عريب

عريب المأمونية
797- 890م

كان للغناء في العصر العباسي دور مؤثر وفاعل في إثراء الحياة الاجتماعية. وكان هذا العصر من دون شك عصراً ذهبياً للموسيقى والغناء، وما رافقه من انتشار هذا الفن انتشاراً يفوق الوصف بعد أن تحرر من قيود كانت تكبله في السابق، وبعد أن وجد الرعاية والتشجيع من الخلفاء والأمراء، حيث نجد سائر الفنانين يقدمون اعمالهم المختلفة من موسيقى وغناء ورقص في المحال العامة والشوارع اضافة بالطبع الى قصور الخلفاء والأمراء وبيوت الاغنياء.

وهذا ما يؤكد على نمو التذوق الفني والجمالي في هذا العصر الغني بابداعات وصور الفنون المختلفة التي سطرها اعلام كبار كان لهم بصمتهم في العصر العباسي.

من بين هؤلاء الأعلام، يبرز اسم مغنية بارعة اشتهرت كثيراً، هي المغنية المبدعة “عريب” المغنية المحسنة والشاعرة الملهمة التي كانت تتمتع بجمال باهر وظرف ظاهر، والتي تعتبر ايضاً من العازفات المبدعات على آلة العود.

مالت عريب منذ صغرها الى الغناء وتلحين الأصوات، وذلك بموهبة وحسن فني عميق وهي التي قالت عن نفسها انها كانت بنت أربع عشرة سنة عندما بدأت تصوغ الغناء وتبدع فيه.

كان لعريب مكانة كبيرة وأثيرة عند الخليفة الواثق. وهي التي كانت تكايده وتنافسه في ألحانه التي كان يصوغها سراً وعلناً. ومن المعلوم أن هذا الخليفة كان من اوائل الخلفاء الذين مارسوا الموسيقى والتلحين بشكل عملي. وعندما كان الواثق يقوم بتلحين بيت من الشعر يعجبه، تأتي عريب وتلحن هذا البيت نفسه بتمكن اكبر في الصنعة والاداء والإتقان.

من اشهر وأطرف الحوادث التي مرت في تاريخ الغناء العربي، تلك الحادثة التي تقول إن الخليفة المأمون اختلف مع احدهم في نسبة صوت من الاصوات الغنائية، ولم يتفقا على نسَبة هذا الصوت، فما كان من الخلبفة الا ان بعث الى عريب في الحضور، وكانت يومها محمومة وفي حالة شديدة من المرض والارهاق، فسألها أن تغني لحن هذا الصوت، فقامت لتجيء بالعود، فسألها المأمون ان تغنيه دون عود، فوقفت بجانب الحائط، وبدأت تشدو بالغناء الساحر. وأثناء غنائها اقبلت عقرب فلسعت يدها مرتين او ثلاثاً، ولم تحرك ساكناً حتى لا تفسد غناءها وهي امام الخليفة. وبعد ان اكملت الغناء سقطت وقد غشي عليها.

قال فيها إسحاق الموصلي: مارأيت امراة أضرب من عريب، ولا احسن صنعة ووجهاً ولا أخف روحاً .

عشقها إبراهيم بن المدبّر. وكانا يتراسلان شعراً ونثراً وأخبارهما كثيرة في كتب الأدب.

وجاء في “الأغاني” لأبي الفرج الأصفهاني: كانت عريب مغنّية محسنة، وشاعرة صالحة الشعر، وكانت مليحة الخط والمذهب في الكلام، ونهاية في الحسن والجمال والظرف، وحسن الصورة وجودة الضرب، وإتقان الصنعة والمعرفة بالنغم والأوتار، والرواية للشعر والأدب، لم يتعلق بها أحد من نظرائها، ولا رُوئي في النساء بعد القيان الحجازيات القديمات، مثل جميلة وعزة الميلاء وسلامة الزرقاء ومن جرى مجراهن – على قلة عددهن – نظير لها، وكانت فيها من الفضائل التي وصفناها ما ليس لهن مما يكون لمثلها من جواري الخلفاء، ومن نشأ في قصور الخلافة وغذي برقيق العيش، الذي لا يدانيه عيش الحجاز، والنش بين العامة والعرب الجفاة، ومن غلظ طبعه، وقد شهد لها بذلك من لا يحتاج مع شهادته إلى غيره.

