عزة الميلاء

عزّة الميلاء
تو.706م

وُلِدَت عزّة الميلاء في المدينة المنوّرة من أبوين مختلفي الجنسية، وتعلّمت الغناء على مغنيّةٍ عجوز تُسمّى رائعة، فحذقت فيه. وتعلّمت بعض الألحان الفارسية، حتّى أصبحت من أمهر المُغنّين والمغنيات في عصر الخلفاء الراشدين.

كان بيتها يُعتبر ناديًا تُقام فيه الحفلات الغنائية، يحضرها الخاص والعام من شعراءٍ ومُغنّين أشراف. ولقد اشتهرت بالأخلاق الفاضلة والجمال والإسلام الكامل؛ فكانت إذا جلست في مجلسٍ، كأنّ الطير على رؤوس جلسائها.

في ذات يومٍ غضب والي المدينة آنذاك، وهو سعيد ابن العاص، منها وخشي الفتنة على شباب المدينة. وقد بدأ بعض المسلمين في تحريم الغناء، فطلب إليها أن تترك الغناء، فكادت أن تتركه لولا تدخّل عبد الله ابن جعفر الذي يُعتَبَر في عصره من أكبر رعاة هذا الفن.

توفّيت سنة 87 هـ.

من تلاميذها ابن سريج وابن محرز.

وجاء في كتاب “الأغاني” لأبي الفرج الأصفهاني: كانت عزة مولاة للأنصار، ومسكنها المدينة، وهي أقدم من غنى الغناء الموقع من النساء بالحجاز، وماتت قبل جميلة، وكانت من أجمل النساء وجهاً، وأحسنهن جسماً، وسميت الميلاء؛ لتمايلها في مشيها.

سبب تسميتها الميلاء

وقيل: بل كانت تلبس الملاء، وتشبه بالرجال، فسميت بذلك. وقيل: بل كانت مغرمة بالشراب، وكانت تقول: خذ ملئاً واردد فارغاً – ذكر ذلك حماد بن إسحاق، عن أبيه.

والصحيح أنها سميت الميلاء لميلها في مشيتها.

مكانتها في الموسيقى والغناء

قال إسحاق: ذكر لي ابن جامع، عن يونس الكاتب، عن معبد، قال: كانت عزة الميلاء ممن أحسن ضرباً بعود، وكانت مطبوعة على الغناء، لا يعيبها أداؤه ولا صنعته ولا تأليفه، وكانت تغني أغاني القيان من القدائم، مثل سيرين ، وزرنب، وخولة، والرباب، وسلمى، ورائقة، وكانت رائقة أستاذتها. فلما قدم نشيط وسائب خاثر المدينة غنيا أغاني بالفارسية، فلقنت عزة عنهما نغماً، وألفت عليها ألحاناً عجيبة، فهي أول من فتن أهل المدينة بالغناء، وحرض نساءهم ورجالهم عليه.

رأي مشايخ أهل المدينة فيها

قال إسحاق: وقال الزبير: إنه وجد مشايخ أهل المدينة إذا ذكروا عزة قالوا: لله درها! ما كان أحسن غناءها، ومد صوتها، وأندى حلقها، وأحسن ضربها بالمزاهر والمعازف وسائر الملاهي، وأجمل وجهها، وأظرف لسانها، وأقرب مجلسها، وأكرم خلقها، وأسخى نفسها، وأحسن مساعدتها.

قال إسحاق: وحدثني أبي، عن سياط، عن معبد، عن جميلة، بمثل ذلك من القول فيها.

أخذ عنها ابن سريج وابن محرز قال إسحاق: وحدثني أبي، عن يونس، قال: كان ابن سريج في حداثة سنه يأتي المدينة، فيسمع من عزة ويتعلم غناءها، ويأخذ عنها، وكان بها معجباً، وكان إذا سئل: من أحسن الناس غناء؟ قال: مولاة الأنصار المفضلة على كل من غنى وضرب بالمعازف والعيدان من الرجال والنساء.

قال: وحدثني هشام بن المرية أن ابن محرز كان يقيم بمكة ثلاثة أشهر، ويأتي المدينة فيقيم بها ثلاثة أشهر من أجل عزة، وكان يأخذ عنها.

رأي طويس فيها قال إسحاق: وحدثني الجمحي، عن جرير المغني المديني، أن طويساً كان أكثر ما يأوي إلى منزل عزة الميلاء، وكان في جوارها، وكان إذا ذكرها يقول: هي سيدة من غنى من النساء، مع جمال بارع، وخلق فاضل وإسلام لا يشوبه دنس؛ تأمر بالخير وهي من أهله، وتنهى عن السوء وهي مجانبة له، فناهيك ما كان أنبلها وأنبل مجلسها!.

ثم قال: كانت إذا جلست جلوساً عاماً فكأن الطير على رؤوس أهل مجلسها، من تكلم أو تحرك نقر رأسه.

قال ابن سلام: فما ظنك بمن يقول: فيه طويس هذا القول! ومن ذلك الذي سلم من طويس!.

سمعها معبد وقد أسنت فأعجب بها

قال إسحاق: وحدثني أبو عبد الله الأسلمي، عن معبد: أنه أتى عزة يوماً وهي عند جميلة وقد أسنت، وهي تغني على معرفة في شعر ابن الإطنابة، قال:

عللاني وعللا صاحـبـيا             واسقياني من المروق ريا

قال: فما سمع السامعون قط بشيء أحسن من ذلك. قال معبد: هذا غناؤها، وقد أسنت، فكيف بها وهي شابة!.

ابن أبي ربيعة يغشى عليه حين سمعها

قال إسحاق: وذكر لي عن صالح بن حسان الأنصاري، قال: كانت عزة مولاة لنا، وكانت عفيفة جميلة، وكان عبد الله بن جعفر، وابن أبي عتيق، وعمر بن أبي ربيعة يغشونها في منزلها فتغنيهم. وغنت يوماً عمر بن أبي ربيعة لحناً لها في شيء من شعره، فشق ثيابه، وصاح صيحة عظيمة صعق معها، فلما أفاق قال له القوم: لغيرك الجهل يا أبا الخطاب! قال: إني سمعت والله ما لم أملك معه نفسي ولا عقلي.

وقال إسحاق: وحدثني أبو عبد الله الأسلمي المدني، قال: كان حسان بن ثابت معجباً بعزة الميلاء، وكان يقدمها على سائر قيان المدينة.

غنت شعراً لحسان بن ثابت فبكى

أخبرني حرمي، عن الزبير، عن محمد بن الحسن المخزومي، عن محرز بن جعفر، قال: ختن زيد بن ثابت الأنصاري بنته، فأولم؛ فاجتمع إليه المهاجرون والأنصار وعامة أهل المدينة، وحضر حسان بن ثابت وقد كف بصره يومئذ، وثقل سمعه، وكان يقول إذا دعي: أعرس أم عذار ؟ فحضر ووضع بين يديه خوان ليس عليه إلا عبد الرحمن ابنه، فكان يسأله: أطعام يد أم يدين؟ فلم يزل يأكل حتى جاءوا بالشواء، فقال: طعام يدين؛ فأمسك يده حتى إذا فرغ من الطعام ثنيت وسادة، وأقبلت الميلاء، وهي يومئذ شابة، فوضع في حجرها مزهر، فضربت به، ثم تغنت، فكان أول ما ابتدأت به شعر حسان، قال:

فلا زال قبر بين بصرى وجلق          عليه من الوسمي جود ووابل

ابن جعفر يطلب ألا تمنع عزة من الغناء

قال إسحاق: وحدثني ابن سلام، عن ابن جعدبة، قال: كان ابن أبي عتيق معجباً بعزة الميلاء، فأتى يوماً عند عبد الله بن جعفر، فقال له: بأبي أنت وأمي! هل لك في عزة، فقد اشتقت إليها! قال: لا، أنا اليوم مشغول. فقال: بأبي أنت وأمي! إنها لا تنشط إلا بحضورك، فأقسمت عليك إلا ساعدتني وتركت شغلك، ففعل، فأتياها ورسول الأمير على بابها يقول لها: دعي الغناء، فقد ضج أهل المدينة منك، وذكروا أنك قد فتنت رجالهم ونساءهم. فقال له ابن جعفر: ارجع إلى صاحبك فقل له عني: أقسم عليك إلا ناديت في المدينة: أيما رجل فسد أو امرأة فتنت بسبب عزة إلا كشف نفسه بذلك لنعرفه، ويظهر لنا ولك أمره. فنادى الرسول بذلك، فما أظهر أحد نفسه. ودخل ابن جعفر إليها وابن أبي عتيق معه، فقال لها: لا يهولنك ما سمعت، وهاتي فغنينا، فغنته بشعر القطامي :

إنا محيوك فاسلم أيها الطـلـل           وإن بليت، وإن طالت بك الطيل

فاهتز ابن أبي عتيق طرباً، فقال عبد الله بن جعفر: ما أراني أدرك ركابك بعد أن سمعت هذا الصوت من عزة.

وقد مضت نسبة ما في هذه الأخبار من الأغاني في مواضع أخر.

صوت

من كان مسروراً بمقتل مالك          فليأت نسوتنا بوجه نـهـار

يجد النساء حواسراً يندبـنـه            قد قمن قبل تبلج الأسحـار

عروضه من الكامل. قوله:

قد قمن قبل تبلج الأسحار

يعني أنهن يندبنه في ذلك الوقت؛ وإنما خصه بالندبة لأنه وقت الغارة. يقول: فهن يذكرنه حينئذ؛ لأنه من الأوقات التي ينهض فيها للحرب والغارات. قال الله تبارك وتعالى: (فالمغيرات صبحاً) . وأما قول الخنساء :

ذكرني طلوع الشمس صخراً          وأذكره لكل غروب شمس

فإنما ذكرته عند طلوع الشمس للغارة، وعند غروبها للضيف.

الشعر للربيع بن زياد العبسي، والغناء لابن سريج، رمل بالخنصر في مجرى البنصر، عن إسحاق، والله أعلم.