محمد عبد الوهاب

محمّد عبد الوهاب
1902 – 1991م

ولد الفنّان الكبير محمد عبد الوهاب في القاهرة، وكان والده يتعاطى مهنة تعليم الأولاد في مسجد الشّعراني، بِحيّ الشعرية في القاهرة. نشأ عبد الوهاب منشأً بسيطًا لم يعرف للحياة قدرها ولا لنفسه مقدارها، فكان يجوب الأزقّة مرتديًا جلبابه البسيط مع أبناء حيّه يسرحون ويمرحون ويغنّون وينشدون. وكانت فطرة عبد الوهاب وحبّه للغناء طبيعية وموهبته الفنية فطرية، ولذا كان يقضي أكثر أوقاته في الغناء، مقلقًا راحة الجيران بصوته الذي كان معجبًا به هو ذاته. 

تسلّق عبد الوهاب سلّم المجد عن طريق تجواله في الشوارع وارتياده المسارح العامة، إذ ساقت الأقدار لهذا الفنّان ورفاقه في الحي الذّهاب إلى تياترو “دار السّلام” بِحَيّ سيدنا الحسين لمشاهدة تمثيلية لفرقة فوزي الجزائرلي، فدخلوا الصّالة بعد أن دفع كل منهم عشرة مليمات ثمنًا للتذكرة. ولمّا انتهى الفصل الأول من الرّواية وأسدل الستار على الممثلين، قام هؤلاء الأولاد رافعين أصواتهم بالغناء ولكنّ هذا الغناء كان على سبيل التسلية والمرح، فصفّق لهم الجمهور سخريةً واستهزاء. غير أن رئيس الفرقة التمثيلية فوزي الجزائرلي لم يسخر من هؤلاء الفتيان، بل تقدّم إليهم ودعاهم للغناء على المسرح، ممّا أثار دهشة المتفرّجين والمستمعين. ولكن الطفل محمد عبد الوهاب اهتزّت جوانبه أمام هذه المفاجأة وتعذّر عليه الإنسحاب. فصعد على المسرح وراح يغني مع رفاقه فطُرَب الجمهور من فرقة الأطفال وصفّق لها طويلاً واستعاد أغانيها مرّاتٍ ومرات. فما كان من فوزي الجزائرلي إلاّ أن أكرم فرقة الأطفال بشلنٍ كاملٍ لكلّ واحدٍ منهمٍ. وتكرّرت الزيارة في أيامٍ أخرى إلى هذا المسرح، وتكرّرت الشّلنات حتى أصبحت هذه الفرقة من مستلزمات مسرح الجزائرلي ومن ضرورات العرض السّاهر وجزءًا من الأساس في كيان فرقة الجزائرلي.

وفي عام 1917، بعد وفاة الشّيخ سلامة حجازي، ألّف نجله عبد القادر حجازي فرقة تمثيليّة لتقديم الروايات الأدبية وكان عبد القادر حجازي يقوم بالدور الأوّل في التّمثيل والغناء. ولما كان صوته لا يؤدّي المطلوب فكان يحرك شفتيه ومحمد عبد الوهاب يغنّي اللّحن من وراء ستار. ثم عمل محمد عبد الوهاب في فرقة عبد الرحمن رشدي مغنيًا بين فصول الرّوايات إلى جانب المطربة فاطمة قدري.

كان المعهد الموسيقي الملكي في ذاك الحين قد افتُتِح حديثًا. فانتسب إليه عبد الوهاب ولكنّه لم يمكث فيه طويلاً بل انتقل إلى معهدٍ موسيقيٍّ خاص. فاستفاد عبد الوهاب بعض ثقافته الموسيقيّة من هذه الدراسات ثم أكمل دراساته الموسيقية على يد المرحوم الشيخ علي الدرويش الحلبي الذي تعاقدت معه حكومة القاهرة على التّدريس في المعهد الموسيقي العالي.

أمّا ألحان محمد عبد الوهاب، فكان لها أربعة أدوار ومدارس. واعتبره الرأي العام المجدّد الأوّل للغناء العربي. فالدّور الأوّل ظهرت فيه أغاني “يا جارة الوادي” و”كلّنا نحب القمر” و”بالله يا ليل تجينا” وغيرها. فكانت هذه الأغاني من نوعٍ خاصٍ يُسمّيه الأدباء بالسهل المُمتنع.

لم تقتصر مدرسة محمد عبد الوهاب على إبداع أغاني الطّرب الكلاسيكية، بل تعدّتها إلى الأغاني الوصية وهي المرحلة الثانية من مدرسته الإبداعية. فظهرت أفلامه السّينمائية، وكان لها دوي هائلٌ في ميدان الغناء العربي. واللون الوصفي الجديد هو إدراك سرّ الكلمة وتلبيسها اللّحن المناسب لها.

وفي الدّور الثالث لهذه المدرسة الموسيقية، أخذ عبد الوهاب يلحّن القصائد الطويلة بأسلوبٍ جديدٍ يختلف عن الدورين الأولين. فظهرت أغاني الجندول والكرنك، فكانت حدثاً جديدًا هائلاً في ميدان الغناء العربي.

لحّن عبد الوهاب الكثير من الأغاني الخفيفة في بدء حياته الفنية. ولكنّه عندما تعرف بالمرحوم أحمد شوقي، أمير الشعراء، فَتَحَت له الدنيا أبوابًا جديدةً كانت موصدةً أمامه من قَبل. فظهر لعبد الوهاب أحلى القصائد المُغنّاة وأطرب الأغاني وأمتع الألحان.

والخلاصة أن محمد عبد الوهاب هو رائد الموسيقى في هذا الجيل. وكانت ألحانه في أدوارها الأربعة ممتعةً مطربةً لسائر الأفراد على اختلاف أمزجتهم وطبائعهم وثقافاتهم. ويُعتَبر من أساتذة الدّور الرابع للمدرسة الموسيقية الحديثة بحقٍّ وجدارةٍ.

وعلى الرّغم من أن الدور الرابع كان قد هبط عن مستوى الألحان المألوفة في هذه الحقبة، فإن محمد عبد الوهاب ارتفع به إلى مستوى غير مسبوق. فها هي قصيدة “يا جارة الوادي” للشاعر شوقي، والتي لحّنها وغنّاها عبد الوهاب، تشهدُ له بِطُول الباع.