عطرد

عطرد

توفي 175هـ

مولى الأنصار، من أهل المدينة . كان فقيها قارئا للقرآن، ومغنيا يجيد الغناء ويرتجله. استقدمه الوليد بن يزيد بن عبد الملك من المدينة فغناه وطرب، ويقول صاحب الأغاني إن الوليد لما اشتد طربه ألقى بنفسه في بركة خمر ونهل منها حتى تبين نقصانها وأخرج كالميت سكرا، وألقي وغطي فنام، ثم دعاه في اليوم التالي، ونهاه أن يتكلم بشيء مما رأى، إذا عاد إلى المدينة وأعطاه ألف دينار. أدرك دولة بني العباس وغنى للمهدى، فأجزل له العطاء، وبقي إلى أيام الرشيد.

وورد في “الأغاني” لأبي الفرج الأصفهاني: عطرد مولى الأنصار، ثم مولى بن عمرو بن عوف، وقيل: إنه مولى مزينة، مدنب، يكنى أبا هارون، وكان ينزل قباء. وزعم إسحاق أنه كان جميل الوجه، حين الغناء، طيب الصوت، جيد، حسن الرأي والمروءة، ففيها قارئاً للقرآن، وكان يغني مرتجلاً، وأدرك دولة بني امية، وبقي إلى أيام الرشيد، وذكر ابن خرداذبة فيما حدثني به علي بن عبد العزيز عنه: أنه كان معدل الشهادة بالمدينة؛ أخبره بذلك يحيى بن علي المنجم عن أي أيوب المديني عن إسحاق.

جاءه عباد بن سلمة وطلب منه أن يغنيه

وأخبرنا محمد بن خلف وكيع عن حماد بن إسحاق عن أبيه: أن سلمة بن عباد ولي القضاء بالبصرة، فقصد ابنه عباد بن سلمة عطرداً وهو بها مقي قد قصد آل سليمان بن علي وأقام معهم؛ فأتى بابه ليلاً فدق عليه ومعه جماعة من أصحابه أصحاب القلانس، فخرج عطرد إليه، فلما رآه ومن معه فزع، فقال: لاترع.

إني قصدت إليك من أهلي           في حاجة يأتي لها مثلي

فقال: وماهي أصلحك الله؟ قال:

لاطالباً شـيئاً إلـيك سـوى           (حي الحمولا بجانب العزل)

فقال: انزلوا على بركة الله فلم يزل يغنيهم هذا وغيره حتى أصبحوا.

نسبة هذا الصوت

 صوت

حي الحمولا بجانب العزل       إذ لايوافق شكلها شكلي

الله أنجح ماطلـبـت بـه          والبر خير حقيبة الرحل

إني بحبلك واصل حبلـي        وبريشي نبلك رائش نبلي

وشمائلي ماقد علمت وما       نبحت كلابك طالقاً مثلي

الشعر لأمرو القيس بن عابس الكندي، هكذا روى أبو عمر الشيباني، وقال: إنا من يرويه لأمرىء القيس بن حجر يغلط. والغناء لعطرد ثقيل أول بالبنصر عن عمرو بن بانة وفيه لعمرو بن بانة ثقيل بالوسطى من روايته أيضاً، وفيه لابن عائشةخفيف رمل بالبنصر، وفيه عنه وعن دنانير لمالك خفيف ثقيل أول بالوسطى، وفيه عنه لإبراهيم ثاني ثقيل بالبنصر.

غناء إبراهيم بن خالد المعيطي عند المهدي: وأخبرني يحيى بن علي قال: حدثنا أبو أيوب المديني وأخبرني به الحسن بن علي قال: كتب إلي أبو أيوب المديني، وخبره أتم، قال: حدثني علي بن محمد النوفلي عن أبيه عن إبراهيم بن خالد المعيطي قال: دخلت علىالمهدي، وقد كان وصف له غنائي، فسألني عن الغناء وعن علمي به، فجاذبته من ذلك طرفاً؛ فقال لي: أتغني النواقيس؟ قلت: نعم، وأغني الصلبان ياأميرالمؤمنين، فتيسم. والنواقيس لحن معبد، كان معبد وأهل الحجاز يسمونه النواقيس، وهو:

