سيد درويش

سـيّد درويش
1892 – 1923م

وُلِد سيد درويش في مدينة الإسكندرية، في حيّ كوم الدلّة. كان أبوه المعلّم درويش البحر يمتلك دكّانًا صغيرةً لصناعة النّجارة البلدية في حيّه.

أراد له والده أن يسلك مسلك العلم والفضل وخطّ له طريقًا يجعله في مستقبله شيخًا وموجّهًا دينيًا أو إمامًا أو مُدرّسًا. وبعد تعلّمه القراءة والكتابة وحفظه بعض أجزاء القرآن الكريم، ترك سيّد درويش الكتاب وانتسب إلى المعهد الدّيني في الإسكندرية، تنفيذًا لرغبة والده؛ وداوم في هذا المعهد سنته الأولى.

توفّيَ والده المعلّم درويش الفقير ولم يخلّف له إلا بعض الدّيون والتزام إعالة أمّه وأخته. اضّطر سيّد إلى قطع مرحلة دراسته، فخلع عمامته وجبّته وراح يبحث عن عملٍ يعيش من وارده. وأوّل عملٍ قام به هو بيع الأثاث القديم مع قريبٍ له. ثم عمل مساعدًا لبائع دقيق ثم مناولاً المونة لأحد مُبيّضي النّحاس.

كان الشيخ سيّد، خلال عمله، يترنّم بجمال صوته بألحان قديمةٍ معروفةٍ. وكان زملاؤه العُمّال، أثناء سماعهم هذه الألحان، يقبلون على عملهم بحماسةٍ ورغبةٍ لا مثيل لهما. فسُرّ به معلّمه وأمره أن يكفّ عن العمل ويكتفي بالغناء فقط. ففرح الشّيخ سيد وجلس يغنّي طول نهاره للعمّال ويشجّعهم على عملهم. وكان الغناء السّائد آنذاك أغاني عبده الحمولي ومحمد عثمان. وكانت هذه الإنطلاقة الأولى سببًا في شعور الشّيخ سيد درويش بموهبته الفنية. ويقال أيضا إنّه، في العام الثاني من دراسته في المعهد الدّيني في الإسكندرية، وجد على الرّصيف، عند بائع الكتب القديمة، كتابًا يبحث في مبادئ الموسيقى، ثمنه نصف قرشٍ. فأيقظ هذا الكتاب في نفسه مواطن الموهبة الموسيقيّة. وهناك عاملٌ ثالث نبّه فيه الشعور بالموهبة وهو إعجابه بصوت حسن الأزهري الذي كان يُدعى لإحياء الحفلات الغنائية عند الأغنياء في السّرادق. وكان سيّد درويش لا تفوته حفلة من حفلات الشيخ حسن حتى تأثّر به وصار يقلّده تقليدًا بارعًا في طريقة غنائه وأدائه. إن هذه العوامل الثّلاثة بمجموعها تُعتبر اللُّبنَة الأولى في بناء حياة الشيخ سيد درويش الفنية ومنطلقه الأوّل نحو المجد الموسيقي الفني الذي توصّل إليه.

في الفترة التي عمل فيها الشيخ سيد درويش على المسارح الرخيصة، عرف أمرين لم يكن بهما سابق معرفة: النساء وصياغة الألحان. فالتعارف الأوّل طبيعيّ. أما التعارف الثاني، فكان بحكم الموهبة المتأصّلة في نفسه وروحه، وكلاهما فطريّ بالنسبة لهذا الفنان الكبير. كما أن ألمه الكَمين في نفسه كان السّبب في أن يخرج إلى الوجود بلُغته الفلسفية النَّغمية، فيسحر بجمالها الألباب ويرقّص النّفوس. فأوّل أغنيةٍ لحّنها كانت “زوروني كُلّ سنة مرّة، حرام تنسوني بالمرّة”؛ وكانت مناسبة تأليفها أن امرأةً يحبّها قالت له هذه العبارة “ابقى زورنا يا شيخ سيّد ولو كلّ سنة مرة..”.

شعر الشّيخ سيد بتدهوره الإجتماعي إثر غرامه المتواصل من غانيةٍ إلى غانيةٍ. فقرّر أن يترك الإسكندريّة وأن يقيم في القاهرة. وفعلاً، ترك الإسكندرية عام 1917 وقرّر الإقامة في القاهرة؛ وفيها تعرّف بالمطربين والمطربات والفِرَق التّمثيلية. وهنا تغيّرت أحواله ودخل في دور الحياة الجدّية وشعَر بهذا التحسن الذي وصل إليه. وأنشد آنذاك دوره المعروف: “يوم تركت الحب كان لي في مجال الأنس جانب،

ورجع لي المجد تاني بعد ماكان عنّي غايب..”.

كانت أولى حفلات سيّد درويش في القاهرة، في مقهى الكونكورديا، وحضر هذه الحفلة أكثر فنّاني القاهرة، منهم الممثّلون والمطربون. وفي هذه الحفلة، قدّم سيد درويش دوره الخالد الذي أعدّه خصّيصًا لهذه الحفلة: “الحبيب للهجر مايل” من مقام السّازكار، وفيه خرج عن الطّريقة القديمة المألوفة في تلحين الأدوار من ناحية الآهات التي تردّدها الجوقة؛ وكانت غريبة على السّمع المألوف فانسحب أكثر الحاضرين استهجانًا لهذا اللّون الموسيقيّ الجديد الذي اعتبروه كُفرًا، في حين أنّ الفناّنين رأوا فيه تجديدًا للفنّ العربيّ الأصيل.

