت أسعى على وجهي طرباً. قال: وجعل أبو العتاهية يبكي ثم قال له: يا دواء المجانين لقد رققت حتى كدت أحسوك فلو كان الغناء طعاماً لكان غناؤك أدماً ولو كان شراباً لكان ماء الحياة.

أبو العتاهية يشتهي سماعه عند موته

نسخت من كتاب ابن أبي الدنيا حدثني بعض خدم السلطان قال: قال رجل لأبي العتاهية وقد حضرته الوفاة: هل في نفسك شيءٌ تشتهيه قال: أن يحضر مخارق الساعة فيغنيني:

                  سيعرض عن ذكري وتنسى مودتي ويحدث بعدي للخليل خليل

                  إذا ما انقضت عني من الدهر مدتي فإن غناء الباكيات قلـيل

غنى بين قبرين فترك الناس أعمالهم والتفوا حوله

أخبرني إسماعيل بن يونس الشيعي قال: حدثنا عمر بن شبة قال: حدثني بعض آل نوبخت قال: كان أبي وعبد الله بن أبي سهل وجماعةٌ من آل نوبخت وغيرهم وقوفاً بكتاسة الدواب في الجانب الغربي من بغداد يتحثون فإنهم لكذلك إذ أقبل مخارق على حمار أسود وعليه قميص رقيق ورداءٌ مسهم قال: فيمن كنتم فأخبروه فقال: دعوني من وسواسكم هذا أي شيء لي عليكم إن رميت بنفسي بين قبرين من هذه القبور وغطيت وجهي وغنيت صوتاً فلم يبق أحدٌ بهذه الكناسة ولا في الطريق من مشترٍ ولا بائعٍ ولا صادر ولا وارد إلا ترك عمله وقرب مني واتبع صوتي فقال له عبد الله: إني لأحب أن أرى هذا فقل ما شئت فقال: فرسك الأشقر الذي طلبته منك فمنعتنيه قال: هو لك إن فعلت ما قلت ثم دخلها ورمى بنفسه بين قبرين وتغطى بردائه ثم اندفع يغني فغنى في شعر أبي العتاهية:

               نادت بوشك رحيلك الأيام أفلست تسمع أم بك استصمام!

قال: فرأيت الناس يتقوضون إلى المقبرة أرسالاً من بين راكب وراجل وصاحب شول وصاحب جدي ومار بالطريق حتى لم يبق بالطريق أحد ثم قال لنا من تحت ردائه: هل بقي أحد قلنا: لا وقد وجب الرهن فقام فركب حماره وعاد الناس إلى صنائعهم فقال لعبد الله: أحضر الفرس فقال: على أن تقيم اليوم عندي قال: نعم فانصرفنا معهما وسلم الفرس إليه وبره وأحسن إليه وأحسن رفده.

نسبة هذا الصوت صوت

               نادت بوشك رحيلك الأيام أفلست تسمع أم بك استصمام!

               ومض أمامك من رأيت وأنت لل باقين حتى يلحقوك إمام

               ما لي أراك كأن عينك لاترى عبراً تمر كأنهن سـهـام

               تمضي الخطوب وأنت منتبهٌ لها فإذا مضت فكأنها أحلام

الشعر لأبي العتاهية والغناء لإبراهيم ثقيل أول بالوسطى وفيه لمخارق هزج بالوسطى كلاهما عن عمرو وفيه رمل يقال: إنه لعلوية ويقال: إنه لمخارق عن الهشامي.

غنى وسط دجلة فتسابق الناس لسماعه

قال ابن المكي: وحدثني رجلٌ من أهل البصرة كان يألف مخارقاً ويصحبه قال: كنت معه مرة في طيار ليلاً وهو سكران فلما توسط دجلة اندفع بأعلى صوته فغنى فما بقي أحدٌ في الطيار من ملاح ولا غلام ولا خادم إلا بكى من رقة صوته ورأيت الشمع والسرج من جانبي دجلة في صحون القصور والدور يتساعون بين يدي أهلها يستمعون غناءه.

حدثني الصولي قال: حدثني محمد بن عبد الله التميمي الحزنبل قال: كنا في مجلس ابن الأعرابي إذ أقبل رجلٌ من ولد سعيد بن سلم كان يلزم ابن الأعرابي وان يحبه ويأنس به فقال له: ما أخرك عني فاعتذر بأشياء منها أنه قال: كنت مع مخارق عند بعض بني الرشيد فوهب له مائة ألف درهم على صوت غناه إياه فاستكثر ابن الأعرابي ذلك واستهوله وعجب منه وقال له: بأي شيء غناه قال: غناه بشعر العباس بن الأحنف: صوت

               بكت عيني لأنواع من الحزن وأوجـاع

              وإني كل يوم عن دكم يحظى بي الساعي

فقال ابن الأعرابي: أما الغناء فما أدري ما هو ولكن هذا والله كلام قريب مليح.

لحن مخارق في هذين البيتين ثقيل أول من جامع صنعته وفيهما لإبراهيم الموصلي ثاني ثقيل بالوسطى عن عمرو بن بانة. وذكر حبش أن فيهما لإبراهيم بن المهدي لحناً ماخورياً.

