سياط

سـياط
739 – 785م

هو أبو وهب عبد الله بن وهب، أحد موالي ابن خزاعة. وُلِدَ في مكّـة المكرّمة سنة 122 هـ. تتلمذ على أستاذين قديرين هُما يونس الكاتب وبردان، حتّى أصبح من أمهر الموسيقييّن والمغنّين في عصره. وفاق في العزف والغناء أساتذته الذين تَتلمذ على أيديهم.

كان يجيد الضّرب على العود؛ وفي الوقت نفسه، كان ملحنًا ممتازًا. ورد بغداد أثناء خلافة المهدي واتّصل به فقرّبه إليه ولقي منه تشجيعًا.

توفي سنة 196 هـ.

من أشهر تلاميذه: إبراهيم الموصلي وابن جامع.

وورد في “الأغاني” لأبي الفرج الأصفهاني: سياط لقب غلب عليه، واسمه عبدالله بن وهب، ويكنى أبا وهب، مكي مولى خزاعة. وكان مقدماً في الغناء رواية وصنعة، ومقدماً في الضرب معدوداً في الضراب. وهو أستاذ ابن جامع وإبراهيم الموصلي، وعنه أخذا ونقلا ونقل نظراؤهما الغناء القديم، وأخذه هو عن يونس الكاتب. وكان سياط زوج أم ابن جامع. وفيه يقول بعضر الشعراء:

ماسمعت الغناء إلا شجانـي        من سياط وزاد في وسواسي

غنني ياسياط قد ذهب اللـي        ل غناءً يطيرمنه نعـاسـي

ما أبالي إذاسمعـت غـنـاءً          لسياط مافاتني للـرؤاسـي

والرؤاسي الذي عناه هو عباس بن منقار، وهو من بني رؤاس. وفيه يقول محمد بن أبان الضبي:

إذا واخيت عـبـاسـاً                فكن منه على وجـل

فتى لايقبل الـعـذر                 ولايرغب في الوصل

وما إن يتغنـى مـن                يواخيه من النـبـل

قال حماد بن إسحاق: لقب سياط هذا اللقب لأنه كان كثيراً ما يتغنى:

كأن مزاحف الحيات فيه         قبيل الصبح آثار السياط

وأخبرني محمد بن خلف قال حدثني هارون بن مخارق عن أبيه، وأخبرني به عبدالله بن عباس بن الفضل بن الربيع الربيعي عن وسواسة الموصلي ولم أسمع أنا هذا الخبر من وسواسةعن حماد عن أبيه، قالا : غنى إبراهيم الموصلي يوماً صوتاً لسياط، فقال له ابنه إسحاق: لمن هذا الغناء يا أبت؟ قال: لمن لو عاش ما وجد أبوك شيئاً يأكله، لسياط. قال: وقال المهدي يوماً وهو يشرب لسلام الأبرش : جئني بسياط وعقاب وحبال، فارتاع كل من حضر وظن جميعهم أنه يريد الإيقاع بهم أو ببعضهم، فجاءه بسياط المغني وعقاب المدني وكان الذي يوقع عليه وحبال الزامر. فجعل الجلساء يشتمونهم والمهدي يضحك.

أخبرني محمد بن خلف قال حدثني أبو أيوب المدني قال حدثني حماد بن إسحاق عن أبيه قال: مر سياط على أبي ريحانة المدني في يوم بارد وهو جالس في الشمس وعليه ثوب رقيق رث، فوثب إليه أبو ريحانة وقال: بأبي أنت يا أبا وهب، غنني صوتك في شعر ابن جندب:

فؤادي رهين في هواك ومهجتي        تذوب وأجفاني عليك هـمـول

فغناه إياه، فشق قميصه ورجع إلى موضعه من الشمس وقد ازداد برداً وجهداً. فقال له رجل: ما أغنى عنك ما غناك من شق قميصك فقال له يابن أخي، إن الشعر الحسن من المغني الحسن في الصوت المطرب أدفأ للمقرور من حمام محمى. فقال له رجل: أنت عندي من الذين قال الله جل وعز: “فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين”.

فقال: بل أنا من الذين قال تبارك وتعالى: “الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه”. وقد أخبرني بهذا الخبر علي بن عبد العزيز عن ابن خرداذبه فذكر قريباً من هذا، ولفظ أبي أيوب وخبره أتم.

وأخبرني إسماعيل بن يونس الشيعي، المعروف بابن أبي اليسع، قالحدثنا عمر بن شبة: أن سياطاً مر بأبي ريحانة المدني، فقال له: بحق القبر ومن غنني بلحنك في شعر ابن جندب:

لكل حمام أنـت بـاك إذا بـكـى          ودمعك منهل وقلـبـك يخـفـق

مخافة بعد بعد قـرب وهـجـرة          تكون ولما تأت والقلب مشـفـق

ولي مهجة ترفض من خوف عتبها     وقلب بنارالحب يصلى ويحـرق

أظل خليعاً بين أهلـي مـتـيمـاً           وقلبي لما يرجوه منها مـعـلـق

فغناه إياه، فلما استوفاه ضرب بيده على قميصه فشقه حتى خرج منه وغشي عليه. فقال له رجل لما أفاق: يا أبا ريحانة، ما أغنى عنك الغناء، ثم ذكر باقي الخبر مثل ما تقدم.

أخبرني إسماعيل قال حدثني عمر بن شبة قال: مرت جارية بأبي ريحانة يوماً على ظهرها قربة وهي تغني وتقول:

وأبكى فلا ليلى بكت من صبابة        إلي ولا ليلى لذي الود تبـذل

وأخنع بالعتبى إذا كنت مذنبـاً          وإن أذنبت كنت الذي أتنصـل

فقام إليها فقال: يا سيدتي أعيدي فقالت: مولاتي تنتظرني والقربة على ظهري، فقال: أنا أحملها عنك، فدفعتها إليه فحملها، وغنته الصوت، فطرب فرمى بالقربة فشقها. فقالت له الجارية: أمن حقي أن أغنيك وتشق قربتي فقال لها: لا عليك، تعالي معي إلى السوق، فجاءت معه فباع ملحفته واشترى لها بثمنها قربة جديدة. فقال له رجل: يا أبا ريحانة، أنت والله كما قال الله عز وجل: “فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين”، فقال: بل أنا كما قال الله عز وجل: “الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه”.

أخبرني الحسين بن القاسم الكوكبي قال حدثني أبو العيناء قال قال إسحاق الموصلي: بلغني أن أبا ريحانة المدني كان جالساً في يوم شديد البرد وعليه قميص خلق رقيق، فمر به سياط المغني فوثب إليه وأخذ بلجامه وقال له: يا سيدي، بحق القبر ومن فيه غنني صوت ابن جندب، فغناه :

فؤادي رهين في هواك ومهجتي       تذوب وأجفاني عليك هـمـول

فشق قميصه حتى خرج منه وبقي عارياً وغشي عليه، واجتمع الناس حوله وسياط واقف متعجب مما فعل. ثم أفاق وقام إليه، فرحمه سياط وقال له: مالك يا مشئوم؟ أي شيء تريد. قال: غنني بالله عليك:

ودع أمامة حان منك رحيل            إن الوداع لمن تحب قلـيل

مثل القضيب تمايلت أعطافه           فالريح تجذب متنه فيمـيل

إن كان شأنكم الدلال فإنـه             حسن دلالك يا أميم جمـيل

فغناه إياه، فلطم وجهه ثم خرج الدم من أنفه ووقع صريعاً. ومضى سياط، وحمل الناس أبا ريحانة إلى الشمس. فلما أفاق قيل له: ويحك خرقت قميصك وليس لك غيره فقال: دعوني، فإن الغناء الحسن من المغني المطرب أدفأ للمقرور من حمام المهدي إذا أوقد سبعة أيام. قال: ووجه له سياط بقميص وجبة وسراويل وعمامة. أخبرني يحيى بن علي بن يحيى قال حدثني أبو أيوب المدني قال حدثني محمد بن عبدالله الخزاعي وحماد بن إسحاق جميعاً عن إسحاق قال: كان سياط أستاذ أبي وأستاذ ابن جامع ومن كان في ذلك العصر. فاعتل علةً، فجاءه أبي وابن جامع يعودانه.

فقال له أبي: أغزز علي بعلتك أبا وهب، ولو كانت مما يفتدى لفديتك منها. قال: كيف كنت لكم؟ قلنا: نعم الأستاذ والسيد. قال: قد غنيت لنفسي ستين صوتاً فأحب ألا تغيروها ولا تنتحلوها. فقال له أبي: أفعل ذلك يا أبا وهب، ولكن أي ذلك كرهت: أن يكون في غنائك فضل فأقصر عنه فيعرف فضلك عليم فيه، أو أن يكون فيه نقص فأحسنه فينسب إحساني إليك ويأخذه الناس عني لك؟ قال، :لقد استعفيت سن غير مكروه. قال الخزاعي فيب خبره: ثم قال لي إسحاق: كان سياط خزاعياً، وكان له زامر يقال له حبال، وضارب يقال له عقاب. قال حماد قال أبي: أدركت أربعة كانوا أحسن الناس غناء، سياط أحدهم. قال: وكان موته في أول أيام موسى الهادي.

أخبرني يحيى قال حدثنا أبو أيوب عن مصعب قال: دخل ابن جامع على سياط وقد نزل به الموت، فقال له: ألك حاجة. فقال: نعم، لا تزد في غنائي شيئاً ولا تنقص منه، دعه رأساً برأس، فإنما هو ثمانية عشر صوتاً.

أخبرنا محمد بن مزيد قال حدثنا حماد قال حدثني محمد بن حديد أخو النضر بن حديد: أن إخواناً لسياط دعوه، فأقام عندهم وبات ، فأصبحوا فوجدوه ميتاً في منزلهم، فجاءوا إلى أمه وقالوا: يا هذه، إنا دعونا ابنك لنكرمه ونسر به ونأنس بقربه فمات فجأة، وها نحن بين يديك فاحتكمي ما شئت، ونشدناك الله ألا تعرضينا للسلطان أو تدعي فيه علينا ما لم نفعله. فقالت: ما كنت لأفعل، وقد صدقتم، وهكذا مات أبوه فجأة. قال: فجاءت معنا فحملته إلى منزلها فأصلحت أمره ودفنته.