اشترك الشيخ سيد مع الفِرَق التمثيلية مُمثّلاً ومُغنّيًا، فعمل مع فرقة سليم عطاالله وسافر معها إلى سوريا ولبنان وفلسطين. وكان لهذه الرحلة أثر كبير في اكتسابه أصول الموسيقى العربية، إذ تتلمذ في حلب على الشيخ عثمان الموصلي العراقي. ويقول الشيخ محمود مرسي إن الشيخ سيد عاد بعد هذه الرحلة أستاذًا كبيرًا في ميدان الموسيقى العربيّة.

سافر مرّةً ثانيةً مع فرقة جورج أبيض إلى البلاد السّورية، فأعاد الصّلات الفنّية بينه وبين موسيقييها واكتسب من أساتذتها ما افتقر إليه من ألوان المعرفة. ولمّا عاد إلى القاهرة في هذه المرّة رسم لنفسه خطّةً جديدةً في ميدانه الغنائي والمسرحيّ، فلحّن معظم أدواره وموشّحاته الخالدة التي عرّفت الناس بمدرسته الإبداعية الجديدة.

هذه الموشّحات والأدوار اشتهرت شهرة كبيرة في سائر البلاد العربية وأصبحت المادّة الثقافية الفنية لكلّ فنّانٍ ومتفنّنٍ، وأصبح قياس المعرفة الموسيقية هو حفظ ألحان الشيخ سيد وأدواره وموشّحاته وأهازيجه.

اقتبس سيّد درويش من أقوال الزّعيم مصطفى كمال بعض عباراته، وجعل منها مطلعًا لنشيدٍ وطنيٍّ: “بلادي بلادي بلادي، لكِ حُبّي وفؤادي”. ولحّن أيضًا نشيدًا وطنيًا من نظم مصطفى صادق الرّافعي، ومطلعه: ” بني مصر مكانكم تهيّأ فهيّا مهّدوا للملك، هيّا خُذوا شمس النّهار حليا”. كما لحّن في مناسبةٍ أخرى أناشيد وطنيةً أخرى. كما عالج الشّيخ سيّد في أغانيه الموضوع الإجتماعي في غلاء المعيشة والسّوق السّوداء. وهكذا نجد أن الشيخ سيد استطاع أن يدرك ويلمس سائر الأمراض الإجتماعية وأن يسهم في الميدان الوطني إسهامًا كبيرًا. فكانت أغانيه الوطنية يغنّيها الشعب بكلّ حواسه وقلبه ومشاعره.

ولم يكن أثر الشيخ سيد في ميدان التّمثيل والأوبرا العربية بأقل من أثره في ميدان الموسيقى والموشح والدّور والطقطوقة والمونولوج الشعبي والأناشيد الوطنية وغيره من ألوان الغناء العربي. فقد أضاف إلى هذه المآثر مأثرة جديدة وهي تلحين الأوبّرا.

وأوّل لحنٍ له كان “أوبرا شهرزاد”. ظهرت هذه الأوبّرا للمرّة الأولى في أواخر عام 1920 وأوائل العام 1921، وكان انقلابها بدء انقلاب جديدٍ في عالم الموسيقى العربية والألحان المسرحية. كما لحّن أوبرا “العشرة الطّيبة”. ألّف هذه الأوبرا محمّد تيمور ونظم أغانيها بديع خيري وألّف نجيب الريحاني فرقةً تمثيليّةً خاصّةً برآسة عزيز عيد لإخراجها وكلّف الشّيخ سيّد بتلحين محاورتها وأغانيها. ولحّن أوبّرا “البروكة” وهذه التسمية هي اصطلاح فنّي يُقصَد به الشعَّر المُستَعار الذي يضعه الممثّلون على رؤوسهم. ولحّن أوبّرا “كليوباترا وأنطونيو”. اقتبس هذه الأوبّرا للمسرح العربيّ الأستاذان سليم نخلة ويونس القاضي وقدّماها للسّيدة منيرة المهدية التي قدّمتها بدورها لسيد درويش لوضع موسيقاها. ولكنّه لم يلحّن منها إلاّ الفصل الأوّل، وقد حاول إتمام تلحينها في فصليها الثّاني والثّالث الأستاذ محمد عبد الوهاب.

الخلاصة، إنّ ألحان الشيخ سيد للأوبرات بلغ عددها العشرين؛ منها التي لحّنها لفرقة نجيب الريحاني وفرقة منيرة المهدية وغيرهما. وتبلغ مجموعها مائتيّ لحن، بالإضافة إلى الأدوار والموشّحات والأناشيد الوطنية والمونولوجات وغيرها من الألحان والأهازيج التي قدّمها الشيخ سيد للموسيقى العربية.

لقد كان هدف الموسيقى المصريّة قبل الشيخ سيّد الطّرب فقط، ولكن الشيخ سيد جعل منها مهنة أكبر وهي استخدام هذا الفن العظيم في الجهاد الوطني والإصلاح الإجتماعي، بالإضافة إلى ناحية التّطريب في الموسيقى والغناء العربي، على أنّ الطريقة التي سار عليها الشيخ سيد في ألحانه للأوبّرا كانت منهجية صحيحة وكأنّه متخرّج من أرفع المعاهد الموسيقية.

رحل سيد درويش وهو في قمّة تألقه الفني، وفي العقد الثالث من العمر. رحل إذ باغته الموت، فهوى كما تهوي النُّجوم، تاركًا وراءه أثرًا لن تمحوه الأيّام والسّنون.