حج سنة حجت أم جعفر بسبب جاريتها

أخبرني علي بن عبد العزيز الكاتب عن ابن خرداذبه قال: هوي مخارقٌ جارية لأم جعفر فحج في السنة التي حجت فيها أم جعفر بسبب الجارية فقال أحمد بن هشام فيه:

                   يحج الناس من بر وتقوى وحج أبي المهنا للتصابي

وهب المعتصم دار مخارق ليونازة خليفة الأفشين فقال عيسى ابن زينب شعراً في ذلك قال: وكان المعتصم قد وهب دار مخارق لما قدم بغداد ليونازة خليفة الأفشين فقال عيسى ابن زينب في ذلك:

                 يا دار غير رسمها يونازه وبقي مخارق قاعداً في فازه

أم جعفر تهب له جاريتها بهار

أخبرني إسماعيل بن يونس الشيعي قال: حدثنا عمر بن شبة وحدثني محمد بن يحيى الصولي قال: وجدت بخط عبد الله بن الحسين: حدثني الحسن بن إبراهيم بن رياح قالا: كان مخارق يهوى جارية لأم جعفر يقال لها بهار ويستر ذلك عن أم جعفر حتى بلغها ذلك فأقصته ومنعته من المرور ببابها وكان بها كلفاً. قال الصولي في خبره: فلما علم أن الخبر قد بلغ أم جعفر قطعها وتجافاها إجلالاً لأم جعفر وطمعاً في السلو عنها وضاق ذرعه بذلك فبينا هو ذات ليلة في زلالٍ وقد انصرف من دار المأمون وأم جعفر تشرب على دجلة إذ حاذى دارها فرأى الشمع يزهر فيها فلما صار بمسمعٍ منها ومرأى اندفع فغنى: صوت

              إن تمنعوني ممري قرب دارهم فسوف أنظر من بعد إلى الـدار

              سيما الهوى شهرت حتى عرفت بها أني محب وما بالحب من عار

              ما ضر جيرانكم والله يصلحهملولا شـقـائيإقـبـالـي وإدبـاري

              لا يقدرون على منعي ولو جهدوا إذا مررت وتسليمي بإضمـاري

فقالت أم جعفر: مخارقٌ والله ردوه فصاحوا بملاحه: قدم فقدم وأمره الخدم بالصعود فصعد وأمرت له أم جعفر بكرسي وصينية فيها نبيذ فشرب وخلعت عليه وأمرت الجواري فغنين ثم ضربن عليه فغنى فكان أول ما غنى: صوت

              أغيب عنك بود ما يغيره نأي المحل ولا صرفٌ مـن الـزمـن

              فإن أعش فلعل الدهر يجمعنا وإن أمت فقتيل الهـم والـحـزن

              قد حسن الله في عيني ما صنعت حتى أرى حسناً ما ليس بالحسن

الشعر للعباس بن الأحنف والغناء لمخارق رمل.

قال: فاندفعت بهار فغنت كأنها تباينه وإنما أجابته عن مغنى ما عرض لها به:

              تعتل بالشغل عنا ما تلم بنا والشغل للقلب ليس الشغل للبدن

ففطنت أم جعفر أنها خاطبته في نفسها فضحكت وقالت: ما سمعنا بأملح مما صنعتما وقال إسماعيل بن يونس في خبره: ووهبتها له.

غنى المأمون حين قدم مكة أحدث صوت صنعه وقال هارون بن الزيات

حدثني هارون بن مخارق عن أبيه: أن المأمون سأله لما قدم مكة عن أحدث صوت صنعه فغناه: صوت

             أقبلت تحصب الجمار وأقبل ت لرمي الجمار من عـرفـات

             ليتني كنت في الجمار أنا المح صوب من كف زينبٍ حصيات

الشعر للنميري والغناء لمخارق خفيف رمل بالبنصر قال: فضحك ثم قال: لعمري إن هذا لأحدث ما صنعت ولقد قنعت بيسير وما أظن بهار كانت تبخل عليك بأن تحصبك بحصاة كما تحصب الجمار. واستعاده الصوت مرات. غنى بشعر للمأمون في جارية له فابكاه أخبرني جعفر بن قدامة قال: حدثني هارون بن مخارق قال: حدثني أبي قال: كنا عند المأمون يوماً فجاءه الخادم الحرمي فأسر إليه شيئاً فوثب فدخل معه ثم أبطأ علينا ساعة وعاود وعينه تذرف فقال لنا: دخلت الساعة إلى جارية لي كنت أتحظاها فوجدتها في الموت فسلمت عليها فلم تستطع رد السلام إلا إيماءً بإصبعها فقلت هذين البيتين:

            فما اسطعت توديعاً له بسوى البكا وذلك جهد المستهام المعذب

ثم قال: إن فيها يا مخارق ففعلت فما استعادني ذلك الغناء قط إلا بكى.

حج رجل معه وغناه فوهب له حجته

أخبرني الحسين بن القاسم الكوكبي إجازةً قال: حدثني أحمد بن أبي العلاء قال: حدثني أبي قال: حج رجل مع مخارق فلما قضيا الحج وعادا قال له الرجل في بعض طريقه: بحقي عليك غنني صوتاً فغناه:

            رحلنا فشرقنا وراحوا فغربوا ففاضت لروعات الفراق عيون

فرفع الرجل يده إلى السماء وقال: اللهم إني أشهدك أني قد وهبت حجتي له.

وتوفي مخارق في أول خلافة المتوكل وقيل: بل في آخر خلافة الواثق وذكر ابن خرداذبه أن سبب وفاته أنه كان أكل قنبيطية باردةً فقتلته من فوره.