طويس

طويس
632 – 710م

هو أبو عبد المنعم عيسى بن عبد الله الذائب. وسُمّي بالذائب لترديده البيت الآتي:

قد براني الشّوق حتّى        صِرْتُ من وجدي أذوب.

وُلِدَ سنة 11 هـ، في المدينة المُنوّرة. وهو أوّل مغنٍّ وموسيقيٍّ في الإسلام، في عصر الخُلفاء الرّاشدين. تعلّم الغناء عن الرقيق الفُرس الموجودين في المدينة المنورة، فصار مُغنيًا بارعًا. وهو أوّل مَن أدخل الإيقاع في الغناء، إذ إنه كان لا يصطحب في غنائه غير الرّق. وقد اشتهر في غناء الهَزَج وكان يُضرَب فيه المَثَل، فيقال “أهزج من طويس”.

فرّ إلى السّويداء في خلافة مروان بن الحكم. وقد بقي فيها إلى أن توفي هناك سنة 92 هـ.

تتلمذ عليه أناسٌ كثيرون، أشهرهم ابن سريج والدّلال نافذ ونؤوم الضّحى وفند.

وجاء في “الأغاني” لأبي الفرج الأصفهاني: طويس لقبٌ، واسمه طاوس، مولى بني مخزوم. وهو أول من غنى الغناء المتقن من المخنثين. وهو أول من صنع الهزج والرمل في الإسلام. وكان يقال: أحسن الناس غناءً في الثقيل ابن محرز، وفي الرمل ابن سريج، وفي الهزج طويس، وكان الناس يضربون به المثل، فيقال: ” أهزج من طويس”.

غنى أبان بن عثمان بالمدينة فطرب وسأله عن عقيدته وعن سنه وعن شؤمه:

أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر والحسين بن يحيى قالا: حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن ابن الكلبي عن أبيه وأبي مسكين، قال إسحاق: وحدثني المدائني والهيثم بن عدي عن صالح بن كيسان: أن أبان بن عثمان وفد على عبد الملك بن مروان، فأمره على الحجاز؛ فأقبل حتى إذا دنا من المدينة تلقاه أهلها، وخرج إليه أشرافها، فخرج معهم طويس؛ فلما رآه سلم عليه، ثم قال له: أيها الأمير، إني كنت أعطيت الله عهداً لئن رأيتك أميراً لأخضبن يدي إلى المرفقين، ثم أزدو بالدف بين يديك، ثم أبدى عن دفه وتغنى بشعر ذي جدنٍ الحميري:

ما بال أهلك يا رباب       خزراً كأنهم غضاب

قال: فطرب أبان حتى كاد أن يطير، ثم جعل يقول له: حسبك يا طاوس – ولا يقول له: يا طويس لنبله في عينه – ثم قال له: اجلس فجلس. فقال له أبان: قد زعموا أنك كافر. فقال: جعلت فداءك! والله إني لأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وأصلي الخمس، وأصوم شهر رمضان، وأحج البيت. فقال: أفأنت أكبر أم عمرو بن عثمان؟ – وكان عمروٌ أخا أبان لأبيه وأمه – فقال له طويس: أنا والله، جعلت فداءك، مع جلائل نساء قومي، أمسك بذيولهن يوم زفت أمك المباركة إلى أبيك الطيب. قال: فاستحيا أبان ورمى بطرفه إلى الأرض.

وأخبرني بهذه القصة إسماعيل بن يونس الشيعي قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا العتبي عن أبيه بمثل هذه القصة عن أبان وطويس. وزاد فيها أن طويساً قال له: نذري أيها الأمير! قال: وما نذرك؟ قال: نذرت إن رأيتك أميراً في هذه الدار أن أغني لك وأزدو بدفي بين يديك. فقال له: أوف بنذرك؛ فإن الله عز وجل يقول: ” يوفون بالنذر “. قال: فأخرج يديه مخضوبتين، وأخرج دفه وتغنى:

ما بال أهلك يا رباب

وزاد فيه: فقال له أبان: يقولون: إنك مشؤوم، قال: وفوق ذلك! قال وما بلغ من شؤمك؟ قال: ولدت ليلة قبض النبي صلى الله عليه وسلم، وفطمت ليلة مات أبو بكر رضي الله عنه، واحتملت ليلة قتل عمر رضوان الله عليه، وزفت إلي أهلي ليلة قتل عثمان رضي الله عنه. قال: فاخرج عني عليك الدبار.

أهدر دمه أمير المدينة مع المخنثين

أخبرني إسماعيل قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا محمد بن الوليد قال حدثني مصعب بن عثمان عن نوفل بن عمارة قال: خرج يحيى بن الحكم وهو أمير على المدينة، فبصر بشخصٍ بالسبخة مما يلي مسجد الأحزاب، فلما نظر إلى يحيى بن الحكم جلس، فاستراب به، فوجه أعوانه في طلبه؛ فأتي به كأنه امرأةٌ في ثياب مصبغة مصقولة وهو ممتشطٌ مختضبٌ. فقال له أعوانه: هذا ابن نغاش المخنث. فقال له: ما أحسبك تقرأ من كتاب الله عز وجل شيئاً، اقرأ أم القرآن. فقال: يا أبانا لو عرفت أمهن لعرفت البنات. فقال له: أتتهزأ بالقرآن لا أمّ لك! وأمر به فضربت عنقه. وصاح في المخنثين: من جاء بواحدٍ منهم فله ثلاثمائة درهم. قال زرجون المخنث: فخرجت بعد ذلك أريد العالية، فإذا بصوت دفً أعجبني، فدنوت من الباب حتى فهمت نغمات قومٍ آنس بهم، ففتحته ودخلت، فإذا بطويسٍ قائمٌ في يده الدف يتغنى، فلما رآني قال لي: إيه يا زرجون! قتل يحيى بن الحكم ابن نغاش؟ قلت نعم. قال: وجعل في المخنثين ثلاثمائة درهم؟ قلت نعم. فاندفع يغني:

ما بال أهلك يا ربـابٌ         خزراً كانهم غضاب

إن زرت أهلك أوعدوا        وتهر دونهم كـلاب

ثم قال لي: ويحك! أما جعل فيّ زيادةً ولا فضلني عليهم في الجعل بفضلي شيئاً.

وقال ابن خلكان في “وفيات الأعيان“: هو الذي يضرب به المثل في الشؤم، فيقال: أشأم من طويس، وإنما قيل له ذلك لأنه ولد في اليوم الذي قبض فيه رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وفطم في اليوم الذي مات فيه أبو بكر الصديق، رضي الله عنه وختن في اليوم الذي قتل فيه عمر بن الخطاب، وقيل بلغ الحلم في ذلك اليوم، وتزوج في اليوم الذي قتل فيه عثمان بن عفان، رضي الله عنه، وولد له مولود في اليوم الذي قتل فيه علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، وقيل بل في يوم مات الحسن بن علي، رضي الله عنهما، فلذلك تشاءموا به. وهذا من عجائب الاتفاقات.

وكان مفرطاً في طوله مضطرباً في خلقه أحول العين، وكان يسكن المدينة ثم انتقل عنها إلى السويداء، وهي على مرحلتين من المدينة في طريق الشام، فلم يزل بها حتى توفي سنة اثنتين وتسعين للهجرة، رحمه الله تعالى وسامحه، وهو ابن اثنتين وثمانين سنة، وقيل إنه مات بالمدينة، والله أعلم.