سلا دار ليلى هل تبين فتنطق        وإني ترد القول بيداء سملق

قال: ثم قال للمهدي وهو يضحك: غنه، فغنيته فأمر لي بمال جزيل وخلع علي وصرفني، ثم بلغني أنه قال: هذا معيطي وأنا لاأنس به، ولا حاجة لي إلا أن أدنيه من خلوتي وأنا لاآنس به. هكذا ذكر في هذا الخبر أن اللحن بمعبد، وماذكره أحد من رواة الغناء له، ولا وجد في ديوان من دواوينهم منسوباً إليه على انفراد به ولا شركه فيه، ولعله غلط.

تنادر إبراهيم ابن خالد المعيطي علي بن جامع: وقد أخبرني هذا الخبر الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال: كان إبراهيم المعيطي يغني، فدخل يوماً الحمام وابن جامع فيه: وكان له شيء يجاوز ركبتيه، فقال له ابن جامع: ياإبراهيم أتبيع هذا البغل؟ قال لا بل أحملك عليه يا أبا القاسم؛ فلما خرج أبي جامع من الحمام رأى ثياب المعيطي رثة فأمر لها بخلعه من ثيابه، فقال له المعيطي: لو قبلت حملاني قبلت خلعتك، فضحك ابن جامع وقال له: مالك أخزاك الله! ويلك! أما تدع ولعك وبطالتك وشرك! ودخل إلى الرشيدي فحدثه حديثه؛ فضحك وأمر بإحضاره؛ فأحضره، فقال له: أتغني النواقيس قال: نعم، وأغني الصلبان أيضاً. ثم ذكر باقي الخبر مثل الذي تقدمه، كان عطرد منقطعا إلى آل سليمان بن علي أخبرني يحيى بن علي قال حدثني أبو أيوب المديني عن إسحاق قال: كان عطرد منقطعاً في دولة بني هاشم إلى آل سليمان بن علي لم يخدم غيرهم وتوفي في خلافة المهدي.

قال: وكان يوماً يغني بين يدي سليمان بن علي فغناه: صوت

أله فكم من ماجد قد لهى          ومن كريم عرضه وافر

الغناء لعطرد ثاني ثقيل عن الهشامي – فقيل له: صرخت هذا من لحن الغريض:

ياربع سلامة بالمنحنـي          فخيف سلع جادك الوابل

فقال: لم أسرقه ولكن العقول تتوافق، وحلف أنه لم يسمعه قط.

نسبة هذا الصوت صوت      

ياربع سلامة بالمـنـحـنـي           فخيف سلع جـادك الـوابـل  

غن تمسي وحشاً طالما قد ترى    وأنت معمـور بـهـم أهـل     

أيام سـلامة رعــبـــوبة            خوض لعوب حبهـا قـاتـل

محطوطة المتن هضيم الحشـا      لايطبيها الـورع الـواغـل

الغناء للغريض ثاني ثقيل بالوسطى عن عمرو بن يحيى المكي. قال: ومن الناس من ينسبه إلى ابن سريج.

حبسه ذبراء والي المدينة مع المغنين ثم أطلقه وأطلقهم:

أخبرني أحمد بن علي بن يحيى قال سمعت جدي علي بن يحيى قال حدثني أحمد بن إبراهيم الكاتب قال حدثني خالد بن كلثوم قال: كنت مع زبراء بالمدينة وهو وال عليها؛ وهو من بني هاشم أحمد بني ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، فأمر بأصحاب الملاهي فحبسوا وحبس عطرد فيهم، فجلس ليعرضهم، وحضر رجال من أهل المدينة شفعوا لعطرد وأخبروه أنهم من أهل الهيئة والمروءة والنعمة والدين، فدعا به فخلا سبيله، وأمره برفع حوائجه إليه، فدعا له، وخرج فإذا هو بالمغنين أحضروا ليعرضوا، فعاد إليه عطرد، فقال: أصلح الله الأمير، أعلى الغناء حبست هؤلاء؟ قال: نعم؛ قال: فلا تظلمهم، فوالله ماأحسنوا منه شيئاً قط! فضحك وخلا سبيلهم.

استقدمه الوليد بن يزيد من المدينة فغناه فطرب وألقى نفسه في بركة الخمر:

أخبرني محمد بن مزيد وجحظة قلا حدثنا حماد بن إسحاق قال قرأت على أبي عن محمد بن عبد الحميد بن إسماعيل بن عبد الحميد بن يحيى عن عمه أيوب بن إسماعيل قال: لما استخلف الوليد بن يزيد كتب إلى عامله بالمدينة يأمره بالشخوص إليع بعطرد المغني؛ قال عطرد: فأقرأني العامل الكتاب وزودني نفقة وأشخصني إليه، فأدخلت عليه وهو جالس في قصره على شفير بركة مرصصة مملوءة خمراً ليست بالكبيرة ولمكنها يدور الرجل فيها سباحة”، فو الله ماتركني أسلم عليه حتى قال: أعطرد؟ قلت: نعم ياأمي رالمؤمنين؛ قال: لقد كنت إليك مشتاقاً يا أبا هارون. غنني:

حي الحمول بجانب العزل        إذ لايلائم شكلها شكلـي

إني بحبلك واصل حبلـي         وبريش نبلك رائش نبلي

وشمائلي ماقد علمت وما         نبحت كلابك طارقاً مثلي

قال: فغنيته إياه، فوالله ماأتممته حتى شق حلة وشى كانت عليه لاأدري كم قيمته، فتجرد منها كما ولدته أمه وألقاها نصفين، ورمى بنفسه في البركة فنهل منها حتى تبينت علم الله- فيها أنها قد نقصت نقصاناً بيناً، وأخرج منها وهو كالميت سكراً، فاضجع وغطي، فأخذت الحلة وقمت، فوالله ماقال لي أحد: دعها ولاخذها، فانصرفت إلى منزلي متعجباً مما رأيت من ظرفه وفعله وطربه؛ فلما كان من غد جاءني رسوله في مثل الوقت فأحضرني، فلما دخلت عليه قال لي: ياعطرد، قلت: لبيك ياأمير المؤمنين؛ قال غنني:

أيذهب عمري هكذا لم أنل بـهـا       مجالس تشفي قرح قلبي من الوجد

وقالوا تداو إن في الـطـب راحة       فعللت نفسي بالدواء فـلـم يجـد

فغنيته إياه، فشق حلة وشى كانت تلتمع عليه بالذهب التماعاً احتقرت والله الأولى عندها، ثم ألقى نفسه في البركة فنهل فيها حتى تبينت -علم الله- نقصانها، وأخرج” منهاً كالميت سكراً، وألقي وغطى فنام، وأخذت الحلة فوالله ماقال لي أحد: دعها ولاخذها، وانصرفت؛ فلما كان اليوم الثالث جاءني رسوله فدخلت إليه وهو في بهو قد ألقيت ستوره، فكلمني من وراء الستور وقال: يا عطرد، قلت: لبيك يا أمير المؤمنين؛ قال: كأني بك الآن قد أتيت المدينة فقمت بي في مجلسها ومحفلها وقعدت وقلت: دعاني أمير المؤمنين فدخلت إليه فاقرتح علي فغنيته وأطربته فشق ثيابه وأخذت سلبه وفعل وفعل، واللخ يابن الزانية، لئن تحركت شفتاك بشيء مما جرى فبلغني لأضربن عنقك، ياغلام أعطه ألف دينار، خذها وانصرف إلى المدينة؛ فقلت: إن رأى أمير المؤمنين إن يأذن لي في تقبيل يده، ويزودني نظرة كمه وأغنيه صوتاً؟ فقال: لا حاجة بي ولا بك إلى ذلك، فانصرف. قال عطرد: فخرجت من عنده وما علم الله أني ذكرت شيئاً مما جرى حتى مضت من دولة بني هاشم مدة.