سلامة القس

سلامة القس

هي إحدى جواري المدينة المنورة ومن قيان سهيل من بني زهرة.

سميت بسلامة القس لأن عبد الرحمن بن أبي عمار المعروف بالقس، كان من أشهر زهاد مكة المكرمة. سمع ذات يوم غناءها فافتتن بها فظل يحارب هواه ويكظمه حتى تغلب حبه عليه فافتضح أمره في شعره وصار حديث العام والخاص عند أهل الحجاز.

جاء ذكرها في “الأغاني” لأبي الفرج الأصفهاني: كانت سلامة مولدة من مولدات المدينة وبها نشأت. وأخذت الغناء عن معبد وابن عائشة وجميلة ومالك بن أبي السمح وذويهم فمهرت. وإنما سميت سلامة القس لأن رجلاً يعرف بعبد الرحمن بن أبي عمار الجشمي من قراء أهل مكة، وكان يلقب بالقس لعبادته، شغف بها وشهر، فغلب عليها لقبه. واشتراها يزيد بن عبد الملك في خلافة سليمان، وعاشت بعده، وكانت إحدى من اتهم به الوليد من جواري أبيه حين قال له قتلته: ننقم عليك أنك تطأ جواري أبيك. وقد ذكرنا ذلك في خبر مقتله.

أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه قال: كانت حبابة وسلامة القس من قيان أهل المدينة، وكانتا حاذقتين ظريفتين ضاربتين وكانت سلامة أحسنهما غناءً، وحبابة أحسنهما وجهاً، وكانت سلامة تقول الشعر، وكانت حبابة تتعاطاه فلا تحسن. وأخبرني بذلك المدائني عن جرير.

وحدثني الزبيري قال حدثني من رأى سلامة قال: ما رأيت من قيان المدينة فتاةً ولا عجوزاً أحسن غناءً من سلامة. وعن جميلة أخذت الغناء.

حدثني أحمد بن عبيد الله بن عمار وإسماعيل بن يونس قالا حدثنا أبو زيد عمر بن شبة قال حدثني المدائني قال: كانت حبابة وسلامة قينتين بالمدينة، أما سلامة فكانت لسهيل بن عبد الرحمن، ولها يقول ابن قيس الرقيات:

لقد فتنت ريا وسلامة الـقـسـا         فلم تتركا للقس عقلاً ولا نفسـا

فتاتان أما منهما فـشـبـيهة ال         هلال وأخرى منهما تشبه الشمسا

وغناه مالك بن أبي السمح. وفيها يقول ابن قيس الرقيات:

أختان إحداهما كالشمس طالـعةً       في يوم دجنٍ وأخرى تشبه القمرا

قال: وفتن القس بسلامة، وفيها يقول:

أهابك أن أقول بذلت نفسي          ولو أني أطيع القلب قالا

حياءً منك حتى سل جسمي          وشق علي كتماني وطالا

قال: والقس هو عبد الرحمن بن أبي عمار من بني جشم بن معاوية، وكان منزله بمكة. وكان سبب افتتانه بها فيما حدثني خلاد الأرقط قال سمعت من شيوخنا أهل مكة يقولون: كان القس من أعبد أهل مكة، وكان يشبه بعطاء بن أبي رباح، وأنه سمع غناء سلامة القس على غير تعمد منه لذلك. فبلغ غناؤها منه كل مبلغ، فرآه مولاها فقال له: هل لك أن أخرجها إليك أو تدخل فتسمع، فأبى. فقال مولاها: أنا أقعدها في موضع تسمع غناءها ولا تراها فأبى، فلم يزل به حتى دخل فأسمعه غناءها فأعجبه. فقال له: هل لك في أن أخرجها إليك؟ فأبى. فلم يزل به حتى أخرجها فأقعدها بين يديه، فتغنت فشغف بها وشغفت به، وعرف ذلك أهل مكة. فقالت له يوماً: أنا والله أحبك.

قال: وأنا والله أحبك. قالت: وأحب أن أضع فمي على فمك. قال: وأنا والله أحب ذاك. قالت: فما يمنعك، فوالله إن الموضع لخالٍ. قال: إني سمعت الله عز وجل يقول: “الأخلاء يؤمئذٍ بعضهم لبعض عدوٌّ إلا المتقين” وأنا أكره أن تكون خلة ما بيني وبينك تؤول إلى عداوة. ثم قام وانصرف وعاد إلى ما كان عليه من النسك، وقال من فوره فيها:

إن التي طرقتك بـين ركـائبٍ          تمشي بمزهرها وأنت حـرام

لتصيد قلبـك أو جـزاء مـودةٍ          إن الرفيق له عـلـيك ذمـام

باتت تعللنا وتحـسـب أنـنـا            في ذاك أيقاظ ونـحـن نـيام

حتى إذا سطع الضياء لناظـرٍ         فإذا وذلـك بـينـنـا أحـلام

قد كنت أعذل في السفاهة أهلها       فاعجب لما تـأتـى بـه الأيام

فاليوم أعذرهم وأعلـم أنـمـا           سبل الضلالة والهدى أقـسـام

ومن قوله فيها:

ألم ترها لا يبعـد الـلـه دارهـا         إذا رجعت في صوتها كيف تصنع

تمد نظام الـقـول ثـم تـرده            إلى صلصلٍ في صوتها يترجع

وفيها يقول:

ألا قل لهذا القلب هل أنت مبصر      وهل أنت عن سلامة اليوم مقصر

ألا ليت أني حين صارت بها النوى    جليسٌ لسلمى كلما عج مـزهـر

وقال في قصيدةٍ له:

سلام ويحك هل تحيين من ماتـا        أو ترجعين على المحزون ما فاتا

وقال أيضاً:

سلام هل لي منكم ناصر             أم هل لقلبي عنكم زاجر

قد سمع الناس بوجدي بكم            فمنهم اللائم والـعـاذر

في أشعار كثيرة يطول ذكرها.