أخبرني محمد بن خلف وكيع، عن حماد بن إسحاق: قال: قال لي أبي: ما رأيت امرأة أضرب من عريب، ولا أحسن صنعة ولا أحسن وجهاً، ولا أخف روحاً، ولا أحسن خطاباً، ولا أسرع جواباً، ولا ألعب بالشطرنج والنرد، ولا أجمع لخصلة حسنة لم أر مثلها في امرأة غيرها. قال حماد: فذكرت ذلك ليحيى بن أكثم في حياة أبي، فقال: صدق أبو محمد، هي كذلك، قلت: أفسمعتها؟ قال: نعم هناك، يعني في دار المأمون، قلت: أفكانت كما ذكر أبو محمد في الحِذق؟ فقال يحيى: هذه مسألة الجواب فيها على أبيك، فهو أعلم مني بها، فأخبرت بذلك أبي، فضحك، ثم قال: ما استحييت من قاضي القضاة أن تسأله عن مثل هذا.

هي وإسحاق والخليفة المعتصم: أخبرنا يحيى بن علي بن يحيى: قال: حدثني أبي، قال: قال لي إسحاق: كانت عندي صناجة كنت بها معجباً، واشتهاها أبو إسحاق المعتصم في خلافة المأمون، فبينا أنا ذات يوم في منزلي، إذ أتاني إنسان يدق الباب دقاً شديداً فقلت: انظروا من هذا؟ فقالوا: رسول أمير المؤمنين، فقلت: ذهبت صناجتي، تجده ذكرها له ذاكر، فبعث إلي فيها. فلما مضى بي الرسول انتهيت إلى الباب، وأنا مثخن، فدخلت، فسلّمت، فرد علي السلام، ونظر إلى تغير وجهي، فقال لي: أسكن، فسكنت، فقال لي: إن صوتاً وقال لي: أتدري لمن هو؟ فقلت: أسمعه، ثم أخبر أمير المؤمنين إن شاء الله ذلك، فأمر جارية من وراء الستارة، فغنته وضربت، فإذا هي قد شبهته بالغناء القديم، فقلت: زدني معها عوداً آخر، فإنه أثبت لي، فزادني عوداً آخر، فقلت: هذا الصوت محدث لامرأة ضاربة، قال: من أين قلت ذاك؟ قلت: لما سمعت لينه عرفت أنه محدث من غناء النساء، ولما رأيت جودة مقاطعه علمت أن صاحبته ضاربة، وقد حفظت مقاطعه وأجزاءه، ثم طلبت عوداً آخر، فلم أشك، فقال: صدقت، الغناء لعريب.

قال ابن المعتز: وقال يحيى بن علي: أمرني المعتمد على الله أن أجمع غناءها الذي صنعته، فأخذت منها دفاترها وصحفها التي كانت قد جمعت فيها غناءها فكتبته فكان ألف صوت.

أصواتها كماً وكيفاً: وأخبرني علي بن عبد العزيز، عن ابن خرداذبه: أنه سأل عريب عن صنعتها، فقالت: قد بلغت إلى هذا الوقت ألف صوت.

وحدثني محمد بن إبراهيم قريض أنه جمع غناءها من ديواني ابن المعتز، وأبي العبيس بن حمدون، وما أخذه عن بدعة جاريتها التي أعطاها إياها بنو هاشم، فقابل بعضه ببعض، فكان ألفاً ومائة وخمسة وعشرين صوتاً.
وذكر العتابي أن أحمد بن يحيى حدثه: قال: سمعت أبا عبد الله الهشامي يقول – وقد ذكرت صنعة عريب – : صنعتها مثل قول أبي دلف في خالد بن يزيد حيث يقول:

يا عين بكي خالداً           ألفا ويدعى واحدا

يريد أن غناءها ألف صوت في معنى واحد، فهي بمنزلة صوت